“دبلوماسية مكبر الصوت”.. هل ينهي التوتر بين “ترامب” وجنوب إفريقيا مسار العلاقات بينهما؟

إلى جانب المكسيك وكندا والصين وأوروبا وغزة، دخلت جنوب إفريقيا دائرة استهداف الرئيس دونالد ترامب عبر طيف واسع من القرارات والأوامر التنفيذية التي تتهمها باتباع أجندة “معادية للبيض وللولايات المتحدة”. لتقف جنوب إفريقيا عند مفترق طرق في علاقتها المتوترة مع الولايات المتحدة وترفض اتباع نهج “ترامب” ومجاراته في دبلوماسية “مكبر الصوت” التي تعتمد على التصريحات الصاخبة، والدخول في سجالات علنية والتزامها بحل الخلاف مع الولايات المتحدة عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بعد قرار خفض المساعدات المالية للبلاد، ومقاطعة اجتماعات مجموعة العشرين وطرد السفير الجنوب إفريقي من واشنطن.

في عام ١٩٩٤، عندما قام الرئيس نيلسون مانديلا بأول زيارة رسمية له إلى الولايات المتحدة، احتفى الرئيس بيل كلينتون بتحرير جنوب إفريقيا وتجربتها الملهمة نحو الإصلاح، وحفزت رؤيته التفكير الأمريكي تجاه بريتوريا لعقود. وسعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تعميق العلاقات الثنائية، انطلاقًا من فكرة أن البلدين، كما قال “مانديلا” ملتزمان “بالسعي لتحقيق الحرية والعدالة والمساواة”[1].

وبعد ما يزيد على ثلاثين عامًا من العلاقات، يخيم الغموض على مستقبل المشهد الاستراتيجي بين واشنطن وبريتوريا بسبب شعور صانعي السياسة الأمريكية بأن جنوب إفريقيا “غير منحازة” لسياسة واشنطن الخارجية وتسعى إلى تقويض الولايات المتحدة كغاية في حد ذاتها، مساوية بين تراجع مكانة الولايات المتحدة وعالم أكثر عدلًا، وخلق “قوى متعددة الأقطاب” عبر الشراكة مع روسيا والصين وطهران، إلى جانب التحدي القانوني الذي تخوضه ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية.

وقع الرئيس “ترامب” في السابع من فبراير أمرًا تنفيذيًا بعنوان “تدابير ضد الأفعال المشينة التي ترتكبها جمهورية جنوب إفريقيا” يقضي بوقف جميع مدفوعات المساعدات المقدمة لبريتوريا. وهذا يعادل نحو 450 مليون دولار سنويًّا، والتي كانت موجهة، في الأساس إلى قطاع الصحة؛ حيث ساعدت في تمويل أكبر برنامج لمكافحة الإيدز في العالم.[2] واستند قرار “ترامب” إلى:

أزمة المزارعين البيض: تزايد انتقاد “ترامب” وحلفائه للسياسات الداخلية لجنوب إفريقيا، خاصة فيما يتعلق بإصلاح الأراضي والقضايا العرقية. واتهم الرئيس الأمريكي جنوب إفريقيا بأنها قدمت قانونًا جديدًا يهدف إلى تجريد “البوير” من ممتلكاتهم. و”البوير” هُم مستوطنو جنوب إفريقيا البيض الأوائل الذين ينحدرون من أصل هولندي أو فرنسي. وقد وصلوا إلى إفريقيا في القرن السابع عشر، وأغلبهم من هولندا؛ وقد تفاقمت هذه الاتهامات بسبب إيلون ماسك، المولود في جنوب إفريقيا، الذي انتقد سياسات بريتوريا علنًا.

وبرر البيت الأبيض هذا الموقف بأن سياسات جنوب إفريقيا ترقى إلى مستوى انتهاكات حقوق الإنسان والإبادة الجماعية ضد المزارعين البيض، وذلك على الرغم من أن البيض في جنوب إفريقيا يتمتعون عمومًا بمستوى معيشة أعلى بكثير من السود. ينعكس ذلك في إحصاءات الفقر، حيث وجدت دراسة أجرتها لجنة حقوق الإنسان في جنوب إفريقيا عام ٢٠٢١ أن ٦٤٪ من السود يعيشون في فقر مقابل ١٪ من البيض. وفيما يتعلق بالأراضي، يُشكل البيض حوالي ٧٪ من السكان البالغ عددهم ٦٢ مليون نسمة، ويمتلكون حوالي ٧٠٪ منها، بينما لا يمتلك السود في جنوب إفريقيا، الذين يشكلون 80٪ من السكان، سوى 4٪ من الأرض.[3].

السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا: أكد الأمر التنفيذي أن الإجراءات الأمريكية تأتي ردًا على انتهاكات حقوق الإنسان والتهديدات الأمنية الوطنية المحتملة التي تشكلها قرارات السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا، بما في ذلك علاقاتها مع إيران وموقفها من إسرائيل، في إشارة إلى رفع جنوب إفريقيا دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية على أساس أنها انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 بشأن منع الإبادة الجماعية في غزة.

تسليح التنوع والإنصاف والشمول وتغير المناخ: امتدت انتقادات الولايات المتحدة لجنوب إفريقيا إلى رئاستها هذا العام لمجموعة العشرين. وتغيب وزير الخارجية ماركو روبيو عن اجتماع وزراء خارجية المجموعة في جنوب إفريقيا في شهر فبراير الماضي، وأعلن مقاطعته لقمة العشرين المقررة في نوفمبر المقبل. وقال إنه يعترض على شعار جنوب إفريقيا لرئاستها لمجموعة العشرين، وهو “التضامن والمساواة والاستدامة”. مؤكدًا أن وظيفته هي دفع المصالح الوطنية الأمريكية للأمام، لا إهدار أموال دافعي الضرائب أو الترفق بمناهضة أمريكا

تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية: كان من أبرز مصادر الخلاف بين واشنطن وبريتوريا تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، بمن فيهم إسرائيل. وكانت إدارة “ترامب” قد فرضت سابقًا عقوبات على مسؤولي المحكمة عندما حاولت التحقيق في جرائم حرب من المحتمل أن قوات الولايات المتحدة ارتكبتها في أفغانستان. ورُفعت هذه العقوبات في عهد الرئيس جو بايدن الذي أعرب عن دعمه لمحاكمات المحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بغزو روسيا لأوكرانيا. إلا أن الوضع تغير عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متهمة إياه بارتكاب جرائم حرب في غزة. وقد لعبت جنوب إفريقيا دورًا رائدًا في تحريك هذه القضية، مما زاد من تصعيد التوترات مع واشنطن. ورد الكونجرس الأمريكي بقوة، معتبرًا إجراءات المحكمة الجنائية الدولية هجومًا على أقرب حلفائه في الشرق الأوسط. وطالب عدد من المشرعين الأمريكيين بفرض عقوبات جديدة على المحكمة؛ بدعوى أنها تُمارس محاكمات ذات دوافع سياسية. مما دفع ترامب إلى فرض العقوبات على “الجنائية الدولية” مرة أخرى.

تشكيل تحالف من دول الجنوب العالمي: في 31 يناير 2024، أطلقت جنوب إفريقيا وماليزيا حملة دبلوماسية مشتركة لدعم أحكام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، داعيتين الدول الأخرى إلى الاعتراف بهذه القرارات القانونية وتنفيذها. وقبل أيام من اجتماع “ترامب” و”نتنياهو” في البيت الأبيض، أسست جنوب إفريقيا “مجموعة لاهاي لدعم مؤسسات وأحكام النظام القانوني الدولي وضمان الامتثال للقانون وحماية الفئات الضعيفة”. وتهدف المجموعة التي تضم تسع دول (كولومبيا وبوليفيا وكوبا وهندوراس وناميبيا والسنغال وجزر بليز، إلى جانب جنوب إفريقيا وماليزيا) إلى الدفع نحو محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها عبر[4]:

  • منع نقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل في حال وجود خطر واضح باستخدامها في جرائم حرب أو انتهاكات لحقوق الإنسان.
  • منع رسو السفن المحملة بالوقود أو المعدات العسكرية في موانئ الدول الأعضاء إذا تبين أنها ستسهم في عمليات عسكرية إسرائيلية مخالفة للقانون الدولي.
  • الامتثال لقرارات الأمم المتحدة ومذكرات التوقيف الدولية، خصوصا تلك الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين إسرائيليين متهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

في المقابل، حاولت الولايات المتحدة تقويض هذه التحركات، مما أدى إلى مواجهة دبلوماسية بين واشنطن وبريتوريا بسب التباين المتزايد في أولويات سياستهما الخارجية، انعكست تداعياته على الدبلوماسية الدولية، حيث أيد وزير الخارجية الأمريكي مشروع قانون معروض على الكونجرس لفرض عقوبات على أي فرد أو كيان على اتصال بتحقيق المحكمة الجنائية الدولية ضد واشنطن أو حليف لها، وستشمل هذه العقوبات أفراد الأسرة أيضًا.

تأثير إيلون ماسك: لعب “ماسك” دورًا في الاتهامات الأخيرة التي وجهها “ترامب” إلى بريتوريا. حيث يروج لنظرية أن البيض في جنوب إفريقيا يتعرضون لاستهداف ممنهج. وتحمل هجماته على جنوب إفريقيا أبعادًا ترتبط بمصالحه الاقتصادية والسياسية؛ إذ يرى في أي تهديد للملكية الخاصة خطرًا على الاستثمارات الرأسمالية الغربية، ومن هنا يأتي عداؤه لقانون إعادة توزيع الأراضي في جنوب إفريقيا. كما أنه يتبنى أيديولوجية المحافظين الجدد التي تعتبر الحكومات المناهضة للهيمنة الغربية، مثل حكومة جنوب إفريقيا، تهديدًا للنظام العالمي الذي يخدم النخبة الرأسمالية. وتفاقمت كراهية “ماسك” للحكومة الجنوب إفريقية، عندما لم يتمكن من الحصول على موافقة على خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعي (ستارلينك/ Starlink) في جنوب إفريقيا؛ وذلك لأن القانون في جنوب إفريقيا ينص على ضرورة إشراك المواطنين السود كمستثمرين[5].

المواقف الجيوسياسية: حرصت بريتوريا على تحقيق توازن في علاقاتها مع روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى. ورغم القضية المرفوعة في محكمة العدل الدولية، حافظت على علاقات تجارية قوية مع إسرائيل؛ فخلال العام الماضي، كانت جنوب إفريقيا أكبر مورد للفحم إلى إسرائيل، حتى في ظل مواجهة حكومة “رامافوزا” اتهامات محلية بالنفاق. كما اتخذت جنوب إفريقيا موقفًا محايدًا منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، رافضة الانضمام إلى الدعوات الغربية لإدانة موسكو، حيث ترتبط جنوب إفريقيا وروسيا بعلاقات تاريخية وطيدة خلال سنوات نظام الفصل العنصري. ودعمت موسكو حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم حاليًا عندما كان حزبًا تحرريًا يكافح لإنهاء النظام العنصري

وقد تعرضت جنوب إفريقيا للنقد بسبب استقبالها سفنًا حربية وطائرات عسكرية روسية، واتهم السفير الأمريكي لدى جنوب إفريقيا، روبن بريجيتي، بريتوريا في مايو 2023 بشحن أسلحة سرًا على متن سفينة روسية خاضعة للعقوبات في ميناء سيمونز تاون لاستخدامها للمساعدة في غزو أوكرانيا[6]. وخلص تحقيق أجرته حكومة جنوب إفريقيا في سبتمبر 2023 إلى عدم وجود أدلة على مزاعم توريد جنوب إفريقيا أسلحة إلى روسيا. وصرح رامافوزا بأن هذا الادعاء “كان له أثر بالغ الضرر على عملتنا واقتصادنا ومكانتنا العالمية؛ بل إنه شوه صورتنا”[7]. هذا إلى جانب مشاركة جنوب إفريقيا في مناورة بحرية مشتركة مع روسيا والصين في ذكرى غزو أوكرانيا في فبراير 2023، وهو ما جعل الولايات المتحدة تصف تطبيع العلاقات بين روسيا وجنوب إفريقيا بمثابة التعاون مع دولة استبدادية[8].

دعم الإرهاب: أثارت ما تراه الولايات المتحدة علاقة جنوب إفريقيا بأعدائها ودعم المنظمات الإرهابية قلق المسؤولين الأمريكيين. وتشير التقديرات الأمريكية إلى أن جنوب إفريقيا مركز لتمويل تنظيم داعش ومحطة عبور لتدفق الأموال إلى حماس وحزب الله. وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أربعة من ممولي تنظيم داعش المقيمين في جنوب إفريقيا عام ٢٠٢٢، وقالت واشنطن إن المجموعة سهلت نقل الأموال إلى فروع تنظيم داعش في مختلف أنحاء إفريقيا. كما وضعت فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية (FATF)، وهي هيئة مراقبة عالمية للتدفقات النقدية غير المشروعة تهدف إلى معالجة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، جنوب إفريقيا على “القائمة الرمادية” بسبب الثغرات في مراقبة الأنشطة المالية غير المشروعة ووقفها[9].

قاعدة سيمونستاون: يمر أكثر من نصف التجارة البحرية العالمية، والتي تبلغ قيمتها 18 تريليون دولار سنويًا، عبر مثلث تحدده ثلاث نقاط حرجة هي: مضيق باب المندب، ومدينة سيمون في جنوب إفريقيا، وجزر سليمان. تمتلك الصين الوصول إلى اثنين منها وتسعى للسيطرة على قاعدة سيمونستاون البحرية التي تقع بالقرب من ملتقى المحيطين الهندي والهادئ، وقد اكتسبت أهمية كبيرة بسبب دور منطقة المحيطين في العلاقات الدولية وأهميتها في الشؤون التجارية والعسكرية[10]؛ فبالنسبة للصين تُشكل المنطقة نقطة تمركز ستعزز قبضتها على النقطة الأخيرة في مثلث المحيطين الهندي والهادئ. أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يسعى إلى ضم جرينلاند؛ دعمًا للقوة الجيوسياسية والقدرة على التحكم في طرق التجارة الناشئة في القطب الشمالي، يسعى إلى الوصول إلى سيمونستاون وإنشاء قاعدة بحرية أمريكية ومنع الصين من الوصول إليها، وتحاول الولايات المتحدة استخدام الضغوط الاقتصادية لإجبار جنوب إفريقيا على تسليمها السيطرة عليها[11].

التقارب مع الصين على حساب تايوان: رفضت جنوب إفريقيا في عام 2014 استقبال الزعيم الروحي للبوذية التبتية الدالاي لاما، وهو المعروف بمواقفه المناهضة للقيادة الصينية؛ حرصًا على علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الصين. وفي عام 2015 وصف حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحزب الشيوعي الصيني بأنه “نجم هداية”، والآن قررت جنوب إفريقيا خفض العلاقات مع تايوان ونقل سفارتها. أما الصين فقد أشاد المتحدث باسم خارجيتها بموقف جنوب إفريقيا لاحترامها مبدأ الصين واحدة، شاكرًا جنوب إفريقيا وواصفًا إياها بالصديق والشريك الجيد للصين[12].

وعلى الرغم من رفض الرئيس دونالد ترامب الالتزام علانية بالدفاع عن تايوان في حالة حدوث غزو صيني، فقد حافظ الكونجرس الأمريكي على دعمه الحزبي المستمر منذ عقود لتايوان. وانتقد عضوان بمجلس الشيوخ طلب جنوب إفريقيا بنقل سفارة تايوان. وانتقد السيناتور الجمهوري تيد كروز هذه الخطوة، قائلا إن جنوب إفريقيا “تبذل قصارى جهدها لعزل الولايات المتحدة وحلفائنا”. ووصف الجدول الزمني لنقل تايوان من بريتوريا بأنه “مثير للقلق العميق”، قائلا إنه يقوض مصالح الأمن القومي الأميركي ويؤدي إلى تصعيد التوترات بين واشنطن وبريتوريا. وتعهد كروز، الذي يرأس اللجنة الفرعية المعنية بإفريقيا في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، بالتحقيق في المسألة إلى جانب قرارات أخرى مثيرة للقلق اتخذتها جنوب إفريقيا[13].

ضغط أمريكي من خلال قانون أجوا: في ظل إدارتي “بايدن” و”ترامب”، هيمنت القومية الاقتصادية، وركزت التجارة الأمريكية على إعادة توطين سلاسل التوريد، وتقليل الاعتماد على الإنتاج الأجنبي، وتأمين الصناعات الحيوية، لا سيما في ظل المنافسة مع الصين. وقد يُقلل هذا من التركيز على قانون النمو والفرص في إفريقيا (AGOA)، خاصة إذا لم تتوافق أهدافه مع الولايات المتحدة في تعزيز الإنتاج المحلي وتأمين سلاسل التوريد ومصالح الأمن القومي. وتخضع مواقف جنوب إفريقيا تجاه روسيا والصين للمراجعة من قبل بعض أعضاء الكونجرس من الجمهوريون مثل السيناتورين كريس كونز وجيم ريش، ومناقشة مدى استمرار انضمامها إلى (AGOA)، حتى أنهم مارسوا ضغوطًا لنقل المنتدى من جنوب إفريقيا وإعادة النظر في فوائده، كما أن هناك تقديرات بأن الرئيس “ترامب” سوف يلغي قانون النمو والفرص في إفريقيا[14].

الابتعاد عن التحالفات: قد تتبنى واشنطن مواقف عدائية تجاه جنوب إفريقيا، وتفرض عليها شروطًا صارمة تتعلق بالحوكمة والأمن والموقع الاستراتيجي، وفرض رسوم جمركية تصل إلى 25%. وبدلًا من تجديد اتفاقية “أجوا” بصيغتها الحالية، قد يستمر توجه الولايات المتحدة نحو اتفاقيات تجارية ثنائية مع دول إفريقية مختارة، لا سيما تلك التي تعد شركاء استراتيجيين لواشنطن. وقد يؤدي هذا إلى تجزئة العلاقات التجارية مع إفريقيا ككل. وستُصبح الدول التي تتوافق أجندتها مع التصنيع المحلي الأمريكي، وأمن سلاسل التوريد، والمرونة الاقتصادية، هي الرابحة. في المقابل، قد تواجه الدول التي لا تتوافق سياساتها الاقتصادية مع أولويات الولايات المتحدة عواقب وخيمة مثل جنوب إفريقيا[15].

تحول معركة النفوذ في إفريقيا: سيضعف خفض الولايات المتحدة مساعداتها المالية لجنوب إفريقيا العلاقات بينهما أكثر، مما يدفع بريتوريا إلى التقارب مع الصين وروسيا ودول البريكس الأخرى. ويعكس تنامي تقارب جنوب إفريقيا مع هياكل الحوكمة العالمية البديلة تحولًا أكبر في ديناميكيات القوة العالمية، حيث تسعى دول الجنوب العالمي إلى موازنة النفوذ الغربي والاتجاه نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث تكتسب التحالفات الإقليمية، مثل مجموعة “بريكس”، نفوذًا متزايدًا في صنع القرار العالمي. وهذا يُضعف النفوذ الأحادي للولايات المتحدة في المحافل الدولية بعد انتقالها من القوة الناعمة إلى القوة الصلبة في ولاية “ترامب” الثانية[16]

تهديد مجموعة”بريكس”: سيجعل تهديد الولايات المتحدة تركيز جنوب إفريقيا والقارة بأكملها على مجموعة “بريكس” التي تتوافق بشكل أوثق مع تطلعات إفريقيا نحو السيادة الاقتصادية والتصنيع. لذلك، يُمكن لجنوب إفريقيا أن تنظر إلى الداخل وأن تُحقق المزيد من التعاون مع مجموعة “بريكس” مقارنة بأي تجمع جيوسياسي آخر. ومن المحتمل أن تعمل جنوب إفريقيا مع الدول الإفريقية الأخرى لتعزيز الروابط الاقتصادية الإقليمية وتشجيع المزيد من الدول على الانضمام إلى “بريكس”؛ من أجل بناء هيكل قوة اقتصادية عالمية أكثر توازنًا بعيدًا عن الولايات المتحدة.

تهديد مجموعة العشرين: تُعد مجموعة العشرين منصة بالغة الأهمية للتعاون الاقتصادي العالمي، إذ تجمع أكبر اقتصادات العالم لمناقشة التحديات الدولية المُلحة. ويُثير قرار الولايات المتحدة مقاطعة اجتماعات المجموعة مخاوف جدية بشأن مستقبل تماسك مجموعة العشرين التي لعبت تاريخيًا دورًا حيويًا في استقرار الأسواق المالية العالمية، وتنسيق السياسات الاقتصادية، ومعالجة الأزمات الجيوسياسية. ومع ذلك، فإن انسحاب عضو رئيس مثل الولايات المتحدة من اجتماعاتها يُقوض شرعية المؤسسة وفعاليتها، خاصة أن هذه الخطوة تتماشى مع السياسة الخارجية الأمريكية في عهد “ترامب” الذي سعى مرارًا إلى التشكيك في أهمية المؤسسات متعددة الأطراف عندما تتعارض مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية. خلال ولايته الأولى (2017-2021)، دفع ترامب نحو إعادة صياغة مناقشات مجموعة العشرين، داعيًا إلى “التجارة المتبادلة” بدلًا من التجارة الحرة، ومعارضًا اتفاقيات المناخ العالمية. ويبدو أن نهجه تجاه مجموعة العشرين والمنظمات الدولية الأخرى قد يصبح أكثر تطرفًا وانعزالية.

ختامًا، أقر مجلس النواب الأمريكي، الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري، خلال العامين الماضيين قرارًا وتشريعًا يقضي بمراجعة شاملة للعلاقات الأمريكية الجنوب إفريقية. والآن، ومع سيطرة الجمهوريين على الكونجرس بمجلسيه، بالإضافة إلى البيت الأبيض، فإن جنوب إفريقيا تهوى بشكل متسارع نحو منحنى الخطر. ويعد طرد السفير الجنوب إفريقي أبرز علامة على ذلك، كما أن هناك توجهًا كبير نحو إلغاء الرئيس الأمريكي وصول جنوب إفريقيا المعفى من الرسوم الجمركية إلى الأسواق الأمريكية بموجب قانون النمو والفرص في إفريقيا (أجوا). في المقابل، وفي ظل سياسة “ترامب” القائمة على الانتقام، تؤكد جنوب إفريقيا التزامها بالحفاظ على العلاقات الثنائية لما فيه مصلحة البلدين، ويشير هذا النهج إلى رغبة بريتوريا في تجنب تصعيد الأزمة. وستحتاج بريتوريا في ذلك إلى صياغة سياسات خارجية مناسبة تُقرب مصالحها المادية بشكل مباشر من واشنطن. وهذا يتوقف على قدرة حكومة جنوب إفريقيا على الجلوس مع إدارة ترامب وصانعي القرار فيها، وعلى رأسهم إيلون ماسك، ومناقشة القضايا العالقة بين الطرفين، والتوصل إلى تسوية مناسبة تحقق أهداف الطرفين، خاصة أن البديل الآن أمام جنوب إفريقيا هو مجموعة “بريكس”، وهي فرضية ضعيفة في ظل التقارب الروسي الأمريكي حول وقف الحرب في أوكرانيا.

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M