- شكَّلت أحداث الساحل السوري مُنعطفاً خطراً في المسار الانتقالي بسورية، إذ عمّقت المجازر بحق العلويين انعدام الثقة بين الإدارة الجديدة والمكونات الأخرى، وبخاصة الدروز والأكراد. وكشفت عن تناقض جوهري في سياسة الرئيس المؤقت أحمد الشَّرع.
- أدَّت أحداث الساحل السوري إلى تباطؤ المسار الدولي لرفع العقوبات عن سورية، وأثّرت في المراجعة التي تجريها الإدارة الأمريكية حيال سورية. في حين استغلت روسيا الأزمة لتعزيز نفوذها في سورية والضغط على إدارة الشَّرع لتليين موقفها بخصوص مفاوضات القاعدتين الروسيتين.
- أطلقت مجازر الساحل سلسلة من الضغوط الدولية على إدارة أحمد الشَّرع، كما دفعت القوى الكبرى إلى رفع مسألة المقاتلين الأجانب إلى رأس أولويات التعامل مع الوضع في سورية. وصبَّت الأحداث في مصلحة إسرائيل وإيران، لأنها عمَّقت الفوضى والانقسام المذهبي، وزعزعت شرعية الإدارة السورية الجديدة.
- عكست أحداث الساحل السوري وجود تحديات كبرى في تحقيق المصالحة الوطنية أو بناء دولة موحدة في سورية ما بعد الأسد. ومع أن غالبية القوى الدولية والإقليمية تريد عودة الاستقرار إلى البلاد، لكنها قد تُعيد النظر في سياساتها حيال سلطة الشَّرع إذا أخفقت في ضبط الفصائل وقيادة مرحلة انتقالية شاملة.
شهد الساحل السوري في الفترة بين 6 و10 مارس 2025 تطوراً مأساوياً تمثل في ارتكاب الإدارة الانتقالية بقيادة الرئيس السوري المؤقت أحمد الشَّرع، زعيم “هيئة تحرير الشام” قبل حلِّها، مجازر طائفية بحق العلويين. وشكَّلت هذه المجازر نقطة تحول في المسار الانتقالي لسورية بعد انهيار نظام الأسد، إذ إنها أول اختبار جدي لاستقرار حكم الشَّرع وقدرته على إدارة الأزمات الداخلية، ولم تصدم هذه المجازر المجتمع السوري فحسب، بل أثارت ردود فعل إقليمية ودولية واسعة أيضاً.
تستعرض الورقة الأوضاع التي أدت إلى وقوع الأحداث في الساحل السوري، والمواقف الإقليمية والدولية منها، وتداعياتها المحلية والخارجية.
مُسبِّبات المجازر في الساحل السوري ومجرياتها
كان الهجوم الذي شنَّته فصائل علوية تشكَّلت حول ضباط النظام السابق في 6 مارس 2025 على عناصر الأمن العام في المدن الساحلية بمحافظتَي طرطوس واللاذقية، نقطةَ التحول التي تفجَّرت بعدها أعمال عنف واسعة النطاق، بما فيها المجازر الطائفية التي استهدفت المئات من المدنيين العلويين. وفق بعض التقارير، حاز هجوم السادس من مارس دعماً خفياً من إيران، ومن حزب الله اللبناني. وسبق أن دعت إيران على لسان القائد الأعلى علي خامنئي، وبشكل علني، إلى تنظيم مقاوم ضد الحُكَّام الجدد في دمشق.
حاز الهجوم دعماً من أبناء الطائفة العلوية الذين شعروا بالغضب والتهميش من إقصاء الإدارة الجديدة لهم، إذ فَقَد العلويون نفوذهم التاريخي في الجيش وأجهزة الأمن التابعة لنظام الأسد، والتي حلَّتها الإدارة الجديدة. تفاجأ العلويون من رفض الإدارة الجديدة توظيف أيٍّ من عناصر الجيش وأجهزة الأمن السابقين (غالبيتهم من العلويين) في الأجهزة الأمنية والعسكرية الجديدة. ليس ذلك فحسب، بل إن الإدارة الجديدة أبعدت العلويين عن مؤسسات الدولة الأخرى.
خشيت السلطات الجديدة في دمشق من أن يكون التحرك في الساحل خطوةً أولى في مخطط أوسع يتضمن تحركاً متزامناً لفصائل كردية في الشرق ودرزية في الجنوب، كما أقلقها وجود إشارات على دور لحزب الله وإيران في إطلاق التمرد في الساحل. لمواجهة التمرد في الساحل (الذي أسمته بـ “الانقلاب“) لجأت الإدارة إلى تعبئة المواطنين عبر الجوامع ودعوات النفير العام. أطلقت إدارة الشرع العنان للفصائل المسلحة والمجموعات الجهادية الأجنبية والمتطوعين للتوجه إلى الساحل.
بحلول يوم 7 مارس، كانت أرتال السيارات التي تقلّ المسلحين من إدلب وحمص وحماة وريف دمشق قد سدّت الطرقات إلى مدن الساحل. تمكَّنت جحافل المسلحين من إخماد التمرد وضبط الأوضاع في خلال اثنتين وسبعين ساعة، لكن الحقائق عن المجازر بحق المدنيين تكشَّفت تباعاً. لقد أغضب الهجوم على عناصر الأمن العام في الساحل من طرف مَن تُطلِق عليهم السلطات الجديدة تسمية “فلول النظام” السكانَ السُّنة في عموم سورية. وقد ثارت ثائرة المقاتلين السنة لأن العلويين لم يُقدروا التسامح الذي تعاملت به القيادة السورية الجديدة، وعدم تطبيقها للعدالة بالشكل المطلوب للاقتصاص من مرتكبي الجرائم خلال عهد نظام الأسد. كما تنامى القلق لديهم من ضياع الحكم أو تقسيم البلاد، حيث راقبوا على مدار أسابيع بعد سقوط النظام مواقف الأقليات الرافضة للإدارة الجديدة وخطاب الدول الغربية الحريص على حماية الأقليات، وتهديدات الإسرائيليين والإيرانيين بتقسيم البلاد، ما جعلهم يندفعون إلى قتال تلك الفصائل من دون هوادة.
علاوة على ذلك، فإن الكثير من الفصائل التي شاركت في عملية “ردع العدوان” كانت منزعجة من رفض الشرع ملاحقة فلول النظام بعد سقوط النظام، ورأت في هجوم 6 مارس فرصة كي تمنح مقاتليها لذة الانتقام من النظام السابق، وموارد لهم ولخزائنها من عمليات السلب والنهب. وذكرت تقارير أن عدد القتلى من المدنيين العلويين في خلال الفترة بين 6 و10 مارس فاق 1500 قتيل مدني. وبالعموم، فرّ الآلاف من العلويين من منازلهم إلى الأحراش القريبة، والقاعدة الروسية في مطار حميميم، وإلى لبنان.
في البداية، أيّد الشرع من دون تحفظ عملية مكافحة التمرد في الساحل، ومع تدفُّق صور الفظائع من الساحل، والتي بثَّها مرتكبوها من مُقاتلي الفصائل، تأجَّج الغضب بين الناشطين، وبرزت انتقادات على المستوى الدولي، ما دفع الشرع إلى تغيير خطابه ومحاولة احتواء الموقف. وبحلول يوم 9 مارس، أقرّ الشرع بحصول “فوضى وتجاوزات” في خلال مكافحة تمرد الفصائل العلوية، وأعلن تشكيل لجنة تقصي حقائق في الساحل، ولجنة أخرى للسِّلم الأهلي، متوعداً بمحاسبة المرتكبين. ووصل الإرباك بإدارة الشرع إلى حد اتهام فصائل محسوبة على تركيا بالتورط في مجازر الساحل، لإبعاد التهمة عن عناصر الهيئة.
في المحصلة، تمكَّنت السلطات من استعادة الهدوء في الساحل، وبالأخص في مناطق العلويين، لكن الوضع لا يزال هشاً للغاية، مع شعور الكثيرين أن ما جرى قد أطاح أيَّ إمكانية لدمج العلويين في الإدارة الجديدة، وأبرز إلى الوجود “مسألة علوية” ستظل تؤرق السلطات السورية الجديدة. ومن المؤكد أن أحداث الساحل قد ألقت بظلال كبيرة على مسار المرحلة الانتقالية، وعلى الثقة بالإدارة الجديدة من قبل بقية المكونات السورية.
التداعيات المحلية على الأكراد والدروز
قبل أحداث الساحل المأساوية كانت الشكوك تساور عموم السوريين، والأقليات بشكل خاص، حول الماضي المتطرف للإدارة الجديدة بقيادة الشرع، لكنها فضّلت عدم البوح علانية بهذه الشكوك. إلا أن ما جرى بحق العلويين حرّك المخاوف العميقة لدى الأقليات. ومن جهة أخرى، أتت المجازر في لحظة مفصلية بالنسبة للحوار الذي كانت تقوده إدارة الشرع مع الدروز والأكراد.
استطاعت إدارة الشرع كسب عدد من قادة الفصائل الدرزية بمعونة من الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط، ما ساهم في عزل مواقف الشيخ حكمت الهجري الذي يعمل على تزعم الطائفة الدرزية في وجه القيادة الجديدة بدمشق. ولدى بدء هجوم الفصائل العلوية في الساحل، برزت أصوات درزية داعمة لقوات الإدارة الجديدة، لكنها خبت قليلاً بعد تدفق صور المجازر الطائفية، ما رفع من أسهم شيخ عقل الطائفة الدرزية، حكمت الهجري، بين عامة الدروز.
أمسك الهجري بزمام المبادرة على الصعيد الدرزي، فأصدر بياناً دعا فيه إلى وقف التصعيد في الساحل وحذَّر من “الشعارات الطائفية والتحريض“. لجأ الشرع إلى تنفيس مخاوف الدروز عبر تسريب أنباء يوم 11 مارس، عن توصله إلى اتفاق “متعجل” مع وجهاء من محافظة السويداء على دمج المحافظة في الإدارة الجديدة، على أن يتم تشكيل هيئة استشارية في المحافظة، و”تفعيل دور الأمن العام بالسويداء بحيث تكون عناصره من السويداء“. وثار الجدل بخصوص الاتفاق، إذ نفى شيخ عقل الدروز حمود الحناوي، علمه به، كما نفى الهجري حصول اتفاق أو وفاق مع إدارة الشرع التي وصفها بـ “المتطرفة والمطلوبة للعدالة الدولية“، وانتقد خصومه في السويداء الذين “يبيعون دماء الساحل”، ما جلب عليه انتقادات من مشايخ ووجهاء دروز. وتضاربت التصريحات الصادرة عن مؤيدي الاتفاق فيما إذا كان الاتفاق قديم، أو أن ممثلي الهجري انسحبوا من المفاوضات الدائرة حوله.
لأول مرة يطرح الهجري مواقف لحماية الطائفة وتحديد اتجاهها. وتحت ستار المذابح في الساحل، متَّن الهجري تحالفه مع شيخ عقل الدروز في إسرائيل، موفق طريف، وغطى زيارة وفد من المشايخ الدروز من سورية إلى إسرائيل. وأخيراً، رفض الهجري الإعلان الدستوري الذي أصدره الشرع، ووصفه بـ “الديكتاتوري“. وبدا أن الهجري تمكّن من تثبيت دوره بين التيارات الدرزية المتصارعة بعد أن تضعضعت مكانته في خلال الأشهر الماضية لرفضه إدانة التدخل الإسرائيلي. وبالعموم، تقاربت إلى حدٍ بعيدٍ مواقف شيخَي العقل الآخرين في السويداء مع موقف الهجري.
أما قيادة “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) فلم تُبدِّد الانطباع الذي خلقته وسائل إعلام تركية، بوجود رابط بينها وبين تمرد الفصائل العلوية. ومع تصاعُد أنباء المجازر، اتهم قائد “قسد” مظلوم عبدي، الفصائل المحسوبة على تركيا بالوقوف خلفها. ورفض “مجلس سورية الديمقراطية” (مسد) “المواجهات العسكرية”، ودعا إلى معالجة أسباب التوتر عبر حوارٍ جاد ومسؤول، بعيداً عن العسكرة والشحن الطائفي، من أجل الوصول إلى حل سياسي شامل.
وشهدت مناطق الإدارة الذاتية تظاهرات للتنديد بمجازر الساحل، كما أُرسِلَت مساعدات إنسانية من تلك المناطق إلى الساحل. لكن “قسد” امتنعت عن تقديم دعم عسكري للفصائل العلوية في الساحل، بل إنها استغلت موقف الإدارة الجديدة الحرج جراء المجازر، إذ وقّع عبدي مع الشرع اتفاقاً بشأن دمج الإدارة الذاتية بالدولة السورية الجديدة، ما وجّه ضربةً نفسية قوية للعلويين، وأضعف الحراك الدولي لنصرة قضيتهم.
ولاحتواء الغضب العلوي حيال “قسد”، قدمت الرئيسة المشاركة لـ “مسد”، إلهام أحمد، الاتفاق بوصفه خطوة حاسمة لوقف العلميات العسكرية في الساحل، بينما ذكرت أصواتٌ في “قسد” أن الاتفاق يتيح المجال أمام قوات “الأسايش” التابعة للإدارة الذاتية للانتشار في الساحل لاستعادة الأمن والاستقرار وحمايتها من الفصائل المتطرفة. لكن المخاوف بين الأكراد حيال إدارة الشرع زادت بعد مجازر الساحل، وهي ستدفعهم إلى التمسك بسلاحهم، وعلى الأرجح ستجعلهم يتشددون حيال انتشار قوات تابعة للجيش السوري الجديد والأمن العام في مناطقهم. ومن المحتمل أن يطلب الأكراد ضمانات إضافية بخصوص عدم التحريض عليهم، وإعلان النفير العام ضدهم عبر المساجد. ولقد زادت المخاوف الكردية، بعد أن أصدر أن الشرع إعلاناً دستورياً لا يتضمن اعترافاً صريحاً بالأكراد مثلما نصّ عليه الاتفاق مع عبدي.
كان لأحداث الساحل تداعيات محلية كبيرة، فهي شكلت نقطة تحول بالنسبة لمسار العملية الانتقالية، إذ كرَّست صورة الشَّرع بوصفه متطرفاً في نظر الأقليات، وقلَّصت المجازر بحق العلويين الثقة داخل صفوف أبناء الأقليات بإدارة الشرع. وقد فشلت الإدارة السورية في ضبط الفصائل التابعة لها، كما فشلت في تبني خطاب وطني جامع ما جعلها تظهر بمظهر الفئوي بالنسبة للأقليات. ونظراً للمعضلة التي وجد نفسه بها، اضطر الشرع إلى تحمل المزيد من الضغوط الخارجية وتقديم تنازلات للأقليات، وبالأخص لـ “قسد”، أثارت امتعاض حلفائه الأتراك.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
وجد الشرع نفسه في موقف صعب على الصعيد الدولي، بعد انكشاف المجازر التي ارتكبتها الفصائل التابعة لوزارة الدفاع والمقاتلين الأجانب الذين يقودهم بحق العلويين في الساحل. ومع بروز بوادر تنسيق أمريكي-روسي في مجلس الأمن الدولي، مع تبلور اتجاه مُعادٍ له داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، كان على الشرع مواجهة مساعٍ فرنسية قوية لعرقلة التقارب الأوروبي مع إدارته، وفي الوقت نفسه جهود إيران لاستغلال مأساة الساحل لاستعادة دور ما على الساحة السورية.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أدان في 9 مارس “الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين، بمن فيهم الجهاديون الأجانب” لقتلهم المدنيين في الساحل، وأكد وقوف بلاده إلى جانب “الأقليات”. وبالترافق كانت إدارة ترمب تنسق مع روسيا من أجل عقد جلسة مغلقة في مجلس الأمن للتشاور حول الوضع في الساحل، في تحوّل عن موقفها السابق الداعي إلى إخراج الروس والإيرانيين من سورية وتحذيرها من الدور الإيراني الخبيث هناك.
لكن موقف الإدارة تراجع خطوة إلى الوراء بعد حصول اتفاق الشرع-عبدي، والذي أدى البنتاجون دوراً كبيراً في عقده، إذ أكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن بلاده لديها أدوات دبلوماسية واقتصادية يمكن لها المساهمة في حماية الأقليات من دون أن تنشر قوات عسكرية، وكشف عن تشجيعها الحكومة السورية الجديدة “المتشدّدة”، على حماية الأقليات. وعندما صدر بيان مجلس الأمن جاء أقل حدة مما كان متوقعاً، مكتفياً بإدانة أعمال القتل الجماعي بحق المدنيين، وبالأخص في صفوف العلويين، وطالب الإدارة السورية بالتعامل مع ملف الإرهابيين الأجانب. وامتنعت واشنطن عن إرسال أي مندوب عنها إلى النسخة التاسعة لمؤتمر بروكسل الذي نظّمه الاتحاد الأوروبي لدعم سورية في 17 مارس. وبغض النظر عن الاختلافات في المواقف الأمريكية مما جرى في الساحل، إلا أن مجازر العلويين ألقت بظلالها على مواقف كبار المسؤولين في إدارة ترمب حيال الشرع وقَوَّت حجة المعارضين للانفتاح عليه، وسيكون لذلك تأثير كبير على نتائج المراجعة الداخلية التي تجريها الإدارة على سياستها حيال سورية. وفي تأكيد على هذا المنحى، سلَّمت الولايات المتحدة الإدارة السورية الانتقالية قائمة شروط تريد من دمشق الوفاء بها مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، ومن بين تلك الشروط ضمان عدم تنصيب مقاتلين أجانب في مناصب قيادية في الهيكل الحاكم في سورية.
بدورها، أدت روسيا دوراً مهماً في خلال الأزمة الساحل السوري، إذ إنَّها أدانت المجازر، واستنفرت دبلوماسيتها لدعوة مجلس الأمن لبحثها، كما حرصت على المحافظة على شعرة معاوية مع الإدارة الجديدة ومع العلويين عبر فتح قاعدة حميميم أمام الفارين منهم من القتل. وجدت موسكو في مجازر العلويين فرصةً لإبراز توافقها العالمي المستجد مع إدارة ترمب بعد عقد المباحثات الروسية-الأمريكية في الرياض في فبراير الماضي من جهة، وتعزيز قوتها التفاوضية حيال إدارة الشرع حول مستقبل القاعدتين الروسيتين على البحر الأبيض المتوسط من جهة ثانية. وقد نجحت في استصدار بيان رئاسي من المجلس يدين المجازر، ويضع موضوع “المقاتلين الإرهابيين الأجانب” في صدارة أولويات المجتمع الدولي حيال سورية.
كما كان للمجازر تأثير كبير على المواقف الأوروبية حيال إدارة الشرع، انعكست في التوتر بين الدول الأوروبية ووزير الخارجية أسعد الشيباني بشأن مخرجات مؤتمر بروكسل. فقد لوّح الوزير بعدم المشاركة في المؤتمر إذا تبنَّى روايات محددة. لكنه عاد وشارك في المؤتمر، بينما أظهر الأوروبيون امتعاضهم مما حصل في الساحل، من طريق إقرار توزيع المساعدات العينية التي أقرَّها المؤتمر عبر الوكالات الدولية ومنظمات إنسانية من دون تدخل الحكومة الانتقالية السورية. وبعد الحماس الكبير لرفع العقوبات عن الإدارة الجديدة، بات الأوروبيين يعلنون أنهم سيراقبون مسارها، وبالأخص “رد فعلها على مجزرة الساحل ومحاسبة المسؤولين عنها” لتحديد مستوى انخراطهم معها. وبدل أن يسير الاتحاد الأوروبي خطوات جديدة في مجال رفع العقوبات عن سورية، طالبت باريس بفرض عقوبات أوروبية جديدة على مرتكبي المجازر بحق العلويين.
على الصعيد الإقليمي، استغلت إسرائيل الأزمة لتدفع إلى الأمام أجندتها لفدْرلة سورية وإضعافها بحجة حماية الأقليات. واتهمت تل أبيب إدارة الشرع بارتكاب “فظائع ضد العلويين”، في محاولة لشرعنة مطلبها بحماية الدروز. أما الإيرانيون الذين كان لهم يد طولى في ما جرى في الساحل، سواء بتحريضهم على الإدارة الجديدة أو من طريق الدعم الاستخباراتي لفصائل العلويين، فقد انكفأوا إلى الخلف، مرتاحين إلى وقوع الإدارة الجديدة في فخ المجازر وكشفها عن وجهها المتطرف. في حين أدانت الدول العربية، وبخاصة دول الخليج والأردن ومصر، “الجرائم التي قامت بها مجموعات خارجة عن القانون” بحق قوات الأمن السورية، وأكَّدت دعمها لوحدة سورية واستقرارها، ورفضها الضمني لتدخلات إيران في سورية. وألْقت أحداث الساحل بظلالها على اجتماع دول الجوار السوري الذي عُقد في عمّان في 9 مارس على مستوى وزراء الخارجية والدفاع ومديري الاستخبارات، لدول الأردن والعراق ولبنان وتركيا إلى جانب سورية.
لقد أدَّت مجازر الساحل إلى إطلاق سلسلة من الضغوط الدولية على إدارة الشرع، كما دفعت القوى الكبرى إلى رفع مسألة المقاتلين الأجانب إلى رأس أولويات التعامل مع الوضع في سورية. وأظهرت انتقال التفاهمات الروسية-الأمريكية من أوكرانيا إلى سورية والشرق الأوسط، ورجَّحت كفة دعاة التريث في الانفتاح على دمشق داخل الاتحاد الأوروبي، وفي الإدارة الأمريكية. وسيكون لتداخل “المسألة العلوية” مع هوية القوة الدولية المسيطرة على الساحل السوري أثر كبير في تطورات الوضع في تلك المنطقة، وعموم سورية. وعلى الصعيد الإقليمي، تسبَّبت مجازر العلويين بحرج كبير للدول العربية التي دعمت عملية إخماد التمرد في الساحل، قبل أن تأخذ مسار تطهير عرقي بحق الطائفة العلوية، بينما خرجت إسرائيل وإيران سعيدتين بما حصل في الساحل، إذ عمَّقت أحداثه الفوضى، وكرَّست الانقسام المذهبي داخل سورية بما من شأنه أن يقوّض شرعية السلطة على الصعيدين المحلي والدولي، وقد يُوقِعها في متتالية من الأخطاء.
استنتاجات
استطاع الشرع في نهاية المطاف السيطرة على الوضع في سورية، وبرهن أنه قادر على تجييش عشرات الآلاف من المقاتلين في غضون ساعات ضد أي تمرد، إلا أن أحداث الساحل كانت نقطة تحول على عدة أصعدة. فقد برزت الحالة الطائفية في سورية بشكل واضح بعد مجازر الساحل، حيث أصبحت المسألة العلوية محوراً جديداً للوضع الجديد على المستويين المحلي والدولي. كما كشفت المجازر عن هشاشة الوضع الداخلي في سورية، وعُمْق الانقسامات الطائفية التي قد تُعيق أي جهود مستقبلية للمصالحة الوطنية.
حتى قبل أحداث الساحل، لم يتمكّن الشرع من تقديم نموذج حكم شامل يُعيد بناء الثقة بين المكونات. واليوم أصبحت هذه المهمة أكثر تعقيداً، ليس فقط بسبب تعثُّر شرعية الإدارة الانتقالية أو فشلها الأمني، ولكن لأن هذه الأحداث عمَّقت انعدام الثقة، مما يجعل دمج المناطق الطرفية، مثل الساحل والجنوب والشرق، في كيان وطني موحد أكثر صعوبة، كما عززت سيناريوهات التدخل الخارجي.
وعلى الرغم من إنشاء إدارة الشرع لجيش سوري جديد، فقد سلَّطت الأحداث الأخيرة الضوء على حقيقة أن الجيش اليوم يتكون من عدد من الميليشيات غير المُنضَبِطة، ومن المرجح أن تستمر في إحداث اضطرابات كبيرة في المستقبل. كما كشفت عن المعضلة المتزايدة بشأن المقاتلين الأجانب، إذ أثار دورهم في المجزرة ردود فعل دولية غاضبة، ودفع الحكومات الأجنبية إلى تصعيد انتقاداتها. أما بالنسبة للشرع، فالمسألة تُمثِّل تحدياً مزدوجاً؛ فهو بحاجة إلى الدعم الدولي لتعزيز شرعيته، لكنَّه في الوقت نفسه غير مُستعد للتخلي عن تحالفاته مع الفصائل المسلحة، بما فيها تلك التي تضم مقاتلين أجانب، إذ تشكل العمود الفقري لجهازه الأمني.
ومع أن الثقة الدولية بإدارة الشرع قد تزعزعت بعد مجازر الساحل، إلا أن غالبية القوى الدولية والإقليمية تريد عودة الاستقرار إلى سورية في الوقت الحالي، مع إظهارها إمكانية إعادة النظر في سياساتها حيال سورية في حال فشل الشرع في ضبط الفصائل وقيادة مرحلة انتقالية شاملة.