بين التصعيد وإدارة حافة الانفجار: هل تملك دول الخليج هامش الخيار؟

  • التصعيد الراهن في المنطقة يعكس نمط إدارة توتر وليس توجهاً نحو حرب شاملة.
  • تركز المقاربة الأمريكية للمسألة الإيرانية على الردع والضغط المحدود، لا على الانخراط طويل الأمد.
  • يندرج السلوك الإيراني ضمن ضبط التوازن الردعي أكثر من السعي إلى المواجهة.
  • تمتلك دول الخليج هامش تأثير وظيفي في احتواء التصعيد، على رغم محدودية أدواتها الصلبة.
  • الاستقرار الحالي في الإقليم مؤقت، ويعتمد على الانضباط المتبادل لا على تسويات سياسية مستدامة.

 

في الشرق الأوسط، نادراً ما تكون اللحظات الأخطر تلك التي تُعلن فيها الحروب، بل تلك التي يُكثرُ فيها الفاعلون الحديثَ عنها دون أن تقع. في هذا الأسبوع، تبدو المنطقة عالقة في هذا الفراغ المُقلِق: تصعيد سياسي كثيف، وتحذيرات متبادلة، واستعراضات قوة محسوبة، يُقابِلها غياب واضح لقرار الحرب نفسه. ما يجري ليس اقتراباً من الانفجار بقدر ما هو إدارة دقيقة لحافة الانفجار.

 

ويوحي الخطابُ المرتفع السقف بأن المواجهة باتت مسألة وقت، لكن السلوك الفعلي للأطراف الرئيسة يقول شيئاً مختلفاً. فالتاريخ القريب علّم الجميع أن الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تبقى محدودة، وأن كلفتها لا تُدفع دفعة واحدة، بل تتراكم على شكل عدم استقرار مزمن. لهذا، تحولت التهديدات العسكرية إلى أدوات ضغط سياسية أكثر منها تمهيداً لعمل عسكري وشيك.

 

في هذا السياق، لا تبدو الولايات المتحدة في ظل إدارة ترمب أقل ميلاً إلى استخدام القوة، بل أكثر نفوراً من الحروب المفتوحة زمنياً وسياسياً. ترمب لا يرى في الشرق الأوسط ساحة يجب الانسحاب منها بالكامل، ولا مسرحاً لحروب استنزاف طويلة، بل مساحة لفرض الردع السريع وتحقيق مكاسب واضحة بأدوات محدودة. وما يُقيِّد القرار العسكري ليس غياب الرغبة في الضرب، بل غياب الضمان بأن الضربة ستبقى قصيرة، ونظيفة، وقابلة للتسويق داخلياً. من هذا المنظور، يُصبِح التهديدُ أداةً مفضلة، والضغط الأقصى بديلاً عن الانخراط، والضربة المحتملة وسيلة ردع لا مسار حرب.

 

على الرغم من نبرة إيران المتصلبة، فإنها تُدرِك أن أي صدام واسع مع الولايات المتحدة سيضعها أمام تحديات كبيرة (أ.ف.ب)

 

أما إيران، فعلى الرغم من نبرتها المتصلبة، تُدرِك أن أي صدام واسع سيضعها أمام اختبار داخلي قاسٍ. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة تجعل من الحرب مقامرة عالية المخاطر، لا تضمن مكاسب سياسية بقدر ما تهدد بتآكل القدرة على التحكم بالداخل. لذلك تعتمد طهران سياسة السير على الحافة: تصعيد محسوب، ورسائل قوية، دون تجاوز الخط الذي قد يستدعي رداً لا يمكن احتواؤه.

 

ما يُميِّز هذه المرحلة عن سابقاتها هو التحول في نظرة الإقليم نفسه إلى الصراع. فدول الشرق الأوسط، خصوصاً تلك التي استثمرت في الاستقرار والتنمية، باتت ترى في أي مواجهة كبرى تهديداً مباشراً لمصالحها الحيوية. إنَّ الممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وثقة المستثمرين، وسلاسل الإمداد العالمية ما عادت تفاصيل هامشية، بل عناصر مركزية في حسابات القرار. والحرب هنا ما عادت شأناً سياسياً فقط، بل مخاطرة اقتصادية شاملة.

 

في ظل هذا الواقع، تتقدم الدبلوماسية الصامتة على حساب الحلول الكبرى. وفي خلف الكواليس، تُفتحُ قنوات اتصال، وتُرسل رسائل تهدئة غير معلنة، وتُختبر حدود الردع باستمرار. الهدف ليس التوصل إلى تسوية شاملة، بل منع الانزلاق. إنها سياسة تقوم على إدارة الوقت أكثر مما تقوم على إدارة الحلول، وعلى الاحتواء بدلاً من الحسم.

 

يوحي الخطابُ المرتفع السقف بأن المواجهة الأمريكية-الإيرانية باتت مسألة وقت، لكن السلوك الفعلي للأطراف الرئيسة يقول شيئاً مختلفاً (تعبيرية/شَترستوك)

 

غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها خطراً بنيوياً؛ فكلما طال أمد التوتر دون انفراج، ازدادت احتمالات الخطأ. والاعتياد على الخطاب التصعيدي قد يقلل من حساسية الأطراف تجاه الإشارات الصغيرة التي غالباً ما تشعل الأزمات الكبرى. في منطقة مثقلة بتاريخ من الحسابات الخاطئة، يبقى هذا الاحتمال قائماً مهما بلغت دقة الإدارة.

 

ومع ذلك، فإن ما يمنع الانزلاق حتى الآن ليس حُسْن النوايا، بل إدراك جماعي بالكلفة. الجميع يعلم أن أي اشتعال واسع لن يبقى محصوراً في حدود دولة أو جبهة، بل سيُعيد رسم خريطة المخاطر الإقليمية، ويمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي. هذا الإدراك المشترك هو شكل الردع الأكثر فاعلية في هذه اللحظة، لأنَّه يقوم على الخسارة المتبادلة لا على التفوق العسكري.

 

منطقة الخليج، إذاً، لا تقف اليوم على أعتاب حرب وشيكة، بل في قلب مرحلة توازن هش بين التهديد والتفاوض. مرحلة لا تَعِدُ بالاستقرار الدائم، لكنها تكشف تحولاً مهماً في منطق السياسة: مِن اندفاع القوة إلى حساب الكلفة، ومِن وَهْم الحسم السريع إلى واقع الإدارة الطويلة للأزمات. وبينما يستمر الكلام عن الحرب، يبقى القرار الحقيقي مؤجلاً، لا لأنَّ السلام قريب، بل لأن الحرب أبعد كُلفَة مما يستطيع أي طرف تحمّلها الآن.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M