مكافحة الإرهاب ـ إستراتيجية العمليات عبر الأفق

إعداد: اللواء الركن المتقاعد الدكتور عماد علوّ، مستشار المركز الأوربي لدراسات مكافحة الإرهاب

مدخل ـ مكافحة الإرهاب

بعد الانسحاب الأمريكي السريع والمثير للجدل من أفغانستان بعد عشرون عاما” من الحرب لابد أن نتساءل عن المستقبل الذي يواجهه جيش الولايات المتحدة؟  بعد أن تحول الجيش الامريكي من كونه قوة تركز على العمليات التقليدية عالية الكثافة إلى قوة تقاتل عدوًا غير منظور ومختلطًا بالسكان في اطار الحرب على الإرهاب، التي صرح عدد من قادة البنتاغون أنها لم تنتهي ولا تزال مستمرة.. الا أن واقع الوضع العسكري الحالي الذي يواجه القوات الامريكية في الشرق الأوسط هو أن الجيش الامريكي يفتقر إلى خصم واضح لتعريف نفسه ضده الامر الذي يعقد قدرته على الدفاع عن دوره المستقبلي، مما قد يواجه قادة البنتاغون صعوبات في شرح أدوارهم للجمهور الامريكي المتشكك، وقد يواجهون أيضًا مشاكل في تطوير إطار عقائدي تعاوني، Air Sea Battle، لأعمال عدائية محتملة مع الصين. لذلك فقد دفعت مشاهد الانسحاب الأمريكي المتسرع من أفغانستان والاتفاق مع حكومة بغداد على انسحاب القوات الامريكية المقاتلة من العراق في نهاية العام 2021، الى التساؤل عن الكيفية التي سيتقدم بها الجيش الامريكي لمواجهة التحديات والتهديدات الجديدة التي لن تخلو من الاعتبارات السياسية …؟.  التنظيمات المسلحة في الشرق الأوسط ـ تحليل أولي إلى ملامح الاقتصاد . بقلم الدكتور عماد علو

الحرب عبر الأفق ـ مكافحة الإرهاب

وفي 31/أغسطس/2021 صرح الرئيس الأمريكي جو بايدن ” “سنواصل مكافحة الإرهاب في أفغانستان ودول أخرى دون حروب برية”. مشددا” على أهمية “الاعتماد على الاستراتيجية عبر الأفق في أفغانستان”، التي تقوم على التقنية العسكرية المتطورة وعلى رأسها الطائرات المسيرة (Drones) . وهذه الاستراتيجية وان كانت تبدو واعدة الا انها ستواجه عقبات ومعاضل قانونية وتكتيكية وتقنية أيضا”.

فبالرغم من قوة التكنلوجيا التي تمتع بها هذه الطائرات والتطور الكبير لكنها اسفرت ايضا عن خسائر وتسببت في كوارث انسانية كما في العديد من الحوادث التي وقعت في افغانستان والعراق واليمن بسبب اختلاط الامر على المشغلين الموجودين في قواعد عسكرية بعيدة عن ساحة العمليات العسكرية، مما شكل صعوبة بالغة في التمييز بين المدنيين والعناصر الإرهابية المستهدفة.

وسبق أن اشارت تقارير صادرة من البيت الابيض ان عدد المدنيين الذين قتلوا في ضربات الطائرات بدون طيار(Drones) في باكستان واليمن والصومال وليبيا كان في ارتفاع مستمر، الامر الذي اثار الكثير من الانتقادات واثار الجدل حول البرنامج العسكري السري الذي تقوم به الطائرات الاميركية بدون طيار.

المبررات الاستراتيجية والعملياتية

أظهرت الحروب الامريكية في العراق وسوريا وأفغانستان، تراجع أهمية الحروب البرية، في ظل تزايد الاهتمام بالأنظمة السيبرانية، والطائرات بدون طيار، والقوات الخاصة، وغيرها من الأسلحة التي لا تحتاج إلى قوة بشرية تديرها، وهي الأمور التي ساهمت في طرح استراتيجية العمليات عبر الأفق.

عقب انتهاء عمليات الإجلاء الأميركية من أفغانستان.. أعلن الرئيس جو بايدن في الأول من سبتمبر 2021، أن عصر التدخل العسكري لتشكيل دول أخرى قد انتهى. في وقت أكد فيه وزير الدفاع الأميركي الحالي لويد أوستن، في أول خطاب له عقب بدء الانسحاب الأميركي غير المشروط من أفغانستان- أن “الحروب التقليدية استنزفت وزارة الدفاع وقد ولى عهدها”.

ويبدو من التصريحات التي صدرت عدد من القيادات العسكرية والسياسية الامريكية أن هناك اتجاه جدي لمغادرة عصر التدخلات العسكرية الكبيرة في مناطق الحرب البعيدة، بالنظر الى عدم نجاح العديد من العمليات العسكرية الكبرى، بما في ذلك في أفغانستان والعراق الذي تشكل تجربة غزوه سببا كافيا لمنع السياسيين من القيام بأي تدخل عسكري واسع في الشرق الاوسط لجيل كامل أو أكثر. فقد كانت عمليات الانتشار الواسعة النطاق والطويلة الأجل، مكلفة للغاية، بالدم والأموال وبالثمن السياسي في الداخل.

الجدير بالذكر أن حروب التدخل العسكري، كانت قد كلفت الامريكان اكثر من 58 ألف اميركي في حرب فيتنام وما يقرب من 15 الف جندي سوفيتي في أفغانستان، كما أن فرنسا خسرت ما يزيد قليلا عن 50 جنديا في مالي منذ العام 2013، بالإضافة الى التكلفة المالية التي تتجاوز التوقعات بشكل شبه دائم، حيث بلغت كلفة الوجود العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان أكثر من تريليون دولار، وعشرات آلاف الضحايا بين صفوف القوات الأفغانية والمدنيين الأفغان والقوات الغربية والقوات المعادية (طالبان).

وفي هذا السياق قال رئيس الأركان العامة البريطاني الجنرال مارك كارلتون سميث في 2 يونيو/حزيران 2021 خلال مؤتمر الحرب البرية التابع لمعهد الخدمات المتحدة الملكية :” ان الجيش المعاصر سيكون “أكثر تشابكا، وأكثر سرعة في الانتشار، واكثر ارتباطا رقميا، مع ارتباط الجندي بالأقمار الصناعية، ويرتكز على لواء العمليات الخاصة”، وهذا يعني حتما اعتمادا أكبر على التكنولوجيا الرقمية المتطورة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة(Drones) في إشارة واضحة، إلى أن الاتجاهات الناشئة عن الصراعات الاخيرة دفعت لإعادة التفكير جذريا في الاولويات الاستراتيجية. مكافحة الإرهاب… القتال ضد تنظيم داعش. بقلم الدكتور عماد علوّ

ان استراتيجية العمليات عبر الأفق تعزز وتدعم الفكرة التي طرحها الباحث في المجلس الاطلسي ومقره واشنطن شون ماكفيت عندما قال “إن النظام العالمي المتمركز حول فكرة الدولة، يفسح المجال (لفكرة) الحرب بدون دول”. فالتطوّرات العلميّة التي تسمح للطائرات بلا طيّار بالارتفاع مسافات بعيدة في الجو، وبعبور أجواء الدول بسرعة هائلة أحيانًا، تجعل من الصعب، عمليًا، مُمارسة السيادة الوطنيّة على هذا المجال الجوي، كما إنّ الدول لم تُبْدِ، منذ أن غزت الطائرات بلا طيّار المجال الجوي، أيَّ اعتراضٍ أو احتجاجٍ على تحليق هذه الأجسام فوق إقليمها. ولهذا تخلّت مُعظم الدول عن التشبُّث بفكرة السيادة.

اتجاهات التنفيذ والاستخدام ـ مكافحة الإرهاب

سيشكل العامل الجغرافي لاستخدام استراتيجية العمليات عبر الأفق عنصرا” مهما” في تحديد مدى نجاح وتطبيق هذا النوع من العمليات باستخدام الطائرات المسيرة (Drones)فالحاجة الى قواعد قريبة من مناطق التأثير والاهتمام ستكون مطلبا” ملحا” للاقتصاد بالجهد وتأمين الدقة والسرعة في التنفيذ.

وهناك مُحاولات حثيثة لتطوير طائرة بلا طيّار تستطيع التعرُّف على العناصر أو الأفراد المُستهدفين، من خلال ملامحهم الشخصيّة أو البَيومِتْرِيَّة (Biometrics)، والمُبادرة إلى قتلهم على الفور إعتمادًا على برامج حاسوبيّة تلقائيَّة القرار، وليس اعتمادًا على أوامر المُشغِّلين الجالسين خلف شاشات الحواسيب في أماكن تبعد عشرات آلاف الكيلومترات عن مسرح العمليات الحربية ، ومن المُتوقَّع أن تتضمن استراتيجية العمليات عبر الأفق، استخدام الطائرات المسيرة في مجال اغتيال العناصر والشخصيات القيادية في التنظيمات الإرهابية، وهذا ما حصل بعد تفجير مطار كابل عندما اغتيل المخطط للهجوم على المطار وكان احد العناصر القيادية في تنظيم داعش/خراسان، كما يقد تشمل استراتيجية العمليات عبر الافق أيضا” ضرب المواقع الإستراتيجيّة.

ان استراتيجية العمليات عبرالافق تعد من أحدث وسائل الحرب المتطورة، وتزداد القناعة بها يوماً تلو الآخر، وكذا العمل على تطويرها، بوازع أنها توفر الدم البشري، وكذا التكلفة المالية، فهي تساق من غير عناصر آدمية، وتكفي غرفة في ركن قصي من الأرض، لكي يقوم عدة أفراد بقيادة أسراب من تلك الطائرات.

الابعاد القانونية والأخلاقية

لم يعد الحديث عن اعتماد وزارة الدفاع الامريكية استراتيجية العمليات عبر الافق حديثاً مستقبلياً، بل هو واقع حي معاش على الصعيد العالمي، فقد تصاعدت حدة العمليات عبر الافق في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فمنذ عام 2017، قام البنتاغون بتوسيع استخدام الطائرات المسيرة المسلحة خارج ساحات القتال التقليدية، وفتح المجال للجيش الأميركي لتنفيذ ضربات قاتلة باستخدام الطائرات المسيرة في كل موقع وموضع يشك أن به خلايا إرهابية، وتم تطبيق الأمر على الصومال واليمن والعراق وأفغانستان.

وترتبط استراتيجية العمليات عبر الافق ارتباطًا عضويًّا بمسألة تطوّر وسائل الحرب الحاليّة والمستقبليّة. ولاستراتيجية العمليات عبر الافق أبعاد وجوانب وانعكاسات قانونية واخلاقية مُتعدِّدة يصعب علينا، في بحث واحد، الإلمام بها جميعًا. الا أنه بالرغم من أن داعش والقاعدة وأشباهها فكرياً من الجماعات الإرهابية، تمثل تهديداً جد حقيقي، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كانت قوانين الحرب تسري أساساً على أعمال القتل المستهدف خارج ميادين القتال التي لم تعد واضحة.

وماذا لو العمليات عبر الأفق قد تؤدي الى القتل بمجرد الاشتباه بعضويتهم بجماعات ارهابية مسلحة ليست في حالة حرب معها من الواضح أنه سيتعين على منظمات حقوق الإنسان، المؤتمنة على ترويج وحماية حقوق الإنسان حول العالم، أن تلعب دوراً بهذا الصدد خصوصا” ان الضربات الجوية الاميركية أدت في عدد من الحالات الى سقوط ضحايا من المدنيين.

ولا يبدو أنّ المبادئ حول استخدام استراتيجية العمليات عبر الأفق، لم تَرْقَ بعد إلى مرتبة القواعد القانونيّة المُلزمة. وانتقالها إلى هذا الصعيد لا يتمّ إلاّ عند تحوُّلها إلى عرفٍ متواترٍ ومُستقرٍ، أو عند تدوينها في اتفاقية دوليّة، الا سرعة تطوير تكنولوجيا الطائرات بلا طيّار فان تبلور القواعد العرفيّة والقانونية التي تحدد استخدامها قد تحتاج الى وقت طويل.

تداعيات غير محسوبة ـ مكافحة الإرهاب

بالمقابل قد تشجع استراتيجية العمليات عبر الأفق التنظيمات الإرهابية (داعش والقاعدة وغيرهما) على الرد بالمقابل بتوسيع استخدام الطائرات المسيرة (Drones) للقيام بعمليات إرهابية بعد أن أدركت جماعات الإرهاب أن هناك تحسينات قد جرت على المركبات العسكرية بشكل قوي، فلم تعد تتأثر بالعبوات المزروعة على الأرض، لذا اعتبرت أن الطائرات المسيرة توفر لها خدمة غير مسبوقة، وهذا ما بدأ بالفعل منذ عام 2016، عندما استخدم الدواعش “الطائرات المسيرة” الرخيصة والمتوفرة تجارياً لإلقاء قنابل يدوية على القوات العراقية.

الحقيقة المؤكدة هي أن العالم أمام تحد غير مسبوق يدخل ضمن آليات وأساليب الجيوش الفقيرة والفصائل المسلحة المتطرفة، ومع قليل من الإبداع التقني وتقبل الأضرار الجانبية، تعوض هذه الأطراف ضعف الوسائل التقنية الحربية التي تكون غالباً باهظة الثمن. الناتو في العراق قراءة عسكرية في الأبعاد الإستراتيجية والعملياتية. بقلم الدكتور عماد علو

الخاتمة

سيبقى مفهوم العمليات عبر الأفق مثار جدل وبحث ونقاش في السنوات المقبلة لاسيما وأن مرحلة وشكل جديد من الحروب بدأ يلوح في الأفق بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وآخر متوقع من العراق وسوريا. الا سرعة تطوير تكنولوجيا الطائرات بلا طيّار قد تجعل من الصعب تصور سيناريوهات واشكال العمليات عبر الأفق، هل ستكون بطائرات مفردة أم باستخدام اسراب من الـ(Drones) ؟ ما هو موقف الدول من الإشكاليات التي ستنجم عن استخدام العمليات عبر الأفق؟ هل ستتزامن الحروب السيبرانية مع عمليات الطائرات المسيرة بدون طيار في اطار العمليات عبر الأفق؟ سنتابع الموضوع في المستقبل للحصول على إجابات محددة …

 

.

رابط المصدر:

https://www.europarabct.com/%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%81%d8%ad%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b1%d9%87%d8%a7%d8%a8-%d9%80-%d8%a5%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M