الهجرة الى أوروبا تتحول إلى ورقة سياسية

يلح الكثير من المسؤولين في أوروبا على عدم تكرار نفس سيناريو سنة 2015 ” من أبرزهم “إيمانويل ماكرون”، وبعض قادة حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من بينهم “أرمن لاشيت” المرشح لخلافتها، إذ يتضح من خلال ما يدور من نقاشات وحوارات أوروبية، أن الوضع السياسي غير مهيأ تماما لتكرار ما حدث سابقا. ومرة أخرى تجد أوروبا نفسها معنية بتقديم الحلول اللازمة لأزمة اللاجئين الأفغان الجديدة .

استغلال اليمين المتطرف في أوروبا إلى سياسات قبول المهاجرين

وجدت دول أوروبا نفسها أمام مأزق حقيقي مع بروز قضية اللاجئين الأفغان في ظروف انتخابية استثنائية، فمثلا نجد أن ألمانيا تستعد لاختيار مستشار جديد لها، ومن المرجح أن لا تتكرر نفس سياسات ميركل باستقبال أكبر عدد من اللاجئين، وهو ما أقره البرلمان عندما صوت لصالح قانون يقضي بتحديد الأشخاص المستفيدين من اللجوء، أما فرنسا فقد وجدت زعيمة اليمين المتطرف “مارين لوبان” الفرصة سانحة للعب ورقة اللاجئين والمهاجرين مرة أخرى، حينما صرحت بأن التطورات الحالية في أفغانستان ستقود لمواجهة هجمات إرهابية محتملة، مثلما أشارت بأن بلادها ستغرق بفعل استمرار قدوم المهاجرين، وفي تعليقها على إنشاء الاتحاد الأوروبي وكالة متخصصة بقضايا اللجوء فقد اتهمت السلطات الحالية بتسببها في “إغراق أوروبا” بالمهاجرين. علما بأن “لوبان” كان لها مواقف معادية للمهاجرين والإسلام وفكرة الاتحاد الأوروبي، وقد استخدمت خطابها المعادي للهجرة مرارا أثناء حملاتها وأنشطتها السياسية.

أيد “ماتيو سالفيني” زعيم حزب الرابطة الإيطالي توفير ممرات آمنة للنساء والأطفال المتواجدين في خطر، رافضا فسح المجال لآلاف الرجال الذين قد يكون بينهم إرهابيون محتملون. أما عن النمسا فقد أكد المستشار “سيباستيان كورتز” على ضرورة ترحيل المهاجرين بعيدا، موضحا بأن عمليات الترحيل ستستمر كما أن سياسته تجاههم لن تتغير.

نظرا للحسابات الانتخابية والسياسية في بعض الدول الأوروبية في سنة 2021، فقد لا يكون بوسع أي زعيم أوروبي تبني سياسة لجوء جريئة كالتي اتخذتها ميركل في عهدتها، ونظرا كذلك للعتب الكبير الذي لدى الأوروبيين على واشنطن التي يعتقدون أنها تخلت عنهم مثلما فعلت سابقا، ولا يريدون تحمل مسؤولية الانسحاب الأميركي من أفغانستان.

تركيا وبيلاروسيا واستخدام ورقة الضغط “ملف الهجرة”

يعتقد متابعون للشأن التركي بخصوص أزمة الهجرة الحالية أنه غالبًا ما استخدم أردوغان ملف المهاجرين كوسيلة ضغط في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، بينما تنفذ شرطته منذ مدة عمليات قاسية للسيطرة على أعداد المهاجرين في البلاد، هذا وحذر أردوغان المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عبر الهاتف من أن بلاده “لن تكون قادرة على تحمل العبء الإضافي” في حالة حدوث موجة جديدة من الهجرة من أفغانستان. ففي عملية واحدة في يوليو 2021 ، اعتقل أكثر من 1400 أفغاني عبروا الحدود التركية ودفعهم حرس الحدود التركي والشرطة العسكرية للعودة. كما اعتُقل المئات غيرهم.

عززت تركيا كرد فعل استباقي حدودها أمام إمكانية أن تشهد أراضيها تدفقا للاجئين الأفغان، ممن يقومون برحلة عبر إيران تستغرق أسابيع سيرا على الأقدام قبيل الوصول للحدود التركية، إلا أنهم سيواجهون جدارا ارتفاعه 03 م أو خنادق أو أسلاكا شائكة، علما بأن أنقرة قد بدأت في تعزيز الإجراءات على الحدود عندما بدأت حركة طالبان بالتقدم في أفغانستان وسيطرتها على كابول، هذا وتعتزم السلطات إضافة 64 كلم أخرى بحلول نهاية 2021 إلى جدار حدودي بدأت في إنشائه سنة 2017. وستغطي الخنادق والأسلاك والدوريات الأمنية على مدار الساعة بقية الحدود التي يبلغ طولها 560 كلم.

اعتبر المراقبون تصريحات رئيس بلاروسيا حول علاقة بلاده مع الاتحاد الأوروبي بمثابة تهديد مباشر، على غرار ما كان يفعله الرئيس التركي أردوغان في السنوات الأخيرة، الذي يعتقد بأنه استغل ملف المهاجرين للحصول على تنازلات سياسية واقتصادية من الاتحاد، والسعي لغض أوروبا الطرف عن الملفات الداخلية لأنقرة، في مجال الشمولية السياسية والاعتداء على حقوق الإنسان والتدخل في شؤون الآخرين.

أبدى رئيس بلاروسيا قلقه من أن تصبح بلاده وكرا للمهاجرين غير الشرعيين الفارين من الحروب، والراغبين في الهجرة إلى أوروبا، في وقت تحتاج فيه ألمانيا وباقي الدول الأوربية إلى عمالة رخيصة، هذا وتسعى بيلاروسيا لإغلاق حدودها البرية أمام مرور البضائع التجارية من دول الاتحاد الأوروبي نحو روسيا والصين، وهي بالتالي تعد ورقة ضغط اقتصادية مباشرة إلى جانب ملف المهجرين.

مقارنة بتركيا يبدو التهديد البلاروسي أكثر خطورة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، رغم أن أعداد المهاجرين غير الشرعيين في بلاروسيا لا تزيد عن نصف مليون مهاجر، مقابل قرابة أربعة ملايين في تركيا، إلا أن حدود بيلاروسيا مع دول المنظومة الأوروبية أوسع بما لا يُقاس مع ما لتركيا من حدود. فحدود بلاروسيا مع كل من لاتفيا وليتوانيا وأوكرانيا وبولندا تمتد لقرابة 2000 كلم، وهي تعتبر مسافة كبيرة يصعب على المنظومة الأمنية الأوروبية ضبطها.

تقييم إلى علاقة الهجرة بالتطرف وبالاعتداءات الإرهابية في أوروبا

تجد أوروبا نفسها أمام تهديدات إرهابية غير مسبوقة، سواء من المتسللين في موجة اللاجئين، أو تجنيد الإرهابيين لشباب موجودين على أراضيها لاستغلالهم كـ”ذئاب منفردة”، أو في نشر الإرهاب بها عبر الإنترنت، وتحسبا لموجة متوقعة من اللاجئين الأفغان تستعد أوروبا لتدفع عن نفسها الخطر خشية أن تحمل بداخلها إرهابيين متخفين، فقد وصل الأمر ببعض المسؤولين الأوروبيين التأكيد أن بلادهم لن تفتح أبوابها أمامهم. إذ بدت المخاوف واضحة في الاجتماع الأخير لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي في شهر أغسطس 2021، حيث طالبت بعض الدول بمنع تدفق المهاجرين إلى أوروبا تجنبا لسيناريوهات عام 2015 .

شدد رئيس وكالة فرونتكس “فابريس ليغيري” على أن تحمي أوروبا نفسها من استقبال أشخاص على صلة بحركات إرهابية، مثلما أعلن رئيس الوزراء السلوفيني، يانيز يانشا، الذي تتولى بلاده رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي، أن أوروبا لن تفتح أبوابها أمام الفارين من أفغانستان. في حين أوضح رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون أن بلده تدين بالكثير للذين عملوا مع الجيش في أفغانستان، مصمما على منحهم كل الدعم الذي يحتاجونه لإعادة بناء حياتهم في بريطانيا.

دعا بعض النقاد إثر هجوم مدينة فورتسبورغ بألمانيا في 25 يونيو2021، لمناقشة جادة حول أعمال العنف التي يرتكبها طالبو اللجوء، إذ أكد “بوريس بالمر” رئيس بلدية توبنغن، أنه عندما يتعلق الأمر بجرائم قتل يقوم بها يمنيون متطرفون مثل تلك التي وقعت في هانو في فبراير 2020، فالتركيز من قبل اليمين يكون على الجاني المضطرب عقليا بمفرده، أما اليسار فيركز على النظام بأكمله” وفي حال جرائم القتل المرتكبة من قبل طالبي لجوء، فالأمر يكون بالعكس تماما.

أمثلة عن بعض الجرائم والاعتداءات الإرهابية ذات الصلة بالمهاجرين سنة 2020

ارتكبت في فرنسا هجمات إرهابية لها علاقة بمهاجرين غير شرعيين أو لاجئين، ففي 4 أبريل 2020 : طعن «عبد الله أحمد عثمان» عدة أشخاص بسكين في مدينة ليون، شرق فرنسا، وهو لاجئ سوداني الجنسية. في 16 أكتوبر 2020 : شاب من أصل شيشاني قام بقطع رأس المدرس صامويل باتي بإحدى ضواحي باريس ، وفي 29 أكتوبر 2020 : قام تونسي مهاجر غير شرعي بقتل 3 أشخاص بسكين في كنيسة بمدينة نيس ، أما في بريطانيا ففي 21 يونيو 2020 : طعن «خيري سعد الله» 03 أشخاص في حديقة بمدينة «ريدينغ» غرب لندن. وهو ليبى الأصل بريطانى الجنسية، أما في النمسا وقع هجوم إرهابي في 2 نوفمبر 2020 ، ذو دوافع اسلاماوية متطرفة في العاصمة فيينا، أحد منفذي العملية من أصل ألباني، يحمل جنسيتي النمسا ومقدونيا الشمالية.

أعلن وزير الداخلية الفرنسية “جيرالد دارمانان” بأن الحكومة طلبت من مكتب “الأوفبرا” سحب إقامات اللجوء لـ147 شخصا لديهم توجهات مرتبطة بالتطرف منذ مطلع سنة 2021 ، مطالبا بسحب صفة اللجوء من 147 شخصا من المتطرفين، يشتبه بارتكابهم أعمال تخل بالنظام العام.

تقييم إلى مستقبل الهجرة في الاتحاد الأوروبي

أعتقد أن الوضع في أفغانستان قد خلق أزمة داخلية أوروبية أوروبية، وانقسامات واضحة في الآراء وحتى في الإجراءات المستقبلية حول طريقة توزيع المهاجرين الذين تم إجلاؤهم بين الدول الغربية، وطريقة التعامل مع موجة لجوء محتملة، فحسب تقديرات المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين فقد تصل لحوالي نصف مليون لاجئ، في وقت تتحدث بعض التقديرات الغربية المتشائمة عن 5 ملايين على المدى البعيد.

أجد أن أكثر سيناريو محتمل لازمة اللاجئين الأفغان في الفترة القادمة هو ما قدمته الداخلية الألمانية، إذ قالت إن التطورات الأخيرة في أفغانستان قد تؤدي لوصول ما بين 300 ألف و5 ملايين لاجئ إلى أوروبا، أمام هذا التخوف سستتجه دول الاتحاد الأوروبي إلى تسقيف عدد اللاجئين وقد تسعى للتفاوض مع تركيا لإيجاد حل مؤقت بإقامة مخيمات لاجئين إضافية مقابل رفع العقوبات الشكلية السابقة، إلى غاية القيام بعملية الغربلة من

المتطرفين وذوي العلاقة بالحركات الإرهابية وما شابه، حتى لا تقع في نفس المعضلة التي حدثت سنة 2015 ، إضافة إلى ذلك سيقدم الاتحاد الأوروبي لبعض الدول المجاورة لأفغانستان المساعدات اللازمة من أجل استضافة اللاجئين الفارين من أفغانستان الذين يقبعون في الحدود حاليا.

جدير بالذكر أن سياسات الحد من استقبال المهاجرين وترحيل طالبي اللجوء لم تقتصر فقط على الحكومات الأوروبية ذات الطابع اليميني، إذ نجد قرارات الحكومة الدنماركية، المحسوبة على اليسار، مثيرة للجدل في الكثير من الأحيان. إذ أعلنت حكومة كوبنهاغن عن نيتها إعادة أعداد كبيرة من طالبي اللجوء إلى بلدانهم الأم، حتى أنها باتت تفكر بإنشاء مراكز لاستقبال طلبات اللجوء في بلدان ثالثة، حيث يقوم المهاجرون بطلب اللجوء والانتظار للحصول على الموافقة.

الهوامش:

بين تحذيرات اليمين المتطرف والحسابات الانتخابية.. مخاوف أوروبية من موجة هجرة جديدة قادمة من أفغانستان

https://bit.ly/3hb9AhT

السلطات التركية تعتقل اللاجئين الأفغان.. وترحلهم بالقوة

https://bit.ly/3yS53XQ

تركيا تعتزم تعزيز حدودها ببناء جدار بطول 64 كلم لمنع تدفق اللاجئين الأفغان

https://bit.ly/2VkINrI

على خطى تركيا.. بيلاروسيا تشهر ورقة المهاجرين في وجه أوروبا

https://bit.ly/38LVdft

تهديدات تلوح في الأفق.. أوروبا تترقب دوامة من الإرهاب

https://bit.ly/3hbZ0r3

ألمانيا: بعد اعتداء فورتسبورغ مطالبات بمراجعة قانون اللجوء!

https://bit.ly/38KHN3g

قائمة العمليات الإرهابية للجماعات المتطرفة في أوروبا لعام

http://2020 https://bit.ly/3A97tmt

الإرهاب في فرنسا.. وزير الداخلية يطالب بسحب إقامات لجوء أكثر من 145 شخصا من المتطرفين

https://bit.ly/3yP2ipZ

ملف اللاجئين الأفغان يلقي بثقله على ألمانيا وأوروبا

https://bit.ly/3hb7DlG

 

.

رابط المصدر:

https://www.europarabct.com/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d8%aa%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d9%88%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%af%d8%a7%d8%ae%d9%84-%d8%a3%d9%88%d8%b1%d9%88/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M