التأهُّب للتصعيد: موقف الفصائل العراقية المسلحة من الحرب المحتملة بين حزب الله وإسرائيل

  • لا ينبع موقف الفصائل العراقية المسلحة في أي حرب واسعة بين حزب الله وإسرائيل، من اعتبارات أيديولوجية فقط، بل من حسابات جيوسياسية وأخرى مصلحية تتصل بالمنافسة فيما بينها على النفوذ والمكانة.
  • يُرجَّح أن تدخل الفصائل العراقية في مواجهة شاملة مع إسرائيل والولايات المتحدة في حال شُنَّت عملية عسكرية إسرائيلية لتدمير قدرات حزب الله وعقاب لبنان بأكمله. 
  • إذا اقتصرت العملية العسكرية الإسرائيلية على تدمير قدرات حزب الله في جنوب لبنان فقط أو دفع الوجود العسكري للحزب إلى شمال نهر الليطاني، يُرجَّح أن تقتصر مشاركة الفصائل العراقية في الحرب ضد إسرائيل فقط، وهذا السيناريو الأفضل للحكومة العراقية وللفصائل أيضاً. 
  • مشاركة الفصائل العراقية في مثل هذه الحرب سيُنهي الاستقرار الأمني العراقي الهش، ويُضعِف حكومة السوداني ويهدد الدعم الأمريكي لها، فضلاً عن تقويض مساعي العراق، المدعومة شعبياً بقوة، لمد الجسور الاقتصادية والسياسية مع دول الجوار العربي في حال استهداف الفصائل بعض هذه الدول.

 

مع تصاعد احتمالات اندلاع حرب بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، تُثار مسألة دور الفصائل العراقية المسلحة المنضوية في ما يسمى “محور المقاومة” بقيادة إيران في هذه الحرب. وبينما تُصرّح هذه الفصائل باستعدادها لدعم حزب الله اللبناني وإسناده في هذه الحرب، تحاول الحكومة العراقية، من جانبها، تجنُّب وصول آثار هذه الحرب إلى العراق، وبالتالي تقف ضد سعي الفصائل لأن تكون طرفاً في هذه الحرب المحتملة.

 

استعداد الفصائل العراقية للمشاركة في المعركة

أصدرت “تنسيقية المقاومة العراقية” مؤخراً بياناً هدَّدت فيه بأن “مصالح العدو الأمريكي الإجرامي في العراق والمنطقة [ستكون] أهدافاً مشروعة لرجال المقاومة” في حال تنفيذ “تهديدات العدو الصهيو-أمريكي بشن حرب شاملة على لبنان ومقاومته الباسلة”. في العادة، تُعبّر هذه التنسيقية -التي تشكلت في عام 2020 لإدارة شؤون الفصائل المسلحة العراقية المتحالفة مع إيران بعد مقتل رئيس قوة القدس الإيرانية قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد العراقي أبو مهدي المهندس- عن رأي الفصائل الرئيسة والأكثر تشدداً، مثل “كتائب حزب الله” بزعامة أحمد الحميداوي، و”حركة النجباء” بزعامة أكرم الكعبي. قبل هذا البيان بأيام، أطلقَ زعيم تنظيم “عصائب أهل الحق،” قيس الخزعلي، في تسجيل فيديوي، تهديداً شبيهاً، مُتوعِّداً بتعريض المصالح الأمريكية في المنطقة عموماً، والعراق خصوصاً، للخطر “في حال استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في دعمها لهذا الكيان الغاصب [إسرائيل]، في حال ما وسع عملياته وهاجم لبنان الحبيب، وهاجم حزب الله المنصور”.

 

ثمة أسباب مختلفة تدفع هذه الفصائل إلى إطلاق هذه التهديدات، بعضها مشتركة وبعضها الآخر مرتبط بصراعات داخلية ومصالح متعارضة فيما بينها. تتعلق الأسباب المشتركة بالرابطة الأيديولوجية والشرعية “الثورية” التي تجمع هذه الفصائل في إطار منظومة ولاية الفقيه بزعامتها الإيرانية الدينية والسياسية. تنطوي هذه الرابطة على الكثير من العداء المزمن للولايات المتحدة بوصفها “الشيطان الأكبر” باللغة الدينية الخمينية. ويتعلق السبب المشترك الثاني بتضرر الفصائل العراقية كثيراً، كما إيران، من عملية إسرائيلية كبيرة ومؤثرة قد تؤدي إلى تفكيك القوة العسكرية والنفوذ السياسي لحزب الله اللبناني الذي يرتبط بعلاقات قوية ومباشرة، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، مع الفصائل العراقية. ففي آخر المطاف، يعد حزب الله عضواً تأسيسياً ومهماً ضمن “محور المقاومة” أكثر بكثير مما هو الحال مع حركة “حماس” الفلسطينية، ومن هنا كان هناك خلافٌ حاد بين الفصائل العراقية بخصوص الاشتراك في حرب غزة، فيما غاب هذا الخلاف بخصوص الدخول في معركة جنوب لبنان المحتملة، إذ أبدت الفصائل العراقية، في ردها على سؤال إيراني، استعدادَها للوقوف عسكرياً مع حزب الله في حال شنَّت إسرائيل هجوماً كبيراً في لبنان.

 

أبدت الفصائل المسلحة العراقية استعدادَها للوقوف عسكرياً مع حزب الله في حال شنَّت إسرائيل هجوماً كبيراً في لبنان (AFP)

 

الفصائل المسلحة والمصالح المتضاربة

منذ تشكُّل حكومة محمد شياع السوداني في أكتوبر 2022، تصدَّع تدريجياً التضامن السياسي والعسكري بين الفصائل العراقية بعد غياب عدوها المشترك حينها، التيار الصدري، الذي كان يطالب بحكومة أغلبية سياسية يقودها، وتفكيك الفصائل المسلحة. بدأ التصدُّع بسبب الصراع على المناصب والنفوذ في الحكومة الجديدة، فمثلاً حصلت “عصائب أهل الحق” على الكثير من المناصب النافذة، منها في المخابرات العراقية ومكتب رئيس الوزراء، الذي بسبب افتقاره إلى حركة سياسية قوية يقودها هو ويعتمد عليها وجدَ نفسه مضطراً للاعتماد على العصائب في مواجهة نفوذ وإملاءات “ائتلاف دولة القانون” بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. دعمت العصائب أيضاً موقف السوداني ضد الفصائل الأخرى، التي هددت باستخدام السلاح ضد المصالح والقوات الأمريكية في البلد لإجبار الأخيرة على الانسحاب، وكذلك ضد التصعيد الذي لجأت إليه الفصائل في إطار حرب غزة عندما استهدفت القاعدة الأمريكية على حدود الأردن مع سورية في فبراير الماضي.

 

عبر هذه الأفعال وغيرها، تسعى العصائب لنزع الصفة الميليشياوية الغالبة عليها في الفهم العراقي، والتحول إلى حزب سياسي أولاً لكن بجناح مسلح، بخلاف الفصائل الأخرى التي تريد البقاء مجاميع مسلحة، بوصفها هوية أساسية، ذات أجنحة سياسية تُمكّنها من الدخول في تحالفات سياسية وبرلمانية بحسب الحاجة. تحاول العصائب أيضاً، عبر دعمها حكومة السوداني المدعومة أمريكياً، تحسين علاقتها السيئة مع الولايات المتحدة التي وضعتها على قائمة الإرهاب في عام 2020، إذ سيكون من الصعب جداً على العصائب أن تتحول إلى حزب سياسي عراقي تنافسي بطموحات لتولي منصب رئاسة الوزراء ذات يوم، فيما هي مُصنَّفة أمريكياً “منظمة إرهابية”.

 

من جانبها، تحاول الفصائل المنزعجة من هيمنة العصائب وأسلوبها “المُهادِن”، وبخاصة حركتَي كتائب حزب الله والنجباء الأكثر تشدداً بين الفصائل[1]، نزعَ “شرعية المقاومة” عن العصائب، عبر ما يبدو مساعٍ لـ”فضحها” بقصد إحراجها. فبعد تهديد الخزعلي باستهداف المصالح الأمريكية بيوم واحد، ذَكرَ الناطق باسم حركة النجباء، حسين الموسوي، في لقاء تلفزيوني، أن “ميدان المقاومة الحالي هو حكر على حركة النجباء وكتائب حزب الله”، في تشكيك صريح بنيات العصائب وأهدافها. وقبل ذلك بأشهر، اتهمت الكتائبُ العصائبَ بالجبن بسبب عدم انخراط الأخيرة في توجيه ضربات للأمريكيين والإسرائيليين بعد اندلاع حرب غزة.

 

قد يؤدي اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني إلى زيادة التنافس بين كل من “عصائب أهل الحق” من جهة، وحركة النجباء وكتائب حزب الله العراقي من جهة أخرى

 

تُخفي هذه الرسائل الإعلامية صراعاً أكبر وغير معلن بين الطرفين، العصائب والكتائب، على الهيمنة على هيئة الحشد الشعبي، إذ تضمن مثل هذه الهيمنة الوصولَ إلى الموارد. ففضلاً عن دفع الرواتب، خصوصاً في ظل شكوك قوية من أن الكثير من الرواتب تُدفع إلى منتسبين لا وجود لهم في الحقيقة، أصبحت الهيئة مصدرَ نفوذ مالي مهماً بعد تشكيل حكومة السوداني وتأسيس شركة المهندس، الذراع الاقتصادية للحشد.  تقليدياً، سيطرت الكتائب على هيئة الحشد، إذ كان نائب رئيس الهيئة، وعملياً الرجل القوي والأول فيها، أبومهدي المهندس الذي قُتل بقصف أمريكي في بداية 2020، ينتمي للكتائب. وبعد مقتله، خَلَفه في منصبه عبد العزيز المحمداوي (الملقب بـ”أبو فدك”) المنتمي أيضاً للكتائب، والذي نجح في بسط نفوذه على الهيئة وتأكيد زعامته. وفي المقابل، تحاول العصائب، منذ تحولها إلى حليف قوي للسوداني، أن تبسط سيطرتها على الحشد وانتزاعه من قبضة الكتائب. كان هذا واضحاً في سعي رئيس هيئة الحشد فالح الفياض مؤخراً، على الأغلب بطلب من السوداني، إزاحة العضو في الكتائب حسين فالح اللامي (المُلقب بـ “أبو زينب اللامي”) من منصبه القوي كمدير لأمن الحشد عبر “ترفيعه” إلى منصب هامشي من دون سلطات حقيقية، هو معاون رئيس أركان الحشد. لم يمر هذا “الترفيع” على إثر قيام الكتائب بنشر مركبات عسكرية ومدرعات حول مقار للحشد في بغداد، في استعراض قوة رفضاً لتنفيذ أمر “الإقالة” الذي جرى إلغاؤه تالياً في ظروف لا تزال غامضة. انتهت هذه المواجهة بين العصائب والكتائب لصالح هذه الأخيرة، لكن -على الأغلب- سيُستأَنف التنافسُ بين الجماعتين حول هذا المنصب وغيره بأدوات مختلفة.

 

في الحقيقة، يمكن لاندلاع حرب إسرائيلية ضد حزب الله في لبنان أن يزيد التنافس بين الجماعتين، بسبب تباين مصالحهما التي ستختلف باختلاف الجبهات، وهو ما يضيف المزيد من الضغط على العصائب ويفيد الكتائب بشكل عام. حتى مع اتفاق جميع الفصائل العراقية على ضرورة الانخراط في أي حرب شاملة بين حزب الله وإسرائيل، تواجه العصائب قيوداً ومحددات لا تعاني منها الكتائب. فعلى سبيل المثال، سيكون صعباً جداً على العصائب فتح “جبهة العراق” ضد المصالح الأمريكية في البلد (على رغم أنها تُبدي مثل هذا الاستعداد في الاجتماعات التي تجمعها مع الإيرانيين والفصائل الأخرى)، فهذا يُضعِف حليفها الأساسي، السوداني ويُضعفها أيضاً، إذ يُخرِّب محاولاتها بناء الجسور مع الولايات المتحدة، ويرسخ صورتها بوصفها فصيلاً مسلحاً تابعاً لإيران وليس حزباً سياسياً عراقياً مُهتماً بالمصالح العراقية أولاً، كما تحاول الحركة أن تُقدِّم نفسها.

 

يمكن لاندلاع حرب إسرائيلية واسعة ضد حزب الله أن يزيد التنافس بين الفصائل العراقية المسلحة على النفوذ والمكانة (AFP)

 

تَدفع مثل هذه الحسابات المعقدة العصائبَ إلى اختيار جبهاتها بعناية كبيرة في حال اندلاع حرب في جنوب لبنان، كأن تستهدف -مثلاً- أهدافاً إسرائيلية من داخل سورية، أو أن تساهم في القتال أو الدعم في جبهة جنوب لبنان، بمعنى تجنُّب استهداف الأصول الأمريكية مباشرةً قدر الإمكان. أما الكتائب، فستعود -على الأرجح- إلى استهداف المصالح الأمريكية في العراق بقوة، بما يشمل إقليم كردستان، إذ يفيدها مثل هذا العمل استراتيجياً، ليس لجهة إيذاء الولايات المتحدة فقط، إنما على نحو أهم لجهة الفوائد المادية والمؤسساتية المتوقع تحقيقها من وراء ذلك عبر نيلها بعض المكاسب مقابل إيقاف نشاطها المسلح ضد الأمريكيين. تحرص حكومة السوداني والإطار التنسيقي على إبعاد العراق عن أن يكون ساحة صراع مسلح يقوض الاستقرار الأمني الحالي والسياسي الذي يُقدَّم بوصفه إنجازاً لهما. وعلى الأغلب، ستتضمن هذه المكاسب ضمان هيمنة الكتائب على الحشد الشعبي، والحصول على تمثيل لها في مؤسسات مدنية وعسكرية لتحسين حصولها على الموارد والنفوذ.

 

اقرأ المزيد من تحليلات «وحدة الدراسات العراقية»:

 

الحكومة العراقية وتفاقُم صعوباتها

ستكون الحكومة العراقية الخاسر الأكبر من مشاركة الفصائل المسلحة في هذه الحرب المحتملة، خصوصاً إذا طال أمدها، إذ سيظهر ضعفها في الحيز العام العراقي بسبب عجزها عن ردع الفصائل وتنتهي الصورة التي اجتهدت في نشرها وتكريسها بخصوص تحقق الاستقرار الأمني في البلد في ظل حكمها. لكن صعوبتها الأشد ستكون بإزاء الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يستند دعم الأخيرة لحكومة السوداني إلى التزامَين قدمهما السوداني واستطاع عموماً الإيفاء بهما لحد الآن: الأول، حماية القوات والسفارة الأمريكية من هجمات الفصائل المسلحة؛ والثاني، العمل الوثيق مع الولايات المتحدة على مكافحة تهريب الدولار إلى إيران من طريق إجراء بعض الإصلاحات المالية.

 

وبسبب جهود السوداني المختلفة، بالاستعانة بإيران والإطار التنسيقي وضغوطه في سياقات مختلفة بينها التهديد بالاستقالة، استطاع الرجل انتزاع وإدامة تفاهم صعب مع الفصائل المسلحة بتخويل الحكومة مهمة التفاوض مع الولايات المتحدة لإعادة هيكلة وجودها العسكري في البلد، مقابل عدم استهداف القوات والمصالح الأمريكية. ويبدو هذا التفاهم صامداً جزئياً، فلا يبدو أنها -حتى الآن- تريد نقض التخويل الممنوح للسوداني بهذا الصدد. وليس بيد حكومة السوداني أي وسائل حاسمة للوقوف ضد استهداف الفصائل للمصالح الأمريكية غير تلك التي استخدمها سابقاً، أي توسيط إيران الاستعانة بالإطار التنسيقي والتهديد بالاستقالة.

 

ستكون حكومة السوداني الخاسر الأكبر من مشاركة الفصائل العراقية المسلحة في الحرب الواسعة المحتملة بين إسرائيل وحزب الله، خصوصاً إذا طال أمدها

 

مصالح إيران وحزب الله اللبناني

قد يزداد المشهد غموضاً في حال رفض حزب الله اللبناني مشاركة فصائل مسلحة عراقية القتال معه من داخل الأراضي اللبنانية. وبمعزل عن تشكيك الحزب بالكفاءة القتالية للفصائل العراقية، ثمة حسابات لبنانية داخلية تجعل من الصعب على الحزب القبول بدخول مجاميع عراقية مسلحة في لبنان واشتراكها في القتال هناك، إذ يواجه الحزب ضغوطاً داخلية كثيرة من الفرقاء اللبنانيين الذي يخشون، على نحو مشروع، تدميراً واسعاً للبنية التحتية اللبنانية وسقوط ضحايا لبنانيين كثيرين بسبب رد إسرائيلي قاس ضد الحزب، كما يرفضون تحوُّل لبنان إلى ساحة لانتشار الميلشيات الموالية لإيران. في الغالب لن يقبل حزب الله مشاركة أطراف غير لبنانية في القتال من داخل الأراضي اللبنانية، وسيكتفي بتلقي الدعم اللوجستي من أطراف “محور المقاومة”، فضلاً عن فتح هذه الأطراف جبهات أخرى مع إسرائيل، وهو الأمر الذي يبدو أنه يجري الاشتغال عليه حالياً.

 

لكنْ يبقى الرأي الحاسم هنا هو لإيران. تقليدياً، تترك إيران الكثير من المرونة لأطراف محور المقاومة، بضمنهم حزب الله اللبناني، في اتخاذ القرارات التي تراها مناسبة على أساس ظروفها المحلية، ما دامت هذه القرارات لا تمثل ضرراً مباشراً على المصالح الإيرانية الاستراتيجية. ما يهمّ إيران في هذه المرحلة هو التأكد من جاهزية الفصائل للمساهمة المباشرة والسريعة في هذه الحرب المفترضة في حالة طلبها منها هذا. يبدو منطقياً أن إيران، كما فعلت في حرب غزة، ستتجنب دفع الأمور نحو حرب إقليمية أوسع، حتى مع حقيقة أن حزب الله أهم كثيراً بالنسبة لها من “حماس”. يتطلب هذا توازناً دقيقاً وحساساً بين مشاركة “محور المقاومة” في المواجهة ضد إسرائيل وداعمها الأمريكي على نحو يبدو ضاغطاً على الاثنتين من جهة، ومنع الانزلاق نحو حرب أوسع تصبح إيران طرفاً مباشراً فيها من جهة أخرى. هذه معادلة دقيقة وصعبة لا تستطيع طهران ضبطها أو التحكم فيها تماماً، وتعتمد كثيراً على الأحداث وتطوراتها، وبالتالي على القرارات الميدانية حينها.

 

الفصائل العراقية قد تتضرر كثيراً من عملية إسرائيلية كبيرة تؤدي إلى تفكيك القوة العسكرية والنفوذ السياسي لحزب الله اللبناني (AFP)

 

السيناريوهات المحتملة لتموضع الفصائل العراقية من الحرب بين حزب الله وإسرائيل

بخلاف حرب غزة التي كان مستوى مشاركة الفصائل العراقية المسلحة فيها محدودة نسبياً، ستحاول هذه الفصائل أداء دور أكبر في أي حرب إسرائيلية واسعة ضد حزب الله. وتتضمن السيناريوهات المحتملة لهذا الدور، الآتي:

 

1. سيناريو المواجهة الشاملة؛ بمعنى مشاركة واسعة وقوية للفصائل العراقية على جبهات مختلفة في الوقت ذاته، وعلى نحو عال من الشدة، لتشمل استهداف الأصول الأمريكية في العراق وسورية، حيث للفصائل وجود عسكري على الأرض، واستهداف بالصواريخ والمسيرات لمواقع داخل إسرائيل، وأصول عسكرية أمريكية في المنطقة، مع زيادة التعاون مع الحوثيين لتصعيد استهداف السفن المارة بمضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر. وغرض هذه المواجهة الشاملة هو فرض أكبر ما يمكن من ضغط على إسرائيل والولايات المتحدة لوقف العملية العسكرية ضد حزب الله. احتمال هذا السيناريو عال إذا تجاوزت العملية العسكرية الإسرائيلية حدود جنوب لبنان، وهدفت إلى تدمير كامل قدرات حزب الله وعقاب لبنان بأكمله. وسيضع مثل هذا السيناريو الحكومة العراقية في موقف صعب ويُظهر ضعفها على نحو واضح، بسبب عجزها عن منعه في حال دعم إيران له. وقد يعني هذا نهاية التوافق السياسي بين حكومة السوداني والولايات المتحدة ولجوء الأخيرة إلى ردود عسكرية قوية ضد الفصائل المسلحة في العراق، فضلاً عن التلويح المحتمل لواشنطن برفع الحماية على الأموال العراقية عبر النظام المصرفي العالمي ما يسبب للعراق مشكلات مالية عميقة.

 

2. سيناريو المواجهة المحدودة؛ بمعنى أن تقتصر مشاركة الفصائل العراقية في الحرب ضد إسرائيل فقط، أي ألا تتجه تلك الفصائل إلى استهداف المواقع والأصول الأمريكية، سواء في العراق أو سورية أو مناطق أخرى قريبة. ويمكن أن تنطلق الأعمال العسكرية للفصائل العراقية ضد إسرائيل من العراق وسورية وحتى في البحر الأحمر، وتهدف إلى إسناد حزب الله وتخفيف الضغط العسكري الإسرائيلي عليه. وهذا السيناريو هو تطوير في الدرجة، لا في النوع، لمستوى ما تقوم به الفصائل المسلحة حالياً. واحتمال هذا السيناريو عال في حال اقتصرت العملية العسكرية الإسرائيلية على تدمير قدرات حزب الله في جنوب لبنان فقط أو دفع الوجود العسكري لحزب الله إلى شمال نهر الليطاني. وهذا هو السيناريو الأفضل للحكومة العراقية، وربما للفصائل التي لا تريد أن تُعرِّض نفسها لمساءلة شعبية وسياسية عراقية جدية في حال استهدفت الولايات المتحدة أو دولاً مجاورة للعراق، الأمر الذي سيثير غضباً شعبياً وسياسياً عراقياً، خصوصاً وأن الرأي العام والسياسي العراقي، الذي مَلَّ الصراع ويبحث عن الاستقرار، يدعم بقوة علاقات جيدة وطبيعية مع العالم العربي، لاسيما دول الجوار. وسيقود الاستهداف المكثف من جانب الفصائل لإسرائيل، وهو الاستهداف الذي سيلقى أقل معارضة شعبية وسياسية عراقية، إلى سماح الولايات المتحدة لإسرائيل باستهداف مواقع للفصائل داخل العراق، خصوصاً الأصول المرتبطة بهيئة الحشد الشعبي، وصولاً إلى استهداف زعماء الفصائل أنفسهم.

 

3. سيناريو مزيج من المواجهة المحدودة والشاملة؛ أي الجمع بين الاثنين على أساس ظروف الميدان، صعوداً ونزولاً. واحتمال هذا السيناريو عال إذا شنَّت إسرائيل هجوماً قوياً ضد حزب الله بغرض تفكيك قدراته العسكرية لكن من دون نجاح ملموس في تحقيق هذا الهدف، بمعنى أن حزب الله يستطيع الصمود. هذا هو السيناريو الأكثر تعقيداً لأنه يتضمن قرارات عملياتية كثيرة يتخذها قادة ميدانيون ليسوا بالضرورة قادرين على تقييم الظروف السياسية.

 

استنتاجات 

يُرجَّح أن تدخل الفصائل المسلحة العراقية في مواجهة شاملة مع إسرائيل والولايات المتحدة إذا شنَّت الأولى عملية عسكرية كبيرة لتدمير قدرات “حزب الله” وعقاب لبنان بأكمله. أما إذا اقتصرت العملية العسكرية الإسرائيلية على تدمير قدرات “حزب الله” في جنوب لبنان فقط أو دفع الوجود العسكري للحزب إلى شمال نهر الليطاني، فمن المتوقع أن تقتصر مشاركة الفصائل العراقية في الحرب ضد إسرائيل فقط، وهذا السيناريو هو الأكثر تفضيلاً للحكومة العراقية وللفصائل أيضاً.

 

وفي كلا الحالتين، يواجه العراق، وبقية المنطقة، تحدياً كبيراً مقبلاً إذا اندلعت حربٌ واسعةٌ بين إسرائيل و”حزب الله” اللبناني. فاندلاع هذه الحرب واستمرارها على مدى أسابيع أو أكثر، ومشاركة الفصائل العراقية فيها، سيُنهي الاستقرار الأمني العراقي الهش، ويُضعِف كثيراً حكومة السوداني، ويهدد الدعم الأمريكي لها، فضلاً عن تقويض مساعي العراق، المدعومة شعبياً بقوة، لمد الجسور الاقتصادية والسياسية مع دول الجوار العربي في حال استهداف الفصائل بعض هذه الدول.

 

المصدر : https://epc.ae/ar/details/scenario/mawqif-alfasayil-aleiraqia-almusalaha-min-alharb-almuhtamala-bayn-hizbullah-wasrayiyl

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M