كيف ساهمت التكنولوجيا في انتشار الاكتئاب النفسي؟

دلال العكيلي

الاكتئاب هو مرض العصر ويعد من أهم المشاكل الصحية التي تصيب جيل الألفية، صنف الاتّحاد العالمي للأطباّء النفسيين مرض الاكتئاب كثاني أخطر مرض في العالم ويقدّر عدد المصابين به بنحو 300 مليون شخص كما ينبّه إلى أنّ نسبة الأشخاص المنتحرين بسببه قد زادت بنسبة 500 في المائة في العشرية الأخيرة (ينتحر سنويّا مليون شخص أي بمعدّل شخص كلّ 28 ثانية)، واسباب الاكتئاب كثيرة وتعزى في يومنا هذا الى الكم الهائل من التكنولوجيا التي نمتلكها بين ايدينا ومن الصعب أن نتخيل وقتًا أكثر مناسبة لنكون ناس سعداء، فنحن متواصلون معاً بشكل كبير، ولا يوجد سبب يجعلنا نشعر بالملل، فيمكننا التعامل مع معظم المهام اليومية عبر بضع نقرات على هواتفنا المحمولة.

في كتاب (كيف تكون أنساناً) للكاتبة “واكس”،: “كنا نعتقد أننا سنكون غارقين فى هذه المدينة الفاضلة على الإنترنت، حيث نعيش حياة أسهل وأكثر إشباعًا من أى وقت مضى، ومع ذلك، فإن العكس هو الصحيح، أصبح الاكتئاب والقلق والشعور الخفى بعدم الأمان كبيرًا فى القرن الواحد والعشرين، ولم نشعر أبدًا بالسعادة فى قبضتنا”، وتابعت: “أين أجد السعادة؟، سؤال كنت أطرحه على نفسى، وعلى خبراء مختلفين، منذ سنوات، لقد استنتجت أن الإجابة تكمن فى الطريقة التى نعود بها لآدميتنا بعيدًا عن التكنولوجيا التى تستحوذ علينا”، موضحة: “كونك إنسانًا يعنى أنك تميل إلى التصرف والشعور والتفكير بطرق معينة، ولكن هذا لا يحدث فى العالم الإلكترونى، ما يؤكد وجود مشكلة ما، يستغلها شيطاننا ليواجهنا بالهواجس”.

وتوضح “واكس”: تعمل أدمغتنا على نظام تشغيل يبلغ عمره مئات الآلاف من السنين منذ أن خُلقنا، ولا توجد تحديثات ملائمة لتحسين أفكارنا ومشاعرنا للطريقة التى نعيشها اليوم، لذلك نشعر بالضيق بشكل دائم، غير قادرين على الإقلاع التام عن العمل، لأن المكتب يتبعنا فى المنزل، فى حين أن صور وسائل التواصل الاجتماعى للحياة المثالية لأى شخص آخر تجعلنا نشعر بأننا نفتقد هذه الحياة بطريقة ما، وبشكل متزايد، لأننا نقارن أنفسنا بغيرنا، فنحن نشعر بالتعاسة لأن تفاعلاتنا الاجتماعية تتم فى الفضاء الإلكترونى بدلًا من التواصل المباشر”.

وتضيف: “مع ذلك، فى كل مرة تتواصل فيها هواتفنا مع نصّ آخر أو بريد إلكترونى أو تنبيه إخبارى، تضىء مراكز الإحساس فى الدماغ، وهو ما يدل على أن التكنولوجيا أصبحت كالمخدرات، ونحن مدمنون، ونتيجة لذلك نعلم أننا غير سعداء، ولكن لا يمكننا تحديد السببن وتؤكد: “إننا نسعى عادةً إلى الكمال، وننسى أننا بشر لنا احتياجات إنسانية، وليس فى طبيعتنا أن نتصرف مثل الروبوتات المثالية الرقمية الخالية من العيوب، إنها طريقة أخرى نحاول فيها تجاهل طبيعتنا، وحتى نصبح سعداء يجب علينا أولًا أن نفهم ما نحن عليه حقًا، ومواصفات جسم الإنسان والدماغ التى تدفعنا للشعور والعمل”.

فقد أعلنت منظّمة الصحّة العالمية أنّ الاكتئاب الّذي تعرّفه بحالة من الحزن المستمرّ وفقدان الاهتمام بالأنشطة الّتي يتمتّع بها النّاس عادة قد ارتفع عدد المصابين به بنسبة 18 في المائة في عامين منذ 2015، وقد قدّرت عدد المصابين بالمرض حينها بنحو 322 مليون شخص في العالم ممّا يجعل الاكتئاب السّبب الرّئيسي لسوء الصحّة والإعاقة في جميع أنحاء العالم وتقدّر المنظّمة التّكاليف المرتبطة بالإصابة بالاكتئاب بنحو 1 تريليون دولار سنويا، وهو إذا مرض خطير، منتشر، معقّد ومكلّف بشريّا ومادّيا ويبدو أنّ الخطط المتّبعة للحدّ من خطورته وانتشاره ليست ناجعة بالحدّ الكافي ليتحوّل إلى “غول” نهم شرس يفترس الذّوات ويحوّلها إلى أشلاء وحطام، وباء يهدّد الجميع ولا يستثني أحدا في ظلّ عالم متوحّش معولم يزداد توحّشا.

اعراضه

يجب التمييز بين مرض الاكتئاب ومتلازمة الاكتئاب الّتي يمكن أن تصاحب أمراضا عضوية أو نفسيّة أخرى ويمكن أن يكون الاكتئاب مقنّعا في شكل قلق حادّ أو عمليّات تحويل وسلوكيّات هروب هي جسدية ونفسية وأهمّها:

– الشّعور بالحزن الشّديد والفراغ العميق.

– العصبيّة الشديدة مع التوتّر والقلق.

– اضطراب في الشّهية والنّوم زيادة أو نقصانا.

– التّعب الشّديد، الخمول، التباطؤ في الحركة وعدم الرّغبة في العمل أو أيّ نشاط بدني مع انخفاض مستوى الطّاقة.

– مشاكل في التركيز، الانتباه وصعوبة في اتّخاذ أيّ قرار.

– مشاكل في الجهاز الهضمي كالغثيان والإمساك أو الإسهال.

– الصّداع وآلام الظّهر.

– شعور بعدم التقدير الذّاتي وبالكره الذّاتي (حسب التحليل النفسي فانّ المكتئب يعيش حالة فراق للانا كحالة الفراق للأحبّة حين نفقدهم).

– شعور مبالغ فيه بالذّنب مع جلد الذّات.

– بروز أفكار الانتحار وإيذاء الذّات.

أنواعه وأسبابه:

– الاكتئاب العابر: وهو ردّ فعل قصير المدى على حادث معيّن ما يفتأ أن يزول مع مرور الوقت (وجود سبب خارجي).

– الاكتئاب المزمن الخفيف: قد يأتي بدون أسباب وبشكل دوري ولكنّه خفيف الأثر ويمكن التّعامل معه.

– الاكتئاب الحاد العظيم: وهو أخطر أنواع الاكتئاب وأكثره تدميرا ،يدفع للانتحار والقتل ويحوّل حياة المصاب إلى حطام.

مع العلم بأنّه يجب التمييز بين مرض الاكتئاب ومتلازمة الاكتئاب الّتي يمكن أن تصاحب أمراضا عضوية أو نفسيّة أخرى كما يجب الإشارة إلى أنّ الاكتئاب يمكن أن يكون مقنّعا في شكل قلق حادّ أو عمليّات تحويل وسلوكيّات هروب (كالإدمان على الكحول أو المخدّرات أو وسائل الاتّصال الاجتماعي).

وفي دراسة أخرى أجراها باحثون استراليون مؤخّرا تبيّن أنّ المراهقين الّذين يستخدمون هواتفهم المحمولة ليلا يعانون قلّة في النّوم وهم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب (الدراسة شملت عيّنة من 1101 شخصا أعمارهم تتراوح بين 13 و16 سنة) أمّا في دراسة ثالثة قام بها البروفيسور أليخاندروا ليراس الأستاذ في علم النّفس فقد استنتج أنّ هناك تاريخ طويل بين تغيير نماط المعيشة لدى النّاس بسبب التكنولوجيات الحديثة (بدأت مع التلفزيون وألعاب الفيديو وآخرها الهواتف الذّكية)(الدراسة شملت عيّنة من 300 طالب كان المدمنون منهم على الهواتف الذّكية أكثر عرضة لمستويات عالية من الاكتئاب والقلق).

ودراسة اخرى أجرتها أكاديمية طبّ الأطفال الأمريكية استنتجت أنّ أكثر من 22 في المائة من المراهقين يسجّلون دخولهم أكثر من 10 مرّات في اليوم الواحد إلى مواقع التّواصل الاجتماعي وهم يتعرّضون إلى تجارب سلبيّة ومحتويات غير لائقة وغير خاضعة للرّقابة قد تؤدّي لانجرافهم إلى تجارب خطيرة لتعاطي المخدّرات أو لسلوكيّات منحرفة زيادة على تعرّضهم لمحاولات التحيّل والابتزاز، ولعلّ لعبة الحوت الأزرق الّتي كانت سببا في انتحار العديدين تمثّل أفضل مثال، إلى جانب المحتويات المتضمّنة لمشاهد القتل أو الانتحار على المباشر أو الدّافعة لذلك أو النّاشرة لليأس والأفكار السلبية والهدّامة دون نسيان دور الأفلام الإباحية في تدمير الصحّة الجسدية والعقلية للأفراد. ويبدو أنّ العلاقة بين الاكتئاب وفرط استعمال الهواتف الذّكية وووسائل الاتّصال الاجتماعي هي ارتباطيه في الاتّجاهين في شكل حلقة مفرغة.

ادمان الهواتف الذكية

دراسة حديثة قامت بها جامعة إلينويز في الولايات المتحدة، تم البحث عن الرابط بين إدمان التكنولوجيات الحديثة – الهاتف الذكي تحديداً – والاكتئاب وللقيام بذلك، قام الباحثون بتوزيع استبيان على 300 طالب أمريكي وكان يتوجب عليهم الإجابة عن أسئلة نفسية مثل: “هل انخفضت درجاتك الدراسية بسبب استخدام الهاتف النقال؟” “هل تشعر بأن الحياة بدون انترنت حزينة ومملة؟”…

النتيجة؟ تبين أن الأشخاص الذين يظهرون إدماناً على استخدام الهاتف النقال أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب أو معايشة لحظات قلق، بحسب أليخاندرو لياراس أستاذ علم النفس والكاتب لعدة أعمال نشرت في الدورية المتخصصة “تأثير الحاسوب في سلوك الإنسان “وللتذكير، تظهر بعض الإحصائيات أنَّ أكثر من 350 مليون فرد يعانون من الاكتئاب حول العالم، فيما تؤكد دراسات عديدة تزايد أعداد المرضى في الدول العربية، إن “هذه الدراسة لا تعنى فقط بالمصابين بالإدمان” بحسب الأستاذ لياراس، حيث قام الباحثون بتحليل الرابط بين حيازة هاتف ذكي والتحكم بالضغط والمفاجأة أن أعراض الضغط تقلّ لدى الشخص إذا كان بحوزته هاتف ذكي “يبدو أن الهاتف أداة طمأنة أيضاً، حين نستخدمه باعتدال…” يضيف الأستاذ لياراس.

المراهقون في مرمى الاكتئاب

أفادت دراسة أمريكية حديثة، بأن قضاء المراهقين أوقات طويلة أمام الشاشات بأنواعها من كمبيوتر إلي أجهزة هواتف ذكية، قد يسهم في زيادة أعراض الاكتئاب والميل إلى الانتحار، خاصة لدى الفتيات، الدراسة أجراها باحثون بقسم علم النفس في جامعة “سان دييغو” الأمريكية، بالتعاون مع باحثين في جامعة ولاية فلوريدا، ونشروا نتاجها، في دورية (Clinical Psychological Science) العلمية.

ولرصد تأثير المكوث أمام الشاشات على الصحة النفسية للمراهقين، راجع الفريق بيانات استبيان أجرى على أكثر من 500 ألف من المراهقين والمراهقات في الولايات المتحدة، كما راجع الباحثون سجلات تتضمن إحصاءات حول حالات الانتحار التي تحتفظ بها المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) في الفترة من 1991 إلي 2015، ووجد فريق البحث أن معدل انتحار الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 13 و 18 عاما زاد بنسبة 65% بين عامي 2010 و 2015.

كما زاد عدد الفتيات اللواتي يعانين من الميل إلى التفكير في الانتحار أو محاولة الانتحار بنسبة 12٪، فيما ارتفع عدد الفتيات المراهقات اللائي أبلغن عن أعراض الاكتئاب الحاد بنسبة 58% خلال تلك الفترة، ووجد الباحثون أن 48% من المراهقين الذين أمضوا 5 ساعات فأكثر يوميًا أمام الأجهزة الإلكترونية أفادوا بأنهم فكروا فى الانتحار مرة واحدة على الأقل، مقابل 28% فقط ممن أمضوا أقل من ساعة في اليوم على هذه الأجهزة، وكانت أعراض الاكتئاب أكثر شيوعا بين المراهقين الذين أمضوا الكثير من الوقت على أجهزتهم الإلكترونية.

وقال الباحثون إن نتائج الدراسة تتوافق مع الدراسات السابقة التي ربطت بين قضاء وقتا أطول على وسائل التواصل الاجتماعي والإصابة بالتعاسة والاكتئاب، فى المقابل، وجد الباحثون أن قضاء المراهقين وقتا أطول بعيدا عن الشاشة، عبر الانخراط في الأنشطة الاجتماعية والخدمات المدنية وممارسة الرياضة، والواجبات المنزلية كان مرتبطا مع انخفاض معدلات وأعراض الاكتئاب واللجوء إلى الانتحار، وكانت دراسات سابقة حذرت من أن الضوء الأزرق الذي ينبعث من الأجهزة الرقمية، وعلى رأسها الهواتف الذكية، يمكن أن يسهم في انخفاض جودة النوم ليلاً وخاصة إذا تعرضت له العين قبل النوم.

وأضافت أن الضوء الأزرق، يمكن أن يضر بالرؤية، كما أنه يمنع إفراز هرمون الميلاتونين، الذي يتحكم في دورات النوم والاستيقاظ، وفي حالة حدوث خلل في مستويات إفراز الميلاتونين، وبالتالي ارتباك دورة النوم، تتزايد مخاطر تعرض الأفراد لعدد من الأمراض، التي تتراوح ما بين الاكتئاب والسرطان، وخطر التعرض للإصابة بالسكتة الدماغية والنوبات القلبية.

خلاصة يتّضح أنّ مرض الاكتئاب صار خطيرا جدّا ومتفشّيا بشكل وبائي خصوصا مع الانهيار القيمي الّذي يشهده العالم في ظلّ نظام التوحّش المعولم وانتشار التكنولوجيات الحديثة ووسائل الاتّصال الاجتماعي وعلى الجميع الانتباه وتكثيف الجهود للوقاية منه للحدّ من تبعاته وانتشاره.

………………………..
المصادر
– بي بي سي
– سيدتي
– الدستور
– وكالة الأناضول
– سواليف
– مدونات الجزيرة

رابط المصدر:

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M