- من الواضح أن انخراط حزب الله في الحرب مع إسرائيل، وفتح جبهة لبنان إسناداً للنظام الإيراني، ينطلقان من ارتباطه بإيران عقائدياً وسيطرة الحرس الثوري على قراره، ومن المستبعد أن يكون الحزب صاحب قرار إنهاء الحرب هذه المرة.
- ما لم يُحقق حزب الله مفاجأة بقدرته على إعادة التوازن العسكري مع إسرائيل (وهو أمر غير مرجّح)، فإن جميع سيناريوهات الحرب الدائرة سوف تنتهي في الغالب بتفكك جناح الحزب العسكري أو إضعافه إلى حد كبير.
- من المتوقع أن يؤدي تآكل القوة العسكرية لحزب الله نتيجة للحرب إما إلى انحساره بوصفهِ قوةً مهيمنةً داخل الطائفة الشيعية ولاعباً أساسياً في السياسة الداخلية، وإما إلى انقسامه وصعود الجناح السياسي على حساب الجناح العسكري، بما يُفضي إلى ولادة نسخة جديدة أكثر ضعفاً من الحزب.
لم تكد تمرّ 48 ساعة على بدء إسرائيل والولايات المتحدة الحرب ضد إيران في 28 فبراير 2026، واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، حتى شن حزب الله اللبناني هجمات صاروخية على إسرائيل رداً على اغتيال خامنئي، متجاوزاً كل التوقعات والتعهدات التي كان التزم بها بموجب اتفاق وقف الاعتداءات في 27 نوفمبر 2024، وأدخل بذلك لبنان في خضم حرب شاملة مع إسرائيل.
تناقش هذه الورقة، دوافع دخول الحزب للانخراط في الحرب، وتداعيات ذلك شعبياً وسياسياً وعسكرياً، ومحاولة استشراف النهايات المتوقعة للحرب على الجبهة اللبنانية.
دوافع إعلان حزب الله الحرب
في الثاني من مارس 2026، وبعد يوم من اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، ويومين من شن إسرائيل والولايات المتحدة الحرب على إيران، شن حزب الله هجمات بالصواريخ على موقع إسرائيلي للدفاع الصاروخي جنوب حيفا، وبذلك يكون الحزب قد أعلن رسمياً دخوله في الحرب. وكان هذا أول إعلان للحزب عن استهداف إسرائيل منذ بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في 17 نوفمبر 2024.
تتعدد الدوافع وراء اتخاذ حزب الله هذه الخطوة التصعيدية المفاجئة، بين ضغوط وحسابات داخلية وخارجية، إلا أن صاحب القرار -فيما يبدو- هو الحرس الثوري الإيراني، الذي يقود ضباطه مجموعات الحزب في لبنان، وذلك بعدما أيقنت طهران أن اغتيال المرشد في الضربة الأولى يوم 28 فبراير، يعني أنها تقود حرباً وجودية. ويمكن تحديد أبرز دوافع انخراط الحزب في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بالتالي:
أولاً، الارتباط بإيران، ويتمثل في نقطتين:
1. عقائدياً، لطالما أعلن الأمين العام التاريخي للحزب حسن نصرالله، أنه “جندي في جيش ولي الفقيه”، وهذا ليس تفصيلاً بالنسبة للولائيين، أي المؤمنين والمقلّدين لمبدأ ولاية الفقيه في الطائفة الشيعية. ويدين الحزب عقائدياً، المنتمي أساساً للمذهب الشيعي الاثني عشري، بالولاء لنظام الولي الفقيه في إيران الذي أسسه مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني، وتقوم على أن الولي الفقيه هو نائب الإمام الغائب الثاني عشر المهدي. وبالتالي تقوم العقيدة على أن الولي الفقيه الإيراني، وكان يمثله الإمام الخامنئي، يملك شرعية القيادة والولاية على الدم والمال وكل مناحي الحياة للشيعة. ومن هنا، بالنسبة للكثيرين، لم يكن ممكناً أن يقف حزب الله على الحياد بعد اغتيال المرشد في أولى الضربات الإسرائيلية التي استهدفت طهران، وهو الأمر الذي كان حذر منه أمين عام الحزب الحالي نعيم قاسم في خطاب أواخر يناير الماضي. وجاء السبب الأول لانخراط الحزب في الحرب، كما ورد البيان الأول، هو “ثأراً للدم الزاكي لولي أمر المسلمين” الخامنئي.
2. الارتباط المليشياوي بالحرس الثوري الإيراني، الذي أنشأ حزب الله ضمن عقيدة “تصدير الثورة” التي أرساها الخميني. ولا يمثّل ذلك سراً، وتذكره أدبيات الحزب، كما تحدث عنه نصرالله أكثر من مرة، موضحاً العلاقة العضوية التأسيسية للحرس الثوري الإيراني بحزبه. ودأب نصرالله في خلال السنوات الأخيرة على التذكير بالعلاقة المستمرة مع الحرس الثوري، وأقرّ بذلك علناً للمرة الأولى العام 2012، حين قال بأن الحزب يتلقى المال والسلاح من إيران، وكرر الأمر نفسه في العام 2016، حين قال إن المال والصواريخ تأتي من إيران، ووصف إيران في خلال “حزب الإسناد” في عام 2024 بأنها “السند الأقوى للمقاومة”. هذه العلاقة، وجودية، خصوصاً أن المجموعات العسكرية للحزب، والمرتبطة مباشرةً بالحرس الثوري في إيران، بات يقودها في لبنان، بعد الحرب الأخيرة، ضباط من الحرس الثوري. وهكذا فإن اغتيال الخامنئي نقل المواجهة بالنسبة لإيران إلى حرب وجودية، ولم يعد ممكناً إلا استخدام كل مكامن القوى، فاتخذ الحرس الثوري القرار وصدرت الأوامر لميليشيا الحزب المقاتلة بالانخراط في الحرب. وإذا كان تأثير الجبهة اللبنانية ضعيفاً، مقارنة بحجم المواجهة مع إيران، يبدو أن ازدياد إعلانات الإطلاق المتزامن للصواريخ من لبنان وإيران، كما ترد في الإعلام الإسرائيلي، يهدف إلى تشتيت قدرات الدفاع الإسرائيلية وإيقاع إصابات أكثر في الداخل الإسرائيلي.
ثانياً، دوافع لبنانية، وتتمثل بأمرين:
1. خروقات وقف إطلاق النار، فقد شكَّل استمرار الضربات الإسرائيلية، بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، أساساً لسردية الحزب للانقضاض على الاتفاق. وكان “حزب الله” حريصاً في بيانه الأول، إلى جانب ذكر “الثأر” لخامنئي، التركيز على أن استئناف الهجمات من طرفه دفاعي لأسباب لبنانية، فجاءت عبارة “دفاعاً عن لبنان وشعبه وفي إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة”. وحرص الحزب في كل بياناته اللاحقة التي أعلن فيها عن إطلاق صواريخ ومسيرات واستهدافات أن يبدأ بياناته بعبارة “رداً على العدوان الإسرائيلي المجرم”. ويدل ذلك على أن استمرار الأعمال الحربية الإسرائيلية، أو ما اصطلح على تسميته “حرية الحركة”، ضد الحزب منذ نوفمبر 2024، هو أحد الأسباب التي دفعته إلى الدخول في الحرب، وساعدته في بناء سرديته أمام بيئته بأن تدخَّله ليس فقط من أجل إيران، بل دفاعاً عنهم. وهو ما كان واضحاً في أول خطاب لأمينه العام نعيم قاسم بعد الانخراط في الحرب، حين قال إن إطلاق الصواريخ جاء بعد كثر من 10 آلاف خرق ميداني وجوي إسرائيلي منذ اتفاق وقف إطلاق النار طوال 15 شهراً.
2. تغيير قواعد الاشتباك الداخلية والخارجية، إذ تُشكل الحرب الحالية فرصةً لكي يحاول حزب الله تعديل موازين القوى الداخلية ومع إسرائيل لمصلحته. فمنذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر الماضي، وجد الحزب نفسه مكبلاً داخلياً بسلسلة إجراءات اتخذتها الحكومة اللبنانية، أبرزها القرارات المتخدة في في 5 و7أغسطس 2025 التي قررت بموجبها حصر السلاح بيد قوى الدولة وتكليف الجيش وضع خطة وتطبيقها خلال مهل زمنية محددة. تزامن ذلك مع منع الطيران الإيراني من الهبوط في بيروت، والذي مثّل لسنوات خط إمداد مباشر للحزب، وتجفيف منابع التمويل الخاصة بالحزب، إضافة إلى تطبيق الجيش المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح والتي شملت جنوب الليطاني، وانتقاله إلى المرحلة الثانية التي تشمل المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني وحتى نهر الأولي. واعتبر الحزب ذلك خيانة، ومحاولة لمنح العدوان الإسرائيلي شرعية تحت عنوان حرية العمل. وجاء ذلك مع شعور الحزب بالحصار بعد سقوط نظام بشار الأسد في سورية، وهو الأمر الذي لم يكن في الحسبان وعنى انقطاع شريان التمويل والتسليح الأساسي، والذي كان الحزب يعتمد عليه لإعادة ترميم قدراته كما فعل بعد حرب 2006. وسط كل ذلك، استمرت الضربات الإسرائيلية لتقويض قدرات الحزب العسكرية والبشرية من خلال الاستمرار في اغتيالات طاولت قادة عسكريين ومواقع عسكرية للحزب. عجز الحزب عن الرد العسكري، وانتكاسته المالية منعته من إعادة الإعمار وإعادة كسب الشعبية، وبدا أنه ذاهب إلى انحسار سياسي، بعد التراجع العسكري، مع خسارة قوة الردع والحماية وشبكات الأمان الاجتماعية، خصوصاً أن الحكومة اللبنانية باشرت بالخطوات الأولى نحو مباحثات سياسية مع الإسرائيليين. وهكذا شكلت الحرب فرصةً للانقضاض على “قواعد الاشتباك” الحالية، سواء التي حكمت المواجهة السياسية مع الحكومة اللبنانية او إدارة المواجهة مع إسرائيل.
تداعيات قرار الانخراط في الحرب
وقع قرار انخراط الحزب في الحرب وقوع الصاعقة على اللبنانيين، شعبياً وسياسياً، وبدا أقرب الحلفاء إلى الحزب وحتى مناصريه في حالة من الصدمة والشعور بالخداع. وطرح هذه الانخراط في الحرب أسئلة عن الفائدة من زج لبنان في الحرب مجدداً، بينما البلاد لم تتعافَ من تبعات “حرب الإسناد” لغزة بعد. ومن التداعيات المحتملة لقرار الحزب:
1. شعبياً
يواجه حزب الله مشكلة خسارة التأييد داخل الطائفة الشيعية التي تشكل بيئته الحاضنة والموالية. إذا كان التأييد للحزب لا يُقاس بمدى قبوله لدى كل اللبنانيين، بعدما خسره لدى سُنة لبنان على مر السنوات خصوصاً منذ انخراطه في الحرب السورية، ومن ثم خسارة الحليف المسيحي الأقوى أي التيار الوطني الحر ورئيسه النائب جبران باسيل، فإن البيئة الحاضنة من المناصرين والمؤيدين تتركز في البيئة الشيعية في الجنوب اللبناني والبقاع شرقاً، بالإضافة إلى الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت. ومقابل الحماية والردع، دفعت هذه البيئة كل الوقت ثمن مغامرات حزب الله العسكرية، وبعضها، كما الحرب اليوم، مرتبط بالمصالح الإيرانية.
واستمرار تعنُّت الحزب في عدم تسليم السلاح مترافقاً مع استمرار الضربات الإسرائيلية، عطّل أي مساعدات خارجية لإعادة الاعمار، وبالتالي بقيت قرى مدمرة بالكامل وخالية من سكانها، ولم يستطع نحو 90 ألف من أهل الجنوب العودة. وقد أضيف إليهم ما يزيد عن أكثر من 117 ألف نازح مسجل لدى الحكومة حتى 8 مارس، بينما يفوق عدد النازحين الإجمالي الـ 500 ألف. كل ذلك، مضافاً إليه الضعف الكبير لقدرة الحزب المالية على إعادة الإعمار والتعويض عن الخسائر في ظل انهيار اقتصادي لم تتعاف منه البلاد بعد، جعل اللبنانيين، وتحديداً البيئة الشيعية المناصرة للحزب، تستبعد تماماً أي انخراط للحزب في الحرب الحالية. كان واضحاً أن البيئة منهكة وغير قادرة على تحمل أعباء نزوح جديدة، وتوقعت أن الحزب الذي يمثلها سيتصرف وفق ذلك، لكنْ ما حصل أصابها بالصدمة، إلى حد أن عدداً من الشخصيات المرتبطة بالحزب عبّر عن صدمته بعد تبني الحزب لعملية إطلاق الصواريخ على جنوب حيفا، وذهب إلى حد الانتقاد الصريح لهذا القرار. ويؤشر ذلك، مضافاً إليه التململ الذي أظهره العديد من النازحين، إلى أن الحزب بات في أزمة غير مسبوقة مع بيئته الحاضنة.
2. سياسياً
يعد رئيسُ البرلمان نبيه بري، ضلعُ الثنائي الشيعي والحليف الأوثق و”الأخ الأكبر”، أولَ المصدومين بانخراط الحزب في الحرب، ذلك أن المصادر المتقاطعة، وكذلك التقارير الإعلامية، تتوافق على أن بري حصل على تعهد من الحزب بعدم التدخل في الحرب، لا بل إن بري كان قد ساهم في زيارة لوفد من الحزب إلى القصر الجمهوري وتطمين الرئاسة اللبنانية بألا انخراط في الحرب، خصوصاً أن رئيس الجمهورية جوزيف عون كان واضحاً في الإعلان عن أنه تلقى تعهداً من السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى بأنه لن يكون هناك تصعيد إسرائيلي في لبنان مادام لم تنطلق منه أي أعمال عدائية. كل هذه التطورات جعلت بري في موقف المخدوع، كما رئيسَي الجمهورية والحكومة على حد سواء، خصوصاً أن بري نفسه تولى نقل رسائل التطمين والتعهدات هذه باسم الحزب إلى كل من الرئيسَين، وإلى الجهات الدولية والإقليمية.
وإذا كانت علاقة الحزب بباقي الفرقاء السياسيين والأحزاب، متوترة أصلاً، فإن دخوله الحرب جعله يخسر حليفه الأبرز بري الذي، منحَ الغطاء الشيعي، عبر موافقة وزيريه، لقرار الحكومة الصادر في الثاني من مارس الذي اعتبر كل أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية “خارجة عن القانون”، وبالتالي صار هناك حظر وتجريم لميليشيا الحزب التي من دونها يفقد الحزب قوة وجوده السياسي.
3. عسكرياً
انتهاء القوة العسكرية للحزب قد تكون واحدة من أخطر مفاعيل الدخول في الحرب، لأنها ستؤدي إما إلى انتهائه بصفتهِ قوة متحكمة بالطائفة الشيعية ولاعباً أساسياً في السياسة الداخلية، وإما تشظيه وسيطرة الجناح السياسي على الحزب، وولادة نسخة جديدة ضعيفة. ويُغامر حزب الله، عبر الانخراط في الحرب الحالية، بفقدان ما تبقى من ترسانته الصاروخية ومن مسيراته، التي فقد منها نحو 80% في خلال حرب الإسناد، ولم يبقَ لديه -وفق مصدر عسكري مطلع- أكثر من 10 إلى 15 ألف صاروخ، تضم نسبةً من صواريخ الكورنيت المضادة للدروع، لكن الصواريخ البالستية والموجهة لا تشكل نسبة كبيرة منها. ويأتي ذلك في ظل انكشافه أمنياً وانهيار منظومة الاستخبارات لديه ما عرّضه -ولا يزال يعرضه- لاغتيالات متلاحقة. ويعني ذلك أن إطالة أمد الحرب ستهدد الترسانة العسكرية للحزب، بحيث لن يبقى أمامه سوى المواجهات البرية التي ستعني العودة إلى أيام حرب العصابات ضد الاحتلال، لكن هذه المرة من دون غطاء شعبي وخبرات قادة ميدانيين، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى انتهاء الحزب بوصفه طرفاً ذي وزن إقليمي وداخلي قادر على فرض معادلات الردع.
سيناريوهات نهاية الحرب
في حين أن الجبهة اللبنانية فُتحت إلحاقاً بالجبهة الإيرانية، فإن التطورات اللاحقة ليست بالضرورة مرتبطة بما ستؤول إليه الحرب مع إيران. ويمكن توقُّع ثلاثة سيناريوهات بارزة لمستقبل الحرب، ولما قد يؤول إليه مصير “حزب الله” نتيجة الحرب.
1. عملية عسكرية مقيدة ومحدودة
يتخذ هذا السيناريو شكل شن غارات جوية على مواقع وقيادات لحزب الله والقيام بعمليات توغل بطيء للجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني من دون إقامة مواقع، وهو بهذا المعنى لا يتضمن اجتياحاً برياً واسعاً أو تهجيراً شاملاً، وتعكس العمليات العسكرية الإسرائيلية في هذا السيناريو محاولات جس نبض قبل الاجتياح الأوسع. وقد بدأ الجيش الإسرائيلي الحرب بهذا السيناريو بالفعل، وتضمن بالفعل عمليات توغل تزامناً مع إخلاء الجيش اللبناني لنقاط عسكرية حدودية، ووصل هذا التوغل إلى بلدتي الخيام وميس الجبل بعمق يتراوح بين 4 و13 كيلومتراً، وصولاً إلى نشر فيديو للجيش الإسرائيلي من مواقع تمركزه الجديدة جنوب لبنان. وفي إطار هذا السيناريو، قد يتمكن الحزب من استدراج الجيش الإسرائيلي إلى مواجهات برية يستخدم فيها الأسلحة المتوسطة والخفيفة وصولاً إلى صواريخ كورنيت المضادة للدروع، وهي ساحة لا يزال يمتلك فيها بعض الأفضلية، بما قد يتيح له إلحاق خسائر بالجنود الإسرائيليين.
ومن أهم العوامل الدافعة لهذا السيناريو، أنه يجنّب الجيش الإسرائيلي الخسائر في الجنود والآليات، واستكشاف قدرات الحزب القتالية بما يتيح الانتقال إلى اجتياح بري أوسع بخسائر أقل. أما بالنسبة للحزب فإن هذا السيناريو يتيح له عبر المواجهات البرية استعادة الروح المعنوية لمقاتليه وثقة جمهوره باستعادته القدرة القتالية وتغيير قواعد الاشتباك. أما أبرز العوامل المانعة لهذا السيناريو فهي أن اعتماد إسرائيل هذا السيناريو سيؤدي إلى إطالة أمد الحرب، ويُعرّضها لخسائر نتيجة حرب العصابات التي قد يخوضها حزب الله. كما أن هذا السيناريو لا يحقق الأهداف التي أعلنتها إسرائيل، وهي القضاء على كل قدرات حزب الله ومنع أي تهديد من الحزب على سكان شمال إسرائيل؛ وهذا هدف أساسي بالنسبة لإسرائيل. وأخيراً، لا يدفع هذا السيناريو باتجاه أي حسم عسكري أو تدخل دبلوماسي، ما يجعل الاستمرار فيه أمراً مستبعداً.
2. الضغوط القصوى عبر التدمير الواسع
في ظل هذا السيناريو، سيبلغ التصعيد العسكري الإسرائيلي مداه. وسيتمثل بكثافة الغارات والتدمير الإسرائيلي للمناطق اللبنانية، سواء ذات الغالبية الشيعية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، أو باقي المناطق اللبنانية وإن بدرجة أقل، من دون الاكتفاء بالأهداف العسكرية لحزب الله. ويبدو أن الجيش الإسرائيلي بدأ التمهيد لهذا السيناريو من خلال الإنذار الذي وجّهه بإخلاء شبه كامل للضاحية الجنوبية لبيروت، ومناطق لبنانية أخرى، ما يعني أن الغارات والضربات ستكون عشوائية وعنيفة ومن دون ضوابط. يتيح هذا السيناريو للحزب استخدام منظومات الصواريخ التي يملكها من دون ضوابط، ويبني سرديته على فشل الحكومة في تأمين الرعاية والإيواء للنازحين من أجل رفع شعار المظلومية، وأن الشيعة مستهدفين من قبل الحكومة التي “تخدم أجندة العدو”.
ووفق هذا السيناريو، سيفرض الضغط الإسرائيلي بمساعدة أمريكية، استجابة الحكومة اللبنانية من خلال إنهاء حالة حزب الله ونزع السلاح. ومن المحتمل أن تنتهي الحرب باتفاق جديد برعاية أمريكية يحل مكان اتفاق وقف إطلاق النار والقرار رقم 1701، يتيح إغلاق الجبهة اللبنانية وتفكيك حزب الله وإضعافه بشكل نهائي.
من أهم العوامل الدافعة لهذا السيناريو، الحافز الإسرائيلي على التسبب في دمار هائل والتهجير الواسع الذي قد يصل إلى حد تغيير ديمغرافي من خلال منع الجنوبيين من العودة إلى قراهم، ما سيرتد سلباً على نسبة التأييد للحزب داخل بيئته، وبخاصة أن الحزب لن يستطيع أن يجاري إسرائيل في تبادل إطلاق الصواريخ إذا ما طال أمد الحرب. كما سيحقق هذا السيناريو أهداف إسرائيل المتمثلة بالقضاء على كل قدرات حزب الله ومنع أي تهديد على سكان شمال إسرائيل، وذلك بدون تكاليف عالية، نظراً لمحدودية التوغل البري للجيش الإسرائيلي. أما العوامل المانعةلهذا السيناريو، فهي حصول انتهاكات واسعة ضد المدنيين في لبنان قد تؤدي إلى ضغط دولي وربما أمريكي لإنهاء الحرب قبل تحقيق أهدافها، في حين أن ذلك سيُضعِف موقف الحكومة اللبنانية في الاستجابة للمزيد من الضغط على حزب الله.
3. اجتياح جنوب لبنان مع إنهاء الحزب عسكرياً مباشرةً
يختلف هذا السيناريو بأنه يضمن حشد إسرائيل قوات كبيرة واجتياح شامل بهدف إقامة منطقة عازلة وخالية من السكان، مع سيطرة ميدانية كاملة للجيش الإسرائيلي بعد إخلاء جنوب الليطاني من سكانه، وإقامة مراكز عسكرية دائمة للسيطرة على منطقة حدودية جنوب نهر الليطاني. وهو على العكس من السيناريو الثاني، يعني أن تنخرط إسرائيل مباشرة وبقواها الذاتية في تدمير حزب الله وهزيمته عسكرياً، تمهيداً لفرض اتفاق سلام مباشر مع الحكومة اللبنانية.
من العوامل الدافعة لها السيناريو، إنجاز كل الأهداف الإسرائيلية بشكل مباشر، ومن ثم فرض اتفاقية سلام بالقوة مقابل ورقة الانسحاب ستضمن تحييد الجبهة الشمالية لعقود. أما العوامل المانعة فهي التكلفة العالية للاجتياح البري مع ما قد يرافقه من انتهاكات بحق المدنيين وربما تزايد الضغط الأمريكي لإنهاء الحرب قبل تحقيق الأهداف الإسرائيلية. كما أن وجود احتلال إسرائيلي طويل الأمد سيعني مدّ حزب الله بالشرعية لإعادة إطلاق جناحه العسكري والقيام بهجمات ضد القوات المحتلة، خصوصاً أن إنجاز المهمة قد يعني تجاوز منطقة جنوب الليطاني، وهي منطقة عملَ الجيشُ اللبناني وقوات “اليونيفيل” الأممية على تفكيك البنية العسكرية لحزب الله فيها. وسيتطلب إنجاز المهمة العمل في بيئة شعبية معادية، ومن الممكن أيضاً أن يؤدي هذا السيناريو إلى تشكل مجموعات مقاومة جديدة ترث الدور الحالي للحزب من دون أي ارتباط به. وقد يعني السيناريو لإسرائيل تكرار سيناريو غزة، بمعنى أنه على رغم السيطرة التامة على الأرض والتدمير الكبير هناك، ما زالت إسرائيل غير قادرة على إنهاء “حماس” والسيطرة التامة على القطاع وإدارة حركة الفلسطينيين ودفعهم إلى ترك غزة.
استنتاجات
من المهم الإشارة إلى أن ترجيح سيناريو على آخر لا يرتبط بحزب الله، الذي مثلما أنه لم يكن صاحب القرار في الانخراط بالحرب، فهو لن يكون صاحب القرار في تحديد كيفية إنهائها. إذ ينطوي كل سيناريو على ديناميات وأطر زمنية مختلفة، لكن ما لم يُحقق حزب الله مفاجأة بقدرته على إعادة التوازن العسكري مع إسرائيل (وهو أمر غير مرجّح)، فإن جميعها تنتهي في المحصلة إلى تفكك جناحه العسكري أو إضعافه إلى حد كبير.
السيناريو الأول ليس سوى البداية ومن غير المرجح أن تنتهى الأمور عنده، إلا في حال قررت إيران في مدة قريبة توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة والتضحية بحزب الله في لبنان، مع أن هذا قد يكون مُستبعَداً، بالنظر لقوة الروابط الهيكلية والأيديولوجية بين الحزب والنظام الإيراني. وإذا كان السيناريو الثاني يبدو خياراً مثالياً للمخططين العسكريين الإسرائيليين، بسبب ضمانه لتحقيق الأهداف جوياً وبأقل الخسائر، فإنَّ التطورات الميدانية الأخيرة (حتى 24 مارس الجاري)، تُظهِر أن إسرائيل قد تمضي قُدماً في السيناريو الثالث على رغم كل التحديات والمخاطر المرتبطة به، حيث تواترت مؤشرات قوية وملموسة تؤكد أن إسرائيل بدأت بالفعل في تنفيذ وتوسيع عمليات توغل برية في جنوب لبنان، مع وجود خطط معلنة لتعميق هذا الاجتياح. وفي هذا السياق، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن إسرائيل ستواصل السيطرة على المنطقة الأمنية حتى نهر الليطاني، وأنَّهُ لن يُسمَح للنازحين بالعودة قبل ضمان أمن الشمال. وسبق ذلك، إعلان الجيش الإسرائيلي رسمياً في منتصف مارس 2026 عن بدء “نشاط بري محدد ومركز” ضد مواقع حزب الله في جنوب لبنان، وتلا ذلك مصادقته على خطط جديدة لـ “تعميق وتوسيع العمليات البرية” داخل لبنان. وفي خطوة لاحقة، بدأ الجيش الإسرائيلي بتفجير الجسور فوق نهر الليطاني، في خطوة تمهيدية لعزل الجنوب اللبناني وتسهيل الاجتياح البري.