مع إصرار إيران الظاهر على مواصلة ضرباتها ضد أهداف خليجية، وتداول زعماء المنطقة خياراتهم في الرد، ما الذي يمكن لصانعي السياسات والمخططين العسكريين توقع رؤيته في المرحلة المقبلة، من حيث منظومات الاستهداف المحتملة، والمخاطر التي تتهدد المناطق المدنية، والقلق إزاء مخزونات الذخائر الدفاعية، والتداعيات المحتملة على قطاعَي الطاقة والشحن التجاري؟
الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل: نجاح راهن، ولكن إلى متى؟
بقلم إليزابيث دينت
كشفت أيام الحرب الثلاث الأولى عن أوضح اختبار حقيقي لجهود بُذلت على مدار سنوات لتعزيز منظومات الدفاع الجوي الخليجية ودمجها. وتُثبت هذه المنظومات حتى الآن فاعلية عالية في مواجهة الهجمات الإيرانية المتواصلة، مما يكشف عمق القدرات التي بنتها الشراكة الأمنية الوثيقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج. وقد أعلنت الإمارات العربية المتحدة عن نسبة اعتراض بلغت 94 بالمئة للطائرات المسيّرة، و92 بالمئة للصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، على الرغم من تلقيها الجانب الأكبر من الضربات الإيرانية حتى الآن. كما أفادت البحرين والأردن والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية باعتراض مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأعلنت الدوحة إسقاط طائرتين حربيتين إيرانيتين من طراز “سو-24” فوق مجالها الجوي، وقد أكد مسؤولون قطريون هذه المعلومات.
وتُؤتي الاستثمارات الأمريكية ثمارها على صعيد تكامل شبكات الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات وقابليتها للتشغيل البيني، فضلاً عن التدريب المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي. وقد أتاح ذلك الكشف المبكر عن التهديدات والتصدي لها قبل بلوغها أهدافها. وعلى الرغم من نفاذ بعض القذائف عبر منظومات الدفاع، يبدو أن قدراً كبيراً من الأضرار المرصودة حتى الآن في دول الخليج نجم عن حطام الصواريخ المعترَضة، لا عن إصاباتها المباشرة.
غير أن الأسئلة تتصاعد حول قدرة هذه الدول على الإبقاء على وتيرة دفاعاتها، في ظل تكلفة الصواريخ الاعتراضية الباهظة وشُح المخزونات الاحتياطية حتى قبل اندلاع الحرب. وبناءً على محادثات الكاتبة مع مسؤولين، سبق للإمارات وقطر أن طلبتا من واشنطن مساعدتهما في تجديد هذه المخزونات. في المقابل، تعتمد إيران على طائرات مسيّرة وصواريخ زهيدة التكلفة نسبياً، مما يُفرز اختلالاً بنيوياً طويل الأمد في الميزان الاقتصادي بين الطرفين.
وعلى الحكومات العربية أن تستوعب أيضاً التداعيات التي ستُخلّفها الضربات الإيرانية المتواصلة على شعوبها. ومجتمعةً مع أزمة الذخائر، قد تدفع هذه التداعيات تلك الدول إلى تبني قناعة مفادها أن خير وسائل الدفاع هو الهجوم، مما قد يدفعها إلى التفكير في انخراط أعمق في الحرب أو تعزيز دعمها للعمليات الأمريكية. وبصرف النظر عما ستختاره هذه الدول الشريكة، تتسابق القوات الأمريكية والإسرائيلية حالياً لتدمير القدرات الصاروخية والجوية الإيرانية بوتيرة تفوق قدرتها على التجديد، سعياً للبقاء في مأمن من منحنى التآكل وتصاعد التكاليف غير المواتي.
الضربات النفطية: رسائل ضغط وتصعيد محسوب
بقلم مايكل آيزنشتات
اقتصرت ضربات إيران على الأهداف النفطية في الخليج حتى الآن على عمليات محدودة النطاق نسبياً، شملت: ضرب ناقلات نفط في عرض البحر قرب سواحل عُمان، وأخرى في الموانئ في البحرين، وثالثة في أثناء عبورها مضيق هرمز؛ إلى جانب ضربات بطائرات مسيّرة (منفردة أو في أزواج) استهدفت مصفاة رأس تنورة السعودية ومدينتَي مسيعيد ورأس لفان الصناعيتين في قطر، فضلاً عن محاولة هجوم على مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت. وتندرج هذه الضربات ضمن استراتيجية إيران الحربية الأشمل القائمة على الضغط التدريجي، واستبقاء الطاقة القتالية لصراع مطوّل، وزعزعة أسواق النفط، وتأجيج المعارضة الداخلية للحرب في الولايات المتحدة وسائر الدول. كما ترمي طهران إلى توجيه رسالة مفادها امتلاكها القدرة على فرض أثمان أفدح إذا ما تعرضت بنيتها التحتية النفطية للاستهداف.
وقد حققت هذه العمليات الصغيرة آثاراً مضخَّمة، مع الحفاظ على سقف منخفض للتصعيد. فقد أرهبت شرائح واسعة من السفن التجارية المتجهة إلى مضيق هرمز، محققةً إغلاقاً فعلياً للممر المائي دون قرار رسمي. كما أجبرت بعض منتجي النفط والغاز ومنهم “قطر للطاقة” على تعليق عمليات الإنتاج والتصدير احترازياً.
وللتصدي لهذه الاستراتيجية وردع أي تصعيد مقبل، ينبغي لواشنطن وشركائها أن يُنذروا طهران بأنه إذا استمرت الضربات على الأهداف النفطية الإقليمية:
- فإن الدول الخليجية التي رفضت منح تسهيلات القواعد العسكرية وحق التحليق للطيران الحربي الأمريكي ستتراجع عن هذا الموقف، وقد ينضم بعضها إلى الحملة الجوية ضد إيران.
- وستفرض الولايات المتحدة وحلفاؤها حصاراً بعيد المدى على الصادرات النفطية الإيرانية عند نقاط الاختناق الممتدة من خليج عُمان (باستخدام أصول القيادة المركزية الأمريكية) إلى مضيق ملقا (باستخدام أصول قيادة المحيط الهادئ والهندي) وما وراءهما.
- وستردّ الولايات المتحدة وشركاؤها الخليجيون بالمثل عبر استهداف قطاع النفط الإيراني، مما يُلحق المزيد من الأضرار باقتصاد البلاد وربما يُزعزع استقرار النظام.
وفي غياب هذه الإجراءات، فإن الولايات المتحدة وشركاءها سيمنحون عملياً الضربات النفطية الإيرانية المحدودة صفة الاستراتيجية المجانية الخالية من التكلفة، التي تعود بعائدات وافرة على أهداف النظام الحربية.
التداعيات المحتملة لاضطرابات الشحن الممتدة
بقلم نعوم ريدان
يقف قطاعا الشحن والطاقة في قلب التصعيد الراهن في الشرق الأوسط. وقد شهدت الملاحة في مضيق هرمز اضطراباً حاداً بالغ الأثر، إذ يمر عبره نحو 30 بالمئة من تجارة النفط الخام البحرية العالمية وما يقارب 20 بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وقد بقي عدد كبير من السفن التجارية راسياً خارج المضيق، إذ آثر المشغلون وبيوت التجارة تفادي العبور جراء مخاطر الملاحة الحربية وارتفاع أقساط التأمين. وعلى الرغم من أن المضيق لم يُغلق رسمياً، فإن عدداً ضئيلاً جداً من السفن يمر منه حالياً، بما في ذلك السفن الإيرانية نفسها.
وستؤدي أي اضطرابات شحن تمتد طويلاً إلى قطع تدفقات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، متضررةً الدول المستوردة الأكثر اعتماداً على منطقة الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها من الطاقة. وإذا كان بمقدور بعض مستوردي النفط الخام الاستعانة بمخزوناتهم الاحتياطية تعويضاً عن الخسائر في واردات الخليج، فإن هذا الحل يظل مؤقتاً وغير مستدام. فبيانات شركة “كبلر” تُشير إلى أن ما يزيد على 38 بالمئة من واردات الصين البحرية من النفط الخام مصدرها الشرق الأوسط، كما تعتمد اليابان على حجوم ضخمة من النفط الخليجي لا سيما السعودي. أما أوروبا، فستتجلى لها تداعيات الاضطراب على نحو مغاير؛ إذ تُشير تقديرات “كبلر” إلى أن نحو 45 بالمئة من وقود الطيران الأوروبي ينبع من منطقة الشرق الأوسط.
ولن تسلم من ذلك دول الخليج المصدِّرة نفسها؛ فالعراق الذي يستمد 90 بالمئة من ميزانيته من عائدات النفط سيجد نفسه أمام ضغوط مالية استثنائية يصعب احتمالها.
وسيتوقف مدى حدة الاضطراب على طول أمد التصعيد، ومدى عزم إيران على تكثيف ضرباتها على البنية التحتية الحيوية للطاقة وتصعيد تهديداتها للشحن. وسيتشكّل هذا القرار جزئياً في ضوء المصالح والحسابات الطاقوية الإيرانية ذاتها. فبيانات تتبع السفن تُفيد بأن إيران تملك ما يقارب 200 مليون برميل من “النفط على الماء” — أي نفطاً لا يزال في طريقه إلى المستهلكين أو محتجزاً على ظهر ناقلات — وهي أرقام متضخمة يُعزى جزء منها إلى تراجع الطلب الصيني. وإذا عجزت إيران عن تصدير نفطها عبر مضيق هرمز إبان الحرب، فإن لديها كميات مخزّنة خارج منطقة الخليج يمكن تفريغها، وإن ظل حجم المُصدَّر وسعره رهينَين بتوجهات الطلب في الأسواق.
ردود الخليج السياسية والعسكرية
بقلم أبريل لونغلي ألي
قبل اندلاع الحرب — وأكثر من ذلك الآن — كان زعماء الخليج يساورهم هاجس السيناريو الكابوسي: صراع أمريكي-إسرائيلي مفتوح الأمد مع إيران بأهداف ضبابية، وهم في الخط الأمامي. غير أن أي استياء أبدوه حيال تحرك واشنطن نحو الحرب بينما كانت الدبلوماسية لا تزال قائمة، باتت تطغى عليه موجة الغضب من الهجمات الانتقامية الإيرانية. فالضربات ضد المنشآت العسكرية الأمريكية على أراضيهم كانت متوقعة، لكن الضربات الإيرانية الفورية على أهداف مدنية في دبي والبحرين، وعلى البنية التحتية للطاقة في الكويت وقطر والمملكة العربية السعودية، باتت تُهدد بجر هذه الدول إلى حرب أجهدت نفسها في تفاديها.
في هذا السياق، انجرف معظمها نحو واشنطن التي تقف حارسةً لدفاعاتها. ففي الأول من آذار/مارس، انضمت خمس دول خليجية إلى الأردن والولايات المتحدة في بيان مشترك يستنكر الضربات الإيرانية ويؤكد حق الدفاع عن النفس. كما أسهمت هجمات طهران في طيّ صفحة الخلاف بشكل مؤقت بين الإمارات والمملكة العربية السعودية، إذ تحدث زعيما البلدين هاتفياً فور اندلاع الحرب. وعلى الرغم من غياب عُمان اللافت عن البيان المشترك، فإن بياناً منفصلاً لمجلس التعاون الخليجي يستنكر الهجمات الإيرانية أشار إلى تضامن خليجي — في الوقت الراهن على الأقل — وأثنى على مسقط لتشجيعها الحوار المستمر وسعيها إلى فتح منافذ للخروج من المأزق. وفي الأول من آذار/مارس مثلاً، حثّ وزير الخارجية “بدر بن حمد البوسعيدي” على العودة إلى طاولة المفاوضات، مؤكداً في تغريدة أن “باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحاً”.
وتبقى مسألة ردّ دول الخليج على الهجمات الإيرانية — متى وكيف إن حدث — ضبابية حتى اللحظة. وتدرس بعض الدول الخليجية الشريكة للولايات المتحدة خيارات لحماية مواطنيها تتجاوز نطاق الدفاع الجوي. وحين يحل وقت اتخاذ هذه القرارات، ينبغي لواشنطن أن تتبنى خيارات هؤلاء الشركاء وتنسق معهم في التعامل مع التهديدات الراهنة وما قد يستجد منها.