تمهيد:
قد لا تُسعِف الكلمات للتعبير عن مكنونات الروح، وربما تستطيع رسمة بسيطة التعبير عن عهد كامل، تم تدوينه في عشرات الموسوعات. ويُعدّ الكاريكاتير والتعبير الساخر، أحد أهم أدوات النقد الاجتماعي والسياسي في العصر الحديث؛ فهو يتجاوز كونه مجرد رسم ساخر ليُصبح مرآة عاكسة للأزمات المالية والتحولات الاقتصادية التي تمسّ حياة الأفراد اليومية. يعتمد هذا الفن على تكثيف الدلالات البصرية لإيصال رسائل مُعقَّدة حول قضايا مثل التضخم، البطالة، تقلُّبات أسواق الأسهم، وتفاوت الدخل، مستخدمًا السخرية الهادفة كأداة لتفكيك السياسات الاقتصادية والأوضاع السياسية والاجتماعية وتوعية الجمهور بتبعاتها.
استخدمت تلك الطريقة الذكية والصامتة للتعبير عن الأوضاع المختلفة على نطاق واسع في إفريقيا جنوب الصحراء، لتكون بمثابة صرخة صامتة، ناقدة ومتمردة لرفض السياسات الخاطئة والفساد والاستبداد السياسي، والمعارضة باستخدام الكوميكس، والرسومات الجاذبة، واللافتة للانتباه، والتي يمكن فهمها من كافة أطياف المجتمع، ازداد تأثيرها مع التحول الرقمي.
ومنه استهدف موضوع المقالة التعرف عليها وعلى تأثيراتها، وكيف كانت مُتنفَّسًا للضغوط الحياتية، والتعبير عنه بأسلوب فكاهي ولاذع، من خلال النقاط التالية:
- أولًا: الرسوم الساخرة: التاريخ والدور.
- ثانيًا: تطور الرسوم الكاريكاتورية في إفريقيا جنوب الصحراء.
- ثالثًا: دور الكاريكاتير في الحوكمة والمجتمع والتنبؤ.
- رابعًا: مستقبل الرسوم الساخرة في إفريقيا: التحديات والفرص.
- خاتمة.
أولًا: الرسوم الساخرة: التاريخ والدور
تُعدّ الرسوم الكاريكاتورية، بوصفها شكلًا من أشكال الخطاب الإخباري المرئي، ذات مكانة ورسالة فريدة. فباستخدام أساليب فنية وبلاغية، يقدم رسامو الكاريكاتير وجهات نظر إضافية وأحيانًا بديلة حول الأحداث الجارية؛ إذ تصبح صورهم أُطرًا لتنظيم المعرفة الاجتماعية، بالإضافة إلى تجسيد جوهر القضايا أو الأحداث. وبذلك، يُقدّم للجمهور عدد من الرموز المختلفة التي تشير إلى الإطار الأساسي لأي قضية.([1])
تاريخيًّا، ارتبط الكاريكاتير بالصحافة منذ نشأتها، ولكن الكاريكاتير الاقتصادي اكتسب زخمًا خاصًّا مع تعقُّد الأنظمة المالية العالمية. وفي الأدبيات المتخصصة، يُشار إلى أن الكاريكاتير بـ “المحرر البصري” الذي يختزل الأرقام الجافة والمصطلحات الاقتصادية المعقدة في صورة واحدة تثير التفكير.
ففي فترات الكساد الكبير أو الأزمات المالية العالمية، لعبت تلك الرسوم دورًا محوريًّا في تجسيد معاناة الطبقات الوسطى والفقيرة؛ حيث استخدم الفنانون رموزًا مثل “الثور والدب” في البورصة أو “الميزان المختل” للتعبير عن انعدام العدالة الاقتصادية.([2])
وتتنوع أساليب التعبير في هذا الفن بين القالب الصامت الذي يعتمد على الرمزية البحتة، وبين القالب الذي يتضمن تعليقًا نصيًّا لتعزيز الفكرة.
يتناول فنانو الكاريكاتير قضايا حيوية مثل تأثير أسعار النفط، تقلبات أسواق الأسهم، وأزمات العقار؛ حيث صوّروا بصدق معاناة المستثمرين الذين تعرَّضوا لخسائر فادحة نتيجة المضاربات غير المدروسة.([3])
إن قوة هذا الفن تكمن في قدرته على تحويل القضايا السائدة إلى لغة بصرية مفهومة للجميع، مما يجعله أداة ضغط شعبي غير مباشرة على صُنّاع القرار.
كما يُساهم الكاريكاتير في توثيق التاريخ الاجتماعي للأزمات. فعندما يرسم الفنان معاناة المواطن مع القروض البنكية أو ارتفاع تكاليف المعيشة، فإنه لا يقدم مجرد نكتة، بل يقدم وثيقة بصرية تُعبِّر عن الحالة النفسية والاجتماعية للمجتمع في تلك الحقبة. هذا التفاعل يُعزّز من وعي الجمهور، ويُحوِّل القضايا المختلفة من أرقام في التقارير الحكومية إلى قضايا رأي عام تفرض نفسها على الأجندة الإعلامية.
ثانيًا: تطوُّر الرسوم الكاريكاتورية في إفريقيا جنوب الصحراء
لطالما كان للكاريكاتير السياسي في العديد من الدول الإفريقية تأثير كبير على الثقافة البصرية الشعبية والفنون، والعكس صحيح. كما شجّع ازدهار الكاريكاتير السياسي بعد التسعينيات على نمو فنون أخرى مرتبطة به، مثل الكوميديا الارتجالية، وفن الشارع السياحي.
يُمثّل تاريخ الرسوم الكاريكاتورية السياسية في إفريقيا سردًا عميقًا للمقاومة والتعليق الاجتماعي والسعي الدؤوب نحو التعبير الديمقراطي. وكثيرًا ما تُوصَف تلك الرسوم بأنها سلاح للنقد الاجتماعي ومرآة تعكس تعقيدات الحكم في مرحلة ما بعد الاستعمار، والنضال الاقتصادي، والدفاع عن حقوق الإنسان.
وفي مختلف أنحاء القارة، استخدم رسامو الكاريكاتير السخرية البصرية للموازنة الدقيقة بين الحرية الفنية وخطر الرقابة الحكومية أو السجن أو الترهيب.([4])
إن تقاليد الرسوم الكاريكاتورية الإفريقية مُتجذّرة بعمق في ثقافة التاريخ الشفوي العريقة في القارة، وفي “الحوار”، وفي الدور الاجتماعي لـ”ابن العم الساخر”؛ وهي آلية ثقافية تسمح بالنقد الذاتي الشديد والسخرية كوسيلة لحلّ النزاعات.([5])
في السياقات المعاصرة، تطوَّر هذا إلى لغة بصرية متطورة. ويشير الباحثون إلى أن الرسوم الكاريكاتورية السياسية في إفريقيا غالبًا ما تعمل كشكل من أشكال “الصحافة المرئية” التي تتجاوز حواجز المعرفة بالقراءة والكتابة، مما يجعل القضايا السياسية المعقدة في متناول جمهور واسع.([6])
يتميز مشهد فن الكاريكاتير الإفريقي بتنوُّعه؛ حيث يضم شخصيات بارزة ساهمت في تشكيل الخطاب العام. ففي جنوب إفريقيا، اشتهر زابيرو (جوناثان شابيرو) منذ زمن طويل بنقده الجريء للسياسات ما بعد الفصل العنصري، وكثيرًا ما واجَه تحديات قانونية بسبب تصويره للقادة السياسيين.([7])
وفي شرق إفريقيا، أصبح غادو (غودفري موامبيمبوا) اسمًا مألوفًا بفضل تعليقاته اللاذعة على الفساد والحوكمة في المنطقة. وتايو فاتونلا في الغرب. أما في شمال إفريقيا، فيعمل فنانون مثل ديليم (الجزائر)، وويليس من تونس (تونس)، وشريف عرفة (مصر) في بيئات تُختبر فيها “الخطوط الحمراء” للرقابة باستمرار، ومع ذلك يواصلون استخدام أعمالهم للدفاع عن الحقوق الأساسية. وبالطبع، يوجد في كل منطقة أو بلد العديد من رسامي الكاريكاتير المؤثرين.
من الرسومات الكاريكاتيرية البارزة التي لفتتني في أثناء إعدادي لتلك المقالة، تعبيرها عن وضع ما تعاني منه كثير من بلدان القارة وهي: “الرئيس مزارع مسلح يستنزف ثروات بلاده. أما أخوه، فيتخذ شكل نظارة شمسية مشؤومة تتطلع إلى صندوق التقاعد الوطني. وابنه طفل صغير يرتدي قبعة عسكرية ضخمة، لم يتعلم بعد ربط حذائه”. هكذا يتخيل كريسوغون أتوكواسيز، صاحب أذكى قلم في أوغندا. يوقع باسم “أوغون”، ويستخدم رسوماته الكاريكاتورية في صحيفة “ديلي مونيتور” لفضح الفاسدين وتوبيخ أصحاب النفوذ.([8])
ثالثًا: دور الكاريكاتير في الحوكمة والمجتمع والتنبؤ
لا تُعدّ الرسوم الكاريكاتيرية في إفريقيا مجرد رسوم توضيحية فكاهية، بل هي أدوات أساسية لمحاسبة السلطة. باستخدام السخرية والكاريكاتير والاستعارة، يكشف هؤلاء الفنانون عن “آفات” المجتمع، بدءًا من الاستبداد والتزوير الانتخابي وصولًا إلى الفقر الممنهج. كثيرًا ما يصف هؤلاء الفنانون الرسم بأنه فِعْل مُعارض، ووسيلة لاستعادة المجال العام من الروايات التي تسيطر عليها الدولة. وصمود هؤلاء الرسامين دليل على قوة الصحافة الدائمة كركيزة للديمقراطية، حتى في الدول التي يكون فيها حكم القانون هشًّا.
في الجانب الاقتصادي عبَّرت تلك الرسوم الساخرة عن الطبقات الكادحة، وعدم المساواة الاقتصادية والفقر، وغيرها.([9]) وتتفاعل مع كافة القضايا المطروحة في كافة المناحي التي تمس المواطن.([10])
يشارك فنانو الكاريكاتير بتقديم النصائح للاقتصاديين، وهو ما تظهره رسوم كاريكاتورية حول التمويل المستدام، أو كيفية بناء اقتصاد متجدّد في إفريقيا. التمويل المستدام بأسلوب بسيط، لكنه ليس سطحيًّا، من خلال رسوم كاريكاتورية. فمثلًا لفتت بعض الرسومات إلى دور الشركات الصغيرة والمتوسطة الإفريقية في مساعدة القارة على تحقيق الاستدامة البيئية والاجتماعية.([11])
كما تسلط الضوء على كل شيء، بدءًا من الأسواق الصاخبة ورواد الأعمال المحليين، وصولًا إلى النقاشات السياسية واتفاقيات التجارة الإقليمية، لتُجسِّد الحقائق الاقتصادية بروح الدعابة والعمق.([12])([13])
تكتشف تلك الرسوم أيضًا ثراء إفريقيا؛ حيث تبرز مواردها الطبيعية الوفيرة، وثقافاتها المتنوعة، وإمكاناتها الاقتصادية الهائلة. من الذهب إلى الماس، وتُعدّ هذه الرسوم مثالية لإضفاء لمسة مميزة على العروض التقديمية، والمواد التعليمية، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي.([14])
كما قد توحي تلك الرسوم بتنبؤات مستقبلية؛ فعلى سبيل المثال؛ وسط نقاشات حادة حول سياسة دونالد ترامب التجارية الحالية، عادت رسمة كاريكاتورية سياسية عمرها قرن من الزمان إلى الظهور على موقع لينكدإن، وسرعان ما انتشرت بشكل كبير. شاركها مستخدم لينكدإن آر إل نارايانان، وهي رسمة رسمها رسام الكاريكاتير الأمريكي الشهير بوب مينور عام 1925م، تنبأت بتراجع الإمبريالية الغربية وصعود الصين والهند وإفريقيا، مشيرةً إلى تحوُّل في موازين القوى العالمية بعيدًا عن هيمنة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
نُشرت الرسمة في الأصل في صحيفة “ديلي ووركر” الاشتراكية في شيكاغو، واكتسبت صدًى جديدًا عند إعادة نشرها عام 2024م مع التعليق التالي: “قبل قرابة مئة عام، أدرك رسام الكاريكاتير الأمريكي الشهير بوب مينور حقيقةً مهمة: الدول الغربية تحكم العالم؛ لأنها غنية بالمال والسلاح. أما الصين والهند وإفريقيا فكانت فقيرة بالمال والسلاح، لكنها غنية بالبشر. سيأتي يوم يتغير فيه ميزان القوى”.
شارك نارايانان الرسم الكاريكاتوري مع التعليق التالي: “بعد مرور مئة عام بالضبط، تشكل مجموعة البريكس عالم متعدد الأقطاب. فهي تمثل مجتمعةً 40% من سكان العالم، ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 30 تريليون دولار”. وأشار إلى أنه في مجال الإستراتيجية، “قد تحقق خطوة غير محسوبة ضد قوة صاعدة نصرًا في يوم من الأيام، لكنها قد تؤدي إلى خسارة العصر”.([15])

رابعًا: مستقبل الرسوم الساخرة في إفريقيا: التحديات والفرص
على الرغم من أهميتهم الثقافية؛ يواجه رسامو الكاريكاتير الأفارقة عقبات كبيرة. فقد وفَّر العصر الرقمي منصات جديدة للنشر، ولكنه أدخل أيضًا أشكالًا جديدة من المراقبة والمضايقات عبر الإنترنت. وقد اضطر العديد من رسامي الكاريكاتير إلى التكيُّف مع هذه الظروف المتغيرة، وغالبًا ما ينقلون أعمالهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتجاوز حراس البوابات الإعلامية التقليدية الذين قد يتعرضون لضغوط من جهات حكومية. وقد وفَّر الاعتراف الدولي بفناني الكاريكاتير الأفارقة، من خلال مبادرات مثل “الرسم الكاريكاتيري من أجل السلام”، شبكة دعم حيوية، مما ساعد على حماية هؤلاء الفنانين وتضخيم أصواتهم على الساحة العالمية.([16])
أسس تيجومولا أولانيان موقع Africacartoons.com، أول موسوعة رقمية شاملة على مستوى القارة الإفريقية للرسوم الكاريكاتورية السياسية لفنانين أفارقة.([17])
يُعدّ الموقع منصة رقمية رائعة أخرى توثق الممارسات الفنية الإفريقية. وهو أرشيف إلكتروني للرسوم الكاريكاتورية السياسية الإفريقية. كان الدافع الرئيسي وراء إنشائه تحفيز المزيد من الاهتمام الأكاديمي بالرسوم الكاريكاتورية الإفريقية. أما الدافع الثانوي فكان إمتاع عشاق الرسوم الكاريكاتورية وفن الكاريكاتير في إفريقيا. يحتوي الموقع على خريطة تفاعلية تعرض مجموعة كبيرة من أعمال رسامي الكاريكاتير السياسي، تضم أكثر من 180 رسامًا.
بهذا المعنى، تعد الرسوم الكاريكاتورية السياسية فنًّا مثاليًّا للغاية، بأسلوب بطولي ونكران للذات. قد لا يُدرك المستهدفون بالرسوم الكاريكاتورية السياسية دائمًا الفكاهة أو السخرية، لكن الكاريكاتير السياسي فن إنساني في جوهره، لذا فإن هجماته لا تُصوّر كأعداء مطلقين يجب أن يدمر كل منهما الآخر، بل كبشر يتشاركون نفس المساحة، في منافسة؛ منافسة بين الغني والفقير، بين القوي والضعيف، منافسة يجب أن نسعى باستمرار لإدارتها بشكل أفضل. هذه هي الأهمية الكبرى للرسوم الكاريكاتورية السياسية. سيكون العالم أفقر بكثير بدونها.
تتوفر الآن فرص عديدة لرسامي الكاريكاتير الأفارقة في العالم الرقمي. لكنهم ما زالوا بحاجة إلى المزيد من الموارد والدعم للاستفادة الكاملة من هذه الفرص. أولًا، تنشر العديد من الصحف الآن أعمالها إلكترونيًّا، مما يتيح لرسامي الكاريكاتير وصولًا أوسع بكثير. يمكن لأيّ شخص في أيّ مكان في العالم متصل بالإنترنت الاطلاع على أعمالهم. ثانيًا، يمتلك العديد من رسامي الكاريكاتير صفحات على فيسبوك وينشرون رسوماتهم مباشرةً هناك، بالإضافة إلى وسائل الإعلام التي يعملون بها. ثالثًا، يمتلك العديد منهم صفحات ويب مستقلة خاصة بهم؛ حيث يمكنك الاطلاع على نماذج من أعمالهم والتواصل معهم. يُساهم موقع Africacartoons.com في توسيع نطاق وصول رسوماتنا الكاريكاتيرية من خلال توفير منصة شاملة يمكنك من خلالها معرفة المزيد عن رسامي الكاريكاتير وأماكن عملهم، ومشاهدة نماذج من أعمالهم، والاطلاع على روابط لمواقعهم الإلكترونية الشخصية، والصحف التي يعملون بها، وغيرها من المعلومات المفيدة عنهم.([18])
ختامًا:
يمتلك فنان الكاريكاتير، من الثقافة، الموهبة الفطرية، والقدرة على الملاحظة، والتعبير عنها بشكل فكاهي أو ناقد، وبشكل صامت. كذلك يكون واعيًا بالأحداث الجارية، مع قدرة على التعبير عن الأفكار المُعقَّدة برسومات بسيطة وسريعة.
تُمثّل تلك الموهبة سلاحًا خطيرًا في مواجهة الاستبداد والفساد والتهميش، بأقل التكاليف. هذا السلاح استخدمه المناضلون الأفارقة الصامتون المدافعون عن حقوق المُهمّشين، والمظلومين في جميع أنحاء القارة. فهي بمثابة برلمان مستقل وحرّ، ينقد، ويعارض، ويتنبأ، ويُوجّه.