الشباب الأمريكي بين تآكل الثقة في “ترامب” وتراجع أداء الديمقراطيين

بالرغم من مرور شهرين فقط على تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلطة فإن إدارته قد اتخذت عددًا كبيرًا من القرارات والإجراءات التي تكفي لولاية رئاسية كاملة وكان معظمها مثيرًا للجدل. وعلى الرغم من أن الفترة منذ تولي “ترامب” قصيرة للغاية للحكم على إدارته فإن سرعة تحرك الإدارة في مختلف الملفات، الخارجية والداخلية، بالإضافة إلى الأريحية التي أصبح أعضاء الحزب الجمهوري يتحركون ويتخذون القرارات بها، خاصة في ظل استمرار واحدة من أسوأ حالات الحزب الديمقراطي؛ تعطي مؤشرات في غاية القوة يراها الكثيرون سلبية وفي غاية الخطورة. وظهرت بعض الإحصاءات والاتجاهات مؤخرًا لتؤكد خيبة الأمل وبداية تآكل الثقة بين قطاع الشباب والإدارة الجديدة، والحيرة بسبب عدم وجود بدائل واضحة أو معارضة قوية قادرة على التعامل مع التغييرات الجذرية التي تواجهها واشنطن.

أظهرت نسبة لا يستهان بها من قطاع الشباب ميلًا واضحًا نحو “ترامب” والجمهوريين في الانتخابات الأخيرة، حيث تكشف التحليلات الانتخابية عن تحول في التوجهات السياسية بين الناخبين الشباب، فتشير بيانات “بلو روز ريسيرش” إلى أن خسائر الديمقراطيين الكبيرة بين الشباب كانت مدفوعة إلى حد كبير بالمخاوف الاقتصادية، كما لعبت منصات التواصل الاجتماعي، مثل “تيك توك”، دورًا في هذا التحول، حيث أظهر المستخدمون ميلًا أكبر نحو الآراء الجمهورية، وهو ما تحدى التصور التقليدي للناخبين الشباب على أنهم ليبراليون في الغالب، وأشار إلى مشهد سياسي مُعقَّد ومتطور.[1]

ومع ذلك، ظهر مؤخرًا تراجع ملحوظ في ثقة الشباب الأمريكي في إدارة الرئيس دونالد ترامب بالرغم من أنها مازالت في شهورها الأولى؛ إذ لوحظ تآكل واسع في الثقة بالمؤسسات الحكومية بين الشباب الأمريكي. ويشير استطلاع رأي أجرته مؤسسة “جالوب” إلى أن الثقة في جهاز الحكومة قد انخفضت بشكل كبير، ويمكن أن يؤدي هذا التراجع في الثقة المؤسسية إلى انخفاض المشاركة المدنية والشعور بالاغتراب عن العملية السياسية، مما يُفاقم تراجع الثقة في القيادة الحالية.[2] وتسهم عدة عوامل في هذه التغيير، بما في ذلك: القرارات السياسات، والديناميكيات السياسية المتطورة، وحتى التحديات الاقتصادية.

أسهمت بعض القرارات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية الجديدة، وخاصةً تلك المتعلقة بالرسوم الجمركية وتخفيضات القوى العاملة الفيدرالية، في تراجع الثقة؛ إذ أدى تطبيق الرسوم الجمركية إلى ارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات اليومية، مما أثر على تكلفة المعيشة. ويفيد موقع “بيزنس إنسايدر” أن “الرسوم الجمركية، على الرغم من اعتبارها مؤقتة، تُؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات اليومية”. إضافةً إلى ذلك، أثار تسريح الموظفين الفيدراليين مخاوف بشأن الأمن الوظيفي والاستقرار الاقتصادي. وقد أدت هذه الخيارات السياسية إلى احتجاجات عامة وتزايد الاستياء، لا سيما بين الفئات العمرية الأصغر سنًا الأكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية.[3]

نتج عن هذا الوضع عدم استقرار واضح في الوضع الاقتصادي، وهو ما يؤثر بشكل أساسي في زعزعة ثقة الناخبين الشباب، والتي اكتسب “ترامب” أغلبيتها بسبب تفوقه واهتمامه الواضح بالجانب الاقتصادي، وهو ما تؤكده التقارير الأخيرة. ويعد هذا ملفًا محوريًا بالنسبة للناخبين الشباب الذين تعد التحديات الاقتصادية بمختلف أشكالها أمرًا حيويًا بالنسبة لهم.[4]

وتكشف استطلاعات الرأي العام كذلك عن انقسامات حزبية عميقة فيما يتعلق بتوقعات ولاية “ترامب” الثانية[5]؛ فبطبيعة الحال لا يزال الجمهوريون داعمين له، بينما يعرب الديمقراطيون عن قلقهم البالغ، ويمتد هذا الاستقطاب إلى الشباب الأمريكي الذين يتأثرون ببيئاتهم الاجتماعية وشبكات أقرانهم.[6] فعلى سبيل المثال، تشير مؤسسة “بروكينجز” إلى أن “90% من الديمقراطيين قلقون، بينما يعرب 17% فقط من الجمهوريين عن نفس الشعور”. ويمكن لهذا الاستقطاب أن يُفاقم مشاعر الحرمان من الحقوق بين الشباب، خاصةً عندما تكون آراؤهم أقلية في مجتمعاتهم.[7]

مُني الحزب الديمقراطي بهزيمة تاريخية في انتخابات 2024، حيث خسر الرئاسة والسيطرة على الكونجرس بغرفتيه. وقد أتاحت هذه الخسارة للرئيس دونالد ترامب، الذي يخوض الآن ولايته الثانية، المضي قدمًا في أجندته بأقل قدر من المقاومة. وبينما ابتعد العديد من الناخبين عن الحزب الديمقراطي بسبب المخاوف الاقتصادية والعثرات السياسية، يواجه الشباب الأمريكيون صعوبات في ظل سياسات “ترامب”؛ فبالرغم من بداية تراجع ثقتهم به فإنهم يفتقرون حاليًا إلى بديل قوي، في الوقت الذي يعاني فيه الحزب الديمقراطي لإعادة تنظيم صفوفه وتقديم رؤية مُقنعة للمستقبل، وهو ما يمكن اعتباره السبب الرئيس في خسارته للانتخابات.

فبالعودة للنظر إلى ما حدث في الانتخابات، سنجد أن الأداء الفقير لإدارة “بايدن” و”هاريس” والحزب الديمقراطي بشكل عام لعدة ملفات كان السبب الرئيس للخسارة. فعند النظر للجانب الاقتصادي سنرى أن التضخم ظل مرتفعًا باستمرار خلال فترة ولاية الرئيس جو بايدن، حيث ارتفعت الأسعار بنحو 20% على مدى أربع سنوات، وبلغ متوسط ​​معدل التضخم السنوي 5.2%، وهو الأسوأ منذ إدارة “كارتر”. نتج عن ذلك شعور العديد من الناخبين المحايدين أن القيادة الديمقراطية فشلت في معالجة صعوباتهم الاقتصادية بفاعلية، مما أدى إلى تحول جماعي نحو الحزب الجمهوري.[8]

إلى جانب الاستياء الاقتصادي، واجه الديمقراطيون أيضًا صعوبات في إيصال رسائلهم والتواصل مع الناخبين. حيث وضع الحزب الديمقراطي على رأس أولوياته أجندة تقدمية للغاية، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإجهاض و”مجتمع الميم”. وبالرغم من أن هذه التوجهات عادة ما كانت تجد رواجًا بين الناخبين الشباب، إلا أنها أبعدت شريحة كبيرة من الناخبين، وخاصةً الناخبين غير الحاصلين على تعليم جامعي وأبناء الطبقة العاملة، بالإضافة إلى أن البعض من شريحة الشباب اعتبر أن هذه القضايا مهمة ولكن ثانوية، مقارنة بملفات أخرى، وأن تركيز الديمقراطيين الشديد عليها أفقدهم تركيزهم في الملفات الأهم، كالاقتصاد والرعايا الصحية وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، أعرب العديد من الناخبين الشباب الذين كانوا يدعمون المرشحين الديمقراطيين سابقًا عن إحباطهم من انتكاسات تخفيف ديون الطلاب وارتفاع تكاليف السكن، مما زاد من تراجع حماسهم للحزب.[9]

كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في تغيير المواقف السياسية. فبينما تميل الأجيال الشابة تقليديًا إلى اليسار فإن منصات مثل “تيك توك” قد كشفت لهم بشكل متزايد عن وجهات نظر محافظة. ولاحظ الاستراتيجيون السياسيون أن عددًا متزايدًا من الشباب والناخبين غير البيض انجذبوا نحو “ترامب” بسبب عدم رضاهم عن خطاب الحزب الديمقراطي والظروف الاقتصادية، أكثر من رضاهم عن ترامب والحزب الجمهوري، وهو ما يؤكد صعوبة تواصل الحزب الديمقراطي مع جمهور الناخبين وعدم القدرة على مواكبة تزايد التنوع والتطور بينهم.[10]

بطبيعة الحال، نتج هذا عن سيطرة الحزب الجمهوري الكاملة على السلطتين التنفيذية والتشريعية، فتمكن “ترامب” من المضي قدمًا في تنفيذ أجندته السياسية دون معارضة تذكر. وقد شمل ذلك تخفيضات ضريبية شاملة، وإلغاء القيود التنظيمية، وإلغاء السياسات التقدمية التي طُبِّقت خلال ولاية “بايدن”. وبينما أشاد المحافظون بهذه الإجراءات لتحفيز نمو الأعمال، اعتبرها البعض تُفيد الأثرياء في المقام الأول وتُهمل الأمريكيين العاديين.[11] بالإضافة إلى ذلك، أثار موقف الإدارة، الذي رآه الكثير من الشباب متطرفًا، من القضايا الاجتماعية جدلًا؛ فقد أدت السياسات التي تُقيّد حقوق الإنجاب، وتقلل من الحماية الفيدرالية لأفراد “مجتمع الميم”، وتشدد إنفاذ وتغليظ قوانين الهجرة، إلى مزيد من الاستقطاب في البلاد.[12] وسهولة تنفيذ مثل هذه السياسات في غياب معارضة قوية نقلت إحساسًا بتحويل “ترامب” الولايات المتحدة إلى دولة سلطوية بالنسبة للكثير قطاعات كبيرة من الشعب، خاصة قطاع الشباب.[13]

أدى كل هذا إلى شعور العديد من الشباب الأمريكي بالتشرد السياسي؛ فبينما يتزايد استياؤهم من “ترامب” وسياسات الجمهوريين، لم يقدم الحزب الديمقراطي بعد بديلًا قويًا، ولم يظهر إلى الآن أي أمارات حياة، حيث لا يزال الحزب منقسمًا بين جناحيه التقدمي والمعتدل، مما أدى إلى صراعات داخلية حول توجهات السياسة. وهذا الافتقار إلى الوحدة والقيادة الواضحة جعل من الصعب على الناخبين الشباب رؤية الديمقراطيين كقوة فاعلة قادرة على التغيير.[14]

وختامًا، بينما بدأ قطاع واسع من الشباب الأمريكي يفقد الثقة في إدارة “ترامب” بسبب القرارات الاقتصادية والسياسية المثيرة للجدل، لا يزال الحزب الديمقراطي عاجزًا عن تقديم رؤية واضحة أو قيادة موحدة قادرة على استعادة ثقة الناخبين. ومع غياب بديل قوي، تتزايد مشاعر الإحباط بين الشباب الذين يشعرون بأنهم عالقون بين سياسات جمهورية لا تلبي طموحاتهم وحزب ديمقراطي منقسم وغير قادر على المواجهة، وهو ما نتج عنه دخول الشباب الأمريكي في حالة من الحيرة والاغتراب السياسي. واستمرار هذا الوضع دون إصلاحات جوهرية داخل الحزب الديمقراطي قد يعمق أزمة التمثيل السياسي، مما يفتح المجال أمام تصاعد الاستقطاب، بالإضافة إلى أنه يتيح الفرص بشكل أكبر لترامب وإدارته لفعل ما يحلو لهم واتخاذ قرارات لا تؤثر على الداخل الأمريكي فقط. وبالرغم من عدم اهتمام المواطنين الأمريكيين بهذا الجانب كثيرًا فإن تأثير انفراد “ترامب” بالسلطة بدون مراجعة يظهر بشكل واضح أيضًا في السياسات الخارجية التي تؤثر على العالم بأسره.

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M