اغتيال خامنئي وموقف محور المقاومة: إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية

تمثل عمليات اغتيال القادة السياسيين والعسكريين في منطقة الشرق الأوسط محطات مفصلية غالباً ما تُحدث تحولات عميقة في موازين القوى الإقليمية، إذ لا يقتصر تأثيرها على الدولة المستهدفة فحسب، بل يمتد ليشمل البيئة الجيوسياسية المحيطة بها. وفي هذا السياق، يُعد اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي في 28 شباط 2026 حدثاً غير مسبوق في تاريخ النظام الإيراني منذ تأسيسه عام 1979، إذ يمثل أول عملية اغتيال تستهدف رأس الهرم السياسي والديني في الجمهورية الإسلامية

جاءت هذه العملية ضمن هجوم عسكري معقد تم بالتنسيق بين الولايات المتحدة الأمريكية و(إسرائيل)، استهدف اجتماعاً رفيع المستوى لقيادة الدولة الإيرانية في العاصمة طهران، وأسفر عن مقتل عدد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين، وقد أحدث هذا الحدث صدمة سياسية وأمنية داخل إيران، كما أثار تداعيات إقليمية واسعة النطاق نظراً للدور المحوري الذي لعبه خامنئي في صياغة التوجهات الاستراتيجية للنظام الإيراني لأكثر من ثلاثة عقود.

 

ولا يمكن فهم تداعيات هذا الحدث بمعزل عن طبيعة الدور الذي اضطلع به خامنئي في إدارة السياسة الإقليمية لإيران، إذ ارتبطت استراتيجيته بتوسيع نفوذ طهران في الشرق الأوسط عبر بناء شبكة من التحالفات مع قوى وفصائل مسلحة في عدد من دول المنطقة، وهي الشبكة التي عُرفت بإسم “محور المقاومة”. ومن هنا، فإن اغتيال خامنئي لا يمثل مجرد استهداف لشخصية سياسية، بل يُعد ضربة مباشرة لأحد أبرز رموز الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية

ولم يقتصر تأثير هذا الحدث على الداخل الإيراني، بل امتد ليشمل شبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطين بطهران، والمعروفة بمحور المقاومة الذي يضم إلى جانب إيران حزب الله في لبنان وعدداً من الفصائل المسلحة في العراق وسوريا واليمن. وقد أدت عملية الاغتيال إلى طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل المحور ومدى قدرته في الحفاظ على تماسكه الاستراتيجي في مرحلة انتقالية حساسة

 

1_تداعيات اغتيال خامنئي على بنية النظام الإيراني: تولى علي خامنئي منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية عام 1989 عقب وفاة مؤسسها روح الله الخميني، ومنذ ذلك الحين أصبح صاحب السلطة العليا في النظام الإيراني، حيث تمتع بصلاحيات واسعة تشمل الإشراف على القوات المسلحة والحرس الثوري ووضع خطط السياسة الخارجية والأمنية للدولة وخلال فترة حكمه الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، عمل على ترسيخ شبكة من النفوذ الإقليمي لإيران من خلال دعم حركات وفصائل مسلحة في الشرق الأوسط

ومن منظور تحليلي، فإن اغتيال خامنئي يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية معقدة داخل النظام الإيراني، إذ قد يؤدي غياب الشخصية التي لعبت دوراً محورياً في ضبط التوازنات الداخلية إلى إعادة ترتيب مراكز القوة داخل النظام، خصوصاً بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإيراني كما قد يفرض هذا التطور تحديات تتعلق بآلية انتقال السلطة وطبيعة القيادة التي ستتولى توجيه السياسة الإيرانية في المرحلة المقبلة، وفي هذا الإطار تشير بعض التقديرات إلى أن مجتبى خامنئي نجل المرشد الراحل، قد يلعب دوراً مهماً في المرحلة القادمة، إلا أن قدرته على ترسيخ شرعيته السياسية ستظل مرتبطة بمدى قبول النخب السياسية والدينية داخل النظام الإيراني

 

2_انعكاسات الحدث على محور المقاومة: يشكل محور المقاومة أحد أهم الأدوات التي استخدمتها إيران لتعزيز نفوذها الإقليمي خلال العقود الماضية وقد اعتمدت هذه الاستراتيجية على بناء شبكة من الحلفاء الإقليميين لممارسة الضغط على اعدائها ومن هذا المنطلق، فإن اغتيال خامنئي يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة هذا المحور في الحفاظ على تماسكه فغياب الشخصية التي لعبت دوراً مركزياً في توجيه هذا المحور قد يدفع بعض أطرافه إلى إعادة تقييم أدوارهم واستراتيجياتهم

ففي لبنان، برزت تحولات سياسية لافتة عقب عملية الاغتيال، إذ تبنت الحكومة اللبنانية موقفاً أكثر وضوحاً إزاء دور حزب الله العسكري فقد شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، داعياً مختلف القوى السياسية بما فيها حزب الله إلى تسليم أسلحتها للجيش اللبناني باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو تعزيز سيادة الدولة وقد جاءت هذه التصريحات في ظل ضغوط دولية متزايدة، لا سيما من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، التي ترى أن الحد من النفوذ العسكري لحزب الله يمثل شرطاً أساسياً لدعم استقرار لبنان السياسي والاقتصادي وفي الوقت ذاته، شهدت الحدود الجنوبية للبنان تصعيداً عسكرياً ملحوظاً عقب عملية الاغتيال، إذ أعلن حزب الله استعداده لخوض ما وصفه بـ “حرب مفتوحة” ضد إسرائيل)، بينما ردت (إسرائيل) بسلسلة من الضربات الجوية المكثفة استهدفت مواقع عدة في جنوب لبنان)

أما في العراق، فقد أعلنت بعض الفصائل المسلحة تنفيذ عمليات استهدفت قواعد عسكرية أمريكية داخل البلاد ويمكن تفسير هذه العمليات باعتبارها محاولة لإظهار استمرار فاعلية محور المقاومة رغم الضربة التي تلقاها باغتيال خامنئي، وكذلك كرسالة ردع موجهة إلى الولايات المتحدة وحليفتها (إسرائيل) ، وفي الوقت ذاته تخشى بعض الاطراف من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى تقويض الاستقرار، او إعادة إدخال البلاد في دائرة الصراع الإقليمي الأمر الذي قد يفرض تحديات أمنية وسياسية كبيرة على العراق

 

3- التحولات المحتملة في التوازنات الإقليمية: من منظور استراتيجي، يشير اغتيال خامنئي إلى تحول محتمل في طبيعة الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة و(إسرائيل) من جهة أخرى. فقد كان الصراع خلال السنوات الماضية يعتمد بدرجة كبيرة على المواجهة غير المباشرة عبر الوكلاء الإقليميين، إلا أن استهداف رأس القيادة الإيرانية قد يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تصعيداً

ومع ذلك، فإن رد الفعل الإيراني المحتمل قد يتخذ مسارات متعددة، إذ قد تتجه القيادة الإيرانية الجديدة إلى التصعيد العسكري عبر حلفائها في المنطقة، أو إلى تبني استراتيجية أكثر حذراً تهدف إلى إعادة ترتيب الأولويات الداخلية وتعزيز الاستقرار السياسي داخل إيران

تشير المعطيات الحالية إلى أن اغتيال علي خامنئي يمثل نقطة تحول مهمة في مسار الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط. فبينما قد يشكل هذا الحدث ضربة معنوية وسياسية للنظام الإيراني، فإنه في الوقت ذاته قد يدفع إيران وحلفاءها إلى إعادة تنظيم استراتيجياتهم الإقليمية

وفي هذا السياق، فإن مستقبل محور المقاومة سيظل مرتبطاً بقدرة القيادة الإيرانية الجديدة على إدارة مرحلة ما بعد خامنئي، وكذلك بمدى استعدادها للتكيف مع المتغيرات الإقليمية المتسارعة. ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة إعادة تموضع داخل هذا المحور، سواء من حيث توزيع الأدوار بين أطرافه أو من حيث طبيعة الاستراتيجية التي سيتبعها في مواجهة الولايات المتحدة و(إسرائيل).

 

وردنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M