مرّت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، منذ استقلال الأولى في العام 1993م، بفترات صعود وهبوط متفاوتة بشكلٍ واضح، ووصلت هذه العلاقات محطةً مهمة في العام 2018م، عندما وقّع قادة البلدين اتفاقاً للسلام يضمن عملياً تجميد الخلافات بينهما، ويطلق عملية تسوية سياسية مقبولة برعاية إقليمية ودولية مهمة وقتها.
ومع بطء تطبيق مخرجات اتفاق السلام، بل وتراجعها، بعد نهاية حرب التيجراي في نهاية العام 2022م، عاد التصعيد الحاد في العلاقات بين البلدين إلى الواجهة، حتى عادت أجواء اندلاع الحرب بينهما في العام 2026م بشكلٍ غير مسبوق، مع إعلان تقارير مختلفة منذ منتصف فبراير الجاري (تصاعدت في واقع الأمر في 20 من الشهر نفسه) عن حشد البلدين لقوات عسكرية على الحدود بينهما تأهباً لمواجهةٍ عسكرية أُجلّت في أكثر من مرّة عقب نهاية حرب التيجراي. وكان من دلائل التوتر الإثيوبي الإريتري عدم دعوة أديس أبابا لأسمرة للمشاركة في عملية السلام التي تلت تلك الحرب؛ على الرغم من الدور الأكبر للقوات المسلحة الإريترية في دعم صمود نظام آبي أحمد، والحيلولة دون سقوطه في لحظاتٍ حاسمة للغاية، بعد نهاية حرب التيجراي نهاية العام 2022م.
حشود عسكرية على الحدود الإثيوبية-الإريترية: ما الجديد؟:
أطلّت مسألة سعي نظام آبي أحمد للوصول إلى منفذ بحري على البحر الأحمر (بمسميات مختلفة من منفذ سيادي إلى آمن، وبلغة متدرجة في حدتها وعدوانيتها) لتزيد التوتر القائم بين أديس أبابا وأسمرة؛ ولاسيما أن المسؤولين الإثيوبيين، وعلى رأسهم آبي أحمد، قد جنحوا في أكثر من مرّة للتلويح بتحرك عسكري «ضروري» للاستيلاء على منفذ بحري لبلادهم من إريتريا المجاورة، إلى جانب مساعي إثيوبيا على الأرض منذ سنواتٍ لإرساء موطئ قدم لها في إقليم أرض الصومال. كما حظيت مطالب آبي أحمد، وسرديته بأن خسارة بلاده لإريتريا وفَقد أيّ وصول بحري منذ العام 1993م بأنه «تراجيديا وطنية»، بدعمٍ شعبي كبير يُذكّر بحشدٍ مشابه في ملف سد النهضة والنزاع مع مصر.
وفيما تتخوف إريتريا بشكلٍ ملموس من مطالب أديس أبابا في ميناء عصب الإريتري (الذي يبعد نحو 60 كم من الحدود الإثيوبية-الإريترية)؛ فإن الأخيرة باتت تعلن مراراً وتكراراً عن أدلة على دعم إريتريا (وتلميحاً: قوى من خارج إقليم القرن الإفريقي في المسار نفسه) للعديد من حركات التمرد النشطة داخل الأراضي الإثيوبية في الفترات الأخيرة، ولاسيما في إقليمَي أمهرة وأوروميا. كما أن حركة إثيوبيا وإريتريا الإقليمية أخذت في التناقض الحاد يوماً بعد آخر. فإثيوبيا تدعم بشكل واضح سياسات الافتئات على سيادة دول جوارها (مثل الصومال، والسودان، وإريتريا بطبيعة الحال هنا) كوسيلة لضمان تماسكها، والحيلولة دون انزلاق البلاد في دائرة ممتدة من الصراعات الأهلية في أقاليم مختلفة؛ أهمها أوروميا والأمهرة والتيجراي.
وتحظى أديس أبابا بدعم قوى إقليمية تلتقي مصالحهم معاً في مثل هذه التوجهات، وتعمل معاً عبر أدوات عسكرية واقتصادية وأمنية متكاملة، كما اتضح مثلاً في الأزمة الحالية في إقليم أرض الصومال، وكذلك في ضبط أدوار هذه القوى المتحالفة في أزمة السودان، مثل تقديم دعم لوجيستي لقوى متمردة (أبرزها ميليشيات الدعم السريع)، وتوفير إمدادات عسكرية وتدريبية لها من أجل ضمان تحقيق مصالحها الجماعية المشار إليها.
أما إريتريا؛ فإنها ترى في تلك السياسات تهديداً على المدى البعيد لاستقلالها وسيادتها على أراضيها، لأن نجاح إثيوبيا والقوى الداعمة لها في إلحاق الضرر بسيادة دول الإقليم سيُرسي سابقةً تُيسر عملية تهديد سيادة إريتريا نفسها، وصولاً ربما إلى وضع نهاية لاستقلالها الذي ناضلت من أجله وحققته قبل أكثر من ثلاثة عقود. وكما هو حال إثيوبيا؛ نحت إريتريا إلى تمتين علاقاتها مع قوى إقليمية لمواجهة «المحور الإثيوبي».
لكن الحشود العسكرية المشار إليها تأتي بعد شهور قليلة من تقديم جدعون تيموثيوس، وزير الخارجية الإثيوبي، في أكتوبر 2025م، مذكرة للأمم المتحدة يتهم فيها إريتريا بالقيام بانتهاكات جديدة في أراضي إثيوبيا، وأنها حركت قواتها «إلى داخل إقليم التيجراي»، وأن أسمرة تتآمر مع جبهة تحرير التيجراي الشعبية «في الشهور الأخيرة»، كما أنها تقوم «بتمويل وحشد وتوجيه المجموعات المسلحة» في إقليم أمهرة الإثيوبي، حيث تحارب «ميليشيات فانو Fano قوات الحكومة الفيدرالية»، حسب مذكرة الاتهام. وتلا ذلك، في فبراير الجاري، توجيه إثيوبيا خطاباً لإريتريا تطالبها فيه «بسحب قواتها من أراضيها».
لكن الأمر الجديد راهناً أنه في حال وقوع حرب بين إثيوبيا وإريتريا؛ فإنها ستكون حرباً إقليمية بامتياز، مع توقع مسارعة الأطراف أو القوى الإقليمية الداعمة لكلٍّ منهما بتقديم الدعم العسكري واللوجيستي لطرفَي هذه الحرب، وبمستويات بالغة الضخامة، مما يعيد إلى الإقليم أجواء الحروب المفتوحة والكبيرة (وربما المتكافئة) بين دوله.
كما يُتوقع أن تتشابك الحرب بشكلٍ متسارع مع الأزمة في السودان، وإلحاق المزيد إلى التوتر المتصاعد بإقليم البحر الأحمر. كما أن حشد الحكومة الفيدرالية الإثيوبية لقواتها «لمواجهة محتملة» مع إريتريا شمل حشوداً أولية على حدود إقليم التيجراي نفسه، بينما حشد مقاتلون في الإقليم (ومناوئون للحكومة الفيدرالية منذ نهاية الحرب هناك في العام 2022م) أنفسهم استعداداً لمواجهات جديدة مع القوات الفيدرالية؛ مما يعني تعدد جبهات الحرب المرتقبة.
الحرب وتكلفتها الاقتصادية: نظام آبي أحمد أولاً..!:
أشارت تقارير مهمة (من بينها بلومبيرج، 19 فبراير الجاري) إلى التكلفة المرتفعة للحرب التي سبق أن خاضها نظام آبي أحمد في إقليم التيجراي شمالي البلاد (2020-2022م)، وجاءت تلك التقارير في سياق مخاوف دولية من تجدد مثل هذه الحرب ولكن على نطاقٍ أوسع هذه المرّة. فوقوع حرب إثيوبية إريترية يهدد بشكل جذري جهود حكومة آبي أحمد لإعادة هيكلة ديونها ومسارعة نموها الاقتصادي، أخذاً في الاعتبار تكلفة الحرب الأخيرة المرتفعة، فإلى جانب مقتل مئات الآلاف من مواطني الإقليم (من المدنيين والعسكريين)؛ فإن التكلفة الاقتصادية للحرب تجاوزت 28 بليون دولار.
وبدلاً من انتهاز انعقاد قمة إثيوبية-تركية، بين آبي أحمد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان (أديس أبابا- 17 فبراير الجاري)، للنظر في سبل تهدئة الاضطرابات الإقليمية، والعمل على الاستفادة القصوى من مقدرات تركيا في الإقليم لتقريب وجهات النظر بين أطرافه المتصارعة، عمد آبي أحمد إلى توظيف الزيارة بشكلٍ فج للغاية، وأعاد في حضور أردوغان أن بلاده باتت «سجينة جغرافياً» بسبب مؤامرة أعدائها (دون تسمية هؤلاء)، ولفت في كلمته إلى أن «اللوجستيات عنق الزجاجة الرئيسي أمام نمونا، والوصول إلى البحر هو الحل (لهذه الأزمة)»، بل وأعلنت بعض وسائل الإعلام الإثيوبية (دون تعليق لاحق من أنقرة حتى الآن) عن «تفهّم أردوغان للمطالب الإثيوبية» (بخصوص هذه المسألة). كما يمكن التوصل للخلاصة نفسها من مخرجات زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان لأديس أبابا (11 فبراير الفائت)، والتي سعت خلالها الرياض لنزع فتيل التوتر بين أديس أبابا وأسمرة ومنع انزلاق المنطقة لحرب جديدة، لكنّ نظام آبي أحمد اعتبر الزيارة فرصةً لإظهار ثبات مواقفها ومطالبها بوصول «آمن» للبحر الأحمر وعزمها على مواجهة إريتريا.
كما بادر آبي أحمد لتقديم مبررات جديدة لخططه التوسعية في إريتريا، وأعلن في رسالة ألقاها إلى شعبه بمناسبة حلول شهر رمضان (نشرها في 16 فبراير الجاري) التزام بلاده بـ«الاستقرار الإقليمي»؛ فيما دافع عن مساعي حكومته للوصول لمنفذ بحري (وكذلك عن موقفه في ملف مياه النيل) بأنها أولوية وجودية لإثيوبيا، وأعلن في استثناءٍ واضح لطبيعة «رسائله الرمضانية» عن طمأنة «العالم أجمع بأن إثيوبيا لا تحمل أطماعاً جغرافية، أو نيات توسعية، ولا تسعى لتهديد أمن دول جوارها»، غير أنه لم يوضح سبيل التوفيق بين تصريحاته العدوانية تجاه إريتريا وربطها بمسألة الحصول على منفذ بحري بها لصالح بلاده دون التزام بالقوانين الدولية ذات الصلة!، واكتفى بتأكيد أن نمو بلاده سكانياً وحاجاتها التنموية تجعل مسألة الحصول على ميناء بحري (بشروط سيادية كما يُفهم من السياق ضمناً) مسألة «ضرورة وجودية مهمة» vital existential necessity (حسب نص الرسالة)، وأن جهد بلاده يمثل «دعوة للشراكة لا تنتهك سيادة دول الجوار، ولا تُلحق الضرر بمصالح الآخرين».
وبالنظر إلى طبيعة سياسات آبي أحمد منذ توليه السلطة، والتي تقوم على إرسال رسائل متناقضة للغاية في توقيتات قصيرة جداً، فإننا نفهم من طرحه المتناقض (كما يتضح في جمعه بين التهديدات المباشرة لدول جواره، وادعاءات احترام سيادة هذه الدول في الوقت ذاته، بل والتعامل معها على أن تلبيتها للأطماع الإثيوبية واجب مفروغ منه تماماً) أن الغاية الأولى من طرحه هي ربط الأطماع التوسعية الإثيوبية في دول الجوار ببقاء نظامه باعتبار الأخير القاطرة المهمة، وربما الوحيدة، في تحقيق هذه الأطماع.
اليوم التالي؟:
وجّه معنيون بالأزمة في التيجراي خطاباً مفتوحاً لآبي أحمد (نشرته منصة Borkena في 21 فبراير الجاري) للتنبيه إلى أن تحقيق السلام في إقليم التيجراي (وتفادي الحرب مع إريتريا) لا يكمن في إحاطة الإقليم (الذي يعاني أكثر من 80% من سكانه من نقصٍ حاد في الخدمات الأساسية وسبل الحياة اليومية) بثلثي الجيش الفيدرالي، لكن في تفهّم خصائصه الداخلية، ومعالجة الحالة البائسة لشعبه، ومواجهة المتشددين سياسياً داخل الإقليم عبر الحكمة السياسية وليس بالقوة العسكرية. ورأى البيان أن سياسات آبي أحمد الصدامية مع الإقليم تعزز مواقف المتشددين في داخله، وتُعدد جبهات الصراع على الحدود، التي تنتشر على امتداداتها القوات الفيدرالية، من حدود إقليم التيجراي إلى الحدود مع إريتريا إلى حدود إقليم الأمهرة. ووضع البيان المهم خطة عمل لتحقيق السلام وتفادي الحرب، مكونةً من ست نقاط، أهمها: إقامة ممرات إنسانية على الفور، وتحقيق تقدّم عام وقابل للتحقق في الانسحابات من الأراضي، وتكوين آلية مراقبة مشتركة بوجود رقابة دولية لمراقبة انسحاب القوات الإريترية من إقليم التيجراي، ومشاركة المجتمع المدني في إقليم التيجراي بشكل مباشر في محادثات السلام بدلاً من تمثيله عبر القادة العسكريين فقط، وخفض التصعيد العسكري كإجراء لبناء الثقة.
وعلى الرغم من توازن هذه المطالب، ولاسيما مسألة خروج القوات الإريترية من إقليم التيجراي، فإن آبي أحمد لم يُبد أيّ حماس للاستجابة لهذه المطالب، ويواصل– فيما يبدو من متابعة المشهد حتى مطلع الأسبوع الأخير من فبراير الجاري- الدفع نحو الصدام مع جبهة تحرير التيجراي وكذلك مع القوات المسلحة الإريترية، سواءٌ داخل إقليم التيجراي أم عبر الحدود الإثيوبية-الإريترية، مع استمرار تدفقات تُقدّر بعشرات الآلاف من إقليم التيجراي نحو إقليم العفر، وإرهاصت وقوع أزمة إنسانية وشيكة لا تكترث لها أطراف الأزمة، وأبرزها نظام آبي أحمد الذي يتمتع بقدرة فائقة على تمرير إبادة قطاعات من شعبه إقليمياً ودولياً؛ دون أدنى مساءلة من جهاتٍ مثل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.
لكن يُمكن، في النهاية، توقع أن تظل ضغوط آبي أحمد، وما يقابلها من تحركات إريتريا، في حدود التصعيد المحسوب ترقباً لإمكانية التوصل لتفاهمات سياسية بين البلدين، وبدعم من شركاءهما، للحيلولة دون وقوع حرب مفتوحة ستُلحق أضراراً فادحة بالدول المعنية في الإقليم كافة.