بقلم الخبير الاستراتيجي التنموي
د.ف. سامح الوظاف
يشهد الشرق الأوسط اليوم تحولات عميقة في موازين القوى، وبروز استراتيجيات جديدة منها ما صنعتها المدرسة اليمنية؛ بصمودها وتطورها الذاتي لتجاوز الضعف بصناعة اسلحة هجومية فعالة بكلفة محدودة تعجز اسلحة العدو تصديها وتكلفة أكثر ٥٠٠ ضعف لتصديها، كذلك استراتيجية تفعيل البيئة التي حباها الله كسلاح فعال، ففعلت اليمن باب المندب كسلاح اقتصادي وسياسي
اليوم نحن امام صناعة القوى وتحقيق السيادة، وانهاء الهيمنة الأحادية الذي ساد لعقود.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
هل يعي العرب والمسلمون طبيعة التحول الجاري؟
وهل يمتلكون رؤية استراتيجية لاستثمار اللحظة التاريخية نحو سيادة حقيقية واستقلال قرار؟
أولاً: الرؤية القرآنية لمفهوم السيادة
السيادة في القرآن ليست مجرد تحرر جغرافي، بل تحرر إرادة وقرار وقيم.
قال تعالى:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾
فالحاكمية هنا تعني:
استقلال القرار.
عدم الارتهان للخارج.
بناء نموذج وطني منسجم مع هوية الأمة وقيمها.
تحقيق العدل الداخلي قبل المواجهة الخارجية.
السيادة الحقيقية لا تُبنى بالشعارات، بل عبر:
مؤسسات قوية
اقتصاد مستقل نسبيًا
وعي شعبي ناضج
وحدة داخلية متماسكة
ثانيًا: القواعد العسكرية الأجنبية بين الواقع والسياسة
الوجود العسكري الأجنبي في أي منطقة غالبًا ما يرتبط بمصالح استراتيجية للدول الكبرى.
غير أن التعامل مع هذا الواقع لا يكون بالانفعال، بل عبر:
إعادة بناء التوازنات.
تعزيز الاستقلال الاقتصادي.
تقوية الجبهة الداخلية.
توحيد القرار السياسي.
فالقوة الدولية لا تخرج فقط تحت ضغط الخطاب، بل عندما تتغير كلفة بقائها سياسيًا واستراتيجيًا.
وهنا يكمن التحدي:
هل تمتلك المنطقة مشروعًا جامعًا يجعل الاستقلال خيارًا ممكنًا وليس مجرد أمنية؟
ثالثًا: وحدة الكلمة كشرط للتحول
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
القرآن يجعل وحدة الكلمة شرطًا للقوة، ويجعل التنازع سببًا للفشل:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
الواقع المعاصر يُظهر أن أكبر نقاط ضعف المنطقة ليست في قلة الموارد، بل في:
الانقسام الداخلي.
الصراعات البينية.
غياب المشروع المشترك.
وحدة الكلمة لا تعني إلغاء التنوع، بل تعني:
الاتفاق على الثوابت.
تقديم المصالح العليا على الخلافات الثانوية.
بناء منظومة تعاون إقليمي حقيقية.
رابعًا: مفهوم القتال في سياقه القرآني
قوله تعالى:
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
جاء في سياق تاريخي يتعلق بردّ العدوان ومواجهة حرب مفروضة على الأمة الناشئة.
ومن المهم في القراءة التحليلية المعاصرة التفريق بين:
النص في سياقه التاريخي.
وآليات إدارة الصراع في العصر الحديث ضمن القوانين الدولية وموازين القوى.
فالأصل في الشريعة:
دفع العدوان.
إقامة العدل.
حماية المستضعفين.
منع الظلم.
ولا يتحقق ذلك إلا ضمن ميزان الحكمة، ومراعاة المصالح والمفاسد، وحساب العواقب.
خامسًا: هل نحن أمام لحظة إعادة تموضع حضاري؟
النظام الدولي يشهد:
صعود قوى آسيوية.
تراجع نسبي للهيمنة الأحادية.
تحولات في أسواق الطاقة.
إعادة تشكيل طرق التجارة.
السؤال الأهم ليس:
كيف نواجه؟
بل:
كيف نبني؟
كيف نستثمر التحول في:
تنويع التحالفات؟
بناء اقتصاد إنتاجي؟
توطين التكنولوجيا؟
تعزيز الأمن الغذائي والمائي؟
إصلاح التعليم والإعلام؟
فالتحرر الحقيقي يبدأ من الداخل.
سادسًا: بين الخطاب التعبوي والمشروع الحضاري
الخطاب العاطفي قد يحرّك الجماهير، لكنه لا يبني دولًا.
والمشروع الحضاري يحتاج إلى:
رؤية فكرية واضحة.
قيادة راشدة.
مؤسسات مستقرة.
إصلاح أخلاقي وقيمي.
عدالة اجتماعية.
بدون هذه العناصر، يتحول أي تحول سياسي إلى فراغ أو فوضى.
سابعًا: التقوى كشرط للنصرة
الآية تختم بقوله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
المعية الإلهية مشروطة بالتقوى، لا بالشعارات.
والتقوى في بعدها الجماعي تعني:
العدل الداخلي.
محاربة الفساد.
صيانة الدماء.
حفظ الكرامة الإنسانية.
ترشيد القرار.
الخلاصة الاستراتيجية
إن التحول الجاري في المنطقة فرصة تاريخية، لكنه ليس ضمانة تلقائية.
وإدراك اللحظة يقتضي:
قراءة واعية لموازين القوى.
إصلاحًا داخليًا عميقًا.
وحدة كلمة حقيقية.
مشروعًا تنمويًا متكاملًا.
استقلالًا تدريجيًا مدروسًا في القرار.
فالسيادة لا تُنتزع فقط، بل تُبنى.
والوحدة لا تُفرض، بل تُصنع.
والنصر ليس مجرد مواجهة، بل ثمرة سنن إلهية تتحقق حين تتحقق شروطها.
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل عاقل:
هل نكتفي بالانفعال؟
أم نرتقي إلى مستوى المشروع الحضاري المتكامل؟
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وردنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي