توسُّع بِرَسمِ التطويق: كيف ترى الصين تحوُّل سياسات حلف الناتو تجاه منطقة الإندو-باسيفيك؟

  • تعريف “المفهوم الاستراتيجي” لحلف شمال الأطلسي، الصادر عام 2022، الحلف بأنه جزء من الجهود الأطلسية لمواجهة التحديات العسكرية والاقتصادية والصناعية الصينية، عَدَّتهُ بيجين بمثابة نقطة اللاعودة التي حولت “الناتو” إلى عدو وخصم استراتيجي.
  • تتبنّى الصين رؤية مُركَّبة لحلف الناتو، والتهديد الذي يمثله على مصالحها، تتشكل من ثلاثة مكونات: علاقات الصين بروسيا، وعلاقتها بالولايات المتحدة وأوروبا، وتوسع الناتو باتجاه منطقة الإندو-باسيفيك.
  • تركيز حلف الناتو على تعاون الصين مع روسيا بوصفه تهديداً أمنياً يضغط على بيجين للاختيار بين تعميق العلاقات مع الشريك الروسي والحفاظ على التعاون مع الدول الغربية.
  • المحدد الأساسي الذي قد يؤشر إلى سعي الصين لتعميق الشراكة مع روسيا سيكون مُضي “الناتو” (والولايات المتحدة عموماً) بالتوسع باتجاه محيط الصين الاستراتيجي في شرق آسيا، ومحاولة تطويقها، وتحويل المنطقة إلى مسرح لتنافس القوى العظمى.
  • ستستمر الصين في التأكيد على التفريق في روابطها بين واشنطن وبروكسل، وامتصاص التصعيد الأوروبي في مجال التجارة المرتبطة بتحول الطاقة، ومحاولة احتوائه، أملاً في أن تؤدي هذه السياسة التمييزية إلى إضعاف حلف الناتو داخلياً.

 

احتوى البيان الصادر، في 10 يوليو 2024، عن قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي انعقدت في واشنطن لإحياء الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الحلف، لهجةً غير مسبوقة من حيث القوة والوضوح تجاه الصين، وما يراه الحلف “تحديات هيكلية” تفرضها الصين على الأمن عبر الأطلسي. فما الدوافع وراء تبني هذه المقاربة الأكثر تشدداً؟ وما تأثير ذلك على نظرة بيجين إلى الحلف؟ وما الآفاق المستقبلية للعلاقات بين الجانبين؟

 

لهجة غير مسبوقة

رغم أن أغلب النقاط الرئيسة التي ركز عليها البيان الختامي لقمة حلف الناتو تم تناولها في البيانين السابقين الصادرين عن قمتي مدريد في 2022، وفيلنيوس (ليتوانيا) في 2023، فإن هذا البيان جاء أكثر تفصيلاً فيما يتعلق بعلاقة الصين بحرب أوكرانيا. واتهم البيان بيجين بأنها “عامل تمكين حاسم” للغزو الروسي لأوكرانيا. إلى جانب ذلك، برزت أهمية تعميق العلاقات مع ما يسمى مجموعة دول الإندو-باسيفيك الأربعة (IP4): أستراليا، واليابان، ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية، والتي حضرت قمة الناتو الثلاثة على التوالي. وتصاعدت حدة لهجة البيان على نحوٍ خاص عند التطرق إلى التفصيل في “الاستخدام المزدوج” (المدني-العسكري) للصادرات الصينية إلى روسيا، وقال البيان “إننا ندعو جمهورية الصين الشعبية… إلى وقف كل الدعم السياسي والعسكري للمجهود الحربي الروسي. ويشمل ذلك نقل المواد ذات الاستخدام المزدوج، مثل مكونات الأسلحة والمعدات والمواد الخام التي تعمل بوصفها مدخلات لقطاع الدفاع الروسي”.

 

من الناحية المنهجية، قسّم بيان الناتو القضايا التي يُنظر لها بوصفها تهديداً صينياً إلى قسمين: التحديات المباشرة للأمن الصلب عبر المحيط الأطلسي، مثل حرب أوكرانيا، والتهديدات لسلاسل التوريد التجارية والتكنولوجيا الفائقة؛ والتحديات ذات البعد الهيكلي (العالمي) وتشمل إمكانيات الصين الصاعدة في مجال الأسلحة النووية والسيبرانية، وحملات المعلومات المضللة، والقدرات التكنولوجية الفضائية، إلى جانب ما يَعتبره الحلف “تحالف الدكتاتوريات” بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، وجميعها مهددات لـ”النظام الدولي القائم على القواعد”.

 

اتهم بيان قمة حلف الناتو الأخيرة الصين بأنها “عامل تمكين حاسم” للغزو الروسي لأوكرانيا (AFP)

 

وكانت الإشارة إلى قضية “الاستخدام المزدوج” غير مسبوقة. فمن الناحية العملية، فإن الرسالة الأكثر وضوحاً التي أراد قادة الناتو إرسالها إلى بيجين هي أنه لا يمكنهم السماح للصين في المساعدة “بشن أكبر حرب في أوروبا في التاريخ الحديث دون أن يؤثر ذلك سلباً في مصالحها وسمعتها”. وقد ردد الأمين العام للحلف يانس ستولتنبرغ، قبل القمة، هذه الرسالة عبر القول إن الصين “تقدم الأدوات/المعدات ذات الاستخدام المزدوج، والإلكترونيات الدقيقة، وكل ما تحتاج إليه روسيا لبناء الصواريخ والقنابل والطائرات، وجميع الأنظمة الأخرى التي تستخدمها ضد أوكرانيا”، مركزاً على أن بيجين “لا يمكنها أن تربح في الاتجاهين”، وهو ما يعني أنها لا تستطيع الحفاظ على “نوع من العلاقة الطبيعية مع حلفاء الناتو” في حين تغذي “التحدي الأمني ​​الأكبر” الذي يواجه شمال الأطلسي منذ الحرب العالمية الثانية. وأكد هذه الرسالة الرئيس الأمريكي جو بايدن، في المؤتمر الصحفي الذي أعقب القمة، قائلاً “على الصين أن تفهم أنهم إذا زودوا روسيا بالمعلومات والقدرات، وعملوا مع كوريا الشمالية وآخرين لمساعدة روسيا وتسليحها، فإنهم لن يستفيدوا اقتصادياً نتيجة لذلك”.

 

وقد رد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، على هذه التصريحات، بالقول إنه “لا يوجد أي مسوغ لحلف شمال الأطلسي لاستخدام الصراعات مع روسيا سبباً لتعطيل تعاون الصين مع الدول الأوروبية وتقويضه”.

 

لكن الحلف يواجه تحديات إزاء القدرة على رسم سياسة موحدة تجاه الصين، وظهرت مثل هذه التحديات في شكوك ستولتنبرغ نفسه حول الانقسامات الداخلية، حينما قال “دعونا نرى إلى أي مدى نحن على استعداد للذهاب كحلفاء”. وتمثل هذه الانقسامات جوهر نظرة الصين إلى سياسات الحلف تجاهها، ومن ثم تضع القواعد الأساسية لمنهجية التعامل الصيني مع هذا التوجه.

 

تصف وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية الصينية حلف الناتو بأنه “من بقايا الحرب الباردة” بقيادة الولايات المتحدة، وأنه يسعى للحفاظ على “عقلية الحرب الباردة” لتسويغ استمرار وجوده

 

رؤية الصين للتحول في سياسات الناتو

قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، تعليقاً على قمة الناتو، إن “النظام السياسي المختلف للصين وقيمها لا ينبغي أن يُستخدم سبباً لحلف شمال الأطلسي للتحريض على المواجهة مع الصين”، داعياً الناتو إلى “البقاء ضمن حدوده”. في حين وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان بيان قمة واشنطن بأنه “عبارة عن مقالة تثير الذعر حول منطقة آسيا والمحيط الهادي، وهي نتاج عقلية الحرب الباردة ومليئة بالخطابات العدائية. وتحتوي فقراته المتعلقة بالصين على قدر كبير من التحيزات والتشهير والاستفزازات. ونحن نستنكر ذلك ونعارضه بشدة”.

 

في العادة، تصف وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية الصينية حلف الناتو بأنه “من بقايا الحرب الباردة” بقيادة الولايات المتحدة، وأنه يسعى للحفاظ على “عقلية الحرب الباردة” لتسويغ استمرار وجوده، الأمر الذي يقود إلى جعل الصين كبش فداء وتهديد.

 

تتبنّى الصين رؤية مركبة لحلف الناتو والتهديد الذي يمثله على مصالحها تتشكل من ثلاثة مكونات: علاقات الصين بروسيا، وعلاقتها بالولايات المتحدة وأوروبا، وتوسع الناتو باتجاه منطقة الإندو-باسيفيك (منطقة المحيطين الهندي والهادي).

 

أولاً: الناتو في سياق العلاقات الصينية-الروسية

منذ بداية الحرب الأوكرانية في فبراير 2022، لم يزد حجم التبادل التجاري بين بيجين وموسكو (باستثناء صادرات الطاقة الروسية إلى الصين) في شكل حاسم (انظر الشكل 1). ومع ذلك، ثمة تحديات تتحكم في مستوى نمو العلاقات الاقتصادية الأوسع، أهمها خشية روسيا من الاعتماد الزائد على الصين، وقلق بيجين من العقوبات الثانوية والتأثير في موقعها في النظام الدولي، والعلاقات الاقتصادية والتجارية مع كلٍّ من أوروبا والولايات المتحدة.

 

الشكل 1: مسار التبادل التجاري الصيني-الروسي من نوفمبر 2021 وحتى مايو 2023

المصدر: سلطات الجمارك الصينية.

 

وتنعكس المحاذير المحدِّدة للسياسات التجارية الصينية على صادرات المعدات والأدوات ذات “الاستخدام المزدوج” إلى روسيا. وأدى انضمام الاتحاد الأوروبي، للمرة الأولى، في يونيو 2023، للولايات المتحدة في فرض عقوبات على شركات صينية خاصة تُصدر مثل هذه المعدات إلى روسيا، وتصعيد العقوبات مرة أخرى في يونيو الماضي، إلى تراجع هذا النوع من الصادرات تراجعاً حاداً. وتُظهر البيانات هذا التراجع من مستوى 600 مليون دولار في ديسمبر 2023 إلى 287 مليون دولار فقط في أبريل 2024 (انظر الشكل 2). وحدث هذا التطور في سياق تحذيرات وزيري الخزانة والخارجية الأمريكيَّين، جانت يلين وأنتوني بلينكن، للصين بإمكانية فرض “عقوبات ثانوية” على الصين في أبريل الماضي. وأظهرت بيانات أن البنوك الصينية، بداية من شهر مارس، أعادت حوالي 80% من المعاملات الآتية من روسيا.

 

الشكل 2: صادرات الصين من المنتجات “ذات الأولوية المرتفعة” إلى روسيا بين عامي 2022 و2024

المصدر: سلطات الجمارك الصينية، وناثانيل شير.

 

ويُسبب هذا التركيز تحدياً بالنسبة للصين، ليس من الناحية التجارية والاقتصادية فحسب، ولكن أيضاً، وفي شكل أكثر أهمية، فإن تركيز “الناتو” على تعاون الصين مع روسيا بوصفه تهديداً أمنياً يضغط على بيجين للاختيار بين تعميق العلاقات مع الشريك الروسي والحفاظ على التعاون مع الدول الغربية، كما أنه يُعيد إحياء مخاوف بيجين (التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة) إزاء تشكيل التحالفات العسكرية خشية من الوقوع في “فخ” التورط في صراعات بسبب تصرفات الحليف. وفي حالة أوكرانيا، فإن الصين لا تريد أن تكون في موضع الاتهام بأنها تدعم إعادة انشاء منطقة عازلة أمنية في شرق أوروبا.

 

ثانياً: الناتو في سياق العلاقات الصينية-الأوروبية

لم يُشكل تحديد مهام حلف “الناتو” حول الأمن عبر المحيط الأطلسي هاجساً تاريخياً بالنسبة للصين. لكن، منذ انتهاء الحرب الباردة، ثمة حدثان مهمان أعادا “الناتو” إلى بؤرة المخاوف الصينية، هما قصف مبنى السفارة الصينية في بلغراد خلال حرب يوغسلافيا عام 1999، والتدخل العسكري في ليبيا عام 2011 وهو ما صنّفته الصين باعتباره سعياً لإسقاط نظام معمر القذافي. ويمكن اعتبار عام 2022 نقطة التحول الرئيسة والحاسمة في علاقات الصين بحلف “الناتو”، فقد عرّف “المفهوم الاستراتيجي” للحلف لعام 2022 التحالف بأنه جزء من الجهود الأطلسية لمواجهة التحديات العسكرية والاقتصادية والصناعية الصينية. ومن وجهة نظر صينية، كانت هذه نقطة اللاعودة التي حولت “الناتو” إلى عدو. وترجع أهمية هذه العقيدة الجديدة للحلف إزاء الصين في تحوله، من وجهة نظر بيجين، إلى “حلف عالمي” يمتد إلى استهداف مصالحها في منطقة الإندو-باسيفيك أيضاً. فضلاً عن ذلك، يقوض “المفهوم الاستراتيجي”، من الناحية العملية، سياسة بيجين الهادفة إلى إحداث شقاق بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، والمتبعة منذ انتهاء الحرب الباردة على قاعدة اعتبار أن الحلف أداة واشنطن لفرض نفوذها على أوروبا، وأن واشنطن تستخدم “أزمة أوكرانيا” لجعل أوروبا أكثر اعتماداً عليها في مجال الطاقة والأمن، مما أدى إلى تقليص الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. إلى جانب ذلك، على رغم عدم تأثير توسع الحلف في أوروبا بشكل مباشر على المصالح الصينية، فإن بيجين نظرت دائماً إلى هذا التوسع باعتباره خطراً على الاستقرار الأوروبي، وتقويضاً لـ”مساحة البقاء الاستراتيجية” لروسيا وموقعها في القارة الأوروبية، والدافع الرئيس وراء اندلاع حرب أوكرانيا.

 

وبما أن الصين تعتقد أن الولايات المتحدة الطرف الرابح، بينما خسرت أوروبا من الحرب الروسية-الأوكرانية، فإنها تفضل العمل مع أوروبا لإنهاء الحرب بالوسائل السلمية. وعلى المدى الطويل، تريد الصين التعاون من طريق الحوار والتواصل مع أوروبا في مجالات مثل التجارة والأمن. بمعنى آخر، فإن خطة الصين تجاه بروكسل تتضمن محاولة فصلها عن الولايات المتحدة والتعامل معها بوصفها قُطبَ موازنة مُستقلاً. ويكمن الهدف الصيني الأهم في ردع أوروبا عن زيادة مساهماتها العسكرية للقوة الأمريكية في منطقة الإندو-باسيفيك.

 

يمضي حلف الناتو في تعميق علاقاته مع “مجموعة دول الإندو-باسيفيك الأربعة”: أستراليا، واليابان، ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية (AFP)

 

ثالثاً: توسع الناتو باتجاه الإندو-باسيفيك

يعتقد ماثيو دوتشاتيل أن توسيع عضوية الناتو في أوروبا وتعزيز العلاقات عبر المحيط الأطلسي لا يشكلان خطراً مباشراً على أمن الصين ومصالحها، ويؤكد دوتشاتيل أن “ترتيب أولويات الصين واضح، وهو مُلخص في الصيغة “2، 3، 4، 5”: التحالفات الثنائية الأمريكية في شرق آسيا، واتفاق أوكوس، وتحالف كواد، وتحالف العيون الخمس الاستخباراتي”؛ أي أن “التوسع العالمي” لحلف الناتو ليشمل شرق آسيا يمثل التهديد الاستراتيجي الأول وفقاً للرؤية الصينية.

 

وقد قدَّمت وثيقة “المفهوم الاستراتيجي” في 2022 سياسة “التوسع المفاهيمي” لحلف “الناتو” للمرة الأولى. وتعني هذه السياسة البناء على الشراكات الثنائية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأعضاء فيه والمملكة المتحدة مع أربع دول في الإندو-باسيفيك (اليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، ونيوزيلاندا). ولا يستهدف الحلف إقامة علاقات دفاعية استراتيجية مع هذه الدول بالمعنى الذي يتضمن مشاركتها في تشكيل عقيدة الحلف الدفاعية أو التخطيط العسكري أو المفاهيمي، وإنما يَنظر لها باعتبارها شركاء ينبغي توثيق العلاقات العسكرية معهم للوصول إلى الهدف النهائي المتمثل في حماية الأمن الأوروبي-الأطلسي. وقد تبنّى الحلف خطوة إضافية إلى الأمام، في مايو 2023، بفتح النقاش حول إمكانية فتح “مكتب تنسيق” له في طوكيو، وهو ما يتطلب توافقاً جماعياً بين أعضائه. لكن المعارضة الداخلية، خصوصاً من فرنسا، أجّلت النقاش حول الموضوع، واُستُبعِدَ من البيان الصادر عن قمة فيلنيوس في ليتوانيا.

 

اقرأ المزيد من تحليلات «وحدة دراسات الصين»:

 

وذكر “إعلان واشنطن” أن منطقة الإندو-باسيفيك مهمة بالنسبة لحلف شمال الأطلسي، “نظراً لأن التطورات في تلك المنطقة تؤثر تأثيراً مباشراً في الأمن الأوروبي الأطلسي”، ورحَّب البيان “بالمساهمات المستمرة لشركاء الحلف بالإندو-باسيفيك في الأمن الأوروبي والأطلسي”، مؤكداً أن الحلف يعمل على “تعزيز الحوار لمعالجة التحديات الإقليمية وتعزيز تعاوننا العملي، بما في ذلك من طريق المشاريع الرائدة في مجالات دعم أوكرانيا، والدفاع السيبراني، ومكافحة التضليل، والتكنولوجيا. وستعمل هذه المشاريع على تعزيز قدرتنا على العمل معاً لتحقيق المصالح الأمنية المشتركة”.

 

وبعد انتهاء القمة، ساقت وسائل الإعلام الصينية هذه الرسالة بوضوح. وتتمثل العناصر الأساسية في السردية الصينية بتأكيد أن بيجين لا ترغب في التوسع باتجاه تهديد الأمن الأوروبي-الاطلسي، بل حلف الناتو هو من يرغب في القدوم إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي بهدف “احتواء صعود الصين”. وتستشهد الرواية الصينية بخطط فتح مكتب تنسيق له في طوكيو. وتعتقد بيجين أن “برنامج الشراكة” مع دول في المنطقة المحيطة بها “محاولة لتطويق الصين، ونشر الفوضى في المنطقة على غرار أوروبا، وتحويلها إلى مسرح لتنافس القوى العظمى”.

 

وأحد أهم المخاوف المتحكمة في التفكير الاستراتيجي الصيني تجاه سياسة “التوسع المفاهيمي” باتجاه آسيا هو التأثير السلبي على علاقات بيجين بأوروبا. إلى جانب ذلك، تمنح القيادة الصينية تركيزاً خاصاً لمفهوم “الردع” في وثيقة “المفهوم الاستراتيجي” لعام 2022. فبالنسبة للصين، فإن الردع لا يمثل أحد المحددات الرئيسة في سياستها الخارجية؛ ولأن الناتو تحالف عسكري فإن تطبيق هذا المفهوم في آسيا يرفع مخاطر المواجهات العسكرية في شرق آسيا، خصوصاً حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.  ويكمن المحدد التهديدي الآخر في ميل المخططين الأمريكيين إلى تفسير السياسات الصينية من منطلق المواجهة العسكرية بمفهومها الشامل، بما يتضمن مجالات الصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية ومبادرة الحزام والطريق، التي تسعى واشنطن لتسويق بدائل لها.

 

يُتوقع أن يستمر الضغط الأمريكي والأوروبي على الصين للحد من صادرات بضائع “الاستخدام المزدوج” إلى روسيا (AFP)

 

مستقبل العلاقات الصينية مع حلف الناتو

على رغم مركزية الحرب الأوكرانية في حسابات حلف “الناتو” إزاء الصين، لا يُتوقع أن تسعى الصين للمزيد من تعميق الشراكة الثنائية مع روسيا على أساس سياقات الحرب الأوكرانية، خصوصاً إذا ما استمرت في كونها حرب استنزاف طويلة. وأحد محفزات ذلك الاختلافات بين بيجين وموسكو بشأن رؤية الحرب والأهداف تجاه أوروبا والنظام الدولي. وقد يتغير مسار العلاقات الثنائية في حالة حدوث تغير حاسم في موازين القوى، من قبيل تدخل الغرب بشكل مباشر في الحرب أو حصول تغيير مفاجئ للنظام في روسيا.

 

لكن المحدد الأساسي الذي قد يؤشر إلى سعي الصين لتعميق الشراكة مع روسيا سيكون توسع “الناتو” (والولايات المتحدة عموماً) باتجاه محيط الصين الاستراتيجي في شرق آسيا. وعلى رغم عدم الارتياح الصيني للتقارب السريع في العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية، بما يقوض بعض مصالحها مع بيونغيانغ ويزيد من استقلالها الاستراتيجي، لا يرجح أن يشكل ذلك عائقاً أمام المزيد من المبادرات في سياق الشراكة مع روسيا.

 

على رغم مركزية الحرب الأوكرانية في حسابات حلف “الناتو” إزاء الصين، لا يُتوقع أن تسعى الصين للمزيد من تعميق الشراكة الثنائية مع روسيا على أساس سياقات الحرب الأوكرانية، خصوصاً إذا ما استمرت في كونها حرب استنزاف طويلة

 

يُتوقع أيضاً أن يستمر الضغط الأمريكي والأوروبي على الصين للحد من صادرات بضائع “الاستخدام المزدوج” إلى روسيا، وهو ما قد يتوسع من حيث عدد هذه البضائع وتشعّب العقوبات الثانوية التي قد تُفرض على شركات صينية. لكن غالبية المعاملات تجري مع شركات صينية صغيرة، وأغلبها غير مملوك للدولة، بينما قدرة العقوبات الثانوية تظل منحسرة في نطاق المعاملات الكبيرة. فضلاً عن ذلك، فإن البنوك الصينية قلصت كثيراً معاملاتها مع الشركات الروسية، التي تحولت بدورها إلى إجراء معاملاتها مع الصين عبر وسطاء في دول لم تفرض عقوبات على موسكو. فوفقاً لتقرير وكالة رويترز للأنباء، بلغ حجم هذا النوع من المعاملات قرابة نصف إجمالي المعاملات الروسية مع الصين، ويُرجح أن يزداد هذا المسار ويتوسع في المستقبل. وأحد دوافع ذلك أن الشركات الصينية الصغيرة، التي تتحمل الكلفة الأكبر من تراجع مستويات الاستهلاك المحلي في الاقتصاد الصيني (أكثر كثيراً من الشركات الكبرى) لن تتراجع عن تعاملاتها مع السوق الروسي قريباً. إلى جانب ذلك، فإن سياق التصعيد الجيوسياسي، المتمثل في توسع الناتو في منطقة الإندو-باسيفيك والتنافس الصيني-الأمريكي، لا يترك محفزات أمام الحكومة الصينية للتدخل لتجفيف هذا النوع من الصفقات. ومن ثم يُتوقع أن تستمر بيجين في الحد من الروابط مع روسيا في مجال بضائع “الاستخدام المزدوج” دون أن توقفها تماماً، بينما تظل بحاجة إلى دعم روسيا.

 

يُتوقع أيضاً أن تتصاعد نظرة حلف “الناتو” إلى إيران بوصفها مُهدداً للأمن الأوروبي-الأطلسي، في سياق التركيز المتزايد على “تحالف الدكتاتوريات” الأربعة، وهو ما لا ترغب بيجين في أن يُنظر لها باعتبارها قائداً له. وكان الاتفاق على فتح “مكتب تنسيق” للحلف في عمّان هذا الشهر مؤشراً قوياً على تركيز الناتو على التهديد الإيراني. ولا يُتوقع أن يؤدي فتح المكتب، أو زيادة التنسيق بين الحلف ودول الشرق الأوسط، إلى شعور بيجين بالتهديد.

 

ويُرجَّح أن تتسارع وتيرة التعقيد في العلاقات الصينية مع أوروبا، وسيشكل ذلك ضغطاً كبيراً على مصالح بيجين في سياقين: الأول، نجاح الإدارة الديمقراطية في واشنطن في العودة إلى الهيمنة على حسابات أوروبا الأمنية العالمية وخياراتها بعد حقبة التراجع في العلاقات تحت إدارة ترمب السابقة، وسيعقد ذلك خطط بيجين لإحداث فرقة بين الجانبين ولزيادة الحوار والتعاون مع بروكسل. والثاني، تقييد الوصول الصيني إلى الأسواق ورؤوس الأموال والمعرفة والتكنولوجيا الأوروبية في وقت يمر به الاقتصاد الصيني بتحديات مرتبطة بإعادة الهيكلة (على سبيل المثال ضغط الحلف من أجل إنهاء عضوية بعض دوله في مبادرة الحزام والطريق). وقد يسرع ذلك من التحول الأوروبي أيضاً باتجاه تعميق الشراكات في منطقة الإندو-باسيفيك.

 

شدد “إعلان واشنطن” على أهمية منطقة الإندو-باسيفيك بالنسبة لحلف شمال الأطلسي (AFP)

 

لكن بيجين تُعوِّل على التحديات أمام تحقق هذا السيناريو، وأهمها غياب الوحدة الداخلية الأوروبية حول توحيد النظرة الاستراتيجية تجاه الصين مع واشنطن. وتقود فرنسا، وبدرجة أقل ألمانيا (خصوصاً في الجوانب التجارية)، إلى جانب بعض دول وسط أوروبا، المعارضة الأوروبية. وكان لافتاً، على سبيل المثال، اختيار الرئيس الصيني شي جينبنغ زيارة فرنسا والمجر دوناً عن بقية دول الاتحاد الأوروبي خلال جولته الأوروبية في مايو الماضي، وهما دولتان تعتقد بيجين أن بإمكانها الإبقاء على علاقات إيجابية معهما، وقد تؤديان دوراً في استمرار الانقسام الأوروبي الداخلي. إلى جانب ذلك، إذا نجح ترمب في العودة إلى الحكم في انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر المقبل، فسيضع ذلك المزيد من التحديات أمام التوافق الداخلي الأوروبي حول الصين، واتساق النظرة الاستراتيجية مع واشنطن نتيجة الضغوط التي يرجح أن تمارسها إدارته على حلف “الناتو” فيما يتعلق بقضية الإنفاق العسكري، والدفع باتجاه التوصل إلى تسوية سياسية للحرب الأوكرانية مع الرئيس فلاديمير بوتين قد لا تكون في صالح أوروبا، والنزاعات التجارية بين الجانبين.

 

ولن تُثني كل هذه التفاعلات الصين عن الاستمرار في التأكيد على التفريق في روابطها بين واشنطن وبروكسل، وفي امتصاص التصعيد الأوروبي في مجال التجارة المرتبطة بتحول الطاقة، ومحاولة احتوائه، أملاً في أن تؤدي هذه السياسة التمييزية إلى إضعاف حلف الناتو داخلياً.

 

واستناداً إلى تقيم الصين لمفهوم “الردع” و”المواجهة العسكرية” الحاكمَين لرؤية القوى الغربية للصعود الصيني، يُتوقع زيادة أهمية “مبادرة الأمن العالمية” بالنسبة لبيجين بوصفها قاعدةً معياريةً قادرةً على موازنة الضغط الغربي عبر حشد التأييد في دول الجنوب العالمي. تحتوي المبادرة على ستة مبادئ أساسية يمكن اعتبارها الموازن المفاهيمي لعقيدة “الناتو” من وجهة نظر الصين. أهم هذه المبادئ: الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، ومبادئ التعايش السلمي المتمثلة في “احترام سيادة جميع البلدان وسلامتها الإقليمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واحترام مسارات التنمية والأنظمة الاجتماعية التي يختارها شعب كل بلد في شكل مستقل”، وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية على أساس أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وحل الخلافات والنزاعات بين الدول بالطرق السلمية من طريق الحوار والتفاوض، وتنسيق الحفاظ على الأمن في المجالات التقليدية وغير التقليدية، ومبدأ “الأمن غير القابل للتجزئة” الذي توظفه بيجين في سياق الحرب الأوكرانية ويركز على اتهام توسع “الناتو” بالتسبب في تهديد الأمن الروسي، ومن ثم الحرب.

 

الخلاصة

ستحاول الصين إبطال مفعول المبادئ السياسية لتوسع صلاحيات حلف الناتو باتجاه “عالمي” من طريق محاولة إقناع الدول غير الغربية بمبادئها وقيمها الأمنية الخاصة. وستظهر هذه التفاعلات خصوصاً في دول التَّماس الأمني بين الغرب والجنوب. وتقع أهم هذه الدول في منطقتي الخليج وجنوب شرقي آسيا بالإضافة إلى تركيا، خصوصاً في الدول التي تتمركز فيها قوات أمريكية وأوروبية، أو تلك التي وقّعت معها واشنطن اتفاقات دفاع مشترك. وسيكون هدف الصين الأمني في هذه الدول محاولة فصل ترتيباتها الأمنية مع الغرب و”الناتو” عن العلاقات الثنائية مع بيجين من منظور أمني. ويُرجح أن يحصل ذلك عبر إقناع هذه الدول بتبنّي المبادئ الواردة في “مبادرة الأمن العالمية” التي تتناقض مع طموحات “الناتو” العسكرية تناقضاً جذرياً. وأحد أهم فوائد الرؤية الصينية بالنسبة لهذه الدول تجنُّب التحول إلى ساحات لتنافس القوى العظمى عسكرياً، إلى جانب استمرار قدراتها على التحوط والموازنة بين الجانبين من منظور اقتصادي وتكنولوجي.

 

المصدر : https://epc.ae/ar/details/featured/kayf-tara-alsiyn-thwwul-siasat-hilf-alnato-tujah-mintaqat-al-indo-pacific

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M