- من المتوقع أن يؤدي مقتل المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، إلى إحداث فراغ سياسي وقيادي كبير داخل بنية النظام الإيراني، رغم تأكيد الجهات الرسمية أن النظام السياسي لن يتأثر بغياب خامنئي، وأن مسار المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل سيتواصل.
- من المُرجَّح أن يؤدي مقتل خامنئي إلى طفو سيناريو الفوضى داخل إيران على السطح، في ظل انقسام ردود الفعل الشعبية على مقتله بين مُرحِّب ومُندِّد، ما قد يدفع هذين الفريقين، في وقتٍ ما، نحو خوض مواجهة ميدانية، قد تفتح الطريق أمام انزلاق المشهد الإيراني إلى الاقتتال الداخلي.
- من بين السيناريوهات المطروحة، أن يتمكَّن النظام الحاكم الخروج من أزمة غياب خامنئي بواسطة مجلس قيادي انتقالي بديل يحظى بالإجماع. لكن هذا السيناريو يواجه عقبات فعلية، تَتصدَّرُها الشكوك بشأن فاعلية مجلس كهذا، يسود الغموض مصير أعضائه. فضلاً عن مُعضلة الشارع المنقسم الذي تعمل الظروف الاقتصادية وحالة الحرب على تعزيز انقسامه، ناهيك بالحرب المستمرة التي تُنذِر باستمرار تغييب الوجوه القيادية للنظام.
- يفترض سيناريو ثالث أن يقود جنرالات الحرس الثوري ما يشبه الانقلاب لضمان استمرار النظام السياسي الإيراني في النسخة التي يريدونها؛ إمَّا عبر التفاوض مع واشنطن بشأن التوصل إلى صيغة مشتركة لإدارة المشهد، أو التأثير على مسار الانتقال السيادي عبر تحريك العجلة لصالح مرشح بعينه وتقاسُم السلطة معه، أو تغيير السِّكة من نظام مبني على ولاية الفقيه إلى نظام عسكريتاري بتوجهات أيديولوجية.
أكدت المصادر الرسمية الإيرانية، فجر الأول من مارس الجاري، نبأ مقتل قائدها الأعلى علي خامنئي، وكانت مصادر إسرائيلية وأمريكية أكَّدت مقتله في هجوم نفذته صباح يوم الثامن والعشرين من فبراير. ويتضح من البيان الرسمي الذي نشره التلفزيون الإيراني أن الرجل لقي حتفه جراء الموجة الأولى من الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على عدة مواقع سيادية وعسكرية في العاصمة طهران، بما فيها “بيت القائد”، ومكتب الرئيس الإيراني، وقُتِلَ مع علي خامنئي عدد من أفراد عائلته، وعدد غير معروف من القيادات العسكرية والسياسية المرتبطة بمنظومة “بيت القائد”، وذلك ضمن هجوم منسق ودقيق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه أدى إلى تحييد عدد كبير من القيادات في إيران.
فراغ قيادي وسياسي كبير
حاولت البيانات الرسمية الصادرة بعد موت خامنئي تأكيد استمرار هياكل النظام السياسي الإيراني، واستمرار السلوك ذاته، حيث قال بيان الحرس الثوري إن هذه المؤسسة لن تتأثر، وإن مسار المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل سيتواصل. لكنّ موقع خامنئي في النظام السياسي الإيراني وصلاحياته، سواء تلك الواسعة التي تناط بالولي الفقيه بموجب الدستور أو تلك الواسعة هي الأخرى التي اكتسبها خامنئي على مر 38 عاماً من القيادة عبر التحكم في تفاصيل المشهد السياسي والاقتصادي والعسكري، تجعل غيابه فراغاً سياسياً لا يمكن ملؤه بسهولة، وتجاوزه بسلاسة. إذ لا يمكن توقع ملء الفراغ الناجم عن منصب تكوّن على مرّ أربعة عقود، ليصل إلى نسخته الراهنة التي تهيمن على المؤسسة العسكرية، وتُلقي ظلالها على كامل المؤسسة السياسية الإيرانية، وتُدير ثلث الاقتصاد الإيراني بشكل مباشر، كما تُدير بقيته بشكل غير مباشر، وارتبطت خصوصيتها ودورها بخصوصية موقع خامنئي ودوره كأنها عباءة خيطت على قامته بسهولة؛ لاسيما وأنّ جزءاً كبيراً من هيمنته كانت ناتجة عن شخصيته، وعن العلاقات الفردية التي كوّنها على مدار العقود الخمسة الفائتة وجعلت النظام السياسي في إيران نظاماً فرديّاً إلى حدٍّ كبير.
كل ذلك يجعل من غياب خامنئي، والحديث عن السيناريوهات المطروحة للمشهد السياسي الإيراني غداة تغييبه القصة الأهم في هذه اللحظة. وربما أهم من الحديث عن تداعيات الحرب ومجرياتها، خصوصاً إذا أخذنا بالحسبان أن مصير هذه الحرب، كما هو الحال بالنسبة لمصير النظام السياسي في إيران، مرتبط إلى حد كبير بمكانة القائد الإيراني الأعلى، والسيناريوهات المطروحة لخلافته، ولتوقعات المشهد السياسي في اليوم التالي لغيابه.
السيناريوهات المحتملة لعملية الانتقال السياسي
السيناريو الأول: سيناريو الفوضى؛ ويبدو أنه سيكون الاحتمال المرجح في ضوء المعطيات الميدانية؛ فمنذ لحظة إعلان الخبر في القنوات المعارضة، أفادت المعطيات الميدانية تفاعلاً كبيراً من الشارع الإيراني في طهران، إذ أظهرت لقطات فيديو احتفالات في العاصمة طهران، ومدن أخرى، بينما أشارت المصادر إلى هتافات الناس من البيوت فرحاً بمقتل الرجل الذي يراه الشارع الإيراني سبباً في الأوضاع الاقتصادية المتردية، كما يوجهون له أصابع الاتهام في قمع المحتجين، ومقتل الآلاف منهم. وفي حين يفترض أن يستمر هذا التفاعل لدى أجزاء كبيرة من الشارع الإيراني، وقد تتصاعد وتيرته، فإن الأنباء التي تتناقلها القنوات الرّسمية تظهر استعداد الفئات الموالية للتظاهر الميداني ابتداء من اليوم التالي لإعلان مقتل خامنئي في طهران، وفي عدة مدن أخرى. ويعني ذلك، من بين عدة أمور، دفع الشارع الإيراني نحو مواجهة ميدانية، بين الفئات الساخطة على النظام والمرحبة بموت خامنئي، وبين الفئات المؤيدة للنظام، الأمر الذي قد يضع البلاد على مشارف الانزلاق إلى الاقتتال الداخلي المبكّر.
ومما يعزز هذا الاحتمال، هو الأحاديث الجارية عن اغتيال العديد من الشخصيات السياسية المناط بها إدارة الشأن السياسي الداخلي؛ حيث يجري الحديث من دون نفي أو تأكيد عن اغتيال شخصيات مهمة، منها مدير مكتب علي خامنئي، وكبار مستشاريه، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس مجلس الدفاع علي شمخاني، ووزير الدفاع عزيز نصير زادة، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، وقائد الأركان المسلحة عبدالرحيم موسوي، وقطار بكامله من وجوه الخط الأول في الحرس الثوري والجيش الإيراني والقوى الأمنية. وإن لم يكن هذا يعني بالضرورة تأكيد الفوضى والانزلاق إلى الاقتتال الداخلي لكنه يعزز احتمالاتها، ويجعل النظام السياسي الإيراني كله على المحك في الأيام المقبلة التي تتبين فيها قدرته على التعامل مع الأزمة الصاعدة، والتي ستنعكس بالضرورة على الاقتصاد المنهار أساساً بفعل العقوبات الدولية، وتدفع الشارع نحو الإعلان عن سخطه. ويعمل غياب خامنئي الذي ترتبط به كل التنظيمات الأيديولوجية على إضعاف منظومة المؤسسات الموالية، وترخية الحبال والارتباطات داخل المعسكر المدافع عن النظام، بما يُنذر بحصول انشقاقات متعددة داخل هذا الخط.
السيناريو الثاني: سيناريو تماسُك النظام، وإدارة الانتقال السياسي؛ وهو سيناريو يفترض أن النظام يستطيع الخروج من الأزمة من طريق المؤسسات والبدائل التي يستند عليها. وينطلق هذا السيناريو من التأكيد على أن النظام السياسي الإيراني، رغم كل ارتباطاته العضوية والحيوية بشخصية علي خامنئي باعتباره القائد وباعتباره المرشد الروحي، يظل نظاماً مبنياً على مؤسسات، سواء كانت دستورية أو غير دستورية. وبناء على ذلك، فإن الانتقال السياسي وإن كان مخاضاً صعباً، لكنه سيكون الخيار الأكثر احتمالاً في ضوء استمرار تلك المؤسسات، بما فيها مؤسسة القيادة.
وانطلاقاً من هذا السيناريو، أكدت الحكومة في بيانها أنها أعدَّت برنامجاً لإدارة البلاد في ظل الحرب، كما أعلنت المؤسسات الرسمية العمل على انعقاد مجلس قيادة في انتظار اختيار خليفة للقائد القتيل. وأشار مستشار خامنئي أن هذا المجلس يتكون من رئيس الجمهورية، ورئيس سلطة القضاء، إلى جانب أحد أعضاء مجلس صيانة الدستور. ومن منطلق قانوني سيُدير هذا المجلس الثلاثي شؤون القيادة بانتظار اختيار القائد الجديد.
وفي سياق التأكيد على أنَّه نظام مؤسسات، تناول الإعلام المقرب من النظام السياسي الإيراني أسماء لخلافة القائد الإيراني المغيب، بانتظار تصويت مجلس خبراء القيادة عليها؛ حيث أُشيرَ إلى أسماء مثل علي رضا أعرافي (رئيس الحوزات العلمية، وإمام جمعة مدينة قم، ونائب رئيس مجلس خبراء القيادة)، ومحسن أراكي (عضو مجلس خبراء القيادة، والأمين العام السابق لمجمع تقريب المذاهب الإسلامية)، وحسن روحاني (الرئيس الإيراني الأسبق). إنها صورة سياقية تحاول تأكيدها مؤسسات النظام الإيراني التي دعت الناس إلى الاحتشاد حزناً على مقتل خامنئي، في محاولةٍ لإثبات أنها تُمسِك بكل الخيوط، وأن النظام الإيراني الذي ارتبط اسمه وجوهره بعلي خامنئي ليس نظاماً ينهار بانهيار قياداته.
لكن ثمَّة عقبات فعلية أمام هذا السيناريو ينبغي تجاوزها لكي يتحقق، تَتصدَّرُها الشكوك بشأن فاعلية مجلس قيادة انتقالي، يسود الغموض مصير أعضائه. فضلاً عن معضلة الشارع المنقسم الذي تعمل الظروف الاقتصادية وحالة الحرب على تعزيز انقسامه. ناهيك بالحرب المستمرة التي تُنذِر باستمرار تغييب الوجوه. كما تظهر هيمنة العسكر على المشهد والقرار باعتبارها عقبة أخرى على طريق الانتقال السياسي؛ إذ يبقى حصول أي مرشح للخلافة على ثقة العسكر موضع شك. وستظل القرارات الصادرة عن مجلس القيادة، وعن الخليفة المحتمل، تعاني -على الأرجح- من الهشاشة، وضعف الامتثال في مجتمع غير مكترث به، وفي نظام سياسي تعوّد على شخصية علي خامنئي، وارتبط بهيمنته الشخصية أكثر من ارتباطه بالمؤسسات والدستور.
السيناريو الثالث: سيناريو الحكم العسكري؛ وهو سيناريو فرعي يقع على هامش السيناريو الثاني، إذ بينما يفترض السيناريو الثاني استمرار النظام السياسي بواسطة مؤسساته التي توجد المسار البديل الذي يحظى بالإجماع، ينطلق هذا السيناريو من الافتراض ذاته، من حيث استمرار النظام السياسي ومؤسساته، لكنَّه يعني بالمؤسسات مؤسسة “الحرس الثوري” تحديداً، وأذرعها الاقتصادية والسياسية والإعلامية إلى جانب السطوة العسكرية.
ومن المعروف أن النظام السياسي في إيران كان على مرّ العقدين الماضيين، هو نظام الحرس الثوري إلى جانب أنَّه نظام الولي الفقيه. وإذا كان الولي الفقيه ومؤسسته يهيمنان على القرار السياسي والعسكري وعلى ثلث الاقتصاد بشكل مباشر، وعلى بقيته بشكل غير مباشر، فإن الحديث ذاته صادق عن الحرس الثوري، بما يجعله الورقة الأقوى في المشهد السياسي الراهن والمستقبل. والحرس مؤسسة عسكرية كبيرة تنتشر في كل أنحاء إيران (بما يمنحها الهيمنة الميدانية)، وتمتلك السلاح (بما يمنحها قوة إدارة الفوضى)، وهي تُدير ثلث الاقتصاد الإيراني (بما يمنحها القدرة على تقديم حلول اقتصادية إسعافية)، وهي مؤسسة ذات تنظيم قويّ، وتمتلك هياكل داخلية متماسكة. وبينما تشير الأنباء إلى أن الأطراف الدولية تعول على تعاون بعض جنرالاتها لإدارة المرحلة الانتقالية، فإن السيناريو الفرعي يفترض أن يقود جنرالات الحرس الثوري ما يشبه الانقلاب ويطبّقون مسار هيمنة على الشؤون السياسية في المرحلة المقبلة لضمان استمرار النظام السياسي الإيراني في النسخة التي يريدونها؛ إمَّا بالتفاوض مع الولايات المتحدة بشأن التوصل إلى صيغة مشتركة لإدارة المشهد، أو التأثير على مسار الانتقال السيادي عبر تحريك العجلة لصالح مرشح بعينه وتقاسُم السلطة معه، أو تغيير السِّكة من نظام مبني على ولاية الفقيه إلى نظام عسكريتاري (Militarist System) بتوجهات أيديولوجية.
غير أن هذا السيناريو يواجه أسئلة جوهرية من قبيل: مَنْ الذي سيقود الحرس في ضوء تغييب جنرالاته والصف الأول من قياداته؟ وهل يمكن للقيادات المتبقية التحالف والحفاظ على تماسك المؤسسة؟ وهل تحظى القرارات الصادرة عن القيادات الجديدة بدعم كامل المؤسسة بما يجعلها قرارات سيادية؟ لكن، في المُجمَل، يؤكد هذا السيناريو دور المؤسسة العسكرية الأيديولوجية التي ينيط بها الدستور مهمة الحفاظ على الثورة، وتتغلغل إلى كل زوايا الحياة ضمن المشهد الإيراني في إدارة المرحلة المقبلة، وترك البصمة على طبيعة هذه المرحلة.