الائتلاف الحكومي الجديد في ألمانيا: مسارات التشكُّل واتجاهات السياسة الخارجية

  • شكَّلت الانتخابات الفيدرالية الألمانية التي جرت في فبراير 2025 تحولاً كبيراً في المشهد السياسي في البلاد، حيث عكست الانقسامات الإقليمية وصعود الأحزاب المتطرفة. لكنَّها كرَّست عودة قوية للمحافظين بقيادة فريدريش ميرز، الذي سيقود البلاد في خلال العُهدة المقبلة.
  • من المتوقع أن تتجه السياسة الخارجية للحكومة الألمانية الجديدة نحو تعزيز الدفاع الأوروبي، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتعزيز التحالفات عبر الأطلسي، وأن تكون أقل صرامةً مع المنافس الصيني.
  • يتوقع أن تُظهِر سياسة الحكومة الألمانية الجديدة دعماً أكبر لحكومة بنيامين نتنياهو، وأن تكون أكثر حدةً تجاه إيران، فيما سيغلب التشدد على توجهاتها المتعلقة بملف الهجرة واللجوء، ما قد يؤثر سلباً في دول مثل سورية وأفغانستان. 
  • يُرجَّح أن يدفع البرنامج الاقتصادي والجيوسياسي الطموح لزعيم التحالف المحافظ فريدريش ميرز في قطاعات الطاقة وتجديد الصناعة والدفاع والتكنولوجيا، الحكومة الألمانية المقبلة لفتح أوسع الآفاق للتعاون مع دول الخليج، تجارياً ودفاعياً وطاقوياً.

كشفت الانتخابات الفيدرالية الألمانية المبكرة، التي جرت في 23 فبراير الماضي، عن مشهدٍ سياسي جديد في البلاد، من شأنه أن يقود إلى تحوّل كبير على مستوى السلطة، وتحوّل أكبر في مستوى طبيعة القوى المتنافسة. فقد أفرزت صناديق الاقتراع عودةً قويةً للمحافظين، في مقابل انتكاسة ليسار الوسط الحاكم، وصعود تاريخي لليمين المتطرف. مع آثار مستقبلية – تبدو كبيرة – على كلٍّ من الحكم المحلي وموقف ألمانيا على الساحة الأوروبية، وكذلك سياستها الخارجية. إذ من المتوقع أن تكون الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد كيفية تطور هذه التغييرات وتأثيرها على المسار المستقبلي للبلاد، في سياق أوروبي ودولي يتَّجه إلى مزيدٍ من الصراعات التجارية والأمنية.

مسارات تشكيل الحكومة الجديدة

تكشف لوحة النتائج عن تحوّل أساسي في مستوى السلطة الألمانية يتمثل في خسارة المستشار الحالي، وزعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أولاف شولتز، منصبه لصالح زعيم التحالف المحافظ فريدريش ميرز. ومن طريق الأرقام التي حققتها الأحزاب الرئيسة، تُقدِّم هذه الانتخابات المبكرة – والتي شهدت نسبة مشاركة هي الأعلى منذ 1987 بلغت 82.5% – ثلاثة مؤشرات أساسية لطبيعة المشهد السياسي الألماني في خلال السنوات المقبلة:

1. عودة المحافظين. فقد حقق التحالف، المكون من الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، بقيادة فريدريش ميرز، عودةً تاريخية إلى السلطة بنسبة 28.5%، بزيادة قدرها 4.4% قياساً بانتخابات 2021، وبالتالي كسب 208 مقعداً في البرلمان الجديد. فقد ركَّزت حملة ميرز على المحافظة التقليدية، والإنعاش الاقتصادي، والموقف الصارم بشأن الهجرة، وهو ما لاقى صدى لدى شريحة كبيرة من الناخبين، الذين عايشوا فترة من التراجع الاقتصادي والضغط الأمني والاجتماعي في خلال سنوات حكم ائتلاف اليسار. وهذه العودة للتحالف المحافظ أصبحت من سمات السياسة في أوروبا، حيث أصبح اليمين المحافظ، هو الممثل الرئيس لتيار الوسط السياسي في ظل أزمة أحزاب يسار الوسط.

حقق التحالف المحافظ، المكون من الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، بقيادة فريدريش ميرز، عودةً تاريخية إلى السلطة في ألمانيا (فرانس برس)

2. انتكاسة يسار الوسط. لم يحقق زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أولاف شولتز، سوى 16.4% (12 مقعداً) بتراجع نسبته 9.3%، في أسوأ نتيجة يحققها الحزب في تاريخه بعد الحرب العالمية الثانية. كما شهد حزب الخضر، بقيادة روبرت هابيك، تراجعاً إلى 11.6% من الأصوات (85 مقعداً)، مما يعكس خسارة قدرها 3.1 نقطة مئوية.

3. صعود أقصى اليمين وأقصى اليسار. السِّمة الأبرز للتحول السياسي الجاري في ألمانيا – والذي يعكس تحولاً أوروبياً عاماً – هي صعود القوى المتطرفة على طرفي المشهد السياسي، أقصى اليمين الشعبوي وأقصى اليسار الراديكالي. فقد حقق حزب البديل من أجل ألمانيا، بقيادة أليس وايدل، نتائج تاريخية بلغت 20.8% من الأصوات (152 مقعداً)، مما ضاعف حصته السابقة وأصبح ثاني أكبر حزب في البوندستاغ. ويرجع هذا الارتفاع إلى الاستياء العام من سياسات الهجرة، والركود الاقتصادي، والمعارضة لمبادرات حزب الخضر بشأن المناخ. ويظل معقل حزب البديل لألمانيا في شرق ألمانيا، حيث حصل على ما يصل إلى 25-30% من الدعم. كما شهدت هذه الانتخابات صعوداً لافتاً لحزب اليسار بقيادة يان فان آكين وهايدي ريتشينيك، الذي تمكن من تجاوز عتبة الـ5% وحصل على 8.8% من الأصوات، وعاد إلى البوندستاغ بـ 64 مقعداً. ويأتي هذا الانتعاش بعد فترة من إعادة الهيكلة الداخلية بعد الانقسام في عام 2023.

أسفرت النتائج عن تجاوز ستة أحزاب عتبة الخمسة في المئة لتكون معنية بمشاورات تشكيل الحكومة الجديدة. ولكن تحالف حزبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، بقيادة فريدريش ميرز، الذي حلّ أولاً لم يحقق نسبة الـ 30 في المئة التي تؤهله لتشكيل الحكومة دون البحث عن تحالفات. وفي الوقت نفسه تعهَّد ميرز قبل الانتخابات بأنه لن يتحالف مع حزب البديل في أقصى اليمين، والذي جاء في المركز الثاني، مما يجعل تشكيل الائتلاف أمراً صعباً. ويبدو أن الخيار الأكثر قابلية للتطبيق هو تشكيل ائتلاف ثلاثي بين الحزب الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، حيث يسيطرون مجتمعين على 45% من المقاعد. وقد شرعوا في محادثات استكشافية منذ 28 فبراير الماضي، في سبيل التوصل إلى حلول وسطٍ لتشكيل حكومة ائتلافية. وفي الثامن من مارس، أعلن فريدريش ميرز أن الأحزاب الثلاثة توصلت إلى اتفاق بشأن مجموعة كاملة من القضايا الجوهرية، تمت صياغته في وثيقة مشتركة تتكون من 402 نقطة. ويتعلق الاتفاق بمسائل التمويل والاقتصاد والهجرة بشكلٍ أساسي. حيث سيتم تعزيز تمويل موازنة الدفاع، وإنشاء صندوق خاص بقيمة 500 مليار يورو للاستثمار في البنية التحتية، وتسريع إنفاق أموال الصندوق الخاص بالدفاع من طريق وضع خطط تشغيلية وشراء سريع للأصول الدفاعية؛ وتخفيض تكاليف الطاقة من طريق تخفيض ضريبة الكهرباء إلى الحد الأدنى الأوروبي؛ وزيادة إنتاج الطاقة. وكذلك فرض قواعد صارمة بشأن الهجرة، من طريق توسيع نطاق عمليات مراقبة الحدود، وتوسيع قائمة الدول الآمنة لتقليل طلبات اللجوء غير المبررة. في مقابل تسهيل هجرة العمالة الماهرة.

السِّمة الأبرز للتحول السياسي الجاري في ألمانيا هي صعود القوى المتطرفة على طرفي المشهد السياسي، يميناً ويساراً

وتحتاج هذه الوثيقة المشتركة مصادقة المؤسسات الداخلية للأحزاب الثلاثة لكي يتم الشروع في تحويلها إلى برنامج عمل حكومي. ووفقاً للأعراف السياسية الألمانية، فإن هذا الأمر قد يستغرق بعض الأسابيع. وقد أعلن المستشار المستقبلي ميرز أن الهدف المحتمل هو الانتهاء من تشكيل الائتلاف بحلول عيد الفصح في 20 أبريل المقبل. وقبل ذلك سيعقد البرلمان الجديد أولى جلساته في 25 مارس. وسيقرر المشرعون قواعد الإجراءات وسيصوتون على انتخاب رئيس جديد للبرلمان. ويبدو أن هذا المسار هو الأكثر توقعاً وترجيحاً في قيادة ألمانيا في خلال الفترة المقبلة، ومما يعزز هذا المسار، نجاح فريدريش ميرز في تجاوز عقبة أساسية وهي إجراءات الإصلاح الشامل لقواعد الديون الحكومية، التي يريد التحالف تمريرها في البرلمان، لتطبيق برنامجه في إنشاء صندوق خاص خارج الميزانية العمومية لتمويل البنية التحتية وإعفاء الإنفاق الدفاعي من سقف الإنفاق الدستوري، وذلك بعد أن نجح في التوصل إلى اتفاق مع حزب الخضر يُمهِّد الطريق للتصويت لصالح خطة الإنفاق غير المسبوقة.

أسفرت نتائج الانتخابات الفيدرالية الألمانية عن تجاوز ستة أحزاب عتبة الخمسة في المئة لتكون معنية بمشاورات تشكيل الحكومة الجديدة (فرانس برس)

اتجاهات السياسة الخارجية الألمانية

في ضوء المواقف التي عبَّر عنها المستشار المستقبلي، فريدريش ميرز، الذي يعطيه موقعه صلاحية قيادة السياسات الخارجية، حتى في نطاق ائتلاف حزبي متنوع الخلفيات الأيديولوجية، ومن طريق الاتفاق المشترك مع الحزب الاشتراكي، تبدو ملامح السياسة الخارجية الألمانية أكثر وضوحاً اليوم، لاسيما في الملفات الكبرى المتعلقة بموقع ألمانيا في البناء الأوروبي، والموقف الحاسم من الصراع في أوكرانيا وما يستتبعه حول طبيعة العلاقات المستقبلية مع روسيا، والعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف التاريخي لألمانيا.

  • الاتحاد الأوروبي. شأنه شأن حلفائه في الحزب الاشتراكي، يُعدّ فريدريش ميرز داعماً قوياً للاتحاد الأوروبي. وقد تعهَّد بعد فوزه في الانتخابات بأداء دور أكثر نشاطاً في الاتحاد. لذلك من المرجح، أن نشهد حكومة ألمانيةً جديدة أكثر مشاركة وفاعلية في أوروبا. وتعكس نقاط الوثيقة المشتركة بين الطرفين اتجاهاً في السياسة الخارجية يركز على التعاون الأوروبي القوي، والاستثمارات الدفاعية الأوروبية، والهجرة الخاضعة للرقابة، والالتزام بأهداف المناخ الأوروبية. وفي الإحاطة التي قدمها في يناير الماضي حول سياسته الخارجية، قال فريدريش ميرز :”إن المسؤولية التي تقع على عاتق ألمانيا اليوم، ليس فقط على مستوى مصالحها الخاصة، بل وعلى مستوى التماسك في مختلف أنحاء أوروبا”. وفي سبيل ذلك يريد ميرز تحوُّلاً جذرياً في اتجاه تعزيز علاقة بلاده مع جارتيها الأكثر أهمية في أوروبا: بولندا وفرنسا. مُشيراً إلى أن “التناقض الحالي بين ألمانيا وفرنسا في المجلس الأوروبي يجب أن يصبح شيئا من الماضي. وأنا عازم على استخدام العامين المتبقيين من ولاية الرئيس ماكرون للعمل معه لتحقيق رؤية أوروبا ذات السيادة”. كما أكَّد أنَّه منفتح على قيام فرنسا بتوسيع نطاق ردعها النووي في أوروبا، في خطوةٍ لمجابهة سياسة ترمب في نزع الحماية عن القارة. وقال إن المناقشات يجب أن تشمل أيضاً بريطانيا.
  • أوكرانيا/روسيا. يُشكِّل الصراع في أوكرانيا اليوم القضية المركزية في السياسة الخارجية الألمانية. ففي خلال ثلاث سنوات من الحربّ النشطة، أصبحت برلين ثاني أكبر مانح للمساعدات إلى كييف، بعد الولايات المتحدة، وأكبر مانح داخل الاتحاد الأوروبي. ونصَّت الوثيقة المشتركة على أن ألمانيا ستواصل دعم أوكرانيا بقوة. ويُشير هذا إلى استمرار الموقف الحالي المؤيد لأوكرانيا في السياسة الخارجية الألمانية، وهو ما يعكس على الأرجح موقف ميرز أيضاً. وطرح ميرز في إحاطته حول السياسة الخارجية تصوّره للسلام المفترض في أوكرانيا، عاداً أن إنهاء الحرب أولوية استراتيجية بالنسبة لحكومته، ومشيراً إلى أن السلام الذي يريده يتمثل في خسارة روسيا للحرب واستعادة السيادة الإقليمية الأوكرانية، وهذا يفترض – حسب قوله – أن تكون أوكرانيا قوية بما يكفي للدفاع عن نفسها بشكل فعال. ومع أن هذا الموقف يصطدم مع النهج الذي يسلكه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إلا أنه يقوي الجبهة التي بدأت تتشكل من فرنسا وبريطانيا لدعم أوكرانيا عسكرياً وسياسياً.

يُشكِّل الصراع في أوكرانيا القضية المركزية في السياسة الخارجية الألمانية اليوم

  • الولايات المتحدة. تاريخياً يُعدّ فريدريش ميرز من حلفاء واشنطن، ومن المتأثرين بقوة بتاريخية العلاقات عبر الأطلسي. وعلى رغم السياسات التي شرع ترمب في سلوكها بشأن الانسحاب الدفاعي والقيود التجارية، فإنّ ميرز عبّر عن تمسكه بهذا التحالف التاريخي، قائلاً: “إن تحالفنا مع أمريكا كان ولا يزال يكتسب أهمية قصوى بالنسبة لأمن أوروبا وحريتها وازدهارها”. ويتفق المستشار الألماني المستقبلي مع ترمب في فكرة إنهاء الحماية الأمنية الأمريكية لأوروبا، من طريق دفعه بقوة لبناء مظلة دفاعية أوروبية مستقلة. لذلك من المتوقع أن تكون سياسة ميرز في خلال الشهور الأولى من ولايته محاولة مزامنة المواقف والسياسات مع واشنطن بشأن مجموعة واسعة من القضايا، بداية من الموقف في أوكرانيا ثم قضايا الدفاع والرسوم الجمركية. ومن المتوقع أن يسعى لفتح خطوط تواصل مع الرئيس الأمريكي وفهم ما يريده الأخير من ألمانيا. وعلى الرغم من علامات عدم اليقين عبر الأطلسي، فإن برلين ستكون حريصة على تجنُّب الدخول في صراعات معلنة مع ترامب.
  • الصين. دائماً ما كانت مواقف ميرز السياسية ناقدةً بشدة للصين. وفي خلال الحملة الانتخابية، طلب ميرز من الشركات الاستثمار في الصين بحذر، قائلاً إن ذلك ينطوي على مخاطر كبيرة. كما حذرّ من سيناريو يشبه الحرب الباردة حيث يتعين على الديمقراطيات الليبرالية، من أجل البقاء، محاربة “محور الأنظمة الاستبدادية” بقيادة الصين وروسيا. لكن تحوّله من موقع المعارضة إلى السلطة في سياقٍ بات فيه الحليف الأمريكي أكثر بُعداً، من شأنه أن يجعل سياسة ميرز تجاه بيجين أقل حدةً وأكثر براغماتيةً. ومع توسُّع الولايات المتحدة في نهجها الأحادي والانعزالي في الشؤون العالمية، قد تعمل ألمانيا على تعزيز التعاون مع الصين في مجالات مثل الحوكمة العالمية وتغيُّر المناخ مع مراعاة المصالح الاستراتيجية الشاملة للاتحاد الأوروبي. ومن طريق الوثيقة المشتركة، التي تركز على الاقتصاد والتجارة، فإنه من المتوقع أن تتبنى الحكومة الائتلافية الألمانية المستقبلية نهجاً أكثر عقلانية تجاه الصين. ومن جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان – في أعقاب ظهور نتائج الانتخابات الألمانية – إن بلاده مستعدة للعمل مع الحكومة الجديدة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وألمانيا وتنميتها.
 يُعدّ فريدريش ميرز، شأنه شأن حلفائه في الحزب الاشتراكي، داعماً قوياً للاتحاد الأوروبي (فرانس برس)

اتجاهات السياسة الخارجية الألمانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

من المتوقع أن تكون سياسات الحكومة الألمانية المستقبلية مختلفةً، وأن تتخذ اتجاهاً أكثر يمينية تجاه الشرق الأوسط، لاسيما عبر تقديم مزيدٍ من الدعم لإسرائيل، وأن تكون أكثر حدةً تجاه إيران، وأن تتخذ نهجاً متشدداً في قضايا الهجرة واللجوء مع دول المنطقة التي تعد مصادر أساسية لتدفقات الهجرة.

  • الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. من المتوقع أن تواصل حكومة فريدريش ميرز في نهج حكومة شولتز الداعم لإسرائيل بقوة سياسياً ومالياً وعسكرياً. بل يبدو موقفه أكثر دعماً لتل أبيب، فقد انتقد بشدة في 7 أكتوبر الماضي قرار الائتلاف الحاكم بخفض مؤقت في الموافقات على تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. وبعد ظهور نتائج الانتخابات، أعلن ميرز أنَّه تحدَّث إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأنه سيجد “السبل والوسائل” التي تسمح لنتنياهو بزيارة ألمانيا، على رغم أنه مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. كما تعهَّد برفع كل القيود المفروضة على صادرات الأسلحة إلى إسرائيل. لكنَّه في الوقت نفسه يُقرّ بأن مقترح ألمانيا لحل هذا الصراع هو حل الدولتين، وأوضح أن حل الدولتين “ليس استراتيجية، بل هو مجرد وصف لهدف، حيث يوجد ارتباك عام حول كيفية تحقيق هذا الهدف”. لذلك من المتوقع أن تكون حكومة ميرز أكثر دعماً لنتنياهو، في مقابل زيادة حجم الشروط لدعم للسلطة الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بالإصلاحات ومكافحة الفساد. ومن المتوقع أن يدعم توسيع نطاق الاتفاقيات الإبراهيمية على المستوى الإقليمي.
  • إيران وتركيا. في إحاطته، قال ميرز إن الاتفاق النووي مع إيران فشل لأنه “اعتمد على حسن نية النظام الدكتاتوري وليس على التدابير الصارمة”. مُنتَقِداً استمرار التزام ألمانيا بهذا الاتفاق، وعجزها عن تطوير بديل استراتيجي مُقنِع. وقد طالب العام الماضي باتخاذ إجراءات صارمة ضد الحكومة الإيرانية بعد حكم الإعدام بحق الألماني الإيراني جمشيد شارمهد، وصل حد المطالبة بطرد السفير الإيراني من برلين. ومن المتوقع أن تتبنى الحكومة الألمانية المقبلة نهجاً أكثر تشدداً تجاه إيران. في المقابل، يريد ميرز تعزيز التعاون بين أوروبا وتركيا، لجهة الدور الذي تمارسه أنقرة في الحلف الأطلسي ودورها الإقليمي، خاصة في البلقان والقوقاز والشرق الأوسط.

تأكيد المستشار الألماني الجديد على الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي والشراكات الإقليمية يشير إلى إمكانية زيادة المشاركة المباشرة مع دول الخليج

  • الهجرة واللجوء. تُشكِّل الهجرة ركناً أساسياً في سياسة ميرز المحلية والخارجية، وقد دعت الوثيقة المشتركة مع الحزب الاشتراكي إلى فرض قواعد صارمة بشأن الهجرة، عبر توسيع نطاق عمليات مراقبة الحدود، وتوسيع قائمة الدول الآمنة لتقليل طلبات اللجوء غير المبررة. ويتعلق الأمر أساساً بدول الشرق الأوسط التي يأتي منها القطاع الأكبر من المهاجرين واللاجئين في ألمانيا. ويتعلق الأمر بالقادمين من سورية وأفغانستان والعراق. من المتوقع أن يتم وضع هذه البلدان الثلاثة ضمن قائمة الدول الآمنة، وفي مرحلة أولى ترحيل المدانين بارتكاب جرائم إلى وطنهم، ثم ترحيل الذين يتمتعون بوضع اللجوء، ومن بينهم أكثر من 300 ألف سوري، من جملة حوالي مليون سوري مقيم في ألمانيا.
  • الخليج العربي. ضمن إحاطته للسياسة الخارجية، قال فريدريش ميرز: “يجب علينا أن نولي اهتماماً أكبر لشبه الجزيرة العربية ودول الخليج، الذين يسعون إلى التواصل مع ألمانيا. أسمع باستمرار عن مشاريع استثمارية لا تصل إلى مرحلة التنفيذ بسبب عدم وجود اهتمام سياسي في برلين. وأود أن نتحرك نحو دبلوماسية أكثر نشاطاً بشراكات جديدة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار بالمعنى الأوسع”. ويعكس هذا الموقف اتجاهاً جديداً يمثله ميرز في الطبقة السياسية الألمانية نحو تعميق التعاون مع دول الخليج، عَكْس ما كان سائداً مع حكومة شولتز. ومن المتوقع أن يدفع البرنامج الاقتصادي والجيوسياسي الطموح لميرز في قطاعات الطاقة وتجديد الصناعة والدفاع والتكنولوجيا، الحكومة الألمانية المقبلة لفتح أوسع الآفاق للتعاون مع دول الخليج، تجارياً ودفاعياً وطاقوياً، وخاصة في مجال استيراد الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين.

خلاصة واستنتاجات

شكَّلت الانتخابات الفيدرالية الألمانية التي جرت في فبراير 2025 تحولاً كبيراً في المشهد السياسي في البلاد، حيث عكست الانقسامات الإقليمية وصعود الأحزاب المتطرفة. لكنَّها كرَّست عودة قوية للمحافظين بقيادة فريدريش ميرز، الذي سيقود البلاد في خلال العُهدة المقبلة. ويتجه ميرز إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وفي ضوء هذا المسار، من المتوقع أن تتجه السياسة الخارجية الألمانية نحو تعزيز الدفاع الأوروبي، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتعزيز التحالفات عبر الأطلسي، وأقل صرامةً مع المنافس الصيني. وفي الوقت نفسه، ستكون أكثر دعماً لحكومة بنيامين نتنياهو وأكثر حدةً تجاه إيران، فضلاً عن توجه متشدد في ملف الهجرة واللجوء يمكن أن تكون له تأثيرات سلبية على دول مثل سورية وأفغانستان. أما بالنسبة لدول الخليج، فإن تأكيد المستشار الجديد على الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي والشراكات الإقليمية يشير إلى إمكانية زيادة المشاركة المباشرة مع دول الخليج. وقد يُمثِّل التوجه نحو تعزيز العلاقات مع اللاعبين الإقليميين الرئيسين مثل تركيا، أساساً لدبلوماسية أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط، بما في ذلك دول مجلس التعاون. فضلاً عن ذلك، فإن سعي أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة والأمن من شأنه أن يؤدي إلى تعاون اقتصادي وطاقوي أعمق مع الخليج، نظراً لموارده الكبيرة من الطاقة.

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M