تمهيد:
لو نظرنا إلى تحالف دول البريكس BRICS؛ فسنجد أن حروباً قد جرت وأخرى تجري كانت إحدى دوله طرفاً فيها؛ وفي واحدةٍ منها تعدت إحداها على الأخرى. فقد جرت حروبٌ بين الهند وباكستان، وروسيا وأوكرانيا، وضربات أمريكية في نيجيريا- وإن كان بتفاهمات، وصراعات في إقليم تيغراي، وتوترات بين إثيوبيا ومصر، وأخرى بين الصين وتايوان، وحربٌ باردة بين الهند والصين، وتوترات بين جنوب إفريقيا والولايات المتحدة، وأخيراً الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، والتي تضررت منها دول الخليج، ومن بينها المملكة العربية السعودية والإمارات.
ومن ناحية أخرى؛ بعد أن كان التكتل يُعتبر في المقام الأول كتلةً اقتصادية تطمح إلى إعادة تشكيل النظام المالي العالمي؛ فقد بدأت المجموعة في السنوات الأخيرة باستعراض قوتها العسكرية ونفوذها الإستراتيجي على الرغم من تناقضاتها. ومع توسعها في يناير 2024م، باتت تتمتع بنفوذ جغرافي أكبر، وسيطرة أوسع على الموارد، وقوة جيوسياسية أكبر. ولكن مع انتقال البريكس من قاعات الاجتماعات إلى ساحات المعارك؛ يبرز سؤالٌ ملحٌّ لإفريقيا: هل يُتيح البُعد العسكري لهذه الكتلة الصاعدة فرصاً إستراتيجية جديدة، أو يُشكّل تهديدات جديدة لاستقرار القارة وسيادتها؟.
تحاول المقالة الإجابة عن هذا التساؤل من خلال:
المحور الأول: البريكس من نادي اقتصادي إلى تحالف إستراتيجي وموقع إفريقيا من ذلك.
المحور الثاني: الآفاق العسكرية والاستخباراتية للبريكس.
المحور الثالث: البريكس والنشاط الدبلوماسي.
المحور الرابع: جنوب إفريقيا والتخبط بين الإشارات الدفاعية والمساعي الدبلوماسية.
المحور الخامس: التحديات والسيناريوهات المحتملة أمام إفريقيا لالتئام البريكس عسكرياً.
المحور الأول:
البريكس من نادي اقتصادي إلى تحالف إستراتيجي وموقع إفريقيا من ذلك:
أولاً: تصاعد النفوذ العسكري لتكتل البريكس:
تأسس البريكس عام ٢٠٠٩م بهدف تحدي الهيمنة الغربية على الحوكمة المالية العالمية، إلا أنه مع تصاعد التوترات الجيوسياسية عالمياً، ولا سيما في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا وتصاعد التنافس الأمريكي الصيني، بدأت المجموعة تتحول بسرعة إلى قوة متعددة الأقطاب ذات طموحات أمنية. شكّلت قمة جوهانسبرج عام ٢٠٢٣م نقطة تحوّل، إذ تحوّلت المناقشات من التجارة والتنمية إلى التعاون العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والدفاع السيبراني، وتجارة الأسلحة، والتدريبات الأمنية المشتركة. ورغم افتقار التكتل إلى اتفاقية دفاع مشترك رسمية؛ فإن التنسيق العسكري غير الرسمي آخذ في الازدياد، خاصةً بين روسيا والصين وإيران.
عموماً تتجنب دول البريكس التحالفات العسكرية الرسمية الملزمة، مفضلةً الشراكات الإستراتيجية والتعاون الأمني غير التقليدي، كالمناورات البحرية المشتركة، وتبادل معلومات الأمن السيبراني. وعلى الرغم من عدم وجود اتفاقية دفاعية شاملة؛ فإن الاتفاقيات الثنائية، والمشاركة في منظمة شنغهاي للتعاون، تُسهّل التنسيق العسكري بين بعض الأعضاء، خاصةً في التدريبات الأمنية البحرية، وحماية طرق التجارة، صعوداً إلى عمليات نقل أنظمة أسلحة متطورة، ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وحماية البنية التحتية الحيوية. فأغلب الاتفاقيات الثنائية بين دوله هي اتفاقيات تجارية واقتصادية، وتتعلق بالفضاء، والطاقة، والاقتصاد، والتمويل، والتكنولوجيا، والرياضة، والاستثمار، والضرائب، والزراعة، واستكشاف وتعدين ومعالجة الموارد الطبيعية، والملكية الفكرية، وغيرها. غير أن هناك بعض المعاهدات الثنائية العسكرية التي تتعلق بالتعاون العسكري كتلك التي بين روسيا والهند، فضلاً عن أن البيانات المتعلقة بالاتفاقيات الثنائية بين روسيا والصين غير متوفرة، كما يوجد عدد كبير من مذكرات التفاهم الثنائية، والبيانات المشتركة، والتي تُعبّر فيها عن اهتمامها المشترك في تطوير قضية معيّنة[1].
ثانياً: تعزيز العلاقات الإفريقية مع منظومة الدفاع في البريكس:
لم تعد إفريقيا مجرد مراقب هامشي في شؤون البريكس، فمع انضمام ثلاث دول كأعضاء كاملين، بات للقارة دورٌ متزايد في صياغة إطار الدفاع المتطور للمجموعة. وقد أجرت جنوب إفريقيا العديد من المناورات البحرية المشتركة مع روسيا والصين، بما في ذلك مناورة «موسى ٢» المثيرة للجدل في فبراير ٢٠٢٣م. وتُعزز مصر باستمرار القدرات الدفاعية للبريكس، إذ تُقيم مصر مشاريع أسلحة مشتركة مع روسيا والصين، وتتلقى تقنيات الطائرات المسيّرة والمراقبة من كلا البلدين. كما تُحافظ القاهرة على علاقات متينة مع الهند والبرازيل في مجال التدريب العسكري وتبادل قوات حفظ السلام. وتُعيد إثيوبيا بناء قدراتها الدفاعية بعد نزاع تيغراي، مع اهتمامها بالأسلحة منخفضة التكلفة، والأدوات السيبرانية، والأكاديميات العسكرية المشتركة، وهي مجالات أبدى فيها شركاء مجموعة البريكس استعدادهم للتعاون.
ويتجاوز النفوذ العسكري لدول البريكس مبيعات الأسلحة- قُدّر حجم تجارة الأسلحة بين دول البريكس وإفريقيا بـ8.5 مليارات دولار خلال الفترة 2019-2023م- ويتجلى ذلك في سعيها الحثيث نحو التصنيع الدفاعي المشترك وتوطين التكنولوجيا.
وتشمل هذه المبادرات:
▪ التعاون بين الهند وجنوب إفريقيا في مجال الطائرات دون طيار والأنظمة البحرية؛
▪ صادرات البرازيل من التكنولوجيا الدفاعية إلى أنغولا وموزمبيق، بما في ذلك طائرات الهجوم الخفيفة ومعدات الاتصالات؛
▪ الأكاديميات العسكرية الصينية ومشاريع البنية التحتية في شرق إفريقيا، والتي غالباً ما تُدمج ضمن حزم مبادرة الحزام والطريق.
تُثير هذه الروابط العسكرية المتنامية تساؤلات حول التوافق الإستراتيجي، والتوافق العملياتي العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول الإفريقية الأعضاء في مجموعة البريكس وجيرانها، والذين يرتبط العديد منهم بحلف الناتو أو شركاء دفاعيين غربيين. في الوقت الذي تُجرى فيه مناقشات متجددة داخل دول البريكس لإنشاء بنك مشترك للصناعات الدفاعية أو مركز ابتكار لتنسيق إنتاج الأسلحة وتطوير الدفاع السيبراني، وهي مقترحاتٌ إذا ما تحققت فقد تُشكل تحدياً لاحتكارات الصناعات العسكرية الغربية القائمة في القارة.
وبينما تُعتبر روسيا والصين المحركين الرئيسيين للنفوذ الدفاعي للمجموعة؛ تنظر روسيا إلى البريكس كشريان حياة إستراتيجي. وقد كثفت موسكو مبيعات الأسلحة والتدريب العسكري ونشر شركات الأمن الخاصة عبر فاغنر في دول البريكس الإفريقية وخارجها على حدٍّ سواء. وتشير البيانات إلى أن روسيا استحوذت على 40٪ من واردات الأسلحة الإفريقية بين عامي 2018م و2022م. أما الصين، المحرك الاقتصادي للمجموعة، فتعمل بدورها على توسيع نطاق وجودها الدفاعي بسرعة، فهي تدير أول قاعدة عسكرية لها في الخارج في جيبوتي، وتموّل مراكز تدريب الشرطة في زيمبابوي وزامبيا وناميبيا، وتوفر بنية تحتية ذات استخدام مزدوج (مواني وطرقاً وأقماراً صناعية) يمكن أن تخدم أغراضاً عسكرية مستقبلية[2].
المحور الثاني:
الآفاق العسكرية والاستخباراتية للبريكس:
أولاً: البريكس والغرب – اقتصادياً وجيوسياسياً:
تُمثل مجموعتي السبع والبريكس كتلتين اقتصاديتين وسياسيتين متميزتين، لكلٍّ منهما نهجها الخاص في الحوكمة العالمية. تضم مجموعة السبع دولاً صناعية متقدمة، وتُولي أولويةً للاستقرار المالي، والسياسات القائمة على السوق، والأطر المؤسسية التي تُشكّل الاقتصاد العالمي. ويمتد نفوذها ليشمل المؤسسات المالية الدولية، والاتفاقيات التجارية، والتحالفات الأمنية. في المقابل؛ تتألف البريكس من اقتصادات ناشئة، تحاول أن تُقدّم بديلاً للنظام المالي الغربي، وتسعى إلى تحدّي هيمنته من خلال تعزيز التعددية القطبية في صنع القرار العالمي، والدعوة إلى إصلاحات في هياكل الحوكمة الدولية[3].
وبينما لا يزال التأثير الجيوسياسي لكلا الكتلتين نقطة خلاف جوهرية، فإن تحالفات مجموعة السبع العسكرية القوية وشراكاتها الأمنية تُمكّنها من التأثير في الصراعات العالمية؛ إلا أنها تواجه تحديات في الحفاظ على مصداقيتها الدبلوماسية لدى الدول غير الغربية. أما مجموعة البريكس؛ فمع أنها تدعو إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، فإنها تُخاطر بتعميق الانقسامات الأيديولوجية بين الاقتصادات الناشئة والمتقدمة. ومع استمرارها في توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي، سيعتمد نجاحها على قدرتها على تعزيز التعاون المتبادل المنفعة بين أعضائها، مع معالجة التباينات الداخلية[4].
ثانياً: الآفاق العسكرية لدول البريكس:
لا تزال الآفاق العسكرية لدول البريكس معقدة. فالتكتل ليس تحالفاً عسكرياً رسمياً، إلا أن التعاون الدفاعي المتزايد بين دوله موثق جيداً. وقد كثفت روسيا والصين مناوراتهما العسكرية المشتركة وتبادلهما للتكنولوجيا الدفاعية، مما يشير إلى تحوّل محتمل نحو تعاون أمني أعمق. وانخرطت الهند في حوارات دفاعية مع شركائها في البريكس مع الحفاظ على استقلاليتهم الإستراتيجية وموازنة علاقاتهم مع الغرب. كما أن توسع البريكس يُثير مزيداً من التساؤلات حول وضعها العسكري المستقبلي وقدرتها على مواجهة النفوذ الغربي في الشؤون الأمنية العالمية. وعلى الرغم من أن المجموعة لا تعمل حالياً كتحالف عسكري موحد؛ فإن شراكاتها الدفاعية المتنامية وموقعها الجيوسياسي يشيران إلى إمكانية تطورها إلى كتلة أمنية أكثر تنظيماً، مما يُشكل تحدياً للأطر العسكرية التقليدية الغربية، مثل (الناتو)[5].
وتُعدّ منظمة شنغهاي للتعاون إطاراً جيوسياسياً وأمنياً حيوياً لأوراسيا، يُعزز التنسيق العسكري بين أعضائها الرئيسيين، مثل روسيا والصين والهند. تأسست المنظمة عام 2001م، ووسعت نطاق مهمتها تدريجياً لتشمل الجهود الدفاعية، إلى جانب التعاون الاقتصادي والسياسي. وتُمكّن التدريبات العسكرية المشتركة، التي تُعرف باسم «تمارين مهمة السلام»، من التنسيق الفوري في عمليات مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط الدفاعي الإستراتيجي. وتُعتبر روسيا والصين القوتين العسكريتين الرئيسيتين داخل التكتل، وتُجريان بانتظام تدريبات على الدفاع السيبراني، وسيناريوهات حرب محاكاة، وبرامج لتطوير أسلحة متقدمة لتعزيز تحالفهما الإستراتيجي. وبينما تُشارك الهند بنشاطٍ في المبادرات الدفاعية التي تقودها المنظمة؛ فإن التوترات المستمرة، مثل نزاعاتها الحدودية مع الصين، قد عَقّدت التعاون العسكري الأعمق.
وعلى الرغم من أن المنظمة تشجع على قابلية التشغيل البيني الدفاعي؛ فإن قدرتها على العمل كتحالف عسكري متماسك تتأثر بالحساسيات الدبلوماسية وتضارب المصالح الوطنية. تدعو روسيا والصين إلى مزيدٍ من التكامل الأمني، بينما تظل الهند حذرةً في موازنة شراكاتها مع كلٍّ من الحلفاء الغربيين والدول الأعضاء في المنظمة. كما أن الاختلالات في المشتريات العسكرية والسياسات الدفاعية والإستراتيجيات الجيوسياسية تحد من قدرة التكتل على العمل ككيان دفاعي موحد. ومما يزيد الأمر تعقيداً انضمام أعضاء جدد مثل إيران، مما يُثير مزيداً من الإشكاليات في مواءمة المصالح الأمنية. ورغم هذه العقبات؛ تشكل منظمة شنغهاي قوةً مضادة محتملة للتحالفات الدفاعية التي تقودها الدول الغربية[6].
وقد أُجريت مناورات «موسى 2» المشتركة، المصممة لتعزيز التعاون البحري، في فبراير 2023م. شاركت فيها روسيا والصين وجنوب إفريقيا على طول ساحل المحيط الهندي في جنوب إفريقيا، ركّزت على إدارة الكوارث، ومكافحة القرصنة، وعمليات الدفاع الجوي. مثّلت هذه المناورات ثاني مناورة من نوعها بعد مناورة نوفمبر 2019م التي انطلقت من كيب تاون، مما يشير إلى توثيق العلاقات الدفاعية بين الدول الثلاث. وهذا ما أثار جدلاً سياسياً، ولا سيما داخل جنوب إفريقيا، حيث انتقدت جماعات المعارضة مشاركة الدولة إلى جانب روسيا، متهمةً الحزب الحاكم بمحاباة موسكو رغم ادعاءاته الحياد. وتزامن توقيتها مع ذكرى الغزو الروسي لأوكرانيا، مما أثار مخاوف دبلوماسية[7].
وتُعدّ الصين وروسيا وإيران من أكثر الأعضاء نشاطاً في تحالف بريكس الأمني، تُجري هذه الدول مناورات عسكرية بحرية مشتركة سنوياً منذ عام ٢٠١٨م لتعزيز الأمن الإقليمي، ودعم التعاون متعدد الأطراف، وتوجيه رسالة إلى مجموعة السبع مفادها أن بريكس تُعزّز موقفها في مواجهة الهيمنة العسكرية والسياسية الغربية. جرت مناورة في مارس ٢٠٢٤م في خليج عُمان، وهو مضيق حيوي لشحنات النفط في الشرق الأوسط، والممر البحري الوحيد من المحيط الهندي وبحر العرب إلى الخليج العربي. شارك في هذه المناورة البحرية أكثر من عشرين سفينة حربية، وشملت تدريبات على البحث والإنقاذ، وعمليات تكتيكية مشتركة خاصة، وتدريبات على الأهداف الجوية والبحرية. كما شاركت جنوب إفريقيا وعُمان وأذربيجان وكازاخستان وباكستان بصفة مراقب[8].
ومن الأمثلة الأخرى على المناورات المشتركة «حزام الأمن البحري 2025»، التي جرت في خليج عُمان بمشاركة القوات البحرية الروسية والصينية والإيرانية، ودول مراقبة مثل جنوب إفريقيا وعُمان وكازاخستان وباكستان. صُمّمت لتعزيز الأمن البحري ومكافحة الإرهاب وتشجيع قابلية التشغيل البيني البحري، وهي ثاني عملية مشتركة بعد مناورات عام 2018م. شملت اختبارات صواريخ فرط صوتية، وتدريبات على الدفاع الجوي، ومحاكاة سيناريوهات اختطاف سفن. وركزت أيضاً على العمليات المشتركة في مجال أمن السفن، ومواجهة التهديدات الجوية والسطحية غير المأهولة، وتنسيق المناورات البحرية متعددة الجنسيات. وأظهر التمرين تعميق التنسيق العسكري، مما أثار مخاوف بشأن تطور التحالفات الإستراتيجية في الشؤون الأمنية في أوراسيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ[9].
ثالثاً: البريكس ككيان استخباراتي:
من منظور استخباراتي؛ أظهر البريكس قدرات سيبرانية، وإستراتيجيات مضادة للمراقبة، واتفاقيات لتبادل البيانات، ما قد يؤثر في عمليات الاستخبارات الغربية. تشتهر الصين وروسيا ببرامجهما المتقدمة للتجسس السيبراني، وقد تعاونتا في جمع المعلومات الاستخباراتية باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومراقبة الأقمار الصناعية، وتقنيات الحرب الإلكترونية، حيث تطورت العلاقة الاستخباراتية بين الصين وروسيا إلى شراكة إستراتيجية، يتبادل البلدان في إطارها تقنيات الحرب الإلكترونية وتقنيات المراقبة وإستراتيجيات مكافحة التجسس. وقد تعاونت وكالات الاستخبارات الروسية مع قوات الدعم الإستراتيجي الصينية، مركزةً على التجسس العسكري التقني وعمليات التأثير الإلكتروني، لتقويض التحالفات الغربية من خلال حملات التضليل والدعاية الإلكترونية[10].
إضافةً إلى ذلك؛ تعمل روسيا والصين بنشاطٍ على إنشاء نظام مالي مستقل عن الرقابة والتدقيق الغربيين، مع السعي في الوقت نفسه إلى تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي وتجاوز القيود الاقتصادية الغربية. ومن أبرز المبادرات تطوير العملات الرقمية، مثل الروبل الرقمي واليوان الرقمي، لتسهيل المعاملات عبر الحدود دون استخدام الشبكات المالية الغربية. كما يُعزز إطلاق نظام الدفع اللامركزي «بريكس باي» قدرة المجموعة على إجراء التجارة الدولية باستخدام العملات الوطنية والأصول الرقمية. كما تستكشف دول البريكس أدوات مالية قائمة على تقنية البلوك تشين، والتي يُمكن أن تُعزز أمن المعاملات وسرية هوية أصحابها، ما يُصعّب على أجهزة الاستخبارات الغربية تتبّعها[11].
ومع توسع البريكس، يتيح هذا التوسع جمع المعلومات الاستخباراتية بفعالية والتأثير في سياسات الأمن الإقليمي لمواجهة الغرب. كما يعزز انخراط البريكس مع دول الشرق الأوسط وإفريقيا قدرتها على صياغة أطر الأمن الإقليمي، ولا سيما في مجالات الطاقة ومكافحة الإرهاب ونقل تكنولوجيا الدفاع[12]–[13].
يأتي كل هذا في إطار ثلاث مبادرات إستراتيجية أطلقتها دول البريكس تهدف إلى تحدي النظام الدولي القائم، وهي: إطار حوكمة الذكاء الاصطناعي، ونظام اقتصادي مستقل، وتحالفات أمنية إقليمية.
المحور الثالث:
البريكس والنشاط الدبلوماسي:
أولاً: البريكس والتعددية والسلام العالمي والأمن التكنولوجي:
في إطار رئاستها البريكس، استضافت البرازيل اجتماع مستشاري الأمن القومي للمجموعة، وهو منتدى رفيع المستوى يُعقد منذ عام ٢٠٠٩م، جمع كبار المسؤولين عن الإشراف على القضايا الإستراتيجية وأولئك المعنيين بأجندات الدفاع والسياسة الخارجية. ركّز الحدث، الذي يُعدّ جزءاً من برنامج يضم نحو ٢٠ اجتماعاً وزارياً مُخططاً له خلال رئاسة البرازيل لمجموعة البريكس في عام ٢٠٢٥م، على مناقشة المستجدات الأمنية ودور المجموعة في تعزيز السلام والتعددية.
افتتح الاجتماع السفير سيلسو أموريم، كبير مستشاري الأمن المؤسسي لرئاسة البرازيل وممثل البلاد في الاجتماع، واستعرض في كلمته مسار البريكس كبديل للهيمنة الأحادية القطبية. وأكد أموريم على التوسع الأخير لمجموعة البريكس كدليل على حيويتها، قائلاً: «لا نسعى إلى حرب باردة جديدة، ولا إلى إدامة الأحادية القطبية. طريقنا هو التعددية الفعّالة، المتجذرة في القانون الدولي». وقد عكست تصريحاته الرؤية المشتركة بين أعضاء البريكس بأن العالم يقف على مفترق طرق تاريخي، يتسم بتصاعد التنافسات الجيوسياسية، والحروب، والصراعات الداخلية.
هيمنت الصراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط على المناقشات. وأكد مستشار البرازيل مجدداً على أهمية التفاهمات المشتركة بين الصين والبرازيل من أجل حلٍّ سلمي للأزمة الأوكرانية، وقال: «نرحب بمبادرات السلام الأخيرة، ونعتقد أنه يجب إضفاء الطابع متعدد الأطراف على هذه المناقشات عند الاقتضاء»، وفيما يتعلق بغزة؛ أدان المشاركون بالإجماع انتهاكات القانون الدولي الإنساني، مستنكرين عرقلة وصول المساعدات والوفيات العشوائية باعتبارها «إهانة لضمير الإنسانية، لا يمكن لمجموعة البريكس تجاهلها».
وبرزت التحولات في الأمن التكنولوجي كأولوية أخرى. أكد المشاركون أن تطور الذكاء الاصطناعي في أنظمة الأسلحة وانتشار التهديدات السيبرانية يستلزمان استجابة منسقة. وقال أموريم: «إن إمكانات الذكاء الاصطناعي في خدمة التقدم البشري هائلة، لكنّ استخدامه العسكري غير المنضبط يُشكّل تهديداً للحضارة. ولا مجال للتفاوض بشأن الإشراف البشري على الأنظمة الفتاكة ذاتية التشغيل». وفي هذا السياق؛ تكتسب المفاوضات الجارية بشأن مذكرة تفاهم بين دول البريكس لتعزيز التعاون بين فرق الاستجابة للطوارئ السيبرانية التابعة لها أهميةً خاصة[14].
ثانياً: البريكس والوساطة في النزاعات:
عُقدت جلسة أخرى من الاجتماع، بعنوان «دور دول البريكس في منع النزاعات والوساطة»، تعمقت في النقاش حول كيفية مساهمة المجموعة في الحل السلمي للنزاعات الدولية. وأكد سيلسو أموريم أنه في عالم متعدد الأقطاب، لم تعد الوساطة ومنع النزاعات مسؤولية حصرية للقوى العظمى. وقال: «لقد أثبتت دول الجنوب العالمي، مثل أعضاء البريكس، مراراً وتكراراً أنها تمتلك المؤهلات اللازمة للمساهمة في جهود حل النزاعات سلمياً». استعرض أيضاً تاريخ البرازيل العريق في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وأشار إلى أن البرازيل قد حلت نزاعاتها الحدودية مع عشر دول سلمياً بالاعتماد على المفاوضات، وفي بعض الحالات على التحكيم الدولي. وبفضل تلك الجهود أصبحت المنطقة خاليةً من الأسلحة النووية، وذلك بموجب معاهدة تلاتيلولكو لعام 1967م. وبمبادرةٍ من البرازيل؛ تم إنشاء منطقة السلام والتعاون في جنوب المحيط الأطلسي عام 1986م لتعزيز التعاون بين 24 دولةً من أمريكا الجنوبية وإفريقيا[15].
المحور الرابع:
جنوب إفريقيا والتخبط بين الإشارات الدفاعية والمساعي الدبلوماسية:
أولاً: مناورات «إرادة السلام»: بين مؤيد ومعارض:
شهدت أولى المناورات البحرية التي أُقيمت تحت راية «بريكس بلس» مشاركة البرازيل ومصر والصين وروسيا وجنوب إفريقيا والإمارات، أما الهند فلم تشارك. وقد أثارت تلك المناورات جدلاً حول ما إذا كان الهدف الأساسي للبريكس يتطور في ظل النظام العالمي الناشئ ما بعد الغربي. وصفت جنوب إفريقيا، الدولة المضيفة، المناورات التي أُجريت في الفترة من 9 إلى 16 يناير تحت شعار «إرادة السلام 2026»، بأنها عملية روتينية تتعلق بالسلامة البحرية والتوافق العملياتي، تهدف إلى تحسين التنسيق في حماية خطوط الملاحة البحرية والحفاظ على التجارة البحرية. لكنّ بعض المحللين رأوا في هذه المناورات جهداً تدريجياً لتطبيع التعاون العسكري ضمن إطار بريكس، واختباراً لقدرة المجموعة على توسيع نفوذها في المجال الأمني دون إعلان رسمي[16].
بينما رأى آخرون أن المناورات قادتها الصين، وتشير إلى تزايد استخدام الصين لقوتها العسكرية في إفريقيا لتحقيق أهدافها الجيوسياسية، مما يعزز دورها كقوة جاذبة رئيسية لهذا التكتل الأمني الناشئ[17].
أدان حزب التحالف الديمقراطي في جنوب إفريقيا وزارة الدفاع لتسميتها المناورات البحرية الأخيرة «بريكس» أو «بريكس+»، إذ يُعدّ ذلك تضليلاً متعمداً. «بريكس» ليس تحالفاً عسكرياً. إن تسمية هذه التدريبات «بالتعاون بين دول البريكس» ما هي إلا حيلة سياسية للتستر على حقيقة ما يجري: إذ تختار الحكومة توثيق علاقاتها العسكرية مع دول مارقة وخاضعة للعقوبات، مثل روسيا وإيران. والدليل هو امتناع دولتين مؤسستين لـ«بريكس»، وهما الهند والبرازيل، عن المشاركة مجدداً، فلم تشاركا في مناورات «مبادرة دعم السلام البحرية الأولى MOSI I أو مبادرة دعم السلام البحرية الثانية MOSI II أو «تمرين إرادة السلام». وهذا يُؤكد أن هذه ليست مناورات «بريكس»، بل هي خيار سياسي ضيّق يُسوّق على أنه أوسع نطاقاً[18].
صرح الخبير القانوني ألودي زوبا بأن اتفاقية أمنية رسمية بين دول البريكس ستوفر ثقلاً موازناً حاسماً للتحالفات التي يهيمن عليها الغرب، وأوضح أن الدفاع العسكري مرتبط بالاستقلال الاقتصادي، داعياً إلى توحيد عملة البريكس وزيادة التجارة الداخلية لتقليل الاعتماد على القوى الخارجية. أكد زوبا، مخاطباً الأعضاء الأفارقة، أهمية استخدام أصواتهم داخل مجموعة البريكس لضمان أن يعكس التعاون الأمني الأولويات الإفريقية التي يرتكز عليها الاتحاد الإفريقي[19].
حيث يرى مؤيدو تعزيز القدرات العسكرية للبريكس أنها توفر لإفريقيا تنويعاً إستراتيجياً في عالمٍ تهيمن عليه النماذج الأمنية الغربية. فمن خلال تعميق العلاقات الدفاعية مع قوى من خارج الناتو، يمكن الحصول على الأسلحة والتدريب بشروط وتكاليف معقولة، ونفوذ جيوسياسي أكبر. لكنّ المنتقدين يُحذّرون من عواقب غير مقصودة، وهي:
▪ الاعتماد الأمني: قد يؤدي الاعتماد المفرط على الأطر الأمنية الروسية أو الصينية إلى المساس بالسيادة الإفريقية، ولا سيما في الدول الهشة أو المعرضة للانقلابات.
▪ الصراعات بالوكالة: مع تزايد نفوذ أعضاء البريكس عالمياً، قد تصبح إفريقيا ساحة صراع بين القوى العظمى، مما يعكس ديناميكيات الحرب الباردة.
▪ انتشار الأسلحة: يُنذر تدفق الأسلحة غير المنظمة وأنظمة المراقبة وشركات الأمن الخاصة بتأجيج القمع الداخلي أو عدم الاستقرار الإقليمي.
باختصار؛ يُمثل الوضع العسكري المتنامي لمجموعة البريكس سلاحاً ذا حدين: درعاً للبعض، ومصدراً لنقاط ضعف جديدة للآخرين.
ثانياً: جنوب إفريقيا.. انفصالٌ عميق بين الدفاع والسياسة الخارجية:
كشفت مناورات «إرادة السلام» عن نهجٍ بحري مجزأ قد يكلف البلاد ثمناً باهظاً. فبدلاً من تحسين القدرات البحرية لجنوب إفريقيا؛ زادت هذه المناورات من اضطراب موقف البلاد الهش المتمثل في عدم الانحياز، وأضعفت مكانتها الدولية، وكان من الممكن الحد من معظم الأضرار اللاحقة لو أن جنوب إفريقيا مارست دبلوماسية بحرية تتماشى مع إستراتيجية بحرية متماسكة. كان من شأن ذلك أن يرسخ الأنشطة الدفاعية- بما في ذلك المناورات البحرية- ضمن إطار سياسة خارجية شامل، مسترشداً بالاعتبارات الدبلوماسية والاقتصادية.
يُظهر التضارب في الرسائل المحيطة بالمناورات غياباً مقلقاً للإستراتيجية، فلم تكن الجهود المبكرة لتصنيفها كجزء من مجموعة البريكس مقنعة لأعضائها الرئيسيين، فبينما شاركت عدة دول- مصر وإثيوبيا وإندونيسيا- بصفتهم مراقبين؛ غابت الهند والبرازيل. ونأت الهند بنفسها صراحةً، قائلةً إن التمرين «مبادرة جنوب إفريقية بالكامل» نُفذت خارج إطار البريكس. وقد تفاقم هذا الغموض بسبب التصريحات الرسمية المتضاربة، بما في ذلك تصريح رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، الذي أشار إلى أن المناورات تعكس مبادرة تقودها الصين. وقد تركت هذه المعلومات الأساس السياسي للتمرين غامضاً، وأثارت تساؤلات حول سبب اعتباره وسيلة مناسبة لتحقيق أهدافه المعلنة.
كما واجه المناورات انتقادات خارجية من دولٍ مثل الولايات المتحدة. تجاوزت القضية الإحراج الدبلوماسي، لتكشف عن فشل مؤسسي عميق، فقد أدت العلاقات الثنائية المتوترة بين الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا إلى زيادة حدة التوتر خلال المناورات. وتزايدت الضغوط لإعادة تقييم العلاقات مع بريتوريا، مدفوعةً بانخراط بريتوريا المستمر مع إيران والصين وروسيا.
وأثار وجود ثلاث سفن حربية إيرانية مخاوف بشأن التماسك الإستراتيجي لجنوب إفريقيا فيما يتعلق بالدبلوماسية الدفاعية والقيادة والسيطرة المدنية العسكرية. وأشارت تقارير لاحقة إلى أن رئاسة جنوب إفريقيا أصدرت تعليمات لوزيرة الدفاع بضمان انسحاب إيران. وفي يوم 16 يناير، أصدرت وزارة الدفاع بياناً رسمياً أعلنت فيه تشكيل لجنة تحقيق. وتشير أصابع الاتهام إلى قائد البحرية، نائب الأدميرال موند لوبيسي. لكن بمجرد تخصيص القوات للمناورات، تنتقل السيطرة العملياتية إلى رئيس العمليات المشتركة، الفريق سيفيو لاكي سانغيوني.
يُمثل هذا تحولاً ملحوظاً عن الممارسات السابقة، فمنذ عام ١٩٩٤م وحتى أواخر العقد الثاني من الألفية، شاركت البحرية الجنوب إفريقية بانتظام في تدريبات متعددة الجنسيات أو استضافتها، وذلك عبر مختلف التكتلات السياسية والمناطق الجغرافية.
وشملت هذه التدريبات: تدريبات الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا البحرية IBSAMAR؛ وتدريبات ATLASUR مع البرازيل وأوروغواي، بمشاركة الأرجنتين وتشيلي في دورات سابقة؛ وتدريبات Oxide مع فرنسا؛ وتدريبات Good Hope مع ألمانيا. وقد عكست هذه المشاركات بشكلٍ أوثق منطق عدم الانحياز من خلال التنويع[20].
ويُذكر أن قبل هذه المناورات حذرت الولايات المتحدة سيريل رامافوزا من أن مشاركة إيران ستنعكس سلباً على بلاده، وذلك وفقاً لتقرير نشرته صحيفة ديلي مافريك. وذكرت الصحيفة أنه أمر إيران بالانسحاب من التدريبات في 9 يناير. ومع ذلك؛ استمرت ثلاث سفن إيرانية كانت قد انتشرت بالفعل في جنوب إفريقيا في المشاركة. وفي بيانٍ صدر في 15 يناير، اتهمت السفارة الأمريكية في جنوب إفريقيا الجيش الجنوب إفريقي بتحدي أوامر حكومته، وقالت إنه «يتقرب من إيران»[21].
ثالثاً: جنوب إفريقيا وعرض الوساطة للدول الكبرى المتحاربة:
أعلن الرئيس الجنوب إفريقي، على هامش مؤتمر الطاقة في كيب تاون، موافقته على التوسط في النزاع الدائر في الشرق الأوسط. وقال في إشارةٍ إلى الحرب الإسرائيلية الإيرانية: «جنوب إفريقيا مستعدة دائماً للمساهمة، سواءٌ في الوساطة أو غيرها. وإذا ما سنحت الفرصة أو طُلب منّا ذلك؛ فإننا نفي بالتزاماتنا». كما ذكرت وكالة رويترز: أنه أشار أيضاً إلى أن التوصل إلى وقف إطلاق النار سيكون أولى خطواته. وأضاف: «إذا سنحت الفرصة؛ فسنتحاور ونقول: لا بد من وقف إطلاق النار. فالحوار هو دائماً أفضل سبيل لإنهاء النزاع. ومن ثَمّ إنهاء الحرب. ونريد لهذه الحرب أن تنتهي فوراً». كما كشف أن جنوب إفريقيا تعمل على محاكاة نجاح غانا في ضمان عودة مواطنيها من مناطق النزاع. وفي العام الماضي، كان رامافوزا نشطاً في مساعيه لإحلال السلام بين أوكرانيا وروسيا. ففي أغسطس 2025م، أجرى محادثات سريعة مع كلٍّ من الرئيس الروسي والرئيس الأوكراني، وفي غضون 48 ساعة، أطلع كل زعيم رامافوزا على الأزمة الجارية. أبرزت المحادثات المتتالية التوازن الدبلوماسي الدقيق الذي تنتهجه جنوب إفريقيا، مؤكدةً في الوقت نفسه التزام رامافوزا بتقديم جنوب إفريقيا كوسيط كفؤ في واحدة من أعقد قضايا العصر الحديث.
في السابع من أغسطس، اجتمع الرئيس رامافوزا مع بوتين استجابةً لعرض الزعيم الروسي إطلاعه على سير عملية السلام الأوكرانية، وبحث المجالات ذات الاهتمام المشترك. أعرب بوتين عن تقديره وإعجابه بمساهمة جنوب إفريقيا في دفع مفاوضات السلام قُدماً. في اليوم التالي، وجّه الرئيس الجنوب إفريقي اهتمامه إلى كييف. ووفقاً لبيان صادر عن الرئاسة الجنوب إفريقية؛ تحدث رامافوزا مع زيلينسكي هاتفياً، وأُبلغ بموقف أوكرانيا من عملية السلام. أكد الزعيم الأوكراني التزام كييف بإرساء سلام دائم، وأشاد بجنوب إفريقيا على مساعدتها المستمرة في السعي إلى حل سلمي. وفي أبريل من العام نفسه، تحدث رامافوزا مع بوتين، قبيل الزيارة التاريخية الأولى لزيلينسكي إلى جنوب إفريقيا، بل وإلى القارة الإفريقية بأكملها. ثم أعلن علناً أنه والرئيس الروسي «ملتزمان بالعمل معاً من أجل حل سلمي للنزاع الروسي الأوكراني». وتحدث رئيس جنوب إفريقيا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل ساعات فقط من زيارة زيلينسكي له في بريتوريا[22].
المحور الخامس:
التحديات والسيناريوهات المحتملة أمام إفريقيا لالتئام البريكس عسكرياً:
أولاً: ماذا يحتاج إليه البريكس ليصبح قوة دفاع موحدة؟:
حتى الآن، تفتقر البريكس إلى أيّ شكل رسمي لتحالف عسكري. ولكي يصبح تحالفاً عسكرياً مُنظماً، يجب إنشاء إطار أمني رسمي، ويمكن أن يشمل هذا الإطار التزامات دفاعية جماعية، وهياكل قيادة مركزية، ومبادئ عسكرية موحدة بين دولها الأعضاء. كما سيحتاج التحالف إلى توسيع نطاق التعاون العسكري الثنائي ليشمل تدريبات متعددة الأطراف، وإنشاء مجلس دفاع مشترك، ودمج آليات الحرب السيبرانية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية. ومع ذلك؛ يُشكّل هذا التحول خطراً أمنياً كبيراً على الغرب، إذ من المرجح أن تهيمن روسيا والصين على هذا التحالف. وقد يُشكّل هذا تحدياً للنفوذ الجيوسياسي الغربي، ويُعطل عمليات المراقبة، ويُوسع نطاق تطوير الأسلحة خارج نطاق إشراف حلف الناتو. كذلك فإن الاستقلال الاقتصادي للبريكس سيُقلل من النفوذ الغربي في الرقابة المالية العالمية، مما يُضعف فعالية العقوبات الاقتصادية. وإذا نجحت مجموعة البريكس في إنشاء تحالف دفاعي مُنظم؛ فقد يُؤدي ذلك إلى تصعيد المنافسة الإستراتيجية مع مجموعة السبع وزيادة التشرذم السياسي.
كما يُمثل تسليح البريكس فصلاً جديداً في حسابات الأمن الإفريقي. مع ظهور تحالفات جديدة، تظهر تهديدات وفرص جديدة. بالنسبة للدول الإفريقية؛ لن يكمن التحدي في اختيار جانب، بل في صياغة سياسات سيادية وإستراتيجية ومرنة تُعطي الأولوية للمصالح الوطنية، وتتجنب التبعية، وتدعم معايير الأمن القاري. وإذا فشلت في التعامل مع هذا الواقع بحكمة؛ فإنها تُخاطر بأن تُصبح- مرّةً أخرى- مجرد بيدق في لعبة التنافس بين القوى العظمى. ولكن مع البصيرة الإستراتيجية ووحدة الهدف، يُمكن أن يُصبح صعود البريكس حافزاً للاستقلال الدفاعي الإفريقي، لا تهديداً[23].
ثانياً: سياسات مضادة أم توازن دبلوماسي لتوسع البريكس عسكرياً:
قد يقوم الغرب بسياسات لمواجهة مبادرات البريكس، منها: إفشال إنشاء نظام اقتصادي مستقل، وسحب جنوب إفريقيا من خلال بعض الحوافز، حيث يمكن توسيع نطاق قانون أجوا، والسعي إلى إبرام اتفاقيات مماثلة مع أعضاء آخرين في البريكس، مثل الهند أو مصر. وثانيها: إفشال الترويج لإطار حوكمة الذكاء الاصطناعي الذي يدعو إليه البريكس، ولمواجهة هذا التهديد؛ وضع إطار حوكمة للذكاء الاصطناعي مقبول عالمياً. وثالثها: تعزيز الغرب للشراكات الأمنية مع الأعضاء الرئيسيين في البريكس، وقد يؤدي التقاعس عن ذلك إلى تراجع النفوذ الأمريكي[24].
يواصل الاتحاد الإفريقي ومعظم الدول الإفريقية السير على حبل دبلوماسي دقيق. فبينما أيد الاتحاد الإفريقي دعوة قمة جوهانسبرج الثانية إلى عالم متعدد الأقطاب؛ فإنه لا يزال حذراً من الانخراط العميق في التحالفات العسكرية العالمية.
حذّر العديد من قادة الدفاع الأفارقة، ولا سيما قادة نيجيريا وكينيا وغانا والمغرب، من الاعتماد المفرط على مجموعة البريكس أو أيّ تكتل منفرد. وبدلاً من ذلك؛ يدعون إلى سياسة أمنية غير منحازة، قائمة على المصالح المشتركة، تسمح للدول بالتعامل مع جميع الشركاء مع الحفاظ على سيادتها.
يُشكّل صعود مجموعة البريكس كفاعل أمني تحدياً للافتراضات السائدة حول مكانة إفريقيا في النظام العالمي. فعلى مدى عقود؛ هيمن الناتو والتحالفات الغربية على الساحة الأمنية الإفريقية. أما الآن، ومع تزايد نفوذ الدبلوماسية الدفاعية لمجموعة البريكس، تبرز ديناميكية جديدة متعددة الأقطاب، تتطلب تفكيراً إستراتيجياً أكثر دقة من الدول الإفريقية. وتنشأ هنا أربعة اتجاهات حاسمة يجب مراقبتها:
▪ زيادة التدريبات المشتركة وتمارين التوافق العملياتي بين جيوش البريكس على الأراضي الإفريقية.
▪ تنامي أطر تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الدفاع السيبراني.
▪ توسيع نطاق القروض الدفاعية واتفاقيات الأمن مقابل الموارد.
▪ تشكيل بعثات موازية لحفظ السلام أو الاستجابة للنزاعات، مما قد يُقوّض العمليات التي تقودها الأمم المتحدة في إفريقيا[25].
ختاماً:
يبدو جلياً للعيان أن البريكس تحالف براجماتي بالدرجة الأولى، فلماذا يُمثل توقف تدفق النفط والغاز من دول الخليج- بما فيها السعودية وإيران، وهما عضوان في التكتل- مصلحة لروسيا، التي لا تنخرط فعلياً في الصراع الحالي بالشكل المنتظر، لولا انتظارها لاحتمالية رفع العقوبات عن جزء من نفطها وغازها لموازنة الطلب العالمي. ويبدو أن الصين تستفيد تجارياً من توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا، حتى إنها لجأت إلى صفر تعريفات مع القارة بأكملها.
في حين تصمت نيجيريا- كدولة شريكة- التي سمحت للولايات المتحدة بضرب بعض الجماعات الإرهابية لديها، وإثيوبيا التي ربما تشن حرباً جديدة في إقليم تيغراي، فضلاً عن التوترات بينها وبين مصر بشأن سد النهضة، وجميعهم أعضاء بالبريكس. أما جنوب إفريقيا؛ فهي تخاطر بتاريخها في عدم الانحياز، متوقعةً احتمالية تدشين اتفاقية دفاع مشترك بين دول البريكس، فمرّة تدّعي عدم الانحياز وتسعى للعب الدبلوماسية، وأخرى تستضيف مناورات البريكس المشتركة. فضلاً عن التناقضات الأخرى، بين الصين والهند، والسعودية وإيران.
يبدو للمراقبين: أن التكتل يسيطر عليه الصين وروسيا، وتحاول الهند اختيار مواقفها فيه. ومسألة توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين دوله تبدو ضرباً من الخيال، بسبب تضارب المصالح والتوترات بين دوله في قضايا حاسمة ومصيرية، وغياب التوافق الإستراتيجي داخله. وربما ينجح التكتل في تعزيز البعد الأمني. وعلى إفريقيا أن توازن بين علاقاتها بالبريكس المتناقض، والغرب الاستعماري، حتى لا تكون بيدقاً في لعبة التنافس بين القوى الكبرى.