بين التفاوض والتصعيد: مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في ضوء الخطة الأمريكية الجديدة

  • كشفت الإدارة الأمريكية عن ملامح خطة جديدة تهدف إلى إعادة تنظيم الصراع بين لبنان وإسرائيل عبر ثلاث مراحل مترابطة، تُفضي إلى فتح قنوات تفاوض مباشرة بين لبنان وإسرائيل لحل الملفات العالقة، وعلى رأسها مسألة الحدود البرية.
  • بينما تعكس الخطة الأمريكية تحولاً في استراتيجية الولايات المتحدة في لبنان من مجرد ضبط الصراع مع إسرائيل إلى محاولة إنهائه عبر ترتيبات تدريجية، إلا أن تنفيذها يواجه تحديات جوهرية، أهمها متطلبات بناء جيش لبناني قوي، والحاجة إلى إنهاء نفوذ حزب الله العسكري في الجنوب.
  • مع ترجيح استمرار الغارات الإسرائيلية ضد حزب الله في ظل سعي الولايات المتحدة إلى تحقيق تقدم تدريجي في تنفيذ خطتها الدبلوماسية، وبخاصة في ضوء خشية حزب الله من التصعيد وحرصه على بدء إعادة إعمار، إلا أن احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية أوسع بين الحزب وإسرائيل تظل قائمة. 
  • يبقى مستقبل الصراع الكلي بين حزب الله وإسرائيل مرهوناً بمدى قدرة الدولة اللبنانية على تعزيز سيادتها في الجنوب، وإمكانية احتواء نفوذ حزب الله، والتطورات الإقليمية التي قد تُعيد رسم معادلات الصراع في المنطقة.

بعد ثلاثة أشهر على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله اللبناني وإسرائيل، وعلى الرغم من استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي وعدم تحقق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان كما نص على ذلك الاتفاق، كشفت الإدارة الأمريكية عن خطة جديدة متعددة المراحل تُمثِّل جزءاً من استراتيجية دبلوماسية أوسع تهدف إلى إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي بين لبنان وإسرائيل. هذه الخطة، التي تحظى بدعم دولي، قد تمثل نقطة تحول في الصراع، لكنها تواجه عقبات بنيوية تتعلق بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها العسكرية في الجنوب، ودور حزب الله بصفته فاعلاً رئيساً في المشهد الأمني.

تسعى هذه الورقة إلى استشراف مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي دخل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، من طريق تحليل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وتقييم فرص نجاحها في ظل التحديات السياسية والعسكرية القائمة. كما تناقش الورقة السيناريوهات المحتملة لمستقبل الصراع. وبناءً على ذلك، تحاول الورقة تقديم رؤية تحليلية شاملة حول مستقبل الاستقرار الأمني في لبنان، وتأثير هذه التطورات على توازن القوى في المنطقة.

الخطة الأمريكية ودلالاتها 

بعد الإعلان في 11 مارس 2025 عن تسلُّم الدولة اللبنانية خمسة أسرى لبنانيين من إسرائيل نتيجة للوساطة الدبلوماسية للولايات المتحدة، مع بقاء أسرى آخرين لدى إسرائيل واستمرارها في احتلال خمسة مواقع في جنوب لبنان، كشفت نائبة المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، عن ملامح خطة أمريكية جديدة تهدف إلى إعادة تنظيم الصراع بين لبنان وإسرائيل عبر ثلاث مراحل مترابطة. تتضمن المرحلة الأولى إطلاق سراح جميع الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، ما يُمثِّل خطوة تمهيدية لبناء الثقة. وتشمل المرحلة الثانية انسحاب إسرائيل من كل المناطق والنقاط التي لا تزال تحتلها في لبنان، وهو تطور يمكن أن يُعيد رسم معادلات النفوذ والسيطرة على الحدود. وفي المرحلة الثالثة، سيتم فتح قنوات تفاوض دبلوماسي مباشر بين البلدين لحل مسألة الحدود البرية، في خطوة قد تُشكِّل أرضية لمعادلة جديدة في المشهد الأمني والسياسي في المنطقة. ولتنفيذ هذه الخطة، أكدت أورتاغوس تشكيل ثلاث مجموعات دبلوماسية تضم ممثلين عن لبنان وإسرائيل، بمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا.

لابد أولاً من الإشارة إلى بعض النقاط لفهم الخطة الأمريكية:

أولاً، تعكس الخطة الأمريكية الجديدة تحولاً في التعاطي الأمريكي مع الملف اللبناني. فبعد أن كانت المقاربة تقوم على ضبط الصراع بين لبنان (حزب الله) وإسرائيل، سواء من طريق اتفاقيات الهدنة أو عبر قرارات تؤخذ في مجلس الأمن لوقف الحرب وتعزيز دور قوات حفظ السلام (اليونيفيل) لضمان تطبيق القرار رقم 1701 لعام 2006، تتجه واشنطن إلى مقاربة تؤدي إلى إنهاء الصراع بشكل دائم عبر مراحل متدرجة تبدأ بترتيبات أمنية تُفضي إلى تفاهمات سياسية أوسع.

تُمثِّل الخطة الأمريكية الجديدة جزءاً من استراتيجية دبلوماسية أوسع هدفها إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي بين لبنان وإسرائيل (شترستوك)

ثانياً، يعكس الإعلان عن تشكيل ثلاث مجموعات دبلوماسية بين لبنان وإسرائيل عن أن التواصل بين البلدين سينتقل إلى مرحلة التواصل السياسي بعد أن كان محصوراً ضمن آليات عسكرية/أمنية برعاية من قوات “اليونيفيل” تتم في نقطة عند الحدود اللبنانية-الإسرائيلية بين حينٍ وآخر. وهذا الانتقال نحو التواصل الدبلوماسي المباشر أو عبر وساطة أمريكية وفرنسية سينعكس على دور اللجنة المشرفة على تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار الذي سيتراجع مع بدء تشكيل المجموعات الدبلوماسية ودخول عملها حيز التنفيذ، والذي يقتصر على تسجيل الخروقات العسكرية والأمنية من قبل كلا الطرفين ورفعها في تقرير إلى الجهات المعنية.

ثالثاً، يُتوقَّع أن تحد المجموعات الدبلوماسية الثلاث المشار إليها في الخطة الأمريكية، من دور قوات “اليونيفيل”. ففي حال حققت المقاربة الأمريكية نجاحات حتى شهر أغسطس المقبل، فقد لا نشهد تجديداً لبقاء قوات اليونيفيل في جنوب لبنان.

في هذه الحالة يكون لبنان قد انتقل من ترتيبات أمنية وعسكرية كانت مصممة لمُراعاة دور حزب الله ووجوده، إلى ترتيبات أمنية ودبلوماسية جديدة متمركزة حول الجيش اللبناني والدولة اللبنانية. في السابق، كانت الدولة اللبنانية و”اليونيفيل” و”لجنة وقف إطلاق النار” مجرد صناديق بريد بين إسرائيل وحزب الله، أما حالياً فواشنطن تريد لترتيباتها الجديدة استكمال هزيمة حزب الله سياسياً، عبر نقل ملفات التفاوض بين إسرائيل ولبنان منه ومن رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الدولة اللبنانية بقيادة الرئيس جوزاف عون.

يعكس الإعلان عن تشكيل ثلاث مجموعات دبلوماسية بين لبنان وإسرائيل عن أن التواصل بين البلدين سينتقل إلى مرحلة التواصل السياسي

التحديات التي تواجه الخطة

على الرغم من تماسُك الخطة نظرياً، ووجود زخم ودعم أمريكي واضح لها، فإن عدداً من التحديات تواجه الخطة لابد من التطرق إليها:

أولاً، بناء جيش لبناني قوي: يُعد تطوير الجيش اللبناني على مستوى العدد والتسليح والتخطيط عنصراً أساسياً في نجاح الخطة الأمريكية. فمع تراجع دور “اليونيفيل”، كما أشرنا سابقاً، وبعد المضي إلى ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق اللبنانية المحتلة كافة -وفق الخطة الأمريكية- سيصبح الجيش اللبناني القوة العسكرية الوحيدة المنتشرة في جنوب لبنان، ما يفرض تحديات تتطلب استراتيجيات واضحة لتعزيز قدراته. كما أن هذا التحدي، يتعمَّق في ضوء الأوضاع المضطربة على الحدود السورية-اللبنانية، في منطقة الهرمل، حيث يدفع الجيش اللبناني بتعزيزات من أجل ضبط الصراعات بين فصائل الإدارة السورية الجديدة ومقاتلي العشائر المدعومين من حزب الله، وفي الوقت نفسه يَعملُ على ضبط التوتر بين المسلمين السُّنة والعلويين في مدينة طرابلس ومناطق عكار. ولتطوير قدرات الجيش على المديين القريب والمتوسط، هناك عدد من الأدوات التي يمكن الاعتماد عليها:

  • استمرار المساعدات العسكرية الأجنبية، لا سيما الأمريكية: فعلى الرغم من إعلان واشنطن وقف الدعم العسكري لعدد من الدول، فإن استمرار المساعدات الأمريكية للبنان يعكس التزاماً استراتيجياً بالحفاظ على قوة الجيش اللبناني باعتباره عامل استقرار رئيساً. إلا أن حديث أحد المسؤولين الأمريكيين عن ضرورة وقف المساعدات إلى لبنان “الذي لا يُعبِّر عن امتنانٍ كافٍ للشعب الأمريكي” يُعبِّر عن تيار داخل الإدارة الأمريكي قد يشكل تحدياً لاستمرار المساعدات في ظل المسار الانعزالي العام لإدارة ترمب.
  • الاستعانة بشركات أمنية أجنبية: يمكن أن تؤدي هذه الشركات دوراً في ضبط الحدود وتعزيز القدرات اللوجستية والتقنية للجيش اللبناني، بما في ذلك بناء أبراج مراقبة على طول الحدود، وهو مقترح لطالما دعت إليه بريطانيا في إطار دعمها للأمن الحدودي اللبناني.

ثانياً، ضمان انتهاء نفوذ حزب الله العسكري جنوب نهر الليطاني: يُشكِّل هذا العنصر تحدياً جوهرياً في تنفيذ الخطة الأمريكية، نظراً لأن حزب الله سيكون الطرف الأكثر معارضة لإنهاء حالة الصراع مع إسرائيل رسمياً من قبل الدولة اللبنانية، باعتبار أن ذلك يمس بمبررات وجوده كقوة عسكرية مقاومة. وعليه، فإن استمرار نفوذ حزب الله العسكري بالقرب من الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، يمثل تهديداً مباشراً لنجاح الخطة الأمريكية. لذا، فإن أي مقاربة تسعى إلى تحقيق استقرار طويل الأمد بين لبنان وإسرائيل قد تتطلب إنهاء قدرة حزب الله العسكرية جنوب النهر بشكل كامل. ولن يكون تحقيق هذا الشرط صعباً في ظل موافقة الحزب على تسلُّم الدولة اللبنانية زمام الأمور في جنوب لبنان على المستويات كافة، العسكرية والأمنية والتنموية، حتى تعود الحياة إلى القرى الشيعية التي دمرتها الحرب وتُشكِّل بيئة الحزب الحاضنة.

استمرار نفوذ حزب الله العسكري بالقرب من الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، يمثل تهديداً مباشراً لنجاح الخطة الأمريكية (فرانس برس)

سيناريوهات لمستقبل الصراع واتفاق الهدنة 

انطلاقاً من الخطة الأمريكية الهادفة إلى إنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل، وفي ظل إصرار حزب الله على اعتبار الوضع الراهن مجرد “استراحة في الحرب”، ما يعكس عدم استبعاده لاحتمال استئناف المواجهات مجدداً، تتبلور عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الصراع واتفاق الهدنة القائم:

أولاً، استمرار المفاوضات الدبلوماسية تحت النار

يقوم هذا السيناريو على استمرار الضربات الإسرائيلية التي تستهدف عناصر ومواقع ومخازن حزب الله في جنوب نهر الليطاني، وفي منطقة البقاع، بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الولايات المتحدة مع كلٍّ من الدولة اللبنانية وإسرائيل، والتي أثمرت حتى الآن عن إطلاق سراح خمسة أسرى لبنانيين.

وتتمثل أهم مرجحات هذا السيناريو في الآتي:

  • يشير انتقال الإدارة الأمريكية إلى الإعلان عن مرحلة جديدة من إدارة الصراع بين لبنان وإسرائيل إلى أن الأمور تسير وفق رؤيتها، ما يعزز رغبتها في استكمال المسار القائم، وبخاصة إذا كان يخدم أهدافها في تقويض نفوذ حزب الله دون التورط في مواجهة عسكرية واسعة.
  • يسمح هذا السيناريو لإسرائيل مواصلة تحقيق مكاسب عسكرية ضد حزب الله، حيث تستطيع تنفيذ غارات دقيقة ضد مواقع الحزب دون أن يؤدي ذلك إلى تصعيد شامل. فقد نفَّذت إسرائيل، على سبيل المثال، في 8 مارس، سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت مواقع ومخازن أسلحة للحزب في الجنوب والبقاع، دون تسجيل أي رد من قبل حزب الله، ما يعكس تراجُع هامش المناورة لديه في ظل الضغوط المستمرة.
  • أفادت تقارير إعلامية بأن الجيش اللبناني أظهر التزاماً متزايداً بمقررات لجنة الإشراف على تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، حيث استجاب لأكثر من 75% من مطالب اللجنة، ولبّى أكثر من 190 طلباً من أصل 250، ويواصل العمل على تلبية المزيد من المطالب لتعزيز سيطرته الكاملة على منطقة جنوب نهر الليطاني. إن هذا التعاون يعكس نهجاً داعماً لتعزيز سلطة الجيش اللبناني في الجنوب، ما يسهم في تقليص نفوذ حزب الله هناك.

أما على مستوى العوامل المعيقة، فتعكسها بشكل أساسي التقارير الإعلامية الصادرة من منصات وصحف موالية لحزب الله التي تحرض على خطة واشنطن، وأن هدفها هو التطبيع مع إسرائيل. علاوة على ذلك، فإن تصريحات المسؤولين الأمريكيين التي تعلن أن الولايات المتحدة “ستدفع لبنان إلى فتح محادثات سياسية مباشرة مع إسرائيل” تُشكِّل حرجاً للسلطات اللبنانية، وتُثير استياءها لأنها تهدد مسار المفاوضات بالكامل.

احتمال “العودة إلى التصعيد العسكري” بين حزب الله وإسرائيل في لبنان يظل قائماً في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة

ثانياً، سيناريو عودة الحرب

يتمثل هذا السيناريو في احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة بين حزب الله وإسرائيل، وهي فرضية تزداد احتمالات تحققها في ظل تطورات ميدانية وإقليمية قد تدفع باتجاه تصعيد شامل. وتتمثل العوامل المرجحة لهذا السيناريو في الآتي:

  • يواجه حزب الله ضغوطاً عسكرية متزايدة، حيث كثَّفت إسرائيل في خلال شهر مارس عملياتها العسكرية في الجنوب اللبناني ومنطقة البقاع، سواء من حيث الكمّ أو النوع، ما قد يدفع الحزب إلى اتخاذ قرار بالتصعيد بوصفه خياراً اضطرارياً لحماية نفوذه وردع المزيد من الاستهدافات. وفي حال استمر هذا النهج الإسرائيلي التصعيدي من دون رد فعل قوي من الحزب، فقد يتعرض لانتقادات داخلية وخارجية، ما قد يدفعه إلى اللجوء إلى مواجهة شاملة، لمحاولة استعادة زمام المبادرة.
  • يمكن أن تؤدي التوترات الإقليمية، لاسيما بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والمحور الذي يضم إيران والحوثيين وحزب الله من جهة أخرى، إلى اندلاع مواجهة واسعة. ففي حال تصاعدت الحرب بين الحوثيين وإسرائيل والولايات المتحدة، وامتدت إلى مستويات غير مسبوقة، قد تدفع إيران حزب الله إلى إعادة فتح الجبهة اللبنانية كجزءٍ من معادلة الردع الإقليمية.

أما العوامل المانعة لهذا السيناريو فتتمثل في غياب القدرة الذاتية لدى حزب الله للذهاب نحو إعادة فتح الحرب، فأولويات الحزب حالياً تتمثل في إعادة ترتيب وضعه الداخلي والحرص على أن تبدأ الحكومة مرحلة إعادة الإعمار، وأن يعزز انخراطه في السياسة اللبنانية الداخلية.

 استمرار التفاوض تحت النار على ترتيبات ما بعد حزب الله في جنوب لبنان يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً في الوقت الحالي (فرانس برس)

ثالثاً، سيناريو هدنة طويلة الأمد

يستند هذا السيناريو إلى إمكانية أن تُسفِر الخطة الأمريكية عن اتفاق جديد يضمن هدنة طويلة الأمد بين لبنان وإسرائيل، على غرار اتفاق 17 مايو 1982، الذي نصّ على إنهاء حالة الحرب بين الجانبين دون التطرق إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة أو تبادل تمثيل دبلوماسي. والتوصل إلى اتفاقية تنصّ على إنهاء حالة الحرب مع تجنُّب مسألة التطبيع الكامل، يُعدّ سيناريوهاً مُرجَّحاً على المدى البعيد في حال مضت الخطة الأمريكية وفق التصورات المعلنة. وتستند وجاهة هذا السيناريو إلى عدة عوامل رئيسة:

  • أشار رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون في خطاب القسم إلى التزامه بتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، والعمل على ترسيم الحدود البرية مع إسرائيل، ما يعكس استعداداً رسمياً للمضي قُدُماً في هذا الاتجاه.
  • يخفف الامتناع عن إقامة علاقات دبلوماسية متبادلة من حدة المعارضة الداخلية، خصوصاً من قبل القوى الإسلامية التي تَعتبر التطبيع مسألة حساسة. كما يُجنِّب السلطات اللبنانية الدخول في مواجهات سياسية أو اجتماعية قد تُعرقِل تنفيذ الاتفاق.
  • وجود غطاء دولي وإقليمي، إذ ستكون الولايات المتحدة الراعي الأساسي لهذا الاتفاق، نظراً لكونه يشكل تتويجاً لخطة دبلوماسية وأمنية أوسع وضعتها واشنطن. كما أن توافقاً إقليمياً أوسع، قد يشمل فرنسا ودولاً عربية مؤثرة، من شأنه أن يعزز فرص نجاح هذه الاتفاقية واستمراريتها.
  • يتيح هذا السيناريو للبنان فرصة للخروج من حالة الصراع المستمر، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الداخلي، وتفادي الضغوط التي قد تترتب على خيار التطبيع الشامل، في ظل واقع سياسي وأمني معقد.

أما العوامل التي يمكن أن تعيق تحقق هذا السيناريو فتتركز بشكل أساسي في احتمال رفض القوى الإسلامية (السنة والشيعة) لأي اتفاق ينظم العلاقات مع إسرائيل يتعدى مسألة ترسيم الحدود البري، لاسميا أنّ مَنْ يملك القرار السياسي في هذا المسألة في لبنان اليوم هو الرئيس جوزاف عون ووزير خارجية محسوب على حزب القوات اللبنانية، أي الفريق المسيحي الماروني. كما أن تطورات الأوضاع الأمنية الإقليمية، مثل حدوث متغير عسكري بين سورية وإسرائيل يؤدي إلى اشتباكات وعمليات عسكرية متبادلة، قد تؤثر في مسار الاتفاق وتعرقله.

رابعاً، سيناريو التطبيع

أمران أساسيان وضعا سيناريو التطبيع بين لبنان وإسرائيل موضع النقاش في الأيام الأخيرة، وهما: حديث نائب المبعوث الأمريكية إلى الشرق الأوسط عن تشكيل “مجموعات دبلوماسية” بين لبنان وإسرائيل، أي الانتقال إلى التواصل السياسي والدبلوماسي بين البلدين، وما نُقل عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن الخطة المطروحة، التي بدأت مفاعليها بالإفراج عن خمسة أسرى لبنانيين لدى إسرائيل، تهدف إلى تطبيع شامل للعلاقات. بيد العوامل المانع لهذا السيناريو أرجح من العوامل المرجحة له، وتتجسد في الآتي:

  • موقف الدولة اللبنانية الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية جوزاف عون في خلال القمة العربية الأخيرة في 4 مارس من أن لا سلام دون انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية، وأن لا سلام دون دولة فلسطين، وهو ما يُعيدنا إلى مبادرة السلام العربية التي أقرَّها مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002، والتي ترفضها إسرائيل حتى اللحظة.
  • غياب الإرادة السياسية الداخلية اللبنانية للذهاب نحو التطبيع مع إسرائيل؛ فلا يزال أغلب اللبنانيين، لاسيما الطوائف الإسلامية، مُعارضين لمبدأ التطبيع الكامل مع إسرائيل ويفضلون الذهاب نحو خيار الهدنة طويلة الأمد وتنظيم العلاقة مع إسرائيل على أساس أمني/عسكري وليس سياسي/اقتصادي.
  • افتقار هذه الخطوة إلى غطاء عربي وإقليمي، وبخاصة من قبل المملكة العربية السعودية، التي يُشكِّل موقفها عاملاً حاسماً في أي تحول استراتيجي من هذا النوع.

خلاصة واستنتاجات

في ضوء التطورات الأخيرة، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التفاوض تحت النار على ترتيبات ما بعد حزب الله في جنوب لبنان، مع مواصلة استهداف الحزب ومواقعه. هذا السيناريو يخدم المصالح الإسرائيلية عبر استمرار استهداف مواقع حزب الله دون ردود عسكرية مكافئة. كما يَتماشى مع الرؤية الأمريكية لإدارة الصراع، إذ يُتيح لواشنطن تحقيق أهدافها في احتواء التوتر دون انزلاق إلى حرب شاملة. إضافة إلى ذلك، فإن حاجة حزب الله إلى البدء في إعادة الإعمار، وبخاصة بعد الإشارات الإيجابية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول هذا الملف، تدفعه إلى عدم إظهار أي معارضة قوية للرئيس جوزاف عون ولخطط الولايات المتحدة والتركيز على إعادة ترتيب أولوياته الداخلية.

إلا أن احتمال “العودة إلى التصعيد العسكري” يظل قائماً في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة؛ فالتصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد الحوثيين في اليمن، واستئناف العمليات العسكرية في قطاع غزة، إلى جانب تعثُّر انطلاق المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، كلها مؤشرات على أن إسرائيل والولايات المتحدة قد اتخذتا قراراً بجولة جديدة من الضغوط على النفوذ الإيراني في المنطقة قد تكون تمهيداً لضرب العمق الإيراني.

أما على المدى الاستراتيجي، فإنّ التوجُّه نحو اتفاقية تُنهي الصراع بين لبنان وإسرائيل دون إقامة علاقات دبلوماسية رسمية يبدو خياراً مرجحاً، شرط أن يكون ذلك ضمن مسار إقليمي أوسع يشمل سورية والمملكة العربية السعودية. وفي هذا السياق، قد تؤدي الوساطات الدولية دوراً حاسماً في صياغة تفاهمات تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، دون تجاوز التعقيدات السياسية والأمنية التي تحكم العلاقة بين الطرفين.

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M