رهانات جديدة على رقعة الشطرنج العالمية: هل تُمثِّل سياسات ترمب العدائية تجاه أوروبا فرصةً استراتيجيةً للصين؟

  • في ظل المتغيرات الدولية الأخيرة، قد تكون الصين أمام فرصة استراتيجية لاستغلال الفجوة في العلاقات الأطلسية والتقارب مع أوروبا سعياً لإحباط سياسات الولايات المتحدة لاحتوائها، ولتعويض الخسائر التجارية في سياق العلاقات مع واشنطن، فضلاً عن زيادة الهوة بين واشنطن وبروكسل.
  • على رغم توفُّر الظروف التي تسمح لأوروبا بالموازنة في علاقتها بكلٍّ من الصين والولايات المتحدة، فإن ذلك، إن حدث، سيتخذ حتماً طابعاً برغماتياً ومعاملاتياً، ولن يؤدي إلى نشوء شراكة استراتيجية أوروبية مع الصين تضرّ بالمصالح الأمريكية على المدى الطويل.
  • مع استبعاد نجاح الجانبين الأمريكي والصيني في إقناع كلٍّ من روسيا وأوروبا بتبنّي تحول استراتيجي في علاقتهما ببعضهما البعض، وبكلٍّ من واشنطن وبيجين في الوقت نفسه، إلا أنّ هذه الجهود ستُحدِّد الملامح المبدئية للنظام العالمي الجديد الآخذ في التشكل.

يجد الأوروبيون أنفسهم في موقف صعب مع عودة دونالد ترمب للرئاسة الأمريكية. بعض التحديات التي تحدد ملامح العلاقة الأوروبية مع إدارة ترمب مكررة منذ ولايته الرئاسية الأولى، وبعضها مُستجَد. لكن جميعها يشترك في أن لها علاقة ما بروابط أوروبا بالصين أيضاً. فهل يُسبِّب تراجع الثقة في الولايات المتحدة كحليف موثوق، في ظل حرب الرسوم الجمركية وضغط ترمب على الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، في نجاح الصين بتعميق علاقاتها مع أوروبا؟

المشكلات الأساسية بين إدارة ترمب وأوروبا

أول التحديات بالنسبة لأوروبا تراجُع واشنطن عن ضماناتها الأمنية. فعلى رغم زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، فإن سبع دول أوروبية لم تتمكن، بعد، من الوصول لهدف تخصيص نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي المعتمد في قمة 2014. أضف إلى ذلك، استثناء الأوروبيين من محادثات إدارة ترمب مع روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا، والتي بلغت مستوى موافقة كييف على خطة أمريكية لوقف إطلاق نار مؤقت والبدء في مفاوضات السلام. بُنيَت الخطة على تصريحات وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، في 12 فبراير، بشأن استبعاد انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، والتركيز على بناء قوة حفظ سلام “من أوروبيين وغيرهم” للعمل في أوكرانيا بعد الاتفاق. وقد جعل ذلك المحللين الصينيين يقترحون إمكانية مشاركة بيجين (أكبر مساهم في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة) والهند والبرازيل ودول أخرى في قوة حفظ السلام، وهو ما يجعل الصين طرفاً مباشراً في عملية السلام الأوكرانية-الروسية.

في الوقت نفسه، فإن أوروبا باتت هدفاً للرسوم الجمركية التي تُشكِّل أحد أدوات السياسة الخارجية الأساسية لإدارة ترمب. في فبراير، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بفرض رسوم تصل إلى 10-20% على جميع شركاء الولايات المتحدة التجاريين، فيما يعرف بالرسوم المتبادلة، باستثناء الصين (60%). وفرض ترمب أيضاً رسوماً بمقدار 25% على جميع واردات حديد الصلب والألومنيوم. وفي ديسمبر، وصف ترمب العلاقات التجارية مع أوروبا بأنها “عار“، واتهم الاتحاد برفض شراء المزيد من السلع الأمريكية. لكن الواقع يبدو مُغايراً. فقد بلغت صادرات السلع الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي مستوى قياسياً بلغ 370 مليار دولار في عام 2023. لكن، في الوقت نفسه، ارتفع العجز التجاري للولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي إلى 220 مليار دولار في العام نفسه، و235.6 مليار دولار في عام 2024 بزيادة من مستوى 175 مليار دولار في عام 2017، مع بداية ولاية ترمب الأولى. وفرض الاتحاد رسوماً انتقامية في 12 مارس على ما مقداره 26 مليار يورو من بعض الصادرات الأمريكية لأوروبا. ورداً على ذلك، هدَّد ترمب، في 13 مارس، بفرض رسوم بمقدار 200% على صادرات المشروبات الروحية الأوروبية للسوق الأمريكي.

باتت أوروبا هدفاً للرسوم الجمركية التي تُشكِّل أحد أدوات السياسة الخارجية الأساسية لإدارة ترمب (فرانس برس)

جاء ذلك في وقت فرض فيه الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية على السيارات الكهربائية الصينية بعد أن خلص إلى أن مشكلة “فائض القوة الإنتاجية” المنبثقة من الدعم الحكومي يسمح للمصنعين الصينيين بخفض الأسعار الأوروبية، وهو ما وصفته الصين بـ”الحمائية” الأوروبية. ورداً على ذلك أطلقت تحقيق مكافحة الإغراق ضد منتجات الألبان الأوروبية.

أي أنّ أوروبا باتت طرفاً في نزاعات تجارية مع الجانبين، على رغم كبر الأزمة مع إدارة ترمب.

وتنسحب الضغوط الأمريكية على أوروبا على تدخلات الإدارة في الشؤون الداخلية لدولها، إذ كان واضحاً دعم إيلون ماسك، حليف ترمب السياسي الرئيس، في الانتخابات الألمانية الأخيرة، لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، وخطاب نائب الرئيس جي دي فانس أمام مؤتمر ميونيخ للأمن الذي أعلن فيه أن التهديد الأكبر لأوروبا لا يأتي من الصين أو روسيا وإنما من الداخل.

ومن ثمَّ، فإن الصين قد تكون أمام فرصة استراتيجية لاستغلال الفجوة في العلاقات الأطلسية والتقارب مع أوروبا سعياً لإحباط سياسات الولايات المتحدة لاحتوائها ولتعويض الخسائر التجارية في سياق العلاقات مع واشنطن، فضلاً عن زيادة الهوة بين واشنطن وبروكسل. فهل تؤدي التحولات الجارية حالياً إلى ذلك؟

حسابات الصين تجاه روسيا

لفهم إمكانية التقارب الصيني – الأوروبي، ينبغي أولاً تسليط الضوء على محدد أساسي لهذه العلاقات، وهي الشراكة الصينية “بلا حدود” مع روسيا في سياق التحولات في النظام العالمي. فقد بات واضحاً نيَّة إدارة ترمب في تبني استراتيجية مشابهة لسياسة نيكسون/كسينجر في سبعينيات القرن الماضي التي نجحت في تقريب الصين من الولايات المتحدة على حساب الاتحاد السوفيتي. هذه المرة، تسعى الإدارة لفعل العكس عبر تبنّي سلام في أوكرانيا يقضي بتقريب موسكو أكثر من واشنطن وابعادها عن المدار الصيني.

لكن هذه السياسة مشوبة بتحديات عميقة، أبرزها مستوى الثقة المُتراجِع بين الغرب وروسيا منذ بدء المناوشات العسكرية في أوكرانيا في 2014، والعداء الدبلوماسي والانفصال التجاري والعقوبات الاقتصادية على روسيا منذ الغزو عام 2022. في المقابل، تشترك بيجين وموسكو في الرؤية الاستراتيجية القائمة على مقاومة الهيمنة الغربية والدفع باتجاه نظام عالمي متعدد الأقطاب. وقد حرصت الصين على تقديم الدعم الدبلوماسي والتجاري لروسيا (وصل التبادل التجاري إلى 240 مليار دولار في 2023) عبر شراء النفط والغاز الروسيين وساهمت في تقوية قدرة الاقتصاد الروسي على مقاومة تأثير العقوبات، إلى جانب تصدير المواد مزدوجة الاستخدام التي أدَّت دوراً كبيراً في الحفاظ على قدرة روسيا على الإبقاء على تفوقها في المعركة. وأحد أهم المحددات التي قد تجعل التقارب الأمريكي – الروسي صعباً من الناحية الاقتصادية عدم قدرة إدارة ترمب على توفير بدائل تجارية واستثمارية وتكنولوجية لروسيا عن الصين، خصوصاً في ظل سياسات ترمب الطاقية المنافسة مباشرة لموسكو بصفتها مصدراً للطاقة، والتوافق بين موسكو وبيجين على ضرورة تقويض الدولار باعتباره أحد أدوات الهيمنة الاقتصادية.

حاولت الصين ترك انطباع مشترك مع أوروبا إزاء عدم فاعلية مقاربة ترمب في حفظ السلام بين روسيا وأوكرانيا على المدى البعيد

وقد استبعد وزير الخارجية الروسي تحقُّق الخطط الأمريكية في محاولة لطمأنة الصينيين عل ما يبدو، قائلاً “لم تكن لدينا علاقات جيدة وطويلة الأمد مع الصين، وتحظى بدعم شعبي البلدين [كما هو الحال الآن]. والأمريكيون يعرفون أننا لن نخون التزاماتنا التي نطوّرها مع الصين”.

ولا يعني ذلك أن العلاقات الصينية – الروسية خالية من الشكوك وتراجُع الثقة. فالجانبان لا يشتركان في الرؤى حول طبيعة النظام العالمي المنتظر: روسيا ترغب في استبدال النظام الحالي بشكل كامل، بينما الصين تميل إلى إصلاحه وجعله أكثر تعددية وانفتاحاً واتساقاً مع مصالحها ورؤيتها الأيديولوجية. ولا تشعر بيجين أيضاً بالارتياح إزاء تعزيز روسيا علاقاتها العسكرية مع دول آسيوية تملك معها الصين مشكلات حدودية، على رأسها الهند وفيتنام، إلى جانب الريبة إزاء التحالف العسكري بين روسيا وكوريا الشمالية. في المقابل، تشعر روسيا بالعجز إزاء تعزيز الصين علاقاتها مع جمهوريات سوفيتية سابقة، خصوصاً في آسيا الوسطى عبر مبادرة الحزام والطريق ومنظمة شنغهاي للتعاون، فضلاً عن طبيعة العلاقات الثنائية التي تتحول تدريجياً إلى علاقة تابع ومتبوع نتيجة اتساع الهوة في القوة الشاملة بين الجانبين.

الصين قد تكون أمام فرصة استراتيجية لاستغلال الفجوة في العلاقات الأطلسية (شترستوك)

على رغم ذلك، فإن نجاح كسينجر في تقريب بيجين لواشنطن عام 1972 كان قائماً بالأساس على العداء المتبادل بين بيجين وموسكو إلى حد المناوشات الحدودية وعُمْق الهوة الأيديولوجية والنفسية بين النظامين. فضلاً عن ذلك، فإن سياسة إدارة نيكسون تجاه الصين استندت إلى استراتيجية طويلة المدى لتغير موازين القوى العالمية لصالح واشنطن وكسب الحرب الباردة استناداً إلى قيادة الولايات المتحدة للمعسكر الغربي، عكس إدارة ترمب العدائية تجاه حلفائها وحلف الناتو، والمعتمدة على المعاملاتية الخالية من البُعد الأيديولوجي.

ومِن ثمَّ فإن أحد الأهداف الرئيسة من السعي لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتقريب روسيا وتقليص هيمنة الصين على المعادن النادرة (عبر اتفاقية المعادن مع أوكرانيا) قد يكون قائماً على مفهوم مغلوط بالأساس، وقد يخلق فرصاً للصين في سياق علاقتها مع روسيا. أحد أهم هذه الفرص انهاء الحرب التي قادت إلى اضعاف روسيا وزيادة الشكوك الأوروبية إزاء نوايا الصين، ومن ثمّ تسريع اتجاه العالم نحو التعددية القطبية.

ماذا عن أوروبا؟

كان من اللافت تأكيد وزير الخارجية الصينية وانغ يي، في خلال مؤتمر ميونخ للأمن، أن أوروبا يجب أن تؤدي دوراً مهماً في أي اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا. ووصف المبعوث الصيني لأوروبا، لو شاي، معاملة إدارة ترمب لأوروبا بـ”المروعة“، مؤكداً على ضرورة مشاركة أوروبا في أي مفاوضات. وكان واضحاً من هذه المواقف أن بيجين تحاول التقارب مع الاتحاد الأوروبي حول مشاركة دوله مشاعرهم المضطربة تجاه واشنطن. إلى جانب ذلك، حاولت بيجين أيضاً ترك انطباع مشترك مع أوروبا إزاء عدم فاعلية مقاربة ترمب في حفظ السلام بين روسيا وأوكرانيا على المدى البعيد. وقال السفير الصيني في إسرائيل جونجانغ تشياو إن ترمب “يعتقد أنَّه قادر على إبرام صفقة في الحرب الروسية الأوكرانية بربط تصورات روسيا للسيادة بموارد أوكرانيا المعدنية. ويُنظَر إلى الإرادة السياسية لحل النزاع على أنها مسألة ‘تجارية’. أعتقد أن هذا قد يساعد، ولكنه قد يؤدي أيضاً إلى مزيد من الصراعات في المستقبل”.

يعكس ذلك اعتقاداً بأن المسؤولين الصينيين يرغبون في اختبار تأثير “سياسة أمريكا أولاً” على العلاقات عبر الأطلسي وإمكانية الاستفادة من ذلك في صورة تشجيع بروكسل لموازنة واشنطن عبر علاقات أقرب مع بيجين. وليس ذلك جديداً، فقد تبنَّت الصين نفس السياسة في خلال رئاسة ترمب الأولى لتعزيز العمل التعددي المشترك مع أوروبا. في المقابل تبنَّت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لهجةً أكثر برغماتية تجاه الصين عبر التعبير عن إمكانية إبرام “اتفاقيات” جديدة مع بيجين، مع تكرار أن الطرفين قد “يوسعان العلاقات التجارية والاستثمارية”.

لكن تقارباً عميقاً واستراتيجي الطابع لا يزال بعيد المنال بغض النظر عن عميق أزمة أوروبا مع واشنطن. فالصراعات التجارية بين الصين وأوروبا لن تنتهي قريباً، بل لا تزال في بدايتها. على سبيل المثال، بلغ العجز التجاري الأوروبي مع الصين في 2023 حوالي 316 مليار دولار، وهو ما زاد إلى 330 مليار دولار في 2024. وعلى رغم الزيارات واللقاءات المتتالية بين مسؤولي الجانبين، فإن مخاوف الأوروبيين تجاه “فائض القدرة الإنتاجية” الصناعية، والدعم الحكومي للشركات الصينية، ووضع بيجين حواجز أمام قدرة الشركات الأوروبية للوصول للسوق الصيني، وزيادة اعتماد أوروبا على القاعدة الصناعية الصينية في سياق التحول المناخي تُشكِّل عقيدة “خفْض المخاطر” الأوروبية على المدى الطويل. ولا يبدو أن الصين لديها أدوات لتغيير السياسات الأوروبية بشكل فعال نظراً لعدم توقُّع تغيير سياساتها الصناعية التي تراها عاملاً مركزياً لتعزيز النمو وللخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية قريباً. وعلى الجانب الآخر، فإن الحرب التجارية مع الولايات المتحدة تجعل السوق الأوروبي ودول جنوب شرق آسيا الخيارين الأبرز للشركات الصينية لتصدير بضائعها.

 لا يزال الميل العدائي تجاه موقف الصين الداعم لروسيا في الحرب مُسيطراً على التفكير الاستراتيجي الأوروبي

إضافة إلى ذلك، لا يزال الميل العدائي تجاه موقف الصين الداعم لروسيا في الحرب مُسيطراً على التفكير الاستراتيجي الأوروبي، وهو ما لا يتوقع أن يَنتهي في أي وقت قريب.

ومن ثمَّ، فعلى رغم توفر الظروف التي تسمح لأوروبا بالموازنة، فإن ذلك، إن حدث، سيتخذ حتماً طابعاً برغماتياً ومعاملاتياً، ولن يؤدي إلى نشوء شراكة استراتيجية أوروبية مع الصين تضرّ بمصالح الولايات المتحدة على المدى الطويل.

هل يعني ذلك أن العلاقات الصينية مع الاتحاد الأوروبي ستتدهور حتماً؟

الديناميات ضمن مثلث العلاقات الصينية – الأوروبية – الأمريكية تحت إدارة ترمب لا تزال في مراحل تشكُّلها الأولى (شترستوك)

السيناريوهات المستقبلية

للإجابة على هذا التساؤل، ثمة ثلاثة سيناريوهات يُرجَّح تحقُّق أيّ منها في المستقبل. تعتمد هذه السيناريوهات على ثلاثة متغيرات أساسية: العلاقات الأمريكية – الأوروبية في ضوء حرب الرسوم الجمركية؛ وهيكلة المفاوضات والحل السياسي في حرب روسيا وأوكرانيا وموضع أوروبا منها؛ وفاعلية أدوات الصين السياسية في التأثير على المتغيرين السابقين.

سيناريو 1: التوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وأوروبا، والمزيد من التحديات للصين

يستند هذا السيناريو إلى احتمال نجاح المفوضية الأوروبية في اقناع ترمب بتخفيف سياسة الرسوم أو وقفها تماماً عبر تقديم عروض قد تشمل شراء النفط والغاز الأمريكيين، وخفض العجز التجاري، وزيادة الإنفاق الدفاعي إلى حدود 3% وتقديم مساهمة أمنية كبيرة في حفظ السلام في أوكرانيا، مع حصر القوات بين الدول الاوروبية، ووقف التحقيقات ضد عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين وفقاً لقانوني الأسواق والخدمات الرقمية.

في هذه الحال، قد يفرض ترمب قيوداً على الرسوم الجمركية تجاه أوروبا لتخفيف الضغط على الموارد الأوروبية اللازمة لتعزيز سياسة “خفض المخاطر” حول الأمن الاقتصادي تجاه الصين. إضافة إلى ذلك، قد تُوحَّد السياسات حول الصين بين الجانبين، وهو ما ستراه الإدارة الأمريكية دعماً إضافياً لمحاولات تقريب روسيا إلى المدار الغربي والضغط على بيجين.

إذا حدث ذلك، يُرجَّح عدم تردد بيجين في الرد على الإجراءات الأمريكية والأوروبية المتوقعة، وعلى رأسها توحيد الرسوم الجمركية على صادرات البضائع والتكنولوجيا الصينية. قد يأتي ذلك في صورة رسوم مضادة وتحقيقات ضد الإغراق إزاء الصادرات الأوروبية، وإطلاق تحقيقات في أنشطة الشركات الأوروبية العاملة في الصين، وإطلاق حملات شعبية لمقاطعة المنتجات الأوروبية، وفرض قيود على السفر من وإلى أوروبا، وتعميق التفاهمات مع روسيا وزيادة دعمها للضغط على خطط أوروبا للأمن في المستقبل. قد يتم أيضاً إطالة أمد تفعيل “الاتفاقية الشاملة حول الاستثمار” المعطلة من 2021 بسبب السياسات العدائية بين الجانبين. وعلى المدى الطويل، قد يقود هذا السيناريو إلى إعادة صياغة خريطة العلاقات التجارية باتجاه تقليص الاعتماد التجاري للصين على الأسواق الغربية (كما حدث منذ ولاية ترمب الأولى)، في مقابل إغراق دول الجنوب العالمي وروسيا بالمنتجات الصينية.

لكن هذا السيناريو يواجه تحديين رئيسين. أولاً، قد لا يكون العرض الأوروبي كافياً بالنسبة لإدارة ترمب لتبني تغيير جذري في مسار الاستراتيجية الأمريكية طويلة المدى، القائمة على تعزيز القاعدة الصناعية المحلية عبر الضغط على الشركات الأوروبية لنقل جزء كبير من استثماراتها إلى السوق الأمريكي، وليس مجرد ورقة ضغط تفاوضية. إلى جانب ذلك، يبدو أن إدارة ترمب تؤمن بأن بروكسل ليس لديها خيار فيما يتعلق بحتمية تبنّي سياسات حمائية تجاه الصين نظراً لخشيتها من إغراق السوق الأوروبي بالمنتجات الصينية بمجرد بدء تأثير رسوم ترمب على الصين في الظهور. ثانياً، قد تواجه المفوضية الأوروبية معارضة كبيرة من العواصم الأوروبية التي لديها رؤية مختلفة إزاء الصين ومصالح كبيرة معها، مثل برلين التي تخشى من الإجراءات المضادة الصينية ضد شركات السيارات الألمانية، وأمستردام التي ظلت تقاوم ضغوط واشنطن لوقف التعامل في مجال الرقائق المتطورة مع الصين، ودول شرق أوروبا مثل المجر القريبة من بيجين، والتي قد تجهض أي محاولة لتشديد السياسات تجاه الصين، بالإضافة إلى اسبانيا والبرتغال والنمسا.

سياسات واشنطن وبيجين تكاد تكون متماثلة في سعي الجانبين لتغيير موازين القوى العالمية (فرانس برس)

سيناريو 2: علاقات أوروبية – أمريكية مضطربة، والمزيد من الفرص للصين

في هذا السيناريو، قد يصل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى اتفاق ضمني بضرورة إعادة التوازن للعلاقات التجارية بينهما عبر الفرض المتبادل للرسوم، دون تغيير جذري في سياسات أوروبا تجاه واشنطن أو بيجين. قد يحدث ذلك عبر رد أوروبي على جميع الرسوم الجمركية، لكن في الوقت نفسه تبنّي إجراءات أقل صرامة ضد شركات التكنولوجيا الأمريكية، وزيادة الانفاق الدفاعي، والقبول بعدم الوجود على طاولة التفاوض في أوكرانيا لكن الالتزام في الوقت نفسه بتوفير قوات حفظ السلام بعد أي اتفاق. قد يصحب ذلك أيضاً الاستمرار في سياسة “خفض المخاطر” إزاء الصين في محاولة أيضاً لخفض العجز التجاري الأوروبي مع بيجين، مع الاحتفاظ بالإجراءات الحمائية تجاه صادرات الطاقة النظيفة الصينية وقطاع التكنولوجيا الفائقة.

قد يُمثِّل هذا السيناريو بعض التحديات والفرص بالنسبة للصين. فيما يتعلق بالتحديات، فإنها تتضمن إمكانية التنسيق الأوروبي – الأمريكي فيما يتعلق بضوابط التصدير، وإجراءات الفحص عند الخروج، والسيارات الكهربائية إلى جانب التكنولوجيا الفائقة. سيكون لذلك تداعيات سلبية على الشركات الصينية التي قد تضطر لخفض الأسعار أكثر من ذلك أو تحويل سلاسل التوريد إلى أسواق أخرى. سيحدث أيضاً تعطيل في مسار النمو الاقتصادي القائم على تعزيز الصادرات على المديين المتوسط والطويل، أخذاً في الاعتبار احتمال إجراء أوروبا تحقيقات إضافية وفرض رسوم أكبر.

أما الفرص فقد تتمثل في احتمال عدم قدرة المفوضية على تطبيق هذه السياسات على أرض الواقع نظراً للاختلافات الداخلية حولها وضعف قدرة الاتحاد على امتلاك الأدوات لخوض حربين تجاريين متزامنتين مع أكبر شريكين له في نفس الوقت. أضف إلى ذلك، معارضة الكثير من الدول تبنّي انفصال كامل عن سياسات واشنطن إزاء الصين. ومِن ثمَّ، فإن هذه النزاعات قد تجعل الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن قيادة المبادرة للتأثير على مصالح بيجين. قد يسمح ذلك لبيجين بكسب الوقت (طوال رئاسة ترمب) لمحاولة تعميق الشراكة مع أوروبا من طريق الامتناع عن الرد بالمثل، وبنفس المستوى، على الإجراءات الحمائية الأوروبية سعياً لإضعاف موقف المفوضية وتوسيع الهوَّة بين بروكسل وواشنطن، مع زيادة الصادرات للسوق الأوروبي للحفاظ على مستوى العجز بين الجانبين. قد تتبنّى الصين أيضاً تنازلات تسمح للشركات الأوروبية بوصول أسرع وأسهل للسوق الصيني، ومِن ثمَّ تشجيع لوبي هذه الشركات للضغط على صُنَّاع القرار الأوروبيين. والأهم، ستحاول الصين بناء الجسور للعمل المشترك مع أوروبا لمواجهة التغير المناخي ودعم التحول الطاقي بعد انسحاب إدارة ترمب مرة أخرى من اتفاقية باريس للمناخ.

أحد أهم الفرص الأخرى تشجيع اتفاق السلام والمساهمة في قوات حفظ السلام في أوكرانيا استناداً إلى تأكيد وزير الدفاع الأمريكي بعدم ممانعة واشنطن ذلك. وبذلك، قد تضمن بيجين مكاناً على الطاولة عند تحديد مستقبل العلاقات بين موسكو وكييف من طريق نفوذها المستجد على الأرض، خصوصاً إزاء روسيا. وبينما من المستبعد أن توافق الصين (وإدارة ترمب) على تحولها لضامن في وقف إطلاق النار، فإن العلاقات الإيجابية مع أوروبا قد تسمح لها بالتموضع بصفتها وسيطاً محتملاً في أي نزاعات مستقبلية حول تفاصيل الاتفاق بين موسكو وبروكسل.

وبينما يُمكن عَدَّ هذا السيناريو مُرجَّحاً، لا تزال هناك إمكانية لعدم تحققه، أهمها نجاح بيجين في تحسين العلاقات مع أوروبا بشكل كبير وجذري من طريق ابعادها قدر الإمكان عن التنسيق مع واشنطن، أو تحقق المحفزات في السيناريو 1.

تعتقد إدارة ترمب أنها قادرة على جذب روسيا باتجاهها وابعادها عن الصين، بينما تحاول الأخيرة فعل الشيء نفسه في سياق العلاقات الأوروبية مع واشنطن

سيناريو 3: انفصال تام بين الصين وأوروبا

يستند هذا السيناريو إلى احتمال قائم وهو نجاح إدارة ترمب في اخضاع أوروبا بشكل كامل للإرادة الأمريكية. في هذه الحالة قد لا تنجح المفوضية في حشد الدعم الداخلي اللازم لتبني ردود أكثر قوة لمقاومة إجراءات ترمب العدائية، بينما تسرع لتنفيذ شروطه فيما يتصل بالتبادل التجاري والانفاق الدفاعي والسلام في أوكرانيا والسياسات العدائية تجاه الصين.

على المديين المتوسط والطويل، قد يؤدي هذا السيناريو – إذا تحقَّق – إلى انفصال عميق في العلاقات الصينية – الأوروبية مع كثرة النزاعات التجارية والقيود على صادرات التكنولوجيا والسيارات الكهربائية. سيكون لذلك تداعيات على المستوى الداخلي في الصين، أهمها تسريع القيادة الصينية تبنّي سياسات الانغلاق على الداخل والاعتماد الذاتي، بينما يزداد التقارب الصيني مع روسيا ودفع بيجين باتجاه تسريع سياسات تنصيب نفسها قائداً للجنوب العالمي.

لكن المحفزات في السيناريوهين 1 و2 قد تُمثِّل تحديات أمام تحقُّق هذا السيناريو.

الاستنتاجات

كما ذُكِر أعلاه، فإن سيناريو 2 يبدو أكثر ترجيحاً، أقلُّه إلى الآن، استناداً لبعض الاستنتاجات المبدئية. أحد أهم الاستنتاجات، أنَّ الديناميات ضمن مثلث العلاقات الصينية – الأوروبية – الأمريكية تحت إدارة ترمب لا تزال في مراحل تشكُّلها الأولى. فالصين في المرحلة الأولى القائمة على اختبار مدى عميق الخلاقات عبر الأطلسي، وأوروبا لا تزال تحاول إقناع إدارة ترمب بالتنسيق، خصوصاً تجاه روسيا والصين، بينما لا تزال واشنطن في مطلع جهودها الساعية لفرض رؤية ترمب على الحلفاء.

بالتوازي، فإن سياسات واشنطن وبيجين تكاد تكون متماثلة في سعي الجانبين لتغيير موازين القوى العالمية. فإدارة ترمب تعتقد أنها قادرة على جذب روسيا باتجاهها وابعادها عن الصين، بينما بيجين تحاول فعل الشيء نفسه في سياق العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة. وعلى رغم استبعاد نجاح الجانبين في إقناع كلٍّ من روسيا وأوروبا بتبنّي تحول استراتيجي، فإن هذه الجهود ستُحدِّد الملامح المبدئية للنظام العالمي الجديد الآخذ في التشكل على المدى الطويل.

لكن على المدى القصير، ستستمر الصين في محاولة تقديم نفسها بديلاً أكثر موثوقية وتعقلاً والتزاماً بالتعددية ومحاربة التغير المناخي عن الولايات المتحدة، ليس فقط لأوروبا، لكن للمجتمع الدولي بكامله.

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M