- عَدَّت إيران سقوط نظام الأسد نكسة حقيقية لها، وضربة قوية لنظامها للردع الاستراتيجي، المبنيّ في جزء كبير منه، على “محور المقاومة” الذي تقوده في المنطقة؛ ولمشروعها الإقليمي الذي باتَ مُفكّكاً وهشّاً بعد ذلك السقوط.
- بعد انسحابها من الأبواب، سعت طهران منذ اليوم الأول لسقوط نظام الأسد إلى العودة إلى المسرح السوري عبر جماعات ومليشيات وكيلة، وتهدف هذه العودة إلى تحقيق “مكاسب سلبيّة”، تشمل: إفشال المشروع التركي البديل، وتكريس حالة الفوضى في سورية الجديدة.
- تتطابق الغايات التي تنشدُها إيران حالياً في سورية ما بعد الأسد، إلى حدٍّ كبيرٍ، مع الغايات التي تنشدُها إسرائيل، التي تبحثُ بدورها عن طُرُقٍ لضمان عدم تعافي سورية، ومنع أيّ فرصة لاستقواء النظام السوري الجديد، وتحجيم الطموحات التركية.
- أية حلول ناجعة للحالة السورية الراهنة ينبغي أن تتضمن مناهجَ لتحجيم التدخلات الإقليمية والدولية في الملف السوري، وبخاصة التدخلات الإيرانية والإسرائيلية، وإحالة الأمر إلى الشارع السوري، ليتولّى السوريون مهمة التوصُّل إلى إجماع داخلي حقيقي، يضمن استقرار البلاد.
تُظهِرُ المعطياتُ أنّ إيران التي فاجأتها “النّكسة السورية”، وخروج دمشق من “محور المقاومة” بدأت محاولاتٍ ميدانيّةً للعودة إلى المشهد السوري من طريق الميليشيات المرتبطة بها عقائدياً (الميليشيات الشيعيّة والعلويّة)، أو تاريخيّاً (الميليشيات [الشعبية] التي شكّلتها فلولُ النظام السّابق)، ليستمرّ التعامُل الإيراني مع سورية بوصفها مسرحاً لحروب الوكالة.
وترغبُ إيران بشدّة في التأثير على المشهد السوري الذي عَدَّت خسارته نكسةً كبيرةً، وضربة مُوجعةً لمشروعها الإقليمي، ونظامها للرّدع الاستراتيجيّ. وفي هذا السياق، ينبغي النّظر إلى الاشتباكات الدّامية في الساحل السوري، والتي شكّل العلويُّون، وبقايا النظام السابق فيها طرفاً، في وجه إدارة العمليّات العسكريّة التي أنهت في 8 ديسمبر الماضي هيمنتهم على المشهد السوري.
وَصْفة مُتكامِلة للهشاشة
تشهدُ سورية ما بعدَ الأسد اضطراباتٍ أمنيّة عديدة: اقتتالٌ داخليٌّ في الشريط الساحلي؛ حيثُ يتركّزُ فلولُ النّظام المخلوع، واقتتالٌ فصائليٌّ في مناطق الشمال الشرقي؛ حيثُ تلتقي مناطقُ سيطرة الميليشيات الكردية مع الفصائل الموالية لتركيا، واشتباكاتٌ على الحدود مع لبنان في ريف حمص؛ حيثُ تتركّز عصابات الاتجار بالمخدرات التّابعة لحزب الله اللبناني، ومواجهاتٌ على الشّريط الحدودي المحاذي للجولان المحتل؛ حيثُ تتقدّم القوات الإسرائيليّة، وتفرضُ سيطرتها الميدانيّة، برّاً وجوّاً على مناطق عدّة في مرتفعات الجولان، والجنوب السوري.
ويبدو طبيعيّاً أنْ تشهد سورية مثل هذه الاختلالات الأمنيّة؛ فقد عانت البلادُ 14 عاماً من الحرب الأهلية والتدخُّلات الخارجيّة، وأكثر من نصف قرنٍ من الاستبداد الفجّ الذي عمِدَ إلى تفكيك المجتمع السوري، وتهميش غالبيّة مُكوّناته، ووَضْعِهم خارج دائرة القرار. ويبدو طبيعيّاً كذلك، أنْ تنزلق المواجهة السياسيّة بين مُكوّنات الأمة السوريّة إلى مستوى الاقتتال بالسّلاح في بلدٍ عجِزَ نظامُهُ السياسيّ طوال العقد الأخير عن بَسْطِ سيَادتِه على كامل أراضيه، وحَصْر السّلاح بيد الحُكومة، وفي الوقت الذي تُعاني فيه البلاد من انعدام المؤسّسات المدنيّة، والسياسيّة الوسيطة، كما تُعاني الانكشاف الكامل أمام الأطماع والتدخُّلات الخارجيّة.
ومع التّسليم بأننا أمام وصفة مُتكاملة للهشَاشة، فلن يكون من الصّواب إحالةُ الأسباب التي أدّت إلى الاقتتال الداخلي، والحدوديّ الذي تشهدُه سورية منذُ مطلع مارس الجاري حَصْراً إلى الخلافات الاجتماعية والسياسيّة بين مكونات المجتمع السُّوري. فهذا التفسيرُ ليس كافياً – إنْ لم يكُن مُضَلِّلاً – لفهم منطق الاشتباكات التي حصَدت أرواح المئات من الضّحايا، ونكأت جرحاً غائراً في الجسد السوري، لن يكون من السّهل اندماله؛ فسورية اليوم ليست دولة بالمفهوم الطبيعي للدولة، بمقدار ما هي مسرحٌ شرق أوسطيّ لحروب الوكالة التي تخوضُها أطرافٌ إقليميةٌ ودوليةٌ عدّة، منذُ نحو عَقْدٍ من الزمان؛ سواء من طريق الوجود الميداني المباشر، والحضُور الرّسمي لقواتهم العسكريّة النظاميّة، أو من طريق مجموعةٍ واسعةٍ من الميليشيات المدجّجة بالسّلاح التي تخوضُ الحربَ بالوكالة عن تلك القُوى الإقليمية والدولية.
ولا تزالُ “حروبُ الوكالة” متواصلةً حتى الآن في سورية على الرّغم من سُقوط نظام الأسدَيْن الذي تسبّبَ بهذه الحروب، واستدعى الاحتلالات. وتبدو الاشتباكات المُسلّحة بين مختلف المكونات المحليّة، انعكاساً مُباشراً للمواجهة الإقليميّة الأوسع نطاقاً التي ظلّت الجغرافيا السُّورية ميداناً مركزيّاً لها. ولذلك، يبقى من الأجدى البحثُ عن دلالاتِ تلك الاشتباكات في الأجندات الإقليمية التي تُحاول بعض الأطراف المُؤثّرة/المتأثرة تطبيقها، لتترك بصمتها على تكوين المشهد السوري الصّاعد.
لا تزالُ “حروبُ الوكالة” متواصلةً حتى الآن في سورية على الرّغم من سُقوط نظام الأسدَيْن
“النكسة السورية” من منظور العقل الاستراتيجي الإيراني
لعلّ إيران أهمُّ الأطراف الإقليمية التي تدفعها رؤيتها إلى التطوُّرات نحو المحاولة الحثيثة لترك بصمتها على مشهد سورية ما بعد الأسد. فهي القوة الإقليمية التي هيمنت – في سياق مشروعها للتوسع الإقليمي – على المشهد السوري على مرّ أكثر من عَقْدٍ، وحوّلت سورية إلى محطةٍ أساسيّةٍ ضمن منظومتها للرّدع الاستراتيجي، ومشروعها لتطويق إسرائيل. وطبّقت إيران هذه الهيمنة بواسطة أدواتٍ صَلْبةٍ تمثّلت في “فيلق القدس”، وشبكةٍ واسعةٍ من الميليشيات الموالية له. وذلك بإسناد من نظام الأسد الذي كان بحاجةٍ إلى التدخُّل الإيراني لمواجهةِ خطرِ ميليشياتٍ أخرى تشكّلت بعد قَمْعِ الثورةِ الشعبيّة في البلاد، وكانت تطبّقُ أجنداتٍ إقليميّةً ودوليّةً مُختلفةً.
وعَدَّت مراكز التفكير الإيرانية، وبخاصةٍ تلك المقربة من الدولة العميقة و”الحرس الثوري”، سُقوطَ نظام الأسد نكسةً حقيقيّةً. ورأت فيه ضَرْبةً أساسيّةً، جرى توجيهُها إلى نظامها للردع الاستراتيجي، المبنيّ في جزءٍ كبيرٍ منه، على “محور المقاومة”، وإلى مشروعها الإقليمي الذي باتَ مُفكّكاً وهشّاً بعد ذلك السُّقوط.
وأدّت هذه النَّكْسَة من منظور العقل الاستراتيجي الإيراني إلى عدّة تداعياتٍ مصيريّة، من ضمنها: قطعُ الممرّ الأرضي لإسناد “حزب الله” الخارج للتوِّ من حربه مع إسرائيل، وفتحُ الأبواب أمام القوى المعادية للزّحف نحو السَّوَاتِر الأخرى لجبهة المقاومة في العراق واليمن، والقضاءُ على مشروعِ تطويقِ إسرائيلَ وخنقِها، والقضاءُ على حُلم الارتباط البرّي بشواطئ البحر الأبيض المتوسط من طريق “جادة المقاومة”، وانتهاءُ دور إيران الاستراتيجيّ المأمول في مُنافسَة الممَرّات الدوليّة.
إلّا أنّ تلك التداعياتِ -على أهميّتها- ليست كل ما عَنَتْهُ النّكسة السورية للعقل الاستراتيجي الإيراني؛ إذ إنّها عنَت أيضاً صُعود المشروع الإقليمي التركي البديل الذي كان يطمحُ طيلةَ أكثر من عقدٍ إلى إخراج الحلقة السورية من قَبْضَة المشروع الإيراني، وإضافتها إلى سلّة الهيمنة التركية، سواءً على الصعيدَيْن؛ السياسي والعسكري أو على الصعيد الاقتصادي.
وليسَ مهمّاً أنْ يكون أيٌّ من ذلك قد حدث على أرضِ الواقع، بمقدار ما يهمّ أنّ هذا هو الانطباع العام الذي رسّخَهُ سقوطُ القلعة السورية في العقل الاستراتيجي الإيراني الذي تعامل مع سورية من مُنطلَق اعتبارها مسرحاً لحروب الوكالة، وسعى في إطار ذلك إلى إضعاف “مؤسسة الدولة” في سورية، وتحويلها إلى مؤسسة هشّة. في ضوء هذا الانطباع العام الذي انتشر داخل غرف التفكير المرتبطة بالدولة العميقة، ولم تعارضه مراكز التفكير المُستقلّة، جاءت المواقف الرّسمية الصادرة عن مؤسسة الدولة الإيرانية حيالَ مرحلة ما بعد الأسد، كما جاءت الخطوات الميدانية التي اتخذتها الدولة العميقة للتعامل مع المشهد السوري الجديد.
إيران ومساعي العودة إلى المشهد السوري
أكّد القائد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، أنّ خروج سورية من “محور المقاومة” ما هو إلّا مرحلةٌ عابرةٌ، وأنّ سورية سيتم تحريرُها على يد الجيل الشّاب من المقاومين. وكرّر الموقف ذاته قائد “الحرس الثوري الإيراني”، الجنرال حسين سلامي، مُبيّناً أنّ مرحلةَ تحرير سورية على يد المقاومين ستكونُ وشيكة. ومن جانبه، أعلن القائد الأسبق لقوات “الحرس الثوري”، الجنرال مُحسن رضائي، أن الشعب السوري سيُحيي المقاومة في غضون عامٍ واحدٍ فقط. بينما قال ممثّل خامنئي في الجامعات، مصطفى رستمي: إنّ المقاومة في سورية سيتم إحياؤها بما هو أقوى من ذي قبل.
وما اقتصر الأمرُ على إظهار المواقف؛ إذْ أثبتت التطوُّرات الميدانيّة أنّ النظام الإيراني سعَى منذ اليوم الأول لسُقوط القلعة السورية، وبعد انسحابه من الأبواب، إلى العودة إلى المسرح السُّوري من النّوافذ. وفي هذا السّياق، أطلقت “مؤسسة الحوزة العلمية”، التي أدت دوراً مهمّاً في التمهيد العقائدي للحرب في سورية، وروّجت لفكرة الدفاع عن حرم أهل البيت، أطلقت حَمْلةٍ للترويج لضرورة الدفاع عن الأقليّة العلويّة، وعملت على استخراج مواقف من مراجع التقليد الشّيعة، تؤكّد انتماء هذه الأقليّة إلى الطائفة الشيعيّة. جاء ذلك بالتزامن مع تركيز صحافة “الحرس الثوري” على تغطية اجتماعاتٍ لشيعةِ سورية في ضريحِ السّيدة خولة في بعلبك، في أوائل فبراير الماضي؛ حيثُ ندّد المشاركون بقتل الشيعة في ريف حمص، وطالبوا المرجع الشيعي علي السيستاني، والقائد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، بالتدخُّل للدفاع عن الشّيعة في سورية. وتلَت ذلك تطوراتٌ ميدانيّةٌ عدّة، منها: الإعلانُ عن إنشاء “المجلس الإسلاميّ العلويّ” في بداية فبراير، وإنشاء ميليشيا “أولي البأس” السُّورية، باعتبارها فصيلاً سوريّاً مُقاوماً في القنيطرة. وفي التاسع من يناير 2025، أُعلِنَ عن إنشاء “جبهة المُقاومة الإسلاميّة السوريّة” التي عَدَّت نفسها في البيان التأسيسيّ، مُنظّمة مُقاومة تهدفُ إلى الذّود عن الشعب السوري لتُطالِبَ في بيانٍ آخر – صدر في السادس من مارس – النظام الإيراني بالتدخُّل لتحريرِ سورية.
وفي السياق ذاته، أعلنت الصحافة السورية في الرابع من مارس، إنشاءَ “المجلس العسكري لتحرير سورية” بقيادة العماد غياث سليمان دلا، بعد أنْ كان “المجلس الإسلامي العلويّ” قد دعا الشعب السوري إلى التظاهر، والخروج ضدّ النظّام الجديد. وأكّدت صحافةٌ عربيّة أنّ القوات التي يقودُها العماد غياث سليمان دلا، تتلقى دعماً ماليّاً ولوجستيّاً من ميليشيا “حزب الله”، وفصائل شيعيّة عراقيّة، وزعم البعضُ أنّها تتلقّى دعماً بالأسلحة والعَتاد من قوّات سورية الديمقراطية (قسد). بينما تقفُ خلفها وجوهٌ من نظام الأسد المخلوع، وقوةٌ إقليميّةٌ تقومُ بتقديمِ الدّعم العسكريّ واللوجستي.
تكريسُ الفوضى في المشهد السوري يأتي في سياق الرّغبة الإيرانية بالرّد على ما تَعدُّه “غدراً تركياً”
عودةٌ لتحقيقِ الحدِّ الأدنى
تَعي طهران تماماً أنّها خسرت “القلعة السورية”، وأنّ حسابات القوة الإقليمية والدولية الراهنة لا تتركُ أملاً في إعادة سورية إلى “محور المقاومة”، أو إعادة “المحور” إلى الحالة التي كان عليها بين عامي: 2014 و2024؛ حيثُ الارتباط الأرضيّ مضمونٌ وسلسٌ، والمشروعُ الإقليميُّ صاعِدٌ. إذْ ثمّة إجماعاً دوليّاً، وآخر إقليميّاً اليوم، على ضرورة إخراج سورية من قبضة النظام الإيراني، وتفكيكِ مشروع التوسُّع الإقليمي الذي مارسته إيران بواسطة “محور المقاومة” وشبكة الميليشيات. لذلك لا تسعى طهران من هذه العودة إلى تحقيق “مكاسب إيجابية”، تتضمن استعادة هذه الحلقة من “محور المقاومة”، وإنما تسعى إلى تحقيق “مكاسب سلبيّة”، تشملُ: إفشالَ المشروع التركي البديل، وتكريسَ حالة الفوضى لحصد بعض الثّمار، مثل: الحفاظ على خط إمداد “حزب الله” لترميم هياكل التنظيم الذي أنهكته الحرب مع إسرائيل، وفتحُ آلياتٍ لدعم التنظيمات الكردية في سورية، وإيجاد طُرقٍ لوخز تركيا ومعاقبتها. وكّلُّ ذلك من المنظور الإيراني.
ومن طريق تكريس الفوضى، تحاولُ إيران إرسالَ رسالةٍ إلى الأطراف الإقليمية والدولية مفادُها: أنّ أيّ نظامٍ إقليميٍّ لا يُمكنُ أنْ يقومَ في المنطقة ما لم يأخُذُ المصالحَ الإيرانية بالحسبان، وأنّ إيران تمتلكُ من النفوذ الميداني في سورية، ما يُمكِّنُها من إجهاض أيّة مشاريعَ لا تأخُذ مصالحها بعين الاعتبار. وهو ما يمنحُ إيران بحسب هذا التصوُّر، بطاقةً قوية للتفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية.
وفي منظورٍ أوسع، يأتي تكريسُ الفوضى في المشهد السوري في سياق الرّغبة الإيرانية بالرّد على ما تَعدُّهُ “غدراً تركياً”؛ إذْ تعتقدُ طهران أنّ تركيا خطَفت سورية منها بانتهازيّةٍ كاملة، في لحظةِ ضَعْفٍ أوجدَتْها المواجهةُ الدّاميَة بين إيران وإسرائيل. ولذلك فإنّ مشهداً سُوريّاً مُصاباً بالفوضى، يعني فشلاً تركيّاً تريدُه طهران. أما على الصعيد الاقتصادي، وهو الأهمّ فإنّ الفوضى ستحُولُ دون تحقُّق الأهداف الاقتصاديّة التركيّة، وتُحْبِطُ مشاريعَ ممرّاتِ النقل والطاقة التي تسعى أنقرة من طريقها إلى استكمال الطّوق من حول إيران، والذي بدأته في أذربيجان، ويهدفُ إلى عَزْل طهران عن ممرّات الطاقة والتّجارة الإقليمية.
وترى إيرانُ نفسَها رابحةً أيضاً في حال أدّت الفوضى في سورية إلى تفكيك الكيان السُّوري، ونشوء كيانات مستقلة؛ إذْ يُؤدي تقسيمُ سورية إلى وَأْدِ المشروع التركي، ويخلِقُ كياناتٍ سياسيّةً مُقرّبةً من إيران على مقربةٍ من لبنان وإسرائيل (دويلة السّاحل)، وبما يُمكِّنُ طهران من الحضور على المتوسط، وإحياء قناة الدّعم للحليف اللبناني، واستعادة موضع القدم قرب الحدود الإسرائيلية.
وفي مفارقةٍ واضحةٍ، تتطابقُ الغايات التي تنشدُها إيران في المرحلة الراهنة إلى حدٍّ كبيرٍ، مع الغايات التي تنشدُها إسرائيل التي تبحثُ بدورها عن طُرُقٍ لـ: ضمانِ عدم تعافي سورية، ومنع أيّ فرصةٍ لاستقواء النظام السوري الجديد، وتحجيم الطموحات التركية. مع ذلك، فقد أحجم الجانب الإسرائيلي عن إعلان توفير الحماية للأقلية العلويّة، كما فعلَ حيالَ الأقليّة الدرزيّة التي يبدو أنّها لم تطلُب تلك الحماية أساساً. ولعلّ المخاوف الإسرائيلية من عودة إيرانية إلى الساحل السوري، وبُعْد الساحل عن ميدان الانتشار الإسرائيلي في الجنوب، دفعَا إسرائيل إلى عدم التفاعُل مع دعوات بعض فُلول النظام المخلوع للحماية الإسرائيلية.
تتطابق الغايات التي تنشدُها إيران حالياً في الساحة السورية، إلى حدٍّ كبيرٍ، مع الغايات التي تنشدُها إسرائيل
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: تكريس الفوضى. إذْ يُمكن توقُّع أنْ تتمكّن طهران عبر تحريك فُلول النظام والفصائل العقائدية من ترسيخ حالة الفوضى في المشهد السوري. ويُعزّز فرص هذا السيناريو امتعاضُ الأقليّات من العمليّة السياسيّة، وبخاصة الأقليّات: الكرديّة، والدرزيّة، والعلويّة. ويعني هذا السيناريو استفحال الهشاشة في سورية، وإجهاض المشروع الذي تدعمه تركيا، وأطراف إقليميّة أخرى لبسط سيادة الإدارة السورية الجديدة. ويعني أيضاً أنّ إيران استطاعت تحقيق الحدّ الأدنى الذي كانت تنشده من وراء العودة إلى البيت السوري. غير أن الإجماع الدولي والإقليمي الواضح حول منع تحقُّق مثل هذا المشروع، يضع عقباتٍ كبيرةً أمام طهران لتحقيقه.
السيناريو الثاني: بَسْط سيادة الدولة السورية. ويعني أنْ تستطيع الدولة الجديدة في سورية، بمساعدة تركيا، وأطراف إقليمية أخرى، وبمباركة أمريكية، من بسط السيطرة، وفرض الاستقرار، وتوحيد المكونات السورية في نظام سياسي تشارُكيّ. وتُظهِرُ الخطوات التي تقوم بها إدارة الرئيس أحمد الشرع رغبةً في ذلك؛ إذ سعت إلى فضّ الخلافات مع الأكراد، ومدّ الجسور مع مختلف المكونات، ومحاولة تحسينِ الحالة الاقتصادية. غير أنّ ثمّة عقباتٍ جمّة على طريق تحقيق هذا الهدف، معظمُها يعودُ إلى عوامل إقليمية المنشأ، مثل: التدخُّل العسكري الإسرائيلي في جنوب سورية، والمواقف الإسرائيلية الدّاعمة لفئات محدّدة من المجتمع السوري مثل: الدروز، والأكراد. علاوةً على محاولات الاختراق الإيرانية التي تستهدف إجهاض مسعى توحيد الصف السوري.
السيناريو الثالث: الانقسام. ويفترض أنْ تذهبَ الساحة السورية نحو مزيدٍ من التّباعُد بين المكوّنات الاجتماعية، بما يُمهّدُ الطّريق أمامَ نُشوءِ كياناتٍ مُستقلّة، أهمّها في غرب سورية، حيث العلويُّون، وفي جنوبها، حيث الدروز، وفي شمالها الشرقي، حيثُ الأكراد. وباعتباره مساراً بديلاً، يحظى هذا السيناريو بدعمٍ من إسرائيل، وإيران، كُلٌّ لأسبابه. فإسرائيلُ ترى في تقسيم سورية حائلاً أمام استقوائها تحت حُكم الإسلاميين، وإفشالاً لمشروع الهيمنة الإقليميّة التركيّة. بينما ترى فيه إيران مدخلاً للوجود على شطآن المتوسط، وممرّاً لدعم “حزب الله”، ومدخلاً لمعاقبة تركيا، وإفشال مشروعها الإقليمي البديل. ولا تُظهِرُ المعطيات أنّ طهران تُحاول في المرحلة الراهنة تطبيق هذا السيناريو، لكن من الوارد جداً أنْ تستخدمه ورقةً للضغط على النظام السياسي الجديد في سورية، لضمان الحد الأدنى من المكتسبات.
وفي شكلٍ عام، لا يُمكن تصوُّر حلول ناجعة للحالة السورية الراهنة، إلّا إذا تضمّنت تلك الحُلول، مناهجَ لتحجيم التدخُّلات الإقليمية والدولية في الملف السُّوري، وبخاصّة التدخُّلات الإيرانية والإسرائيلية، وإحالة الأمر إلى الشارع السوري، ليتولّى السوريّون مهمّة التوصُّل إلى إجماعٍ داخلي صعب، لكنّه ضرورةٌ وجوديّةٌ لهم، ومخرجٌ وحيدٌ لسورية من الحالة الراهنة باعتبارها “مسرحاً لحروب الوكالة”.