بعد أقل من عامٍ على توقيع المملكة المتحدة اتفاقاً ثنائياً مع جمهورية موريشيوس، المستعمرة البريطانية السابقة، في مايو 2025م، والذي نصَّ على تنازل بريطانيا عن سيادتها على أرخبيل تشاغوس Chagos وسط المحيط الهندي ونقل تبعيته إلى الدولة الإفريقية الصغيرة، مقابل احتفاظ لندن بالقاعدة العسكرية في جزيرة دييغو غارسيا Diego Garcia، والتي تديرها بالشراكة مع الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي، بموجب عقد إيجار طويل الأجل مدته 99 عاماً وقابل للتمديد، بات الاتفاق يواجه تحديات جديدة تهدد تنفيذه، بعدما أقدمت الحكومة البريطانية، في يناير 2026م، على تعليق مسار المصادقة على الاتفاق، في ظل تزايد الضغوط الداخلية المطالبة بتعديل الاتفاق أو إلغائه تماماً، وانتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصفقة، ودعواته المتكررة للحكومة البريطانية بضرورة التراجع عن خطتها للتنازل عن الجزر.
تتناول هذه الورقة التحليلية التطور التاريخي للنزاع حول جزر تشاغوس بين بريطانيا وموريشيوس، ابتداءً من عام 1965م، كما تستعرض أبرز مخرجات هذا الاتفاق المثير للجدل الذي تم توقيعه في مايو 2025م، ووافقت حكومة المملكة المتحدة من خلاله على نقل السيادة على أرخبيل تشاغوس إلى موريشيوس. بالإضافة إلى ذلك؛ تسلط الورقة الضوء على العوامل الرئيسية التي دفعت الحكومة البريطانية إلى تعليق إجراءات التصديق على اتفاق نقل السيادة على الأرخبيل.
التطور التاريخي للنزاع حول «جزر تشاغوس» بين المملكة المتحدة وموريشيوس:
أصبح أرخبيل تشاغوس، الواقع وسط المحيط الهندي والذي لا تتعدَّى مساحته 60 كم2، تحت الحكم البريطاني المباشر منذ عام 1814م، وظل الأرخبيل يدار كجزءٍ من مستعمرة موريشيوس البريطانية، قبل أن تتخذ الحكومة البريطانية، عام 1965م، قراراً يقضي بفصل الأرخبيل عن مستعمرة موريشيوس، وربطه إدارياً بإقليم المحيط الهندي البريطاني، جاء هذا القرار في سياق رغبة المملكة المتحدة تأكيد تبعيتها للأرخبيل باعتباره جزءاً من أقاليمها في ما وراء البحار، ونزع أي صلة سياسية أو قانونية تربطه بموريشيوس التي كانت تتهيأ لنيل استقلالها التام.
في العام التالي (يناير 1966م)، توصلت الحكومتان البريطانية والأمريكية إلى اتفاق ثنائي، استأجرت بمقتضاه الأخيرة جزيرة دييغو غارسيا، عاصمة أرخبيل تشاغوس وأكبر جزره المأهولة، لمدة خمسين عاماً مع إمكانية التجديد لعشرين عاماً أخرى، بهدف إنشاء قاعدة عسكرية لأغراض الدفاع، ولإفساح المجال أمام أعمال البناء تم طرد وتهجير قرابة 1500 شخص قسراً من ديارهم وإجبارهم على النزوح إلى موريشيوس وسيشل المجاورتين وغيرهما من البلدان الأخرى، في تعارضٍ واضح مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم 2066XX لعام 1965م، الذي دعا الحكومة البريطانية إلى الامتناع عن أي خطوة يترتب عليها تقسيم موريشيوس أو انتهاك سلامة أراضيها[1].
ومنذ تدشينها، تكتسب القاعدة الجوية في دييغو غارسيا أهميةً إستراتيجيةً كبيرةً بفضل موقعها الفريد في قلب المحيط الهندي؛ حيث أتاح هذا الموقع للولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري والأمني خلال فترة الحرب الباردة ومراقبة الأنشطة البحرية والجوية في المنطقة، ورغم انتهاء تلك الحقبة وزوال مرحلة الثنائية القطبية؛ فلا تزال القاعدة تؤدي دوراً محورياً في العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وشرق إفريقيا وجنوب شرق آسيا.
وتُعدّ القاعدة أيضاً محطةً حيويةً لعمليات التزود بالوقود والاتصالات، كما تستضيف عدداً من القاذفات الإستراتيجية بعيدة المدى، التي سبق استخدامها في الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق مع بداية الألفية الجديدة. علاوةً على ذلك؛ تُمثل قاعدة دييغو غارسيا جزءاً أساسياً من الإستراتيجية الأمريكية الهادفة لموازنة النفوذ الصيني في منطقة الإندو- باسيفيك، فضلاً عن دورها في حماية ومراقبة الممرات البحرية الحيوية التي تربط آسيا بالقارة الأوروبية.
موقع «أرخبيل تشاغوس» الإستراتيجي وسط المحيط الهندي:

Source: Peter H. Sand, Marine protected areas’ off UK overseas territories: Comparing the South Orkneys Shelf and the Chagos Archipelago, The Geographical Journal, (2011), p.3.
بعد استقلالها عن المملكة المتحدة عام 1968م، سعت حكومة موريشيوس إلى استعادة ملكيتها لأرخبيل تشاغوس، بما في ذلك جزيرة دييغو غارسيا، ونقل السيادة على الجزر من الحكومة البريطانية إليها؛ إذ تُصرّ على أنها أُجبرت بشكلٍ غير قانوني على التخلي عنها كجزءٍ من صفقة لنيل استقلالها، وقد تجسَّدت هذه المحاولات من جانب الحكومة الموريشيوسية في تقديم دعاوى قضائية أمام الهيئات الدولية للمطالبة باستقلال الأرخبيل وحمل بريطانيا على إنهاء سيادتها عليه تمهيداً لعودته مجدداً إلى سيادتها.

في عام 2019م، شهدت موريشيوس دعماً قوياً لموقفها في نزاعها القضائي الدولي مع المملكة المتحدة بشأن جزر تشاغوس. جاء هذا الدعم عبر سلسلة من القرارات المهمة، بدءاً بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية ICJ التابعة للأمم المتحدة، والذي نصَّ على أن عملية إنهاء الاستعمار في موريشيوس لم تُستكمل بصورة قانونية، وأن الحكومة البريطانية قد انتهكت قرارات الأمم المتحدة التي تمنع تفكيك المستعمرات قبل منحها الاستقلال، ورغم تجاهل الحكومة البريطانية لهذا القرار؛ فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد ثلاثة أشهر من رأي المحكمة الدولية قراراً يُلزم بريطانيا بإعادة الجزر إلى موريشيوس، تلا ذلك صدور قرار ثالث عن محكمة قانون البحار ITLOS، والذي لم تتمكن بريطانيا من تجاهله برغم اعتراضاتها؛ إذ أقرَّت المحكمة بعدم وجود سيادة للمملكة المتحدة على جزر تشاغوس، مشيرةً إلى أن المجال البحري والجوي المحيط بتلك الجزر يعود قانونياً إلى سيادة موريشيوس[2].
اتفاق مايو 2025م بين بريطانيا وموريشيوس بشأن أرخبيل تشاغوس:
وقّعت الحكومة البريطانية، في 22 مايو 2025م، اتفاقاً سياسياً مع موريشيوس يقضي بتنازلها عن السيادة على أرخبيل تشاغوس وسط المحيط الهندي لصالح الدولة الإفريقية، مع احتفاظ المملكة المتحدة بإدارة وتشغيل القاعدة العسكرية الأمريكية البريطانية المشتركة في جزيرة دييغو غارسيا، عاصمة الأرخبيل، بموجب عقد إيجار طويل الأجل لمدة 99 عاماً قابل للتمديد، وقد عدّت هذه الخطوة تحوَّلاً في السيادة على أرخبيل تشاغوس الذي ظل لحقبةٍ طويلة تحت الحكم البريطاني المباشر.
تضمَّن الاتفاق الموقع بين بريطانيا وموريشيوس، والمكون من 19 مادة، انتقال السيادة على أرخبيل تشاغوس من حكومة الدولة الأولى إلى الثانية، واحتفاظ موريشيوس بملكية أراضي دييغو غارسيا وبحرها الإقليمي، في مقابل ذلك تتولى المملكة المتحدة إدارة دييغو غارسيا، بما في ذلك القاعدة العسكرية الأمريكية البريطانية، ضمن عقد إيجار طويل الأجل يمتد لـ99 عاماً ويمكن تمديده لمدة 40 عاماً أخرى، ويُخوّل هذا العقد المملكة المتحدة ممارسة حقوق السيادة كاملةً على الجزيرة، بما يضمن التشغيل طويل الأمد والآمن والفعَّال للقاعدة العسكرية، بما في ذلك تحمل لندن مسؤولية الدفاع عن القاعدة وأمنها. كما نصَّ الاتفاق على تقديم الدعم اللازم لموريشيوس لإنشاء وإدارة منطقتها البحرية المحمية في أرخبيل تشاغوس وفقاً للشروط المتفق عليها بين الطرفين. علاوةً على ذلك؛ تعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزامات أو ترتيبات دولية مستقبلية من شأنها أن تتعارض وأحكام هذا الاتفاق، فضلاً عن تعزيز التعاون الثنائي في المسائل الأخرى المتعلقة بحماية البيئة، مثل مواجهة تسربات النفط والصيد غير المشروع أو غير المنظم[3].
فيما يتعلق بالقيمة المالية للصفقة، أوضحت الحكومة البريطانية أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع موريشيوس، والذي يهدف إلى ضمان استمرار تشغيل قاعدة دييغو غارسيا الجوية في المحيط الهندي لمدة قرن على الأقل، سيكلف المملكة المتحدة ما يقارب 101 مليون جنيه إسترليني سنوياً في المتوسط طوال فترة العقد، وأضافت التصريحات الرسمية أن القيمة الحالية الصافية للاتفاق تصل إلى حوالي 3.4 مليارات جنيه إسترليني[4]، ووجهت المعارضة انتقادات شديدة لهذا الاتفاق؛ متهمةً الحكومة بتعمد التقليل من حجم التكلفة الإجمالية، وأشارت كذلك إلى أن الحكومة أغفلت عمداً تأثير معدلات التضخم المستقبلية ولم تأخذ بعين الاعتبار المدفوعات الإضافية التي ستكون المملكة المتحدة ملزمةً بدفعها على مدار مدة العقد، مما أثار تساؤلات حول الشفافية في تقديم المعلومات المتعلقة بالأعباء الاقتصادية طويلة الأمد.
وحول أسباب الإخلال بالعقد أو إنهاء العمل به؛ فقد أشارت بنود الاتفاق بوضوح إلى حق جمهورية موريشيوس في الإنهاء من جانب واحد، وذلك في حالتين فقط، هما: عدم التزام حكومة المملكة المتحدة بدفع المستحقات المالية، أو استخدام القاعدة العسكرية في أعمال عدائية يترتب عليها الهجوم على موريشيوس أو انتهاك سيادتها.
دوافع تعليق الحكومة البريطانية إجراءات المصادقة على اتفاق تسليم تشاغوس:
بحلول يناير 2026م، بلغ مشروع قانون تسليم جزر تشاغوس إلى موريشيوس مراحل متقدمة للغاية في المسار التشريعي، حيث كان البرلمان البريطاني بصدد استكمال إجراءات المشروع والتصديق عليه، ومع ذلك اتخذ مجلس اللوردات، الذي يمثل الغرفة العليا للهيئة التشريعية في بريطانيا، قراراً مفاجئاً بسحب مشروع هذا القانون من جدول أعماله[5]، ومع تصاعد الضغوط وازدياد الأصوات المطالبة بتعديل الاتفاق أو إلغائه تماماً، قامت الحكومة البريطانية إثر ذلك بسحب مسودة الاتفاق من مناقشات مجلس اللوردات، إيذاناً بتعليق إجراءات المصادقة عليه دون الإفصاح عن موعد زمني محدد لاستئناف مسار التصديق. وفي هذا السياق؛ صرَّح الوزير البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هاميش فالكونر Hamish Falconer: أن عملية التصديق على الاتفاق قد عُلِّقت مؤقتاً، وأن حكومته بصدد الانخراط في محادثات أمنية مع الولايات المتحدة.
هذه التطورات المفاجئة، بشأن ملف أرخبيل تشاغوس، لا يمكن عزوها إلى العقبات التشريعية وحدها، بل تعكس تغيّراً طارئاً في موقف الحكومة البريطانية التي تواجه ضغوطاً متزايدة منذ توقيع الاتفاق، ومن ثَمَّ يمكن القول إن تردد المملكة المتحدة ومماطلتها، بشأن البدء في إجراءات نقل السيادة على أرخبيل تشاغوس تنفيذاً لاتفاق التسليم، يأتي نتيجةً لعدد من العوامل والاعتبارات المتداخلة، والتي نشير إلى أبرزها فيما يلي:

المصدر: الشكل من إعداد الباحث.
1- الضغوط الأمريكية:
على الرغم من نجاح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر Keir Starmer بادئ الأمر في طمأنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، غداة توقيع الاتفاق في مايو 2025م، وإقناعه بجدوى هذه الخطوة، وهو ما دعا الإدارة الأمريكية إلى إعلان تأييدها للاتفاق واعتباره خطوةً تاريخية تضمن التشغيل طويل الأمد والآمن للمنشأة العسكرية الأمريكية البريطانية المشتركة في دييغو غارسيا، فإن الرئيس الأمريكي ما لبث أنْ غيّر موقفه وانتقد الاتفاق بشدة، داعياً لندن إلى عدم التخلي عن سيادتها على الجزر، وفي منشورٍ له على منصة «تروث سوشيال»، في يناير 2026م، وصف ترامب الاتفاق بأنه ضعيف للغاية ولا يخدم مصالح البلدين، مضيفاً أن بريطانيا تنوي التنازل عن تشاغوس، بما فيها قاعدة دييغو غارسيا، لموريشيوس، دون أي سبب وجيه على الإطلاق.
بلغت المعارضة الأمريكية للاتفاق ذروتها مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026م، حيث أكدت العمليات العسكرية في الشرق الأوسط الأهمية الإستراتيجية المتزايدة لجزر تشاغوس، ودورها الحيوي في دعم المجهود العسكري الأمريكي، وهو ما تجلى في طلب الرئيس الأمريكي من المملكة المتحدة أن تأذن له باستخدام جزيرة دييغو غارسيا كنقطة انطلاق لشن هجمات ضد إيران، ورغم أن رئيس الوزراء البريطاني أبدى اعتراضاً في البداية، معتبراً أنَّ الحرب تفتقر إلى الشرعية الدولية، إلا أنه تراجع عن موقفه بعد تصعيد الهجمات الإيرانية، التي وصلت حد تهديد الأراضي القبرصية التي تحتفظ فيها بريطانيا بقاعدتين عسكريتين.
وفي هذا السياق؛ صرَّح الرئيس الأمريكي أنه إذا لم تُبرم إيران اتفاق سلام مع الولايات المتحدة، فقد يكون من الضروري استخدام قاعدة دييغو غارسيا للقضاء على أي هجوم محتمل من قِبل نظام غير مستقر وخطير للغاية، مضيفاً أنه لا ينبغي لرئيس الوزراء ستارمر أن يفقد السيطرة، لأي سبب، على تلك الجزر من خلال الدخول في عقد إيجار هش لمدة مائة عام، معتبراً أن انتزاع هذه الأرض من المملكة المتحدة سيكون وصمة عار لا تُمحى[6].
وتأكيداً لموقف واشنطن المُعارض للاتفاق؛ أعلنت هذه الأخيرة تعليق المحادثات الأمنية التي كان مقرراً عقدها مع حكومة موريشيوس في العاصمة بورت لويس أواخر فبراير 2026م للموافقة على الاتفاق، بقيادة مكتب الشؤون السياسية والعسكرية التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، وبمشاركة وكالات أخرى، قبل ذلك تم اختيار موريشيوس لاستضافة قمَّة الأعمال الأمريكية الإفريقية لعام 2026م المقرر عقدها في يوليو المقبل، وهو اختيار له أهداف ودلالات عميقة ترتبط بملف السيادة على الجزر[7].
2- الاعتراضات الداخلية المتزايدة:
كشف توقيع الاتفاق مع موريشيوس بشأن أرخبيل تشاغوس عن انقساماتٍ سياسية بارزة في بريطانيا، وأثار جدلاً واسع النطاق بين النخب السياسية، فالحكومة البريطانية التي يقودها حزب العمال وجدت نفسها تحت وطأة ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة، وكانت تخشى ردود الفعل المحتملة بشأن الاتفاق، وهو ما تحقق غداة التوقيع عليه، عندما وجّه حزب المحافظين المعارض وبعض المسؤولين، سواءٌ داخل الحكومة أو في صفوف حكومة الظل، انتقادات لاذعة لهذا الاتفاق الذي عقدته حكومة العمال مع موريشيوس، متسائلين عن جدوى إنفاق مليارات الدولارات في وقتٍ تتجه فيه الحكومة نحو تقليص الإنفاق وخفض الإعانات[8].
ويرتبط التوجه المعارض للاتفاق في الداخل البريطاني بمخاوف من أن يؤثر نقل السيادة على أرخبيل تشاغوس على المصالح والالتزامات الإستراتيجية للمملكة المتحدة، وهو ما تم التطرق إليه باستفاضة في التقرير الذي قدمته لجنة العلاقات الدولية والدفاع في مجلس اللوردات للحكومة البريطانية. أحد هذه المخاوف التي نبَّه إليها التقرير يتعلق بإمكانية أن تقوم دولة معادية بالضغط على حكومة موريشيوس لإنهاء الاتفاقية من جانب واحد، وما يرتبه ذلك من فقدان المملكة المتحدة وحليفها الأمريكي حق الوصول إلى دييغو غارسيا قبل انقضاء مدة العقد، وقد يتحقق ذلك، بحسب التقرير، عبر قيام دولة معادية (كالصين)، في إطار حرب التكتيكات السياسية، بالتضليل الإعلامي أو ممارسة حملات التأثير الموجهة لتقويض الدعم الشعبي والسياسي البريطاني لالتزامات المملكة المتحدة المالية، مما قد يؤدي إلى عدم السداد من جانب الحكومة المقبلة، وبالتالي منح حكومة بورت لويس ذريعةً قانونيةً لإنهاء الاتفاق من طرفٍ واحد[9].
ويشكك التقرير فيما إذا كانت شروط التجديد ستتيح إمكانية تمديد الاتفاق عند الضرورة لمصالح المملكة المتحدة، فالأمور يمكن أن تتغير بشكل جذري خلال 99 عاماً، ومن ثَمَّ لا توجد ضمانات لتجديدها لمدة 40 عاماً أخرى بعد انتهاء مدتها الأصلية، كما لفت التقرير إلى أن الاتفاقية المبرمة بين حكومتي المملكة المتحدة وموريشيوس لا يبدو أنها تراعي مصالح سكان تشاغوس الذين تعرضوا للتهجير والظلم التاريخي، إذ لم يتم التشاور بشكلٍ كافٍ مع أفراد الجالية التشاغوسية المقيمة في بريطانيا، كما يفتقر الاتفاق إلى بنود ملزمة بشأن برامج إعادة التوطين والدعم المالي، وهو أمرٌ يتقاطع مع تعهدات المملكة المتحدة بدعم رفاهية سكان تشاغوس، وعليه يتوجب إتاحة الفرصة لهؤلاء الأفراد لمشاركةٍ أكثر فاعلية للمساعدة في إعادة بناء الثقة وإضفاء مزيد من الشرعية بشأن أي اتفاق نهائي[10].
3- اتهامات بوجود ثغرات قانونية في الاتفاق:
تزعم المعارضة البريطانية وجود ثغرات قانونية في اتفاق تسليم أرخبيل تشاغوس لحكومة موريشيوس، وتتهم الحزب الحاكم بتضليل البرلمان من أجل تمرير الصفقة والمصادقة عليها، حيث يرى المحافظون أن الشهادة التي أدلى بها وزير الدفاع جون هيلي John Healy أمام مجلس العموم بأنه من دون هذا الاتفاق قد تخسر المملكة المتحدة أحكاماً قضائية، من بينها حكمٌ قد يصدر عن محكمة العدل الدولية يُلزم بريطانيا بتسليم أرخبيل تشاغوس لموريشيوس، وأن القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا قد تصبح غير صالحة للتشغيل في غضون عدة سنوات، تُعتبر شهادةً مضللة ولا تستند إلى حجج قانونية قوية، وأن الأمر يتعلق في جوهره بالقدرة على التحكم في القاعدة وتشغيلها[11].
من ناحيةٍ أخرى؛ فإن معارضة الأمم المتحدة للاتفاق كونه لا يراعي المظالم التاريخية التي تعرّض لها سكان تشاغوس، وتأكيدها على ضرورة عودة الجزر إلى هؤلاء السكان، بوصفهم المالكين الشرعيين، وليس لحكومة موريشيوس، يدحض مزاعم الحكومة البريطانية بأن الاتفاق يعكس التزام بريطانيا بمبادئ القانون الدولي، ولا شك أن هذه المعطيات الجديدة التي تنتظر المعارضة رداً عليها من جانب الحكومة قد تُلقي بظلالها على مسار الاتفاق وتُهدِّد بتقويضه.
4- تنامي انخراط الصين مع موريشيوس:
يُثير تصاعد نفوذ الصين وأنشطتها التجارية والعسكرية المتنامية في منطقة المحيط الهندي قلق القوى الغربية، وبخاصةٍ الولايات المتحدة الأمريكية التي تنظر إلى الصين بوصفها منافساً جيوسياسياً وخصماً إستراتيجياً لها في النظام الدولي. ومع اتجاه بكين إلى توطيد علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع الدول الإفريقية، ومن بينها موريشيوس التي يرى مراقبون أن النفوذ الصيني قد توسَّع فيها بصورة أكبر من أيّ دولة صغيرة أخرى في العالم؛ يُخشى أنّ تنفيذ الاتفاق بشأن أرخبيل تشاغوس قد يسمح للصين بتعزيز حضورها في المنطقة من خلال إقدامها مستقبلاً على استئجار إحدى تلك الجزر، أو قيامها بنشر بنية متطورة للمراقبة والاستطلاع على مقربة منها، وهو ما يخدم أهدافها العسكرية في نهاية المطاف ويهدد مصالح القوى الغربية.
جديرٌ بالذكر: أن التقارب الصيني مع موريشيوس بلغ ذروته عام 2018م، عندما قام الرئيس الصيني «شي جين بينج» بزيارة رسمية إلى الجزيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 1.5 مليون نسمة، وفي العام التالي أصبحت موريشيوس أول دولة إفريقية توقع اتفاقاً للتجارة الحرة مع بكين، ووصفت وزارة التجارة الصينية الاتفاق بأنه يُمثل منصةً جديدة للتعاون الصيني مع إفريقيا. وتجاوز إجمالي القروض والمنح الصينية المقدمة إلى موريشيوس 1.4 مليار دولار أمريكي بين عامي 2000م و2023م، أي ما يزيد عن 1000 دولار أمريكي للفرد[12]، وتعكس هذه الأرقام مدى تغلغل النفوذ الصيني في هذه الدولة الصغيرة، وتؤكد أن احتدام التنافس بين القوى العظمى لا يشترط بالضرورة مسرحاً جغرافياً كبيراً، فقد تكون الجزر الصغيرة ذات الموقع الإستراتيجي، مثل أرخبيل تشاغوس، ساحةً لهذا التنافس، وأداةً إستراتيجية بيد الأقطاب الكبرى لتطويق بعضها بعضاً.
5- ادعاءات حكومة «المالديف» بأحقيتها في السيادة على الأرخبيل:
على الرغم من الحكم الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في أبريل 2023م، بشأن ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها بين موريشيوس وجزر المالديف في المحيط الهندي، فإن هذه الأخيرة أعلنت رفضها التام لأي اتفاق يسمح بنقل السيادة على أرخبيل تشاغوس إلى موريشيوس، ففي نوفمبر 2024م قدمت حكومة المالديف اعتراضاً رسمياً إلى المملكة المتحدة، ثم بعثت برسالة إلى الحكومة البريطانية في يناير الماضي أعلنت فيها رفضها للصفقة المبرمة بشأن تشاغوس، داعيةً إلى مراعاة مصالحها الاقتصادية والأمنية في أي تسوية[13]؛ حيث تزعم «ماليه» أن أرخبيل تشاغوس، المعروف في جزر المالديف باسم «فوالهافاهي»، يُعدّ أقرب جغرافياً إليها وأكثر ارتباطاً بها من الناحية التاريخية، مما يجعلها الأجدر قانونياً ببسط سيادتها عليها[14]. وردّاً على ذلك؛ أعلنت حكومة موريشيوس، في 27 فبراير 2026م، تعليق علاقاتها الدبلوماسية مع المالديف.
ويُثير تصاعد الخلاف بين هذين البلدين، في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي تشهدها المنطقة، مخاوف جدية لدى حكومة المملكة المتحدة التي تطمح إلى الموازنة في علاقاتها إزاء الدولتين بما يضمن استدامة مصالحها السياسية والاقتصادية في جنوب المحيط الهندي، ولا سيما أن جمهورية المالديف تُعدّ شريكاً إستراتيجياً وتربطها بها علاقات وثيقة في مجالات التعاون الاقتصادي والدفاعي، ومن ثَمَّ فإن الاتفاق المبرم بشأن تشاغوس بصيغته الراهنة قد يُعكر صفو علاقاتها بالدولة الآسيوية. ورغم أن موقف المالديف يهدد بإشعال التوترات الدبلوماسية والسياسية حول وضع جزر تشاغوس؛ فإنه لا يُشكل دافعاً قوياً لتراجع الحكومة البريطانية أو دفعها لإعادة النظر في الاتفاق، لكنه قد يُمثل ذريعةً قانونية لتبرير تأخرها في تسليم الجزر إلى موريشيوس.
خاتمة:
تشعر حكومة موريشيوس بقلقٍ شديد إزاء قرار الحكومة البريطانية تعليق عملية المصادقة على اتفاق مايو 2025م بشأن أرخبيل تشاغوس، وخاصةً أن الاتفاق كان قد وصل إلى مراحله الأخيرة في المسار التشريعي، وكانت الحكومة الموريشيوسية تأمل أن يدخل الاتفاق حيز التنفيذ قريباً، نظراً لأهميته في توفير الدعم المالي الذي تحتاج إليه البلاد لتجاوز تحدياتها الاقتصادية وتحسين أوضاعها المالية، إضافةً إلى ذلك؛ فإن عودة الجزر إلى موريشيوس ستُغلق هذا الملف نهائياً بعد عقودٍ طويلة من النزاع السياسي والقانوني، مما يقطع الطريق أمام أي مطالبات سيادية محتملة من جانب جزر المالديف، كما أن الاتفاق يُمثل فرصةً لتعزيز موقف الحكومة داخلياً وزيادة الدعم الشعبي لها في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
وأمام غياب أي أدوات للضغط السياسي والاقتصادي؛ يبدو أنه لا سبيل آخر أمام حكومة موريشيوس سوى اللجوء إلى القضاء الدولي لدفع المملكة المتحدة إلى تسليم الجزر إليها، وهو ما أعلن عنه رئيس وزراء موريشيوس نافين رامغولام Navin Ramgoolam بشكل رسمي مطلع هذا الشهر (مارس 2026م).
أما على الجانب البريطاني؛ فيبدو أن تعطيل مجلس اللوردات لإجراءات التصديق على الصفقة، عبر سحب مشروع قانون الاتفاق من جدول أعماله، وإنْ بدا في ظاهر الأمر مجرد عائق إجرائي غير مخطط له، يمكن أن يوفر لحكومة العمال فرصةً إضافيةً لإعادة تقييم جدوى الاتفاق ومراجعته بشكل أدق، في ظل استمرار الضغوط الأمريكية وتزايد الاعتراضات الداخلية من جانب المعارضة. ومن شأن هذه التطورات المستجدة أن تهدد الاتفاق برمته، سواءٌ بإلغائه كلياً أو إجراء تعديلات جوهرية عليه.