ظاهرة اللجوء المناخي في إفريقيا جنوب الصحراء: الأسباب وآليات المواجهة

فرضت التحديات المرتبطة بالتغيُّر المُناخي والكوارث البيئية، ولاسيَّما في المجتمعات الإفريقية، نمطاً جديداً من الهجرة، يُشار إليه بـ«الهجرة المناخية» أو «اللجوء المناخي»؛ حيث يُجبِر التدهور البيئي الناجم عن التغيُّرات المناخية، كالارتفاع القياسي في درجات الحرارة والجفاف المُطوَّل وعدم انتظام هطول الأمطار، ملايين الأفراد في إفريقيا على النزوح ومغادرة مواطنهم بحثاً عن ملاذاتٍ آمنة وأكثر ملاءمةً لاحتياجاتهم الأساسية.

ولعلَّ أكثر ما يُفاقم معاناة هؤلاء الأفراد الذين يُجبرون على النزوح بسبب التغيُّرات البيئية هو ما يعتري القانون الدولي حتى الآن من قصورٍ وعجزٍ واضح عن توفير الحماية القانونية التي تضمن لهم حياةً أفضل، أسوةً بغيرهم من اللاجئين الذين ينزحون بسبب العنف والصراعات، أو الذين يتعرضون للاضطهاد على أساس الدين أو العِرق أو الانتماء السياسي.

يرجع ذلك بشكلٍ رئيسي إلى عدم استيفاء «اللاجئين المناخيين» شروط تعريف «اللُّجوء» وفقاً للمواثيق والاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف لعام 1951م، وهو ما يعني عدم الاعتراف بوضعهم ومعاناتهم وإسقاط الحقوق التي يقرها القانون الدولي لغيرهم من اللاجئين، مما يستوجب ضرورة أنْ يُؤخذ الحديث حول مفهوم «اللاجئ المناخي» وحقوقه في إفريقيا جنوب الصحراء في سياق النقاش الأوسع حول أزمة اللاجئين التي تواجه القارة بأسرها.

تتناول هذه الورقة ظاهرة اللُّجوء المناخي «البيئي» في إفريقيا جنوب الصحراء، من خلال التعريف بالظاهرة، واستيضاح موقف القانون الدولي منها، ومناقشة الأسباب الدافعة لها وواقعها في إفريقيا على ضوء التقارير والتقديرات الدولية، وتُختتم الورقة بأهم التدابير والآليات المقترحة لمواجهة اللُّجوء البيئي وحماية اللاجئين المناخيين.

أولاً: لاجئو المناخ.. المفهوم وموقف القانون الدولي:

يُعدّ اللُّجوء من الظواهر القديمة التي اقترن ظهورها بنشأة الإنسان والتجمعات البشرية؛ حيث أُجبر الناس تحت وطأة النزاعات المُسلَّحة، أو نتيجةً لانتشار المجاعات وتفشي الأوبئة، على مغادرة ديارهم وأوطانهم والبحث عن مأوى جديد أكثر أمناً. وبعد الحرب العالمية الأولى أخذت مسألة اللجوء طابعاً عالميّاً، وأصبحت موضع اهتمام القانون الدولي الذي أخذ على عاتقه مسؤولية تعريف اللاجئ وتقنين الحقوق المقررة له، وذلك من خلال العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي باتت تُشكّل الأساس والمسوّغ القانوني في التعاطي مع ملف اللاجئين حول العالم.

وفي هذا السياق؛ أشارت المادة الأولى من اتفاقية جنيف لعام 1951م إلى: أنَّ «اللاجئ» هو الشخص الذي يُقيم خارج دولته نتيجةً لعوامل تتعلق بالخوف المُبرَّر من التعرض للاضطهاد بسبب العِرق أو الدين أو الجنسية أو الانتماء إلى فئةٍ اجتماعيةٍ معيّنة أو الرأي السياسي، ما يجعله غير قادر على أو غير راغبٍ في العودة إلى موطنه، وهو أيضاً الشخص الذي لا يحمل جنسية ويوجد خارج بلد إقامته المعتادة نتيجةً لمثل هذه الأسباب، وغير قادر أو غير راغبٍ في العودة إليها.

يتضح مما تقدم: أنَّ اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين قد حددت الأسباب التي يكتسب الشخص على إثرها صفة «اللاجئ»، لكنها لم تُشر بأيّ صورة إلى العوامل البيئية أو المناخية كمحفزٍ للُّجوء والنزوح القسري. وربما يرجع ذلك إلى السياق التاريخي الذي وضِعتْ فيه الاتفاقية، وهي الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث لم تكن العوامل البيئية أو قضايا الاحتباس الحراري تشغل اهتماماً أو حيزاً ضمن قضايا الأجندة الدولية كما هو الحال اليوم.

ظهر مصطلح «اللُّجوء البيئي» واستُخدم لأول مرّة في سبعينيَّات القرن الماضي، على يد ليستر براون Lester Brown، الناشط البيئي ومؤسس معهد وورلد ووتش  Worldwatch، حيث استعمل لفظ «اللاجئ البيئي» للإشارة إلى فئةٍ من الأشخاص الذين يختارون أو يُجبرون على الهجرة بسبب عوامل بيئية[1]. ثم شاع استعمال المصطلح، ليتبناه برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 1985م؛ حيث عرَّف اللاجئين البيئيين بأنهم: «الأشخاص الذين أُجبروا على مغادرة المكان الذي يقطنون فيه، مؤقتاً أو بشكل دائم، نتيجة خلل بيئي حاد من شأنه أن يُعرض وجودهم وحياتهم للخطر»[2].

من جملة التعاريف السابقة يمكن تعريف «لاجئو المناخ» بأنهم: أولئك الأفراد الذين يُجبرون على الفرار والهجرة خارج دولتهم التي يحملون جنسيتها، والإقامة في بلدٍ آخر بصفةٍ مؤقتة أو دائمة، لأسبابٍ بيئية تجعل من بقائهم في ظروف إنسانية مقبولة واستمرار سبل معيشتهم وأمنهم أمراً بالغ الصعوبة.

ومما تجدر ملاحظته: أنَّ الاهتمام بمسألة «اللُّجوء المناخي» قد تزايد خلال العقدين الأخيرين، واكتسب زخماً كبيراً مع تدويل قضايا البيئة والتغيُّر المناخي باعتبارها خطراً داهماً يهدد البشرية جمعاء، تقتضي مواجهته تضافر الجهود العالمية. وبالتوازي مع ذلك، أصبحت قضايا البيئة وتداعياتها على الأمن الإنساني محل اهتمام ونقاش واسع من قِبل الأكاديميين والمُنظرين في حقل العلاقات الدولية، حيث بَرَز ما يُعرف بالنظريات الخضراء أو النظريات الإيكولوجية كمقارباتٍ جديدة ورصينة للوقوف على دور البيئة والتغيُّر المناخي كعاملٍ مُضاعِفٍ للمخاطر ومهدد للأمن والتنمية في السياسة الدولية.

وبعد أنْ تناولنا مفهوم اللُّجوء المناخي، يبرز تساؤلٌ رئيسي حول الطبيعة القانونية لهذا اللجوء، وما إذا كانت تنطبق على اللاجئين المناخيين الحقوق ذاتها التي أقرتها المواثيق الدولية، ولاسيَّما اتفاقية جنيف لعام 1951م، للاجئين التقليديين؟

على الرغم من الإقرار بعواقب التغيُّرات المناخية والكوارث البيئية بوصفها عوامل مُهدِّدة للاستقرار، وبما تسببه من حرمانٍ للفرد من التمتع بحقوقه التي أقرتها المواثيق والاتفاقيات الدولية، فإنَّ القانون الدولي لم يعترف حتى اليوم بالعلاقة السببية بين تغيُّر المناخ والهجرة القسرية. ومن ثَمّ، يمكن القول إنَّ العوامل البيئية في نظر القانون الدولي لا تزال غير كافية لإسباغ صفة «اللجوء» على أولئك الأشخاص المتضررين منها والذين أُجبروا على الهجرة كسببٍ مباشر لها، والنتيجة المترتبة على غياب هذا الاعتراف هي: أنه لا توجد أيّ آليات أو أدوات قانونية يمكن أنْ توفر الحماية للأشخاص المُهجَّرين بسبب التغيُّرات المناخية وتدهور الأوضاع البيئية، مما يعكس قصوراً تشريعيّاً وخللاً واضحاً في هيكلية القانون الدولي، الأمر الذي يستوجب إقرار تشريعات وطنية على المستوى المحلي أولاً، وأن يقابلها إيجاد نظام قانوني دولي، عبر إطار تشريعي منفصل أو مكمِّل لاتفاقية جنيف، بشأن حماية اللاجئين البيئيين.

ثانياً: اللُّجوء المناخي في إفريقيا: واقع تفرضه الظروف والتغيُّرات البيئية:

شهد العقد الأخير ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المهاجرين لأسبابٍ بيئية بالقارة الإفريقية، وبخاصة في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث دفعت الكوارث الطبيعية، كالفيضانات والسيول، والظواهر المناخية المتطرفة الناجمة عن التغيُّرات المناخية، كالجفاف والتصحر، والارتفاعات القياسية في درجات الحرارة، أعداداً كبيرة من الأفارقة إلى الهجرة ومغادرة أماكن إقامتهم بحثاً عن مناطق آمنة. فمنذ عام 2019م، تسبَّبت الكوارث البيئية وحدها، ولاسيَّما المرتبطة بالمخاطر المناخية، في نزوح أكثر من مليوني شخص في إفريقيا، وترجح تقارير دولية استمرار ارتفاع أعداد اللاجئين المناخيين في السنوات القادمة في ظل تدهور الأوضاع البيئية.

ومع استمرار الكوارث البيئية المرتبطة بتغيُّر المناخ، من المتوقع أنْ يؤدي ذلك إلى انخفاض نمو الإنتاجية الزراعية في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بنسبة 34٪، مما يُفاقم انعدام الأمن الغذائي، ويدفع ملايين الأفراد إلى الهجرة كإستراتيجية تكيُّف رئيسية يسعون من خلالها إلى التنقل إلى بلدان أخرى بحثاً عن سُبل معيشية أفضل. ومن المتوقع أيضاً أنْ تشهد منطقة الجنوب الإفريقي أكبر زيادة في حركة التنقل عبر الحدود في إفريقيا خلال السنوات المقبلة نتيجةً لتأثيرات تغيُّر المناخ المتمثلة في موجات الجفاف وارتفاع حدة الفيضانات المدمَّرة[3].

وتُعدّ منطقة غرب إفريقيا أكثر الأقاليم تأثراً بالظواهر البيئية المتطرفة، كما تُعتبر بلدانها الأقل نمواً والأكثر عرضةً لعوامل تقلب المناخ. فخلال السنوات الأخيرة، واجهت دول المنطقة موجةً من الفيضانات والجفاف وشُحّ المياه بشكلٍ متكرر، ما أدَّى إلى نشاطٍ كثيف في حركة السكان، سواءٌ عبر الهجرة أو النزوح القسري[4]. على سبيل المثال: تتعرَّض نيجيريا، بين الحين والآخر، لفيضاناتٍ مدمَّرة ناجمة عن التغيُّر المناخي، وتتسبب هذه الفيضانات في إلحاق أضرار جسيمة بالبنى التحتية، كالطرق والمستشفيات والمدارس والمباني السكنية، وتدمير رقعة واسعة من الأراضي الزراعية، وما يترتب على ذلك من إجبار مئات الآلاف من السكان على النزوح[5].

وفي شرق إفريقيا، تُفاقم الآثار المتزايدة لتغيُّر المناخ من حدة النزوح، حيث أصبحت موجات الجفاف والفيضانات شديدةً بحيث لم يعد أمام المتضررين من خيارٍ سوى الهجرة طلباً للّجوء وتأمين احتياجاتهم الأساسية، ونتيجةً لذلك تتبع دولٌ مثل أوغندا وكينيا وإثيوبيا سياسة الحدود المفتوحة، وتستقبل أعداداً هائلة من اللاجئين في مخيمات مثل: داداب وكاكوما Dadaab and Kakuma في كينيا، وناكيفالي Nakivale وأدجوماني Adjumani وبيدي بيدي Bidi Bidi في أوغندا؛ حيث تستضيف هذه الدول الثلاث مجتمعةً حالياً ما يقارب 3.8 ملايين لاجئ (مقابل 2.7 مليون في عام 2020م)، ما يُمثّل نحو 10٪ من إجمالي اللاجئين في العالم[6].

ثالثاً: اللاجئون المناخيون في إفريقيا جنوب الصحراء: الأرقام والإحصائيات:

تُساهم إفريقيا بأقل من 4٪ من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مستوى العالم، ورغم هذا الإسهام الضئيل مقارنةً بالدول المتقدمة؛ تتحمل البلدان الإفريقية وطأة آثار تغيُّر المناخ أكثر من غيرها، فخلال عام 2022م وحده نزح أكثر من 2.6 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء بسبب الكوارث البيئية المرتبطة بالمناخ. وفي هذا السياق؛ تتوقع تقارير البنك الدولي أنَّ أكثر من 80 مليون شخص سيُجبرون على النزوح داخليّاً في إفريقيا جنوب الصحراء خلال العقدين المقبلين بسبب تغيُّر المناخ[7]. ومع ذلك؛ يمكن لهذا العدد أنْ ينخفض في حال تم اتخاذ الإجراءات والتدابير المناسبة للتخفيف من آثار التحوُّلات البيئية وتحسين إدارة الهجرة.

شكل (1): عدد الأفراد المقدر نزوحهم في إفريقيا جنوب الصحراء لأسباب بيئية بحلول عام 2050م مقارنةً بأقاليم عالمية أخرى:

الشكل من إعداد الباحث اعتماداً على البيانات الواردة في:

– Gabriela Nagle, etal. «Climate-induced migration in the Global South: an in depth analysis», npj Climate Action, (2024), p.4.

 

وتُشير تقديرات مسؤولي الأمم المتحدة إلى أنَّ نحو 10٪ من اللاجئين البالغ عددهم 300 ألف لاجئ في مخيم داداب للاجئين شمال كينيا هم ضحايا نزوح مرتبط بالعوامل المناخية، كما تؤكد هذه التقديرات أنَّ معظم اللاجئين البيئيين في إفريقيا جنوب الصحراء ينحدرون من منطقة الساحل والصحراء التي تضم حوالي 17 دولةً، حيث يُعاني معظم سكان هذه المنطقة من زيادة المخاطر المرتبطة بتغيُّر المناخ، لذلك أصبحت الكوارث البيئية عاملاً مُضاعِفاً لظاهرة اللُّجوء في هذه المناطق[8].

شكل (2): معدلات النزوح المناخي في إفريقيا بسبب الكوارث البيئية للفترة من (2011-2022م):

Source: Wendy Williams, «African Migration Trends to Watch in 2024», African Centre for Strategic Studies, January 2024, at https://n9.cl/jm1lw

 

وحول اتجاهات وأنماط النزوح المناخي في إفريقيا جنوب الصحراء؛ نجد أنَّ دولاً مثل الصومال والنيجر وموريتانيا والكونغو الديمقراطية تمثل مناطق للنزوح، حيث تدفع الضغوط البيئية، كالجفاف وارتفاع درجات الحرارة ونقص كميات الأمطار، إلى هجرة المواطنين نحو مناطق تتمتع بظروفٍ مناخية واقتصادية أكثر استقراراً، وهي الدول التي يُشار إليها بمناطق الوصول أو المقصد، وتشمل دولاً مثل غانا وأوغندا وكينيا ونيجيريا، مما يعكس على الأرجح فرصاً اقتصادية أفضل واستقراراً سياسيّاً أكبر. فيما تُعدّ بعض الدول، كجنوب إفريقيا ومالي وزامبيا، بمثابة نقاط مغادرة ووصول في آنٍ واحد، مما يعكس ديناميكيات هجرة معقدة. ولا يقتصر النزوح البيئي على عبور الحدود الدولية فحسب، بل يتضمن أيضاً النزوح أو الهجرة داخل الحدود الوطنية، ويبرز ذلك في دول عديدة مثل إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا[9] (انظر: الخريطة الموضحة أدناه).

خريطة (1): توضح اتجاهات الهجرة البيئية في إفريقيا جنوب الصحراء:

Source: Sinafekesh Girma, Paolo D’Odorico, and Maria Cristina, «Environmental drivers of human migration in Sub-Saharan Africa», Global Sustainability, Cambridge University, (2023), p.17.

 

رابعاً: آليات مقترحة لمواجهة اللُّجوء المناخي في إفريقيا:

إنَّ مواجهة الواقع المؤلم للاجئين المناخيين في إفريقيا، خاصةً في ظل ارتفاع معدلات الكوارث الطبيعية الناجمة عن التغيُّرات المناخية، وتفاقم الأوضاع الإنسانية للاجئين مع غياب الضمانات القانونية التي تكفل توفير حياة مناسبة لهم، تقتضي تضافر الجهود الإقليمية والدولية وتعزيز التعاون والتضامن الدولي، بما يفضي إلى إيجاد وتطوير آليات سياسية وقانونية واقتصادية لمعالجة ظاهرة اللجوء البيئي في القارة الإفريقية، ومن جملة هذه الآليات ما يأتي:

1- تعزيز التعاون بين الهيئات الإقليمية والقارية، كالاتحاد الإفريقي والجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (سادك) والسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا):

لضمان توافق سياساتها في معالجة الآثار السلبية لتغيُّر المناخ، فضلاً عن ضرورة تطوير هذه الهيئات لسياساتٍ فعَّالة تُمكّنها من الاستجابة بفعالية للتحديات البيئية، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة للتخفيف من آثار تغيُّر المناخ وإدارة الكوارث، على أن تقترن هذه الجهود بتعبئة الموارد المالية، لأن السياسات وحدها دون تمويل لن تُحقق نتائج ملموسة في معالجة اللُّجوء المناخي[10].

2- إقرار تشريعات وطنية على المستوى المحلي بدول المقصد، تساعد في حماية اللاجئين البيئيين إلى حين عودتهم إلى بلد المنشأ، أو تضمن اندماجهم في المجتمعات المُضيفة:

ويشمل ذلك أيضاً ضرورة تراجع بعض الدول (مثل رواندا، أنغولا، موزامبيق) عن تحفظاتها بشأن منح اللاجئين حقوقاً في العمل لا تقل تفضيلاً عن تلك الممنوحة لمواطني الدول الأخرى. بالإضافة إلى ذلك؛ لابد من توفير الحماية القانونية للاجئين البيئيين على المستوى الدولي، عبر إطار تشريعي خاص، سواءٌ كان منفصلاً أو مكمِّلاً لاتفاقية جنيف لعام 1951م، بما يضمن حماية هؤلاء المُهجَّرين وتوفير حياةٍ ملائمة لهم ولصحتهم ورفاهيتهم.

3- لضمان الاستجابة الفعَّالة لظاهرة اللُّجوء البيئي؛ يجب على الدول الإفريقية المُضيفة وكذلك الجهات المانحة الدولية مضاعفة جهودها:

وذلك عبر زيادة حصة التمويل المخصصة للاجئين لتحسين أوضاعهم المعيشية والصحية، وتسريع وتيرة الإجراءات اللازمة لتيسير اندماج اللاجئين وانخراطهم بشكلٍ فعَّال[11].

4- إعادة العمل بـ«سياسة الباب المفتوح»:

وهي اتفاقية أقرتها منظمة الوحدة الإفريقية في ستينيَّات القرن المنصرم، كآلية لتوفير إطار عمل للاستجابة لتزايد أعداد اللاجئين في إفريقيا، إلا أنه تم إنهاء العمل بها مطلع الألفية الجديدة نظراً لتفاقم المخاطر الأمنية والأعباء الاقتصادية لظاهرة اللاجئين، فضلاً عن تراجع مشاركة المانحين، والضغوط السياسية الداخلية. ومن شأن إعادة تفعيل هذه السياسة: تحسين أوضاع اللاجئين، ولاسيَّما النازحين بسبب الكوارث البيئية[12]، كونها ستسمح بتقاسم أعباء اللاجئين وتوزيع المسؤوليات والالتزامات المالية واللوجستية المتعلقة باستقبالهم وتوطينهم بشكلٍ عادل بين الحكومات في السياق الإفريقي.

5- دعم التدابير التكيُّفية لاستيعاب اللاجئين المناخيين وحمايتهم كفئةٍ مستقلةٍ:

من خلال ضمان دخولهم وإقامتهم لفترات طويلة أثناء حالات الطوارئ، وكمثال على هذه التدابير، نُشير إلى بروتوكول حرية التنقل الذي وضعته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) عام 2020م، والذي تضمَّن أحكاماً خاصة بالكوارث البيئية، كالسماح للمواطنين الفارين تحسباً لوقوع الكوارث أو أثناء حدوثها بدخول أراضي الدول الأطراف دون تأشيرة طالما تم تسجيلهم عند الوصول، أو السماح لهم بالإقامة المطوَّلة في حال كانت ظروف عودتهم إلى دولة المنشأ غير مواتية[13].

6- تطوير آلية إقليمية ترتكز على مبدأ المسؤولية أو التعويض فيما يتعلق بملف الهجرة البيئية:

وذلك من خلال إنشاء صندوقين إقليميين تحت إشراف ومتابعة الاتحاد الإفريقي، الأول لتعويض الدول الإفريقية عن الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية قصيرة وطويلة الأجل التي تسببها التغيُّرات المناخية، بما في ذلك أزمة النزوح. أما الصندوق الآخر؛ فيُخصص لتعويض الدول المُضيفة للاجئين المناخيين أو التي تعمل على توطينهم[14].

مجمل القول:

إنَّ مواجهة ظاهرة اللُّجوء البيئي/ المناخي في إفريقيا، بوصفها نتاجاً وانعكاساً مباشراً للتدهور البيئي الناجم عن التغيُّرات المناخية، تستلزم أولاً الانتقال بالقضايا والشواغل البيئية من الهامش لتصبح جزءاً من السياسات الوطنية العليا، ومضاعفة الجهود الإقليمية والدولية لمعالجة الأسباب المفاقمة للتغيُّر المناخي، وتطوير آليات سياسية واقتصادية لإدارة الكوارث، وتعزيز التكيُّف المناخي. والأهم من ذلك: إيجاد أطر قانونية لتوفير الحماية اللازمة للاجئين المناخيين، إما من خلال إنشاء اتفاقية جديدة أو تعديل اتفاقية جنيف لعام 1951م، بما يضمن الاعتراف القانوني بصفتهم وحقوقهم كلاجئين، وتقديم كل ما يلزم من أوجه المساعدة لهم عبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وغيرها من الأجهزة المعنية الأخرى.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M