مملكة «جيما أبا جيفار» آخر كيان سياسي إسلامي في إثيوبيا.. دراسة تاريخية تحليلية

مقدمة:

يحظى تاريخ الممالك الإسلامية في القرن الإفريقي بأهمية خاصة، لارتكاز فهم تطور الدولة والسلطة والدين في المنطقة عليه، غير أن كثيراً من هذه الكيانات ظل على هامش البحث الأكاديمي مقارنةً بالممالك المسيحية الحبشية.

وتندرج مملكة «جِيمّا أبا جيفار» الإسلامية Jimma Abba Jifar، التي قامت خلال القرن التاسع عشر في منطقة الأورومو، ضمن هذه التجارب التاريخية التي تستحق إعادة القراءة والتحليل، ليس فقط لكونها كياناً سياسياً إسلامياً، بل أيضاً باعتبارها نموذجاً لتفاعل الإسلام مع البنى الاجتماعية الأورومية ومع الاقتصاد الإقليمي القائم على الزراعة والتجارة.

تكتسب مملكة جيمّا الإسلامية أهميةً خاصة في حقل الدراسات التاريخية في منطقة القرن الإفريقي، باعتبارها آخر ممالك الإسلام في الحبشة (إثيوبيا الحالية)، قبل أن يبتلع النفوذ النصراني كل الكيانات السياسية المستقلة في تلك الأرض.

وعلى الرغم من هذه الأهمية؛ فإن جيمّا أبا جيفار لم تحظ بكثيرٍ من الدراسات المستقلة إلا في منتصف ستينيات القرن الماضي، حين صدر كتاب «هربرت س. لويس» Herbert S. Lewis، الذي يحمل عنوان: (جيمّا أبا جيفار: نظام ملكي أورومي في إثيوبيا 1830-1932م). Jimma Abba Jifar: An Oromo Monarchy, Ethiopia, 1830–1932. وهو أول وأهم دراسة أكاديمية متخصصة في تاريخ مملكة جيمّا، وقد نُشر لأول مرّة عام 1965م، ثم أُعيد نشره مرّات لاحقة، وتناول فيه، من خلال منهج أنثروبولوجي وتاريخي، التاريخ السياسي للمملكة، وبنيتها السلطوية، والنظام الملكي، وتطرق للتطورات الاجتماعية والاقتصادية في جيمّا منذ تأسيسها وحتى نهايتها، وأصبح الكتاب مرجعاً مهماً للأطروحات الأكاديمية التي تناولت المملكة، أو تناولت سياقات تاريخية وسياسية تعتبر المملكة جزءاً لا يتجزأ منها.

في هذا المقال؛ نُقدّم تحليلاً تاريخياً لمملكة جيمّا أبا جيفار، يتناول دخول الإسلام إلى إثيوبيا، ونشأة مملكة جيمّا وتطورها وأبرز ملوكها، وأسلمتها وثقافتها، وبنية الحكم فيها، واقتصادها، ومقاومتها للتوسع الإثيوبي، ثم أفول المملكة وأسباب سقوطها، من خلال مدخل تاريخي وستة محاور فيما يأتي.

مدخل تاريخي: دخول الإسلام إلى إثيوبيا وانتشاره:

يُعدّ دخول الإسلام لإثيوبيا حدثاً مبكراً جداً في التاريخ الإسلامي، إذ يرتبط بالهجرة الأولى إلى الحبشة عام 615م تقريباً، عندما احتضن حاكم مملكة أكسوم المسيحية آنذاك النجاشي (أصحمة بن أبجر)[1] الصحابة الذين قدموا في تلك الهجرة وأكرم وفادتهم، وانتهى به الأمر إلى اعتناق الإسلام[2]، وقد صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب عند وفاته[3].

وقد أرست هذه الهجرة علاقة تاريخية استثنائية بين الإسلام والحبشة، لأنه من منظور ديني لم يكن هناك صدام مباشر مع السلطات المسيحية، بل كان هناك نوعٌ من التسامح الديني[4]. ورغم هذا الظهور المبكر؛ لم تُتح للإسلام فرصة الانتشار الواسع في مرتفعات أكسوم، بل انتشر تدريجياً، بشكلٍ رئيسي على طول المناطق الساحلية، فضلاً عن المناطق الشرقية والجنوبية، بفضل طرق التجارة عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي.

وكان للتجار المسلمين إسهامهم الذي لا يخفى في نشر تعاليم الإسلام التي حملوها معهم، وترجموها في سلوكهم وممارستهم الاجتماعية والاقتصادية، ما أكد العلاقة الوثيقة بين الدين والثقافة، وأن الإيمان لا ينعزل عن السياقات الاجتماعية[5].

في القرن التاسع الميلادي، ظهرت في شرق إثيوبيا سلطنات إسلامية، من بينها (شوا)، وفي قرون لاحقة (إيفات) و(عدال)، قدّمت نماذج لارتباط الإسلام بالسلطة السياسية والتنظيم الاجتماعي، وبذلك عززت هذه السلطنات قاعدتها المؤسسية لمواصلة المواجهة مع الدولة المسيحية في المرتفعات[6].

في جنوب غرب إثيوبيا، كان انتشار الإسلام بين شعب الأورومو تدريجياً وسلمياً، ويعود الفضل في ذلك بشكلٍ رئيسي إلى تأثير الطرق الصوفية، التي قدّمت الإسلام في سياق أخلاقي وروحي راسخ، واستطاع أن يحقق نتائج باهرة في القرن التاسع عشر، عندما اعتنقت ممالك (جيبي) الإسلام، واتخذته ديناً رسمياً لها، ومصدراً لشرعيتها السياسية، ومن أبرز تلك الممالك كانت مملكة جيمّا أبا جيفار[7].

ولكن انتشار الإسلام في إثيوبيا لم يكن بتلك السلاسة، بل صاحبته صراعاتٌ على الهويات الدينية والسياسية. وقد ازداد هذا الأمر وضوحاً مع صعود الدولة الإثيوبية الحديثة في عهد منليك الثاني، حيث أُعيد تعريف العلاقة بين المركز المسيحي والمجتمعات المسلمة في المناطق النائية ضمن مشروع بناء الدولة[8].

أولاً: نشأة مملكة جيمّا الإسلامية وتطورها السياسي وأبرز ملوكها:

1) نشأة مملكة جيمّا:

نشأت مملكة جيمّا في منطقة جنوب غرب إثيوبيا الحالية، ضمن إقليم أوروميا، وهي منطقة تتسم بخصوبة أراضيها وملاءمتها للزراعة، ولا سيما زراعة البن التي لعبت دوراً محورياً في اقتصاد المملكة.

وشهدت المنطقة تحولات دينية تدريجية مع انتشار الإسلام منذ القرن السابع عشر عبر التجار والعلماء والطرق الصوفية[9].

أما المجموعات العرقية الأساسية التي سكنت المنطقة؛ فقد كانت المجموعات الأورومية، إلى جانب أقليات إثنية أخرى، والأورومو هم مجموعة عرقية كوشية، وأمّة أصلية في إثيوبيا، وفي الوقت الحالي تتراوح نسبتهم ما بين (34.4%-35.8%) من سكان إثيوبيا، وفقاً لبيانات آخر إحصاء سكاني في إثيوبيا عام 2007م ولتقديرات المخابرات المركزية الأمريكية[10]، وكان هذا المجتمع عماداً للعديد من الممالك التي قامت في المنطقة.

كان الموطن الأول لشعب الأورومو يقع إلى الجنوب من موطنه الحالي، ولكن الصراعات التي وقعت في المنطقة خلال الحرب بين مملكة (عدل) و(الحبشة) وما أعقبها من نزاعات وصراعات، خلال الربع الثاني من القرن السادس عشر، دفعته للانتقال إلى الشمال في هجرة كبيرة، وتم إنشاء مجتمعات وهياكل سياسية متنوعة. وبحلول منتصف القرن الثامن عشر، ظهرت العديد من الأقاليم المتنافسة على الأراضي والماشية والأسواق وطرق التجارة، وتطورت هذه الأقاليم وأخذت بُعداً سياسياً أكبر، حيث نشأ ما لا يقل عن 5 أنظمة سياسية في منطقة (جيبي العليا)، ومنها ممالك؛ ليمو- إناريا، وجيرا، وجيمّا، التي كانت تتصارع فيما بينها على السيادة[11].

تعود جذور مملكة جيمّا إلى تلك التحولات التي عرفها المجتمع الأورومي عقب تراجع نظام الجادا[12] التقليدي، وظهور كيانات سياسية أكثر مركزية.

وفي الثلث الأول من القرن التاسع عشر، في منطقة (جيمّا)، ظهرت أسرة حاكمة اعتنقت الإسلام واتخذته أساساً للشرعية السياسية، هي أسرة (جيفار) أو (جعفر). ويُعدّ عهد الملك أبا جيفار الثاني Abba Jifar II، العهد الأكثر تميُّزاً في تاريخ المملكة، حيث شهدت خلالها استقراراً نسبياً وتوسعاً في النفوذ[13].

يُؤرَّخ لبداية نشأة مملكة جيمّا بحوالي عام 1830م، وهو التاريخ الذي شهد صعود أبا جيفار الأول Abba Jifar I بوصفه أول زعيم أُسري يتمكن من تأسيس سلطة مستقلة بعد تفكك كيان (ليمو– إنّاريا)[14]. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الأسرة في التحول من مجرد نخبة محلية ضمن نظام الجادا الأورومي إلى سلالة حاكمة ذات طابع ملكي. إذ كان النفوذ السياسي قبل 1830م موزعاً بين زعماء الجادا والفئات العمرية، دون احتكار أُسري دائم للسلطة. ويُعدّ صعود أبا جيفار نقطة التحول الحاسمة التي دشّنت الانتقال من الحكم الدوري التشاركي إلى الملكية الوراثية[15].

وكانت مملكة جيمّا أكبر وأقوى الممالك الخمس التي شكلها الأورومو في منطقة جيبي، واستطاعت أن تسيطر على أراضٍ شاسعة، في عهد الزعيم أبا مَجال، وتوسعت العاصمة هيرماتا، وقام حكام البلاد بتوحيد عدة ولايات صغيرة تحت سيطرتهم، واحتلال المراكز المهمة على طول الطريق التجاري الذي يربط كافا بالولايات الشمالية غوجام وشيوا.

2) أبرز ملوك جيمّا:

1- أبا مَجال Abba Magal:

حكم خلال الفترة (1800م–1830م) تقريباً، ويُعتبر المؤسس للأسرة الحاكمة، لم يكن ملكاً بالمعنى السياسي المتعارف عليه، بل كان زعيماً لعشيرة من الأورومو تُسمّى (ديغّو)، وهو والد أبا جيفار الأول، المؤسس الحقيقي لمملكة جيمّا.

كانت عشيرة (ديغّو) تقيم في منطقة مانا، قبل أن يقوموا بغزو البلدة القريبة هِرماتا، (مدينة جيمّا الحالية)، التي كان يسكنها شعب لالو. وقد منحهم هذا النصر ثروة كافية لمنافسة عشيرة (بادي) من سقّا، المهيمنة في جيمّا، واستطاع أبا مجال، بمساعدة أبنائه الأربعة، فرض سلطته على المنطقة، بعد سلسلةٍ من الحروب خاضها مع عشيرة بادي، أدت في النهاية إلى تشكيل مملكة جيمّا في جيبي[16].

2- أبا جيفار الأول Abba Jifar I:

هو ابن أبا مَجال زعيم عشيرة ديغّو الأورومية. حكم أبا جيفار الأول في الفترة حوالي (1830–1855م)، ويُعدّ من أوائل الحكام الذين أسهموا في ترسيخ الكيان السياسي لجيمّا في صورته الملكية، خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ويُعتبر عهده مرحلة انتقالية شهدت تراجع نظام (الجادا) الأورومي التقليدي وبروز سلطة مركزية أكثر وضوحاً، لذلك ارتبط اسمه ببدايات التحول نحو الملكية الوراثية.

وضع أبا جيفار الأول الأسس الأولى لعلاقة الحكم بالإسلام، بوصفه مصدراً متنامياً للشرعية السياسية، على الرغم من أن الإسلام في عهده لم يكن قد ترسخ بشكلٍ كامل في مؤسسات الدولة[17].

اعتمد أبا جيفار على القاعدة السياسية والعسكرية التي وفرها له والده، واستطاع أن يؤسس مملكة جيمّا، ونتيجةً لذلك؛ لم يعد يُشار إلى جيما باسم (جيما كاكا) في الموروث الشعبي، بل اكتسبت اسم (جيمّا أبا جيفار) الذي اشتهرت به.

ينسب «هربرت س. لويس» إلى أبا جيفار إدخال العديد من «الابتكارات الإدارية والسياسية»، رغم غياب الأدلة التاريخية المحددة. واستناداً للتقاليد والأعراف الأورومية الشفوية؛ سيطر أبا جيفار على الأراضي الواسعة التي تم فتحها حديثاً، بالإضافة إلى الأراضي البكر أو غير المستغلة، فاحتفظ ببعضها لنفسه، واستخدم بعضها الآخر لمكافأة أسرته وأتباعه والمقربين منه. ويُقال إنه بنى ما لا يقل عن خمسة قصور في مناطق مختلفة من جيمّا[18].

ويشير المؤرخ «مردخاي أبير» إلى أنه بين عامي 1839 و1841م من حكمه، خاض أبا جيفار صراعاً مع أبا باغيبو ملك (ليمو– إنّاريا) حول إقليم (بادي–فولا). وكان هذا الإقليم مهماً للسيطرة على طريق القوافل بين مملكة (كافا) من جهة، وإقليمي (غوجام) و(شوا) من جهةٍ أخرى. وفي عام 1841م، توصّل الملكان إلى اتفاق سلام عام، ووثّقاه بزواج ابنة أبا جيفار من (أبا دولا) بن (أبا باغيبو). ولاحقاً تمكّن ملك جيمّا من ضم إقليم (بادي–فولا) عام 1847م، وبذلك ضمن السيطرة على هذا الطريق التجاري الحيوي[19].

كما كان أبا جيفار أول ملك في جيمّا يعتنق الإسلام، حيث اعتنق الدين عام 1830م على يد عبد الحكيم، وهو تاجر أمهري من غوندار. ويشير لويس إلى أنه حتى عام 1960م، كان قبر عبد الحكيم في جيرين ما يزال موقعاً موقراً[20].

3- أبا بوقا Abba Boka:

حكم في الفترة (1859–1862م)، وهو ابن أبا مَجال وشقيق أبا جيفار الأول. ونظراً لأن ابن ابن أخيه، موتي أبا ربو، كان رضيعاً عند مقتل والده، فقد تم تعيين عمّه أبا بوقا ملكاً. وكان مؤمناً متديناً بخلاف أسلافه، فدافع عن الإسلام في جيمّا. وفي عهده تمّت أسلمة مجتمع جيمّا بأكمله، وتمّ بناء المساجد بالقرب من مركز الحكم، وتمّ منح الأراضي للعلماء المسلمين، كما أمر مسؤوليه ببناء المساجد في مقاطعاتهم ودعم الشيوخ المحليين، ما جعل جيمّا مركزاً مهماً للتعليم الإسلامي في شرق إفريقيا[21].

كان أبا بوقا كبير السن جداً عند توليه العرش، وتوفي لأسباب طبيعية[22].

ومن الآثار الإسلامية الباقية إلى غاية اليوم: نجد مسجد (أفورتما) الكائن في وسط مدينة جيمّا الحالية، وقد تأسس هذا المسجد في عهد الملك أبا بوقا، وهو أول مسجد أُقيمت فيه صلاة الجمعة قبل أكثر من 190 عاماً. وكلمة (أفورتما) تعني (الأربعين) بلغة الأورومو، وترجع هذه التسمية للرأي الفقهي المعتمد في المذهب الشافعي القائل بأن «أقل عدد تُقام به صلاة الجمعة هو أربعون رجلاً من أهل وجوبها مع الإمام»، وظل المسجد وجهة لطلاب ودارسي العلوم الشرعية وتعاليم الدين الإسلامي[23].

4- أبا غومول Abba Gomol:

حكم في الفترة من (1862–1878م)، واسمه داود بن علي، وهو ابن أبا بوقا، وأمه امرأة من عائلة بوساسي في مملكة كافا، وهو والد أبا جيفار الثاني، أعظم ملوك جيمّا وآخرهم. وكان من أبرز إنجازات أبا غومول غزو مملكة غارو، التي أصبحت الجزء الجنوبي الشرقي من مملكة جيمّا[24].

5- أبا جيفار الثاني Abba Jifar II:

هو محمد بن داود بن علي، آخر ملوك جيمّا وأشهرهم، حكم في الفترة من (1878-1932م)، حافظ على استقلال المملكة في وجه الزحف الإمبراطوري النصراني لأكثر من 50 عاماً.

وهو ابن الملك أبا غومول، وأمه هي الملكة غوميتي[25]. حفظ القرآن ودرس الفقه، تأثر، خلال حكمه، بطائفة من الشيوخ الصوفيين، الذين دعّموا حكمه.

يُعدّ أبا جيفار الثاني أهم ملوك مملكة جيمّا وأكثرهم حضوراً في الكتابات التاريخية، في عهده بلغت المملكة ذروة قوتها السياسية والاقتصادية.

تميز حكمه بالاستقرار النسبي، وتعزيز مركزية السلطة، وتوسيع شبكات التجارة، خاصةً تجارة البن التي أصبحت مورداً إستراتيجياً للمملكة.

على الصعيد الديني؛ رسّخ أبا جيفار الثاني الطابع الإسلامي للدولة، فدعم العلماء والمؤسسات الدينية، وأسهم في تحويل جيمّا إلى مركز إسلامي بارز في جنوب غرب الحبشة. وواصل أبا جيفار الثاني نهج آبائه، وعمل على نشر الإسلام والدفاع عن المسلمين، ففي تلك الفترة عمد ملوك الحبشة المسيحية إلى اضطهاد المسلمين، وكانت مملكة جيمّا وجهة للمسلمين الفارّين من اضطهاد الإمبراطور يوهانس، خاصةً أهل منطقة «ولو» في شمال إثيوبيا.

سياسياً؛ انتهج سياسة براغماتية في علاقته بالإمبراطور منليك الثاني، فاختار الخضوع الاسمي ودفع الجزية مقابل الاحتفاظ بقدر من الحكم الذاتي، ما مكّنه من الحفاظ على استقرار المملكة لفترة أطول مقارنةً بغيرها من الممالك المجاورة[26].

واستمر الوضع قائماً على تلك المعاهدة حتى عام 1930م، حيث أُجبر الملك على التخلي عن العرش، وبذلك خضعت كامل أرض الأورومو لسيطرة أباطرة الحبشة النصارى. وتوفي أبا جيفار في عام 1932م.

وصفه بعض المؤرخين بقولهم إنه كان يتمتع بهيبة كبيرة، وإنه محبّ للعلماء والصالحين، وكان كريماً معهم ومسانداً للحركة العلمية الشرعية[27].

ويقول الأكاديمي والمؤرخ الإثيوبي البروفيسور آدم كامل: «إن الملك أبا جيفار عُرف بقوة انتمائه للإسلام والعمل من أجله، وبحبه للعلم والعلماء، وبسياسته التنموية التي أسهمت في تحويل جيمّا إلى منارة ثقافية واقتصادية». وأشار كامل إلى أن الملك كان له تواصل مباشر مع الدول العربية، منها المملكة العربية السعودية ومصر وعُمان وغيرها[28].

ثانياً: الدين والثقافة في مملكة جيما:

شكّل الإسلام عنصراً محورياً في الحياة العامة داخل مملكة جيمّا، حيث انتشرت المساجد ومراكز التعليم الديني، وازدهرت حلقات العلم. كما أدى العلماء والطرق الصوفية دوراً مهماً في نشر الإسلام وتعميق التدين الشعبي، وربط المملكة بشبكات دينية وثقافية أوسع امتدت إلى هرر وسواحل البحر الأحمر[29].

وقد شهدت مملكة جيمّا عملية أسلمة تدريجية امتدت على مدى قرنين تقريباً، غير أن اكتمال الطابع الإسلامي للمملكة بوصفه إطاراً جامعاً للسلطة والمجتمع تبلور بوضوح بحلول عام 1864م. وقد لعب كلٌ من التجار العرب والطرق الصوفية دوراً محورياً في هذا التحول، من خلال آليات اقتصادية ودينية واجتماعية متداخلة.

1- دور التجار العرب في ترسيخ الإسلام في المملكة:

ربط التجار العرب المملكة بشبكة من المدن التجارية الواسعة، مثل زَيلَع ومَصوَّع وهَرَر، ولم يقتصر دورهم على تبادل السلع– وعلى رأسها البن والملح والمنسوجات– بل امتد إلى نقل أنماط ثقافية ودينية إسلامية، بما في ذلك اللغة العربية، والممارسات الدينية، وأعراف المعاملات التجارية القائمة على الثقة والمرجعية الشرعية.

ومع تزايد أهمية البن في اقتصاد جيمّا خلال القرن التاسع عشر، تعمق احتكاك النخب المحلية بالتجار المسلمين، الأمر الذي عزز مكانة الإسلام بوصفه ديناً مرتبطاً بالازدهار الاقتصادي والانفتاح على العالم الإسلامي الأوسع. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، أصبح الانتماء إلى الإسلام عنصراً فاعلاً في إعادة تشكيل هوية النخبة الحاكمة، وفي تمييزها عن الممالك غير الإسلامية المجاورة[30].

2- دور الطرق الصوفية:

إلى جانب الدور التجاري؛ اضطلعت الطرق الصوفية بدورٍ حاسم في ترسيخ الإسلام اجتماعياً وثقافياً داخل مملكة جيمّا، فقد نشط مشايخ صوفيون في نشر الإسلام عبر التعليم الديني، وبناء المساجد، وإقامة الزوايا، مستفيدين من خطاب ديني مرن وقابل للتكيّف مع الأعراف الأورومية المحلية.

وقد مكّنت الصوفية الإسلام من النفاذ إلى البنى الاجتماعية الريفية، وربطه بالحياة اليومية للسكان، بعيداً عن الطابع النخبوي أو القسري. كما أسهمت الكرامات المنسوبة للأولياء، وشبكات الولاء الروحي، في تعزيز قبول الإسلام وترسيخه بوصفه مرجعية أخلاقية واجتماعية جامعة.

3- اكتمال الأسلمة والاعتراف السياسي بالإسلام (1864م):

بحلول عام 1864م، يمكن القول إن مملكة جيمّا قد بلغت مرحلة اكتمال الأسلمة، ليس فقط من حيث الانتشار الديني بين السكان، بل أيضاً من حيث الاعتراف السياسي بالإسلام بوصفه أساساً للشرعية الملكية. ففي هذه المرحلة أصبح الإسلام الإطار المرجعي للحكم والقضاء والتعليم، وتزايد حضور العلماء في البلاط الملكي، وتراجع دور الممارسات الدينية السابقة إلى موقع ثانوي أو اندماجي.

ويُلاحظ أن هذا التحول لم يكن نتيجة فرض قسري، بل جاء ثمرة تفاعل طويل الأمد بين التجارة والدعوة الصوفية والسلطة السياسية، ما منح الإسلام في جيمّا طابعاً محلياً متجذراً، ومكّن المملكة من الاندماج في الفضاء الإسلامي الإقليمي قبل خضوعها النهائي للتوسع الإثيوبي لاحقاً.

ثالثاً: بنية الحكم والشرعية السياسية:

اعتمدت مملكة جيمّا نظاماً ملكياً وراثياً، جمع بين الأعراف الأورومية المحلية ومبادئ الشريعة الإسلامية. وتمتع الملك بسلطات واسعة، رغم اعتماده على شبكة من الزعماء المحليين والعلماء المسلمين في إدارة شؤون المملكة. وأسهم القضاء الشرعي والمؤسسات الدينية في تعزيز مركزية الدولة وترسيخ الطابع الإسلامي للحكم، حيث وفَّر أساساً رمزياً وأخلاقياً للسلطة[31].

قُسّمت المملكة إلى 60 مقاطعة، كلٌّ منها تحت سلطة حاكم، وتم تقسيم كل مقاطعة منها إلى 15 مقاطعة صغرى، كلٌّ منها تحت رئيس منطقة، يقوم هؤلاء الحكام بتزويد الجيش بالجنود ويجمعون العمّال للأشغال العامة، لكنهم لا يحتفظون بجيش ولا بحقّ جمع الضرائب.

وكان مركز الحكم في القصر الملكي، وفيه ضباط يشرفون على شؤونه الداخلية، بينما أُسندت أغلب الأعمال خارج القصر لعبيد الملك.

رابعاً: الاقتصاد وشبكات التجارة الإقليمية:

استمدت المملكة أهميتها من موقعها الإستراتيجي على طريق القوافل التجارية بين ممالك الحبشة قديماً، إذ تربط بين جنوب إثيوبيا وغربها، فارتبطت المملكة بشبكات تجارة إقليمية نشطة، شملت هرر وشوا، وأسهمت في إدماج جيمّا في الاقتصاد الإقليمي للقرن الإفريقي. وقد وفّرت هذه الأنشطة موارد مالية مكّنت الدولة من الحفاظ على قدرٍ من الاستقلال السياسي حتى أواخر القرن التاسع عشر[32].

اعتمد اقتصاد مملكة جيمّا على الزراعة، خاصةً البن والحبوب، بالإضافة إلى الذهب والعاج، وسلع أخرى مثّل الزيت المستخرج من الحيوانات، وكان يُستخدَم لصنع العطور.

كما اشتهرت جيمّا ببعض المهن الاقتصادية مثل تربية الماشية، والحرف اليدوية التي اشتهر الأوروميون بإتقانها والتفنن فيها، مثل صناعة الأدوات المنزلية الخشبية، والملابس القطنية والجلدية التقليدية.

استخدمت مملكة جيمّا الريال النمساوي أو دولار ماريا تريزا للتعامل مع التجار، وهي عملة فضية سُكّت سنة 1741م وسُمّيت باسم الملكة ماريا تيريزا التي حكمت النمسا وهنغاريا وبوهيميا فترة 1740-1780م، واستُخدمت هذه العملة على نطاق واسع حتى نهاية الحرب العالمية الثانية في إفريقيا، ابتداءً من شمال إفريقيا حتى الصومال وإثيوبيا وكينيا وزنجبار وتنجانيقا إلى موزمبيق[33].

خامساً: مملكة جيما ومقاومة الهيمنة المسيحية الإثيوبية وصراع الهويات:

مثّلت مملكة جيما الإسلامية، منذ اكتمال أسلمتها في منتصف القرن التاسع عشر، أحد المراكز الرمزية والسياسية لمقاومة التمدد المسيحي الإثيوبي في مناطق جنوب غرب الحبشة.

ولم تقتصر هذه المقاومة على البعد العسكري، بل اتخذت أشكالاً ثقافية ودينية وهوياتية، جعلت من جيمّا فاعلاً مهماً في صراع طويل حول طبيعة السلطة والهوية في الدولة الإثيوبية الناشئة.

1- البعد الديني للهيمنة الإثيوبية:

ارتبط مشروع التوسع الإثيوبي في القرن التاسع عشر، ولا سيما في عهد الإمبراطور منليك الثاني، بإحياء فكرة الدولة المسيحية المركزية ذات الجذور السليمانية. وقد شكّل هذا المشروع تهديداً مباشراً للممالك الإسلامية المستقلة، مثل جيمّا وهرر وأوسا، التي رأت في التوسع الإثيوبي مساساً باستقلالها السياسي وخصوصيتها الدينية[34].

في هذا السياق؛ مثّل الإسلام في جيمّا عنصر مقاومة رمزية، إذ أصبح الانتماء الديني وسيلة لتأكيد التمايز عن السلطة المركزية المسيحية، ولحشد الولاء الداخلي في مواجهة الضغوط الخارجية. ولم يكن هذا الموقف بالضرورة صدامياً دائماً، لكنه عبّر عن وعي مبكر بتناقض المشروعين السياسيين والدينيين.

2- جيمّا كفاعل سياسي في مواجهة التمدد الإثيوبي:

اتبعت جيما، خاصةً في عهد أبا جيفار الثاني، سياسة مزدوجة تجمع بين المقاومة غير المباشرة والبراغماتية السياسية. فمن جهةٍ؛ حافظت على مؤسساتها الإسلامية ونخبها الدينية، ورفضت الذوبان الثقافي في النموذج الحبشي المسيحي. ومن جهةٍ أخرى؛ قبلت بالخضوع الاسمي ودفع الجزية لتفادي المواجهة العسكرية المباشرة، في محاولةٍ للحفاظ على أكبر قدر ممكن من الحكم الذاتي.

وقد مكّنت هذه السياسة جيمّا من الصمود فترة أطول مقارنةً بغيرها من الممالك الإسلامية التي سقطت سريعاً أمام التوسع الإثيوبي، لكنها في الوقت ذاته كشفت حدود المقاومة في ظل اختلال موازين القوة العسكرية.

3- تأثير تجربة جيمّا على صراع الهويات لدى القوميات المسلمة الأخرى في إثيوبيا:

يتجاوز تأثير تجربة جيمّا حدودها الجغرافية، إذ يمكن النظر إليها بوصفها جزءاً من سياق أوسع لصراع الهويات في المناطق ذات الأغلبية المسلمة داخل إثيوبيا، مثل إقليم أوغادين. ففي هذه المناطق تداخل البعد الديني مع البعد الإثني (الصومالي، الأورومي) في مواجهة الدولة المركزية التي ارتبطت في الذاكرة الهويّاتية بوصفها (مسيحية-حبشية).

وقد أسهمت تجربة الممالك الإسلامية، ومنها جيمّا، في ترسيخ تصور تاريخي لدى المسلمين في هذه الأقاليم؛ مفاده أن علاقتهم بالدولة الإثيوبية قائمة على (الضم والإخضاع)، لا على الشراكة المتكافئة. ولاحقاً؛ ستظهر هذه الذاكرة التاريخية في الخطابات السياسية والحركات الاحتجاجية في أوغادين خلال القرن العشرين، حيث استُدعيت نماذج تاريخية للمقاومة الإسلامية بوصفها جزءاً من سردية الهوية والصراع[35].

على الرغم من انتهاء الدور السياسي المستقل لمملكة جيمّا بضمها إلى الإمبراطورية الإثيوبية؛ فإن تأثيرها استمر في المجال الرمزي والهوياتي، فقد ظلت تمثل في الذاكرة المحلية نموذجاً لدولة إسلامية واجهت الهيمنة المسيحية، وحافظت على هويتها الدينية لفترة طويلة. ويُعدّ هذا البعد الذاكري أحد المفاتيح لفهم توترات الهوية والدين في إثيوبيا الحديثة، ولا سيما في الأقاليم المسلمة.

سادساً: أفول مملكة جيمّا وأسباب سقوطها:

مع تولّي أبا جيفار الثاني الحكم، بدأت سلطة (نُگُوسات شِوا)[36] تمتد إلى إقليم جيبي لأول مرّة منذ قرون، في سياق توسّع الدولة الإثيوبية المركزية أواخر القرن التاسع عشر[37]. وقد لاحظ رحالة أوروبيون معاصرون، مثل بوريللي وفرانزوي، مبكراً محدودية فرص المملكة في الحفاظ على استقلالها في ظل هذا التحول في موازين القوى[38].

وأمام هذا الواقع؛ تبنّى أبا جيفار الثاني، بتأثير من والدته غوميتي، سياسة المهادنة، فاعترف بسيادة منليك الثاني[39] وقَبِل بدفع الجزية، داعياً الملوك المجاورين إلى النهج نفسه[40]. غير أن هذا الخيار لم يحظَ بإجماع داخلي؛ إذ برزت مقاومة محلية، خصوصاً في (هاديا) بقيادة (حسن إنجامو)، انضم إليها بعض نبلاء جيمّا، بمن فيهم أحد إخوة الملك، بما يعكس انقسام النخبة السياسية بين المهادنة والمقاومة[41].

في المقابل؛ عزّز أبا جيفار الثاني تحالفه مع (شِوا)، وشارك في حملات إخضاع (كولو) عام 1889م، و(والأمو) 1894م، و(كافا) 1897م، ما أسهم في دمج جيمّا تدريجياً داخل المنظومة الإمبراطورية الإثيوبية[42]. وبحلول عام 1928م، بلغت الجزية نحو 87,000 ريال من ريالات ماريا تيريزا، إضافةً إلى 15,000 ريال لدعم الجيش الإمبراطوري[43].

ومع وفاة أبا جيفار الثاني كانت أُسس الحكم الذاتي قد تآكلت، الأمر الذي أتاح للإمبراطور هيلا سيلاسي[44] إنهاء استقلال جيمّا نهائياً.

ويشير هارولد ماركوس إلى أن هذا السقوط جاء نتيجة تراكم عوامل اقتصادية وإدارية وعسكرية، ولم يكن قراراً مفاجئاً[45]. وفي 12 مايو/أيار 1932م دخلت قوة حكومية جيمّا، ثم أُعلن ضمّها رسمياً إلى الدولة الإثيوبية، لتختفي آخر آثارها الإدارية لاحقاً ضمن إقليم كافا[46].

خاتمة:

تُظهر تجربة مملكة جيمّا الإسلامية أهمية الممالك الإسلامية المحلية في تاريخ جنوب غرب الحبشة، ودورها في تشكيل أنماط حكم جمعت بين الدين والعرف المحلي والاقتصاد التجاري.

اتسمت علاقات مملكة جيمّا بجيرانها بالتقلب، إذ تراوحت بين التحالف والصراع. ومع تصاعد التوسع العسكري للدولة الإثيوبية بقيادة منليك الثاني، وجدت جيمّا نفسها أمام ضغوط متزايدة.

كما تكشف الدراسة أن أفول جيمّا لم يكن نتيجة ضعف داخلي فحسب، بل ارتبط بتحولات إقليمية كبرى تمثلت في صعود الدولة الإثيوبية الحديثة.

وتوصي الدراسة بمزيد من البحث المقارن بين جيمّا وغيرها من الممالك الإسلامية في القرن الإفريقي، لفهمٍ أعمق لتاريخ الإسلام والسلطة في المنطقة.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M