إسرائيل والتوتر الأمريكي-الإيراني.. بين الاتفاق الدبلوماسي والخيار العسكري

  • تُعارِض إسرائيل، من حيث المبدأ، سياسة التفاوض مع إيران، وتعتقد أن النظام الإيراني يهدف إلى كسب الوقت ومنع الهجوم العسكري عليه، وتطالب إدارة ترمب بأخذ مطالبها الثلاثة في الاعتبار، وهي: تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل (بما يشمل صفر تخصيب، وإخراج كمية اليورانيوم المخصب)، وتقييد طول مدى الصواريخ الإيرانية إلى أقل من 300 كيلومتر، ووقف دعم طهران لوكلائها في المنطقة.
  • يسود شك في الأوساط الإسرائيلية في أن إدارة ترمب ستلتزم بمطالبها الثلاثة، لذلك يسعى نتنياهو من وراء لقاء ترمب إلى دفعه إلى الخيار العسكري ليستطيع فرض هذه الشروط على إيران، أو على الأقل عدم منح ويتكوف وكوشنير مساحة للتنازل عن هذه الشروط في المباحثات، لاسيما بعد الحديث عن أن جولة مسقط تمحورت حول البرنامج النووي الإيراني فقط. 
  • من المُرجَّح أن يطلب نتنياهو من ترمب منحه خيار استخدام القوة ضد إيران في حال اقتصر الاتفاق الأمريكي-الإيراني على البرنامج النووي، كما حدث مع الحالة الحوثية بعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين في 6 مايو 2025.

 

يتأرجح التوتر الحالي بين الولايات المتحدة وإيران بين المسار الدبلوماسي والخيار العسكري. وفي خلال الفترة الأخيرة انعقدت لقاءات إسرائيلية-أمريكية مكثفة في تل أبيب وواشنطن، بهدف التنسيق والتفاهم حول الخيارات العسكرية والدبلوماسية. ويُمثِّل اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في 11 فبراير 2026، والذي يأتي إثر انتهاء جولة المفاوضات الأولى بين إيران والولايات المتحدة في سلطنة عمان في 6 فبراير، خطوةً مهمة في مساعي إسرائيل لإقناع الولايات المتحدة بمقاربتها للصراع مع إيران.

 

المقاربة الإسرائيلية للتوتر الراهن

تدفع إسرائيل الولايات المتحدة نحو الخيار العسكري في إيران، وتَعدُّهُ فرصةً لإضعاف النظام الإيراني وربما انهياره. وفي تحليل بأثر رجعي، يمكن فهم الطلب الإسرائيلي من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتأجيل توجيه ضربة عسكرية في إيران في خضم الاحتجاجات الشعبية في الداخل الإيراني التي اندلعت في أواخر العام الماضي واستمرت حتى منتصف شهر يناير من العام الجديد، فقد كان إسرائيل تدرك أنها ستكون ضربة تأديبية فقط، وليس هجوماً جوهرياً وواسعاً، بسبب غياب قوات أمريكية كافية في المنطقة.

 

تُعارِض إسرائيل سياسة التفاوض مع إيران، وترى أن النظام الإيراني يسعى إلى كسب الوقت ومنع الهجوم العسكري. ومع الإعلان عن بدء مباحثات أمريكية-إيرانية في 6 يناير 2026، طلب رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اللقاء مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في إسرائيل، قبل بدء مباحثاته مع وزير الخارجية الإيراني. وما انحصر اللقاء بين ويتكوف ونتنياهو، بل تضمن لقاءات مكثفة مع قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وجرى إطْلاع المبعوث الأمريكي على المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية بشأن البرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين، فضلاً عن توضيح الخطوط الحمراء الإسرائيلية فيما يتعلق بأي تفاهم مع الجانب الإيراني. وفي المجمل هدف اللقاء إلى تحذير ويتكوف من أن النظام الإيراني يُناور ويكسب الوقت، وأنَّه نظام مخادع ولا طائل من الحديث معه.

 

تُعارِض إسرائيل مبدأ التفاوض مع إيران، وتدفع نحو استخدام الخيار العسكري ضدها (تعبيرية/شَترستوك)

 

في متابعة للسجال السياسي والإعلامي العام في إسرائيل، يلاحظ أن تل أبيب تعارض مبدأ التفاوض مع إيران، وتدفع نحو الخيار العسكري، لأن الهدف الإسرائيلي كما يظهر بشكل علنيّ في الخطاب العام هو إطاحة النظام الإيراني، وأن هناك فرصة تاريخية سانحة لتحقيق ذلك.

 

وفي إطار التنسيق بين البلدين حول هجوم على إيران، شهد شهر يناير لقاءات وزيارات مكثفة بين القادة العسكريين والأمنيين في كلا البلدين؛ فقد أجرى كلٌّ من رئيس الموساد ديدي برنيع، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية شلومي بيندر مباحثات مع نظرائهما الأمريكيين في واشنطن، وتُوِّجت هذه المباحثات بسفر إيال زامير رئيس هيئة الأركان إلى واشنطن حيث التقى بدان كين رئيس هيئة الأركان المشتركة، وقبل ذلك زار براد كوبر قائد المنطقة الوسطى الأمريكية إسرائيل. وقد وصف مسؤول إسرائيلي “مستوى التنسيق بين الدولتين [في هذه المرحلة] بأنه غير مسبوق تاريخياً”.

 

تدور المباحثات الأمريكية-الإسرائيلية حول النقاط الآتية:

 

أولاً، إقناع الولايات المتحدة بتبني الخيار العسكري بوصفه خياراً وحيداً للتعامل مع النظام الإيراني، وأن المباحثات مضيعة للوقت، ويسعى النظام عبرها لإنقاذ نفسه.

ثانياً، التنسيق بين الطرفين فيما يتعلق بمنظومة الدفاع عن إسرائيل في حال وجهت إيران ضربات صاروخية إلى إسرائيل.

ثالثاً، تزويد الولايات المتحدة بمعلومات استخباراتية حول الأهداف التي يمكن استهدافها في خلال العملية الأمريكية، وضمان مصالح إسرائيلية في أهداف تريد إسرائيل توجيه ضربات ضدها، والاستفادة من التجربة الإسرائيلية خلال حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025.

رابعاً، مناقشة حدود التدخل الإسرائيلي وشروطه في الحرب.

خامساً، الأهداف المُحدَّدة للحملة العسكرية، والتي بموجبها يمكن إيقاف العمليات العسكرية، فلا تخفي إسرائيل أنها تريد إسقاط النظام الإيراني، أو على الأقل أن تسهم العملية في تعميق التصدعات في هيكل النظام، مما قد تؤدي إلى تفككه لاحقاً. وفي هذا الصدد، يشير الجنرال احتياط يعقوب عميدرور، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، إلى أن النظام الإيراني في أضعف لحظاته منذ تأسيسه، وعلى إسرائيل الضغط على ترمب لتنفيذ عمل عسكري ضد إيران.

 

وإلى جانب الاعتبارات الأمنية، يمثل الهجوم على إيران رهاناً انتخابياً مهماً بالنسبة لنتنياهو، لاسيّما إذا أدت الحرب إلى تدمير مقدرات النظام الإيراني، إذ يَعتبر نتنياهو شن حرب ثانية على إيران حلقة مهمة وحاسمة في مسعاه للنجاح في انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر المقبل. بدأ نتنياهو منذ نهاية العام 2025 التمهيد الإعلامي لإمكانية شن هجوم إسرائيلي على إيران، فبعد خطابه المثابر حول النصر الكبير في حرب الاثني عشر يوماً في يونيو الماضي، أخذ يصرح حول أهمية تنفيذ هجوم ثان على إيران للقضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية طويلة المدى التي تشكل تهديداً لإسرائيل. يُدرك نتنياهو أن لحظة توقف تراجعه السياسي وبداية صعود شعبيته وشعبية الليكود كانت بعد انتهاء الحرب على إيران في يونيو الماضي، عندها تحول حزب الليكود مرة أخرى إلى الحزب الأكبر في إسرائيل. وبناء على ذلك، فإن شن هجوم ثان على إيران وتحقيق انتصار جديد سوف يزيد التأييد الجماهيري للّيكود ونتنياهو شخصياً مرة أخرى.

 

يسعى نتنياهو إلى توضيح الخطوط الحمراء الإسرائيلية فيما يتعلق بأي تفاهم أمريكي مع الجانب الإيراني (شَترستوك)

 

الخيارات الإسرائيلية للهجوم على إيران

تُحضر إسرائيل نفسها لكل الخيارات، دفاعية وهجومية، وتمثل اللقاءات المكثفة مع الجانب الأمريكي تعبيراً عن هذه التحضيرات، فضلاً عن أن نتنياهو وقادة الأجهزة الأمنية يديرون هذا الملف بسرية كاملة حتى من دون إشراك أعضاء المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت). وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل كانت تخطط بكل الأحوال لشن هجوم عسكري على إيران في خلال العام 2026، وذلك لتدمير منظومة الصواريخ الباليستية، إذ تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن إيران نجحت في ترميم منظومتها الصاروخية وتطويرها منذ حرب يونيو 2025، بمساعدة صينية، وأن أي تأخير إسرائيلي بتدمير هذه المنظومة ستكون كلفته كبيرة على الداخل الإسرائيلي. وفي هذا الصدد، ما عاد التخلص من البرنامج النووي الإيراني هو الهدف الإسرائيلي الوحيد في الصراع مع إيران، بل تدمير منظومة الصواريخ التي تكشفت قدرتها التدميرية في حرب الاثني عشر يوماً، ومنع إيران من تمويل أذرعها وحلفائها في المنطقة، فالتوصل إلى اتفاق نووي لا يحقق المصالح الإسرائيلية، وبخاصة إذا اقترن ذلك بإزالة العقوبات الاقتصادية على إيران. وقد سعت إسرائيل إلى وضع هذه النقاط ضمن المطالب الأمريكية أيضاً.

 

وتُمكن الإشارة إلى ثلاثة خيارات أمام إسرائيل:

 

الخيار الأول، عدم مشاركتها في الهجوم الأمريكي على إيران؛ ففي هذه الحالة سينحصر الدور الإسرائيلي في مدّ الولايات المتحدة بالمعلومات الاستخباراتية التي تملكها حول بنك الأهداف الذي يمكن استهدافه في الهجوم، فضلاً عن التجربة العسكرية التي اكتسبتها من حربها السابقة مع إيران في يونيو 2025. كما أن التركيز الإسرائيلي سينصب على تحضير منظومات الدفاع الجوية، بمساعدة شبكة الدفاعات الجوية الأمريكية في المنطقة، وذلك تحسُّباً لهجوم إيراني على إسرائيل.

 

الخيار الثاني، عطْفاً على الخيار الأول، فإن إسرائيل سوف تشارك في الهجوم في حالة ضربت إيران العمق الإسرائيلي بالصواريخ، وستكون المشاركة الإسرائيلية حتماً بالتفاهم مع الولايات المتحدة. وفي إطار هذا الخيار سيكون الهجوم الإسرائيلي كبيراً كما كان في يونيو 2025، وستحاول إسرائيل استغلاله من أجل تحقيق مصالحها وأهدافها من الحرب، واستهداف منشآت وشخصيات وقواعد تسهم في إضعاف النظام.

 

الخيار الثالث، شن هجوم أمريكي-إسرائيلي مشترك، بحيث تنضم إسرائيل إلى الولايات المتحدة منذ بداية الهجوم، بالاعتماد على أن هذا الأمر من شأنه تسريع تحقيق الأهداف والسيطرة المحكمة على الأجواء الإيرانية، مما يُسهِّل إتمام العملية العسكرية بسرعة وبأقل التكاليف.

 

تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن سيناريو الهجوم العسكري الإسرائيلي-الأمريكي المشترك قد يُهدد استقرار النظام الإيراني ويُقربه من عتبة الانهيار، وفي هذه الحالة فإن المليشيات المسلحة الداعمة لإيران في المنطقة سوف تشارك في المعركة، لاسيّما الحوثيين وحزب الله، إذ يبدو أن الإيرانيين أدركوا أنهم أخطأوا حين لم يفعّلوا وكلاءهم الإقليميين في خلال حرب الاثني عشر يوماً. كما تدرك إسرائيل أن نهاية النظام الإيراني سيعني قرب نهاية حزب الله بوصفه قوة عسكرية مما يدفع الأخير إلى الدخول في المواجهة ضد إسرائيل في محاولة لمساعدة إيران بفتح جبهة في الجنوب.

 

وفي كل الأحوال، تفضل إسرائيل حرباً قصيرة، مثل الحرب التي جرت في يونيو 2025، تستطيع من خلالها تحقيق الأهداف الاستراتيجية المشتركة مع الولايات المتحدة، إذ إن الحرب القصيرة قابلة للتحمُّل من طرف المجتمع الإسرائيلي واستمرار الدعم لها وتأييدها، وفي الوقت نفسه تحسّن مكانة نتنياهو الشخصية مع أقل قدر من الأضرار والخسائر.

 

تُظهِر الصورة نسخاً من صحف إيرانية يومية تُغطي الجولة الأولى من المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، 7 فبراير 2026. (أ.ف.ب)

 

المباحثات الأمريكية-الإيرانية وخيار التوصل إلى اتفاق

كما أشارت الورقة آنفاً، ينطلق الموقف الإسرائيلي من رفض كُلِّي لخيار التوصل إلى اتفاق أمريكي مع إيران، وقد حذَّرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من تداعيات الاتفاق على الأمن الإسرائيلي، لاسيّما إذا لم تأخذ الولايات المتحدة في الاعتبار المصالح الإسرائيلية بشكل كامل، وهي:

 

أولاً، معالجة القضايا الثلاث: البرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ البالستية، ودعم إيران للمليشيات المسلحة وحلفائها في المنطقة. وينطلق التخوف الإسرائيلي من أن طهران سوف تتنازل فيما يتعلق بمسألة تخصيب اليورانيوم، ولكنها لن تتنازل في مسألة تفكيك برنامجها الصاروخي طويل المدى (أبعد من 300 كيلومتر).

 

ثانياً، في سياق تفكيك البرنامج النووي الإيراني، تطالب إسرائيل بتفكيك القدرات الإيرانية البنيوية لإنتاج قدرات نووية عسكرية، ما يعني التخلص من كمية اليورانيوم المخصب إلى نسبة 60% الموجودة في إيران (نحو 450 كيلوجراماً)، ووقف كامل لقدرات التخصيب (صفر تخصيب)، والرقابة على النشاط النووي الإيراني المدني.

 

ويسود شك في إسرائيل في أن تلتزم الولايات المتحدة بهذه المطالب، لذلك يسعى نتنياهو من وراء لقاء ترمب إلى دفعه إلى الخيار العسكري ليستطيع فرض هذه الشروط على إيران، أو على الأقل عدم منح ويتكوف وكوشنير مساحة للتنازل عن هذه الشروط في المباحثات، لاسيّما بعد الحديث عن أن جولة مسقط تمحورت حول البرنامج النووي الإيراني فقط. كما أن نتنياهو سيطلب من ترمب منحه خيار استخدام القوة ضد إيران في حال اقتصر الاتفاق على البرنامج النووي، كما حدث مع الحالة الحوثية بعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وجماعة الحوثي في 6 مايو 2025، إذ إن الاتفاق لم يمنع إسرائيل من الاستمرار في هجماتها على جماعة الحوثي في اليمن.

 

استنتاجات

تدفع إسرائيل نحو الخيار العسكري في إيران، وترى أن عملية عسكرية واسعة ضد النظام الإيراني ستكون المسمار الأخير في نعشه، حتى لو لم يسقط مباشرةً جراء الضربات العسكرية، ولكنه سيتهاوى بعدها سريعاً. وفي المقابل، ترفض إسرائيل المباحثات من حيث المبدأ حتى لو تم التوصل إلى اتفاق يستجيب للمطالب الإسرائيلية، فما يُحرِّك التوجه الإسرائيلي تجاه إيران، بعد السابع من أكتوبر، وبشكل صريح ومباشر هو إسقاط النظام الإيراني. فحتى عندما شلّت الحرب في يونيو 2025 البرنامج النووي الإيراني، طرحت إسرائيل تهديد الصواريخ البالستية، وأقنعت الولايات المتحدة بذلك، ويبقى التخوف الإسرائيلي ليس في تراجع الولايات المتحدة عن شن هجوم عسكري على إيران بل في توقيع اتفاق نووي معها دون أن يشمل البرنامج الصاروخي أو النشاط الإقليمي لإيران، وفي هذه الحالة تسعى لأن يبقى الخيار العسكري الإسرائيلي متاحاً في المستقبل.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M