2.5 استدامة قوة العمل في دول الخليج العربية

عمر الشهابي


أولاً: مفهوم قوة العمل

تركز هذه الورقة على النظر إلى قوة العمل في دول الخليج من منظور الاستدامة،[1] حيث تمضي الورقة في تناول الاستدامة من ناحية تحليل دورة إنتاج وإعادة إنتاج قوة العمل في اقتصاديات دول الخليج العربية.[2]

ماذا نعني بقوة العمل (labour power)؟ نعني بها القدرات الذهنية والبدنية التي يمتلكها الإنسان في جسده ويستعملها عند تأدية مهمة محددة في فترة معينة من الزمن. كمثال، فإن المعلومات التي يمتلكها الجراح في ذهنه والمهارات التي طورها في أطرافه عند استعماله أدوات الجراحة هي جزء من قوة عمله. وعندما تسخّر قوة العمل فعلياً في عملية الإنتاج، فإنها تصبح “عملاً” (labour) على أرض الواقع. وفي عصرنا الحالي، تعامل قوة العمل كسلعة، يبيعها كل موظف على من يشتريها من أرباب العمل لفترة معينة من الزمن. بحيث يحق لصاحب العمل أن يملي على الموظف أوجه استخدام قوة عمله في عملية الإنتاج خلال الفترة التي دفع لها صاحب العامل، على أن يحصل الموظف على مقابل مادي لهذه الفترة، ألا وهو الراتب.

ولكن قوة العمل سلعة فريدة من نوعها، فهي سلعة متوهمة (fictitious commodity) بحسب مفهوم المفكر كارل بولانيي، والذي يرى أن السلع المتوهمة هي تلك الكيانات التي يجري استملاكها وتسخيرها تحت منطق “السلعة” للبيع والشراء على الرغم من انها لم تخلق وتصنع اساساً بهدف ان تكون سلعاً، كمثال النفط او الأرض اللذين تواجدا في الطبيعة منذ ملايين السنين. فقوة العمل “سلعة” متواجدة في جسم وذهن الانسان، والبشر في عصرنا لا يتكاثرون ويعيشون وينجبون فقط بناء على اعتبارات بيع وتأجير قوة عملهم وأبنائهم في السوق، بل تدخل في هذه الحسابات عدة عوامل عائلية ودينية واجتماعية أخرى قد تأخذ الأولوية من ناحية إنجاب وتربية بني البشر. إذن، فإن الإنسان لم يولد أساساً بهدف بيع وتأجير قوة عمله في السوق كما هو الحال مع السلع الأخرى، وعلى الرغم من ذلك، فإننا نعامل قوة العمل في البشر وكأنها قد وجدت للتأجير والبيع في السوق. لذلك تنطبق على قوة العمل صفة السلعة المتوهمة.[3]

ومما لا شك فيه أن الإنسان والعلاقات الاجتماعية التي ينسجها بنو البشر بين بعضهم البعض هي أساس أي نظام اقتصادي، على الرغم من نسيان الكثير من الاقتصاديين لهذه النقطة في تحليلاتهم. ويتبوأ العمل المكان الرئيس من بين هذه الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية لبني البشر. وإذا ما ركزنا اهتمامنا على الناس الذين يشكلون قوة العمل في دول مجلس التعاون، تبرز لنا مباشرة وبشكل صريح تقسيمة رئيسية تميز دول الخليج من هذه الناحية بشكل فريد على مستوى العالم. فإجمالي سكان هذه الدول ينقسم بشكل متساو تقريباً بين المواطنين والوافدين. بل في أربع من دول الخليج، يشكل الوافدون أغلبية السكان، مقابل أقلية من المواطنين، حيث تصل نسبة الوافدين في بعض الدول كالإمارات وقطر إلى 90% من السكان. وتزداد حدة هذه الظاهرة عند النظر إلى أعداد المشتغلين من السكان، حيث تصل نسبة الوافدين بين إجمالي المشتغلين إلى ثلاثة أرباع، حيث يشكلون الغالبية في أي من اقتصاديات دول الخليج العربية، بينما تنخفض نسبة قوة عمل المواطنين إلى 5% في بعض دول المجلس.

الشكل 2.5.1: تركيبة السكان في دول مجلس التعاون من ناحية الجنسية لعام 2016، %

المصدر: أجهزة الإحصاء الرسمية في دول مجلس التعاون، أرقام الإمارات هي لعام 2014 والكويت لعام 2015. تم تقدير عدد مواطني قطر بـ 275 ألف شخص. مصدر احصائيات الإمارات هي:

“UAE population by Nationality”, BQ Magazine, April 2015, < http://www.bq-magazine.com/economy/socioeconomics/2015/04/uae-population-by-nationality# >.

الشكل 2.5.2: تركيبة العاملين في دول مجلس التعاون من ناحية الجنسية لعام 2016، %

المصدر: أجهزة الإحصاء الرسمية في دول مجلس التعاون، أرقام الإمارات وعمان لعام 2015. النسبة في الإمارات هي لعام 2009 وتم تطبيقها على أعداد 2015.

إذن، ما من شك في تشكيل الوافدين في مجتمعات دول الخليج العربية نسبةً عاليةً من السكان وقدرات المجتمع الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، خصوصاً في قوة العمل، ولفترةٍ ممتدة ومتصلة من الزمن.[4] وهذه خاصية تنفرد بها دول مجلس التعاون على مستوى العالم. فإذا ما حصرنا نظرنا في آخر نصف قرن من تاريخ البشرية، فقد تواجد الوافدون المهاجرون في كثير من دول العالم، لكن التطور في أغلب هذه المجتمعات كان يعني إما عودة الوافدين إلى ديارهم بعد انقضاء المهمة والفترة المعينة التي استقدموا من أجلها، وبذلك تتقلص نسبة الوافدين، أو يدمج الوافدين على مر الوقت في المجتمع، فيصبحون من مكونات المجتمع ومواطنين شركاء فيه تجمعهم وحدة الأرض والمصير. أما في دول مجلس التعاون فلا هذا ولا ذاك، حيث تتزايد أعداد الوافدين مع مرور الزمن، وإمكانية اندماجهم تبدو شبه معدومة سواء من ناحية القدرة الفعلية أو إرادة شعوب المنطقة، بل نرى تجذر انقسام المجتمع قانونياً واقتصادياً واجتماعياً بين المواطنين والوافدين.

وحتى نعمق فهمنا لهذه الظاهرة في دول مجلس التعاون، علينا أن نعاود زيارة مبدأ الحيزات أو المساحات الجغرافية المختلفة التي تنشط فيها دورة الإنتاج في دول المجلس. فإن كان رأس المال من أكثر السلع سهولة للتنقل حول العالم في الدورة الاقتصادية، فالحال يختلف عند الحديث عن حركة البشر. فعلى الرغم من أن تنقل الإنسان وقوة العمل الكامنة فيه أمر معروف على مستوى العالم وعلى امتداد التاريخ، إلا أنها أكثر تكلفة وصعوبة من حركة رأس المال أو السلع الأخرى. وعادة ما يسمى انتقال بني البشر من مكان إلى آخر “بالهجرة”، وهي ظاهرة قديمة وأساسية لبني البشر بقدم تاريخهم الاجتماعي. فقد هاجر النبي موسى من مصر إلى فلسطين، كما هاجر رسول الله محمد (ص) مع الصحابة من مكة إلى المدينة المنورة، كما هو الحال مع الملايين من بني البشر على مر التاريخ.

  وقد تغيرت مساحات تنقل وهجرة بني البشر بشكل هائل على مدى القرنين العشرين والحادي والعشرين، في خضم التطورات الاقتصادية والسياسية التي طرأت على المجتمع البشري في هذه الفترة. وبالإمكان القول بوجود عاملين رئيسيين غذيا مسارات تنقل بني البشر في هذه الفترة، اذا ما استثنينا الحروب والمجاعات والقحط. الأول هو تطور نمط الإنتاج والتأثيرات الاقتصادية المصاحبة له، وتفاعلها مع العرض والطلب لسوق العمل. فقد أدى ظهور تكنولوجيا جديدة مثل البواخر والطائرات والسيارات إلى تغيير جذري في قدرة بني البشر على التنقل، كما أدت الصناعات والقطاعات الاقتصادية الجديدة والمدن التي بنيت حولها إلى تغير ديمغرافي أساسي في نمط تنقل وعيش بني البشر.

أما العامل الثاني المهم في تشكيل أنماط تنقل ومعيشة الإنسان على مر القرن الماضي فقد تمثل في الدولة. فبروز الدولة ومؤسساتها كالوحدة الرئيسية لتنظيم الحياة السياسية على وجه الكرة الأرضية في القرن العشرين، يعد من العوامل المحورية في هندسة ديمغرافية المجتمعات البشرية. إذ بدأت أجهزة الدولة وفنون حكمها بوضع مفهوم “السكان” (population) وخصائص هذا المفهوم تحت ناظريها، في محاولة لمراقبتها وضبطها وحتى تشكيلها إن أمكن.[5] وأصبح مفهوم السكان ميداناً للعلوم والأبحاث والتحاليل، بحيث ينظر إلى مجموعة “السكان” في كل دولة بناء على عدة خصائص من أنماط النمو، والهرم السكاني والتوزيع الجنسي والعمري، وهي معايير تنخفض وترتفع وتتعادل في مزيج من الخصائص الديمغرافية في الدولة، وتعامَل كالقوانين الطبيعية التي تتيح رسم السياسات للتحكم فيها وحتى إعادة تشكيلها. وليس من المبالغة القول بأن أغلب بقاع العالم في القرن العشرين قد شهدت تشكيل التركيبة السكانية بناء على مبدأ تطابق المساحة الجغرافية لمواطني دولة معينة مع المساحة الجغرافية لمكان سكن مواطني هذه الدولة، ومع المساحة الجغرافية للعاملين في هذه الدولة. أي أن هناك تطابق حثيث بين سكان دولة معينة ومواطني هذه الدولة وقوة عملها، حيث يعيش جميعهم أساساً ضمن حدود الدولة نفسها، ويكون سكان الدولة المعنية هم أيضاً مواطنوها وقوة عملها.

طبعاً هذا التطابق لم يتم قط بشكل كلي وبنسبة مئة بالمئة. ومنذ العقد الأخير من القرن العشرين، أصبحت قضية الهجرة بين دول العالم ظاهرة بارزة فرضت نفسها كإحدى أهم القضايا التي يتناولها “المجتمع الدولي”، حتى وصل الحال ببعض الكتاب للإعلان بأنه لم يعد بالإمكان النظر إلى سوق العمل على أنه مبني أساساً على مبدأ مساحة الدولة، بل أصبح حيز “سوق العمل” ممتداً على مستوى العالم ويتعدى حدود أي دولة بشكل جذري. وعلى الرغم من أهمية ظاهرة الهجرة العالمية، إلا أن واقع الحال في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يشير إلى استمرار التطابق الحثيث في الحيز الجغرافي لهذه المجموعات البشرية الثلاث: سكان دولة معينة، ومواطني هذه الدولة، وقوة العمل فيها، بحيث يتطابق حيز هذه المجموعات الثلاث أساساً مع حدود الدولة. فالدولة تلعب دوراً رئيسياً في رسم القوانين وسياسات التعليم والصحة وغيرها، وتعتبر “حدود” أي دولة من أشد بقاع الأرض حوكمة وتقنيناً وإدارة كما يعلم أي شخص حاول عبور هذه الحدود براً أو بحراً أو جواً. وتلعب هذه الحدود دوراً رئيسيا في تحديد الفاصل بين طبيعة السياسات والقوانين التي يواجهها الشخص في دولة مقابل أخرى. بل إن إمكانية هجرة الإنسان عبر الحدود من دولة إلى أخرى تعتبر من أكثر الأمور التي تم تقنينها والتحكم فيها في العالم، إذ تخضع هذه الهجرات لسياسات وقوانين مشددة وصارمة بناء على الجنسية والدولة التي ينتمي إليها الفرد.

وفي العالم أجمع، بلغت نسبة المهاجرين خارج بلدهم الأم حوالي 3.3% من إجمالي السكان في عام 2015. وعلى الرغم من أهمية هذه النسبة، إذ تعادل حوالي 244 مليون شخص،[6] إلا أنها تبقى نسبة صغيرة من العالم الذي يصل تعداد سكانه إلى ما يقارب 7.5 مليار نسمة، يولد ويعمل ويموت أغلبيتهم الساحقة في دولهم “الأم”. وحتى في حالة المهاجرين، ففي الكثير من الأحيان يتم دمجهم ليصبحوا جزءاً من مواطني وقوة عمل الدولة التي هاجروا إليها. فلو نظرنا إلى إحصائيات الدول التي أصبحت معروفة بظاهرة الهجرة، كبريطانيا والولايات المتحدة، نجد أن نسبة غير المواطنين من سكان هذه الدول هي 8.9%[7] في الأولى و6.5% في الثانية لعام 2015. وترتفع هذه النسب قليلاً إذا نظرنا إلى نسبة السكان المولودين لأم وأب أجنبيين، إذ تصل إلى 13.5% في بريطانيا و13.5% في الولايات المتحدة،[8] ما يدل على تحول جزء كبير من المهاجرين إلى مواطنين في هذه الدول بعد الهجرة إليها. وترتفع هذه النسب أيضاً قليلاً إذا ما وجهنا نظرنا إلى سوق العمل، فيشكل المولودين لأم وأب أجنبيين 16.6% من المشتغلين في الولايات المتحدة (2015)، بينما تنخفض هذه النسبة إلى ما دون العشرة بالمئة إذا احتسبنا غير المواطنين فقط.[9] أما في المملكة المتحدة، فيشكل غير المواطنين 10.7% من إجمالي القوى العاملة، وترتفع هذه النسبة إلى 16.7% إذا ما نظرنا إلى المولودين لأم وأب أجنبيين.[10] وإجمالاً يبقى الحال أنه حتى في هذه الدول ذات الهجرة المرتفعة، فإن الأغلبية الساحقة من سكانها والعاملين فيها مكونة أساساً من مواطني هذه الدول.

ثانياً: تعريف وتوصيف “الخلل السكاني”

تشكل دول الخليج العربية الاستثناء الفاقع على مستوى العالم من ناحية سكانها، إذ لا يوجد تطابق بين السكان والمواطنين وقوة العمل في أي منها. بل كما رأينا، فإن نسبة غير المواطنين من بين السكان القاطنين في الحيز الجغرافي لبعض دول الخليج تصل إلى 90%، وتزداد هذه النسبة حدة إذا ما نظرنا إلى قوة العمل. وهذه الظاهرة الفريدة عالمياً تحتاج إلى تمحيص خصائصها الرئيسية.

من البديهي القول أن التقسيمة بين “مواطن” و”غير مواطن” تشكل علامة فارقة أساسية لتقسيم البشر القاطنين في دول مجلس التعاون، أكان ذلك على المستوى القانوني أم السياسي أم الاجتماعي، أو حتى في طريقة قياس وتقديم الإحصائيات السكانية في هذه الدول. وهذه الحقيقة لا تتفرد بها دول الخليج فحسب، بل إنها خاصية أساسية لأي دولة في بداية القرن الحادي والعشرين. فواقع الحال هو أن كل دولة في العالم توفر مزايا لمواطنيها لا تعطيها لغير المواطنين، أكان ذلك على المستوى السياسي كالتصويت في الانتخابات، أم على المستوى الاجتماعي كالحصول على الخدمات السكنية أو الصحية، وغيرها.  فكما يقول فوكو (Foucault)، فإن الدولة الحديثة بطبيعتها مبنية على أساس تمييز المواطنين عن غيرهم من سكان العالم، بحيث أنها بالأساس معنية بمواطنيها بطريقة لا تمتد إلى غيرهم من البشر غير المواطنين.[11]

ولو نظرنا إلى كيفية تعريف المواطن في دول الخليج، ونعني بالمواطن صاحب جنسية الدولة المعينة، نجد أن تعريف المواطنين يرتبط أساساً بالعوائل وذريتها (من ناحية الأب) التي تواجدت في مساحة الدولة منذ الفترة السابقة لاكتشاف النفط بشكل أو بآخر. ففي الكويت تعتبر سنة الفصل التي تستحق العائلة بها الجنسية بالأصل هي 1920، وفي السعودية  1926، وفي الإمارات 1925، وفي قطر 1930.[12] أي أن رابطة الدم من ناحية الأب هي المبدأ الأساسي لحق الجنسية، ويعرف هذا في القضاء بحق الدم (jus sanguinis). وفعلياً، يستحيل اليوم أو يكاد على غير المواطن الحصول على الجنسية في دول الخليج إن لم يكن بإمكانه إثبات أن عائلته من ناحية الأب متواجدة في المنطقة قبل هذا الخط الزمني الفاصل (إلا في حالات خاصة جداً تعطى فيها الجنسية نظراً “للخدمات الجليلة”). وقد تكون الاستثناءات النسبية في دول مجلس التعاون هي البحرين وعمان، اللتان لا تحددان سنة فاصلة لمنح حق الجنسية، وتسمح للأجنبي بأن يحصل على الجنسية بعد مرور مدة معينة من إقامته في الدولة (20 سنة في عمان و25 سنة في البحرين لغير العربي و15 سنة للعربي).[13] إلا أنه حتى في هاتين الحالتين، يبقى المبدأ الأساسي للحصول على الجنسية ماثلاً في حمل الأب للجنسية وتوارثها من بعده من قبل أبنائه. وهذه القوانين التي تطبق مبدأ حق الدم (jus sanguinis) في دول مجلس التعاون هي مبنية على تطبيق قانون الجنسية المصري الذي تم تعديله وتطبيقه في دول مجلس التعاون بأشكال مختلفة. وهذا المبدأ ليس بغريب أو استثنائي على مستوى العالم، بل هو المبدأ السائد في غالبية دوله، كما كان الحال مع ألمانيا حتى عام 1999.[14] وعادة ما تتم مقارنة هذا المبدأ مع مبدأ حق الأرض (jus soli)، الذي يقر بأن للإنسان الحق في جنسية الأرض التي ولد فيها، وهو ما يطبق في بعض الدول مثل كندا وأمريكا، عادة بالتزامن مع مبدأ حق الدم.

إذن، فإن استعمال مبدأ الدم في منح الجنسية ليس بظاهرة تتميز بها دول مجلس التعاون، وحتى التقييد والصعوبة في اكتساب الجنسية من هذه الدول ليس بالأمر الاستثنائي، حيث نجد حالة ممثالة من صعوبة الحصول على الجنسية في دول مثل اليابان وألمانيا وسويسرا حتى فترة قريبة جداً من كتابة هذه السطور. ولكن الظاهرة الفريدة في دول المجلس تكمن في التزاوج بين مبدأ تقييد حق الجنسية/المواطنة مع مبدأ الهجرة غير المقيدة (restricted citizenship and unrestricted migration). هذه العملية من هجرة غير مقيدة مع مواطنة مقيدة (ونعنى بالمواطنة هنا الحقوق القانونية والاجتماعية التي يحصل عليها المواطن نظراً لامتلاكه جنسية دولة معينة) تنفرد بها دول مجلس التعاون على مستوى العالم، وتشكل أساس الظاهرة التي يجب علينا تمحيصها. فإذا ما أخذنا النمط المعياري (ideal type) في العالم الغربي في القرن الحادي والعشرين، نجده قائماً على تقييد الهجرة فيما تبقى المواطنة/الجنسية غير مقيدة (unrestricted citizenship and restricted migration).  أي أن المهاجر سيجد قيوداً إجرائية وبيروقراطية مشددة ومتعددة تمنعه من الهجرة والدخول والعمل في الدولة معينة، وهذا كما قلنا من أسس فنون الحكم والهندسة الديمغرافية في كل دولة. ولكن ما أن يدخل المهاجر حيز هذه الدولة، فإنه يعامل (نسبياً) مثل المواطن من الناحية القانونية، له حقوق وواجبات مماثلة، بل وله الحق في أن يصبح مواطناً كامل الحقوق بعد فترة معينة من هجرته.

العكس صحيح في حالة الخليج، حيث الهجرة سهلة جداً نسبياً، بل تعد دول الخليج من أسهل بقاع الأرض للهجرة (هذا إن لم يكن المهاجر من الدول المغضوب عليها والممنوع على مواطنيها دخول دول الخليج). ففعلياً كل ما على الشخص الطالب للهجرة أن يحصل عليه هو مواطن أو مؤسسة محلية تتبوأ منصب الكفيل الذي يكفل هجرته، بل وصل الأمر في بعض دول الخليج بإتاحة الفرصة للوافد لكفالة نفسه داخل الدولة (كما هو الحال في دبي والبحرين عبر استثمار مبلغ لا يتعدى بضعة آلاف من الدولارات). في المقابل، فإنه من المستحيل عملياً أن يحصل الوافد على حقوق ومزايا الجنسية التي يحصل عليها المواطن في هذه الدول، حتى ولو بعد عدة أجيال. إذن، هي هجرة غير مقيدة ومواطنة مقيدة.[15]

والوسيلة التي مهدت وسيرت عملية الهجرة المنظمة هذه أصبحت تسمى في الأوساط المحلية والعالمية بـ“نظام الكفالة”. والقدرة على كفالة الوافد هي إحدى المزايا الرئيسية التي وفرتها جنسية دول مجلس التعاون لحامليها، إذ كان حق الكفالة حكراً على المواطنين والشركات المملوكة من قبلهم.[16] وبشكل مقتضب، يمكن تعريف نظام الكفالة بأنه يضمن أحقية أي وافد في الإقامة والحصول على عمل في دول مجلس التعاون طالما كان هناك مواطن (أو شركة محلية) يضمن الوافد خلال إقامته في الدولة حتى عودته إلى بلده الأم. إذن، نظام الكفالة هو شبكة من العلاقات القانونية والبيروقراطية والعمالية التي تربط ما بين الكفيل المواطن والوافد المكفول والدولة، بحيث يقدم الكفيل الحق للمكفول بالتواجد والعمل داخل الدولة، في مقابل أن يكون الكفيل هو الممثل القانوني للمكفول أمام الدولة وأجهزتها. وفعلياً وقانونياً، فإن الدولة عبر هذا النظام قد فوضت الصلاحيات المتعلقة بدخول الوافد داخل حدودها والعمل فيها إلى المواطن الذي يكفل الوافد.[17] وبهذا، تم تفويض مسألة التحكم بحجم وتركيبة السكان، التي تعتبر من أهم السياسات العامة في الدول الأخرى، تم تفويضها بشكل كبير إلى متطلبات الشركات والمواطنين في دول مجلس التعاون، بحيث أصبح بإمكان أي شركة أو مواطن استقطاب الوافدين على كفالتهم وحسب رغبتهم، وأصبح المحرك الرئيسي لتنامي أعداد الوافدين هو الطلب على قوة العمل من قبل الشركات الربحية في الخليج، بالإضافة إلى طلب المواطنين على عمالة الخدمة المنزلية.

ومما لا شك فيه وجود بعض القيود الإجرائية التي تنظم هذه العملية (كمثال: تقنين عدد العمال الوافدين الذي يحق لكل شركة أو مواطن أن يكفلها) لكن تبقى هذه القوانين أساساً أشبه بالقيود الإجرائية، ويبقى حق استقطاب العامل الوافد في يد الكفيل إذا ما أراد ذلك واستوفى الشروط الإجرائية لاستقطابه. وهكذا أصبحت التركيبة السكانية الفريدة في دول مجلس التعاون نتاجاً للتفاعل ما بين طلب الشركات والمواطنين في الدولة على العمالة الوافدة (وهو ما يمثل المحرك الأساسي للعملية)، والعرض المتوفر من قوة العمل عالمياً من الدول المرسِلة، بالإضافة إلى القوانين الاجرائية التي وضعتها الدول لإدارة عملية الهجرة هذه، والتي تمركزت أساساً حول نظام الكفالة.

وبناء على هذا التفاعل، تدفق الوافدون من كل بقاع الأرض على مجلس التعاون بأعداد متزايدة منذ اكتشاف النفط في 1932، ولكن بشكل خاص منذ الطفرة النفطية الثانية عام 1973. وقد كان هذا التدفق مبنياً أساساً على توفير الوافد لقوة عمله داخل اقتصاديات دول مجلس التعاون في مقابل أجر، حتى وصلت التركيبة السكانية لدول مجلس التعاون للحالة الفريدة التي نراها اليوم، حيث يشكل الوافدون غالبية قوة العمل في دول المجلس.

ثالثاً: سوق عمل المواطنين في الخليج

 

هدفنا الآن هو تحليل دور قوة العمل الفريدة في عملية الإنتاج ونمط النمو في دول مجلس التعاون، بالإضافة إلى فهم دورة تجديد وإعادة إنتاج قوة العمل هذه. وعند الحديث عن قوة العمل، و”السوق” الذي يتم فيها عرض قوة العمل للشراء والبيع، فقد يكون الحديث عن “سوق عمل” واحدة في حالة دول مجلس التعاون تبسيطاً للحقيقة. فبناء على ما تم سرده سابقاً، بإمكاننا القول بتواجد سوقين للعمل فعلياً في كل من دول الخليج، حيث ينقسم هذان السوقان بين سوق عمل للمواطنين وسوق عمل للوافدين. وهذان السوقان منفصلان بشكل كبير، أكان ذلك من ناحية دورة تجديد إنتاج قوة العمل في كل منهما، أو في طبيعة المنشآت والقطاعات التي يعمل فيها كل منهما. وفعلياً لا يتقاطع ويتلاقى هذان السوقان إلا في مساحات معينة ضيقة، على الرغم من أنه في نهاية المطاف تشكل أراضي دول مجلس التعاون الحيز الجغرافي الرئيسي التي يعمل فيه كلا السوقين. وحري بنا أن نتعمق في خصائص كل من هذين السوقين حتى نوصل فهمنا لطبيعة قوة العمل في دول مجلس التعاون.

لنبدأ بقوة العمل المواطنة. عند النظر إلى القطاعات التي يعمل فيها إجمالي موظفي دول مجلس التعاون، تشد انتباهنا ظاهرة رئيسية: بشكل عام، يتركز المواطنون المشتغلون فيما يتم تسميته في الإحصائيات عادة بـ”القطاع الحكومي”، وهي مؤسسات ووزارات الدولة غير الربحية، كالجيش والأمن ووزارة التعليم والصحة إلخ. فيما يتركز الوافدون بشكل رئيسي فيما يسمى بالـ”قطاع الخاص”، وعادة ما تشمل إحصائيات “القطاع الخاص” (الذي نفضل تسميته بالقطاع الربحي) الشركات الخاصة العائلية بالإضافة إلى شركات المشاريع العامة التي تمتلك الدولة حصة معتبرة فيها (State Owned Enterprises).

الشكل 2.5.3: تركيبة سوق العمل في دول مجلس التعاون، %

المصدر:

Percentage of non-nationals in government sector, GLMM, < http://gulfmigration.eu/percentage-of-non-nationals-in-government-sector-and-in-private-and-other-sectors-in-gcc-countries-national-statistics-latest-year-or-period-available/ >.

بل حتى هذه الصورة غير مكتملة، فإحصائيات ما يسمى عادة بـ”القطاع الخاص” تتضمن بداخلها الموظفين الذين يعملون في المشاريع العامة الربحية، كشركات البتروكيماويات والبنوك والطيران. وتعتبر نسبة المواطنين من موظفي هذه المشاريع مرتفعة، وتقارب نسبة الموظفين المواطنين في القطاع الحكومي. ودور شركات المشاريع العامة محوري جداً في اقتصاديات دول مجلس التعاون، إذ تضم أهم شركات الإنتاج في اقتصادياتها، ألا وهي شركات النفط، وهي الشريان الرئيس لاقتصاديات دول  مجلس التعاون، والتي عادة ما يكون كادرها الوظيفي مواطناً بنسب مرتفعة جداً، على الرغم من تدني نسبته من إجمالي قوة العمل في الاقتصاد. كمثال، وصلت نسبة السعوديين في أرامكو في عام 2016 إلى 84%،[18] أما في البحرين، يتم اعتبار موظفي شركة النفط بابكو (78% مواطنين في 2015) وشركة الألمنيوم ألبا (87% مواطنين) كجزء من إحصائيات “القطاع الخاص”، على الرغم من أن كل أو جل ملكية هذه الشركات تعود للدولة. وتشكل كمية المواطنين العاملين في المشاريع  العامة نسبة كبيرة من إجمالي المواطنين العاملين في القطاع الخاص (كمثال، يبقى أكثر من 70% من الموظفين القطريين في المنشآت الربحية عام 2010 من العاملين في شركات المشاريع العامة الربحية). ولذلك، فإذا ما تم فصل أرقام المشاريع العامة عن باقي القطاع الربحي، سنشهد هبوطاً في نسبة المواطنين العاملين في بقية القطاع الخاص (العائلي) بشكل كبير جداً.

إذن، يمكننا القول إجمالاً بأن سوق عمل المواطنين يتركز أساساً في المؤسسات الحكومية والمشاريع العامة الربحية، بحيث يعتمد هذين القطاعين بشكل رئيسي على التوظيف من المواطنين، ومن ثم يتم تعيين الوافدين إن كان هناك أية شواغر لم يستطع المواطنين استيفائها. لذلك، فإن المنافسة في هذا “السوق” على الوظائف في المؤسسات الحكومية والمشاريع العامة الربحية تحتدم أساساً بين مواطني الدولة، وبذلك يكون الحيز الجغرافي لهذا السوق هو حدود الدولة ومواطنيها أساساً.

في الجانب الآخر، فإن سوق عمل الوافدين يرتكز أساساً في “القطاع الخاص”، خصوصاً إذا ما استثنينا المشاريع الربحية العامة وركزنا على الشركات العائلية فقط، حيث تعمل الأغلبية الساحقة من الوافدين في هذه الشركات وتشكل جل موظفيها. في المقابل، ينحصر حضور الموظفين المواطنين في الشركات العائلية إجمالاً إما في كونهم أصحاب الشركة ومنحدرين من العوائل التي تدير الشركة، أو في أي توظيفات تكون الشركة مجبرة على اعتمادها من أجل الوصول إلى نسب التوطين المفروضة من قبل الدولة، وهي في كثير من الأحيان وظائف اسمية وهمية. وهذا يعني أن حيز سوق العمل لهذه الشركات العائلية لا يشمل المواطنين فقط بل إنه إجمالاً يتخطاهم، بحيث يمد هذا القطاع الخاص بصره إلى بقاع العالم قاطبة للحصول على موظفيه بدلاً من قوة العمل المواطنة، والتي لا يلتفت المواطن إليها عموماً إلا إذا أرغمته قوانين الدولة على ذلك.

في حديثنا التالي عن الموظفين المواطنين، سنركز على المؤسسات الحكومية غير الربحية، التي تشمل جميع الوزارات والهيئات وموظفيها، إذ سبق وتحدثنا بإسهاب عن المشاريع العامة الربحية وارتكازها أساساً على الموظفين المواطنين في دراسات اخرى.[19] وكما كان الحال في المشاريع العامة، فإن إنتاج وخدمات المؤسسات الحكومية غير الربحية يرتكز بشكل أساسي على المواطنين الذين يشكلون الغالبية الساحقة من كادرها. ولذلك، يلعب المواطنون الدور الرئيس في توفير قوة العمل للبيروقراطية الحكومية. وبهذا، فإن تجديد إنتاج المؤسسات الحكومية واستمراريتها على مر الزمن، من أمن وخدمات تعليمية وصحية إلخ، يعتمد أساساً من ناحية قوة العمل على مواطني هذه الدولة.

ونظرياً على الأقل، فإن الرواتب التي يحصل عليها الموظفون في القطاع الحكومي، هي نظير تأجير قوة عملهم لمؤسسات الدولة، أي أنها أجر يحتسب نظير عمل قاموا به. إلا أن الرواتب الحكومية في دول الخليج لا تأخذ فقط شكل المقابل المادي نظير خدمة العمل التي يوفرها الموظف، بل تعمل الرواتب والتوظيف الحكومي كآلية لتوزيع جزء من إيرادات النفط على المواطنين. وهذا يعني وجوب النظر إلى هذه الرواتب في كثير من الأحيان ليس فقط كراتب مقابل توفير قوة العمل، بل بصفتها تحويلات للمواطنين من الدولة دون أي مقابل. وهكذا، فإن الراتب للمواطنين في القطاع العام في دول مجلس التعاون في كثير من الأحيان غير مرتبط بالإنتاجية أو حتى بالعمل، وهذا ما يفسر تركز غالبية المواطنين في العمل في الأجهزة الحكومية. وتتفاوت حدية هذه الظاهرة بين دول مجلس التعاون، بحد أقصى في الكويت، حيث تتواجد اعداد معتبرة من الموظفين الحكوميين ممن يستلمون الرواتب دون أي عمل فعلي، وتصل لأدناها في البحرين، حيث على موظفي الحكومة القيام بمهمات عمل في كثير من الأحيان توازي في الجهد المطلوب نظرائهم من المواطنين في المشاريع العامة الربحية.

ويبقى الواقع أن ظاهرة التوظيف الحكومي من غير عمل مواز هي ظاهرة منتشرة في كل دول مجلس التعاون دون استثناء. ولكن هذا لا يعني أن توزيع الريع هو الغرض الوحيد من الرواتب الحكومية، إذ علينا الإقرار بأنها في جزء منها على الأقل تمثل أجراً مقابل خدمات العمل التي يقدمها الموظف للدولة، حتى وإن تفاوتت جودة هذا العمل وارتباطه بالأجر، إذ كان للكادر الحكومي الدور الرئيسي في توفير الخدمات الاجتماعية المقدمة من قبل أجهزة الدولة، من صحة وتعليم ودفاع وأمن وجهاز قضائي وغيرها. وكما هو معروف، فقد شكلت الرواتب البند الأكبر من ميزانيات دول المجلس التعاون منذ سبعينات القرن العشرين.[20]

وعموماً، فإن الكفاءة والإنتاجية في المؤسسات الحكومية غير الربحية لا تقاس بمعايير ربحية كما هو الحال مع المؤسسات المالية، إذ لكل مؤسسة حكومية كالصحة والتعليم والدفاع والأمن أهداف ومعايير أخرى يتم قياس الإنتاج بها، تتضمن العدالة الاجتماعية ومعدلات الجريمة ومستوى التعليم ونسبة الوفيات من الأمراض إلخ.[21] وفي المجمل بالإمكان القول بتفاوت كفاءة وإنتاجية هذه المؤسسات الحكومية من وزارة إلى أخرى. وعادة ما تعتبر المؤسسات الحكومية التي لها دور حيوي ورئيسي في إدارة الاقتصاد وماليته، كوزارة المالية أو البنك المركزي، من أكثر المؤسسات الحكومية كفاءة. فيما تتدنى هذه الكفاءة في المؤسسات التي تتخذ طابعاً اجتماعياً وتدخل فيها المحسوبية والتوظيف غير المبني على معايير الحاجة والكفاءة في المؤسسة، كما هو الحال عادة في مؤسسات الخدمة الاجتماعية أو الجيش. وتتفاوت نسبة انتشار الجمود والترهل في بيروقراطية الدولة بين دول مجلس التعاون، فتصل أقصاها في الكويت والسعودية، بينما تنحسر نسبياً وترتفع الكفاءة الإدارية في المؤسسات الحكومية في دبي والبحرين.[22] وسيكون لنا عودة لمناقشة هذه الظاهرة في نهاية هذا القسم.

ونرى انعكاساً لنسب الريع العالية المقدمة من الدولة (غير المرتبطة بكمية وكفاءة العمل) في معدلات متدنية من المشاركة في قوة العمل عند المواطنين، وخصوصاً عند النساء. إذ تقل نسبة المشاركة الاقتصادية بينهن، وهو مؤشر يقيس نسبة مشاركة السكان في سن العمل (15-65 سنة) في سوق عمل الدولة في مقابل أولئك الذين لا ينخرطون في سوق العمل، عن 50% في كل دول مجلس التعاون. هذا في مقابل معدلات مشاركة وصلت إلى 63% في الولايات المتحدة و79% في المملكة المتحدة و70% في النرويج عام 2017. في المقابل، تصل معدلات المشاركة بين الوافدين في دول مجلس التعاون إلى ما يقارب 90%، نظراً لكون الغالبية الساحقة من الوافدين في دول مجلس التعاون قد أتوا للعمل. وارتفاع نسبة المشاركة بين الوافدين في مقابل تدنيها عند المواطنين يجعل معدلات المشاركة لإجمالي السكان في دول مجلس التعاون مقاربة للدول الأخرى عند حوالي 70%. ولذلك، فإن الريع العالي المقدم من الدولة لرب الأسرة، الذي عادة ما يكون رجلاً، يسمح بعدم مشاركة بقية الأسرة، وخصوصاً المرأة، في سوق العمل (هذا بالإضافة إلى بعض الاعتبارات الشخصية والثقافية عند عدد من المواطنين حول عدم مشاركة المرأة في سوق العمل). كما يزيد من حدة هذه الظاهرة إمكانية تفويض المواطنين العمل إلى الوافدين، مما يقلل من نسبة المشاركة بين المواطنين ويرفعها بين الوافدين.

الشكل 2.5.4: معدل المشاركة في قوة العمل حسب الجنسية والنوع في دول مجلس التعاون لعام 2015، %

مصدر: أجهزة الإحصاء الرسمية، Gulf Labour Markets and Migration

بالإضافة إلى دور المواطنين كموظفين في الدوائر الحكومة والمشاريع الربحية العامة، فللمواطنين دور مهم كأصحاب رؤوس الأموال في الاقتصاد. فيعتبر أصحاب الشركات العائلية الكبرى من المواطنين، وإن كانوا أقلية صغيرة منهم. وإذا ما استثنينا هذه العائلات التجارية الكبرى، يبقى الواقع أن جزء كبير من بقية المواطنين يتملكون شركات تجارية، أغلبها من الحجم الصغير. وقد زادت ظاهرة اعتمادية المواطنين على فتح الشركات الصغيرة كمصدر للدخل في القرن الحادي والعشرين بشكل خاص، حيث نمت صرعة “ريادة الأعمال” (entrepreneurship) في الخطاب الإعلامي، خصوصاً مع تقلص الوظائف المتوفرة في القطاع الحكومي والمزايا التي يحصل عليها الشخص في هذا القطاع مقارنة بالأرباح في القطاع الخاص.

وترتكز غالبية هذه الشركات الصغيرة في قطاع بيع التجزئة والخدمات الاستهلاكية كالمطاعم، بالإضافة إلى قطاع الإنشاء. وتمثل هذه الشركات نسبة صغيرة ولكن مهمة من دخل المواطنين، إذ وصلت نسبة دخل المشاريع الخاصة والمهن الحرة إلى 8.2%  من معدل دخل المواطنين في البحرين في عام 2005/2006، [23] و4.4% في قطر في عام 2013[24]، و8.1% في عمان في عام 2010-2011.[25] كما توظف هذه الشركات الصغيرة نسبة معتبرة من الموظفين (الوافدين اساساً) الذين يعملون في الشركات العائلية، إذ تصل نسبة الموظفين في الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى أكثر من نصف إجمالي الموظفين في القطاع الخاص في بعض دول الخليج. كمثال، فإن أكثر من 80% من الموظفين المسجلين في عام 2010 تحت هيئة التأمينات الاجتماعية (وهي الهيئة المعنية بموظفي الشركات الخاصة في البحرين) كانوا يعملون في شركات حجمها أقل من خمسين عامل.[26]

الشكل 2.5.5: تكوين متوسط الدخل الشهري للأسرة، %

 

*ملاحظة: تدمج احصائيات البحرين والإمارات الكويت الايجار المقدر للمسكن الملك مع الدخل النقدي من الممتلكات العقارية

وعبر نظام الكفالة، يلعب المواطنون دوراً رئيسياً في فنون حوكمة وضبط العمالة الوافدة في البلاد، إذ أن الدولة عبر تفويضها للكفيل الصفة والمسؤولية القانونية عن المكفول أمام مؤسساتها، فإنها فعلياً قد قامت بتفويض مسؤولية مراقبة وتنظيم سلوكيات وحياة الوافد إلى المواطن الذي يكفله، والذي تصبح من مسؤوليته ومن ضمن منفعته الخاصة التأكد من انضباط الوافد وامتثاله لقوانين وأنظمة الدولة والمجتمع.

 

رابعاً: دورة تجديد قوة العمل المواطنة

يبقى من الضروري الآن فهم الدورة الاجتماعية لتجدد وإعادة إنتاج قوة العمل (cycle of labour social reproduction) بين المواطنين. ونعني بهذا المفهوم الدورة التي تضمن توفر قوة العمل بشكل منتظم ودوري لأصحاب العمل في عملية الإنتاج. فأي اقتصاد رأسمالي مستدام وفعال يحتاج أن يضمن توفر قوة العمل في عملية الإنتاج بشكل منتظم ودوري ومستمر. وبما أن “قوة العمل” فعلياً تعني العامل الأجير الذي يمتلك قوة العمل هذه داخل جسده وذهنه، فهذه الدورة تهتم أساساً بالعلاقات الاجتماعية التي يمر بها العامل منذ ولادته ونشأته وحتى مماته في سبيل توفير قوة العمل هذه، والأجيال التي تتعاقب وتتكاثر على نفس النمط لتضمن استمرار توفر قوة العمل في الاقتصاد على امتداد عقود من الزمن.

فإذا ما نظرنا بشكل مجرد إلى مراحل دورة الحياة التي يمر بها أي عامل منذ ولادته حتى مماته، فبالإمكان اختزال هذه الدورة من وجهة نظر قوة العمل الإنتاجية في ثلاث مراحل أساسية: الأولى هي مرحلة النشأة والتدريب تجهيزاً للدخول إلى سوق العمل، وتمتد هذه المرحلة منذ الولادة حتى بداية الدخول لسوق العمل. والمرحلة الثانية هي مرحلة العمل مقابل أجر، بحيث يصبح الإنسان أجيراً يؤجر قوة عمله خلال هذه المرحلة من حياته. وأخيراً فالمرحلة الثالثة هي مرحلة تقاعد الإنسان عن العمل والتي تمتد حتى وفاته.

الشكل 2.5.6: دورة تجديد قوة العمل المواطنة

 

يمر كل إنسان عامل أجير عبر هذه الخطوات الثلاث، التي قد تقصر وتمتد كل منها بناء على المكان والزمان الذي يتواجد فيه. إلا أن النظر لهذه الخطوات الثلاثة بشكل مجرد غير ديناميكي سيكون ناقصاً، فهذه الخطوات بنفسها لا تضمن استمرارية وإعادة تجدد قوة العمل بعد وفاة العامل. وحتى تكتمل الدورة، يجب أن ندخل فيها عملية الإنجاب والتكاثر بين بني البشر، إذ يقوم العامل وأسرته ضمن دورة حياته بالإنجاب وتربية الأطفال، وعادة ما تحصل عملية الإنجاب هذه في المرحلة الثانية من دورة حياة الأجير، بحيث يقوم هو بدوره بتربية وتنشئة الجيل الجديد، حتى يصبح هذا الجيل الجديد بدوره عاملاً أجيراً في المستقبل، وهكذا تتواصل الدورة.

هذه المراحل في دورة تجدد إنتاج قوة العمل تعتمد على عدة علاقات اجتماعية، كثير منها ليست اقتصادية في المقام الأول، لتضمن تواصلها واستمراريتها، ولذلك فهي بالأساس دورة اجتماعية. ومن المفيد تبيان هذه العلاقات الاجتماعية التي يرتبط بها العامل الأجير كي نعمق فهمنا لدورة تجدد إنتاج قوة العمل، بحيث نركز في تحليلنا على العلاقات الاجتماعية التي تلعب دوراً أساسياً في استمرارية هذه الدورة (أنظر الرسم البياني التالي). وبإمكاننا تحديد الأطراف الاجتماعية التي تلعب دوراً رئيسياً في دورة تجديد قوة العمل في التالي: مؤسسات الدولة، الأجير، أسرة الأجير، وصاحب العمل. لنبدأ بآخر هذه الأطراف الاجتماعية. فصاحب العمل هو من يوظف الأجير عن طريق تأجير قوة العمل منه، في مقابل راتب يدفعه للأجير (أنظر الرسم البياني التالي). وهذه العلاقة الاجتماعية هي أساساً علاقة اقتصادية مبنية على مبدأ السوق، فيها بائع (الأجير) يبيع قوة العمل في مقابل مشتري (صاحب العمل) يدفع مقابل تأجير قوة العمل لفترة من الزمن.

الشكل 2.5.7: دورة تجديد قوة العمل المواطنة

 

لكن ثمة علاقات اجتماعية أخرى ضرورية لاستمرار دورة حياة الأجير، وهذه العلاقات الاجتماعية ليست بالضرورة مبنية على مبدأ السلعة التي تباع وتشترى في السوق كما الحال في علاقة الأجير مع صاحب العمل. ففي المرحلة الأولى من حياة الأجير، وهي مرحلة نشأته كطفل قبل دخوله “سوق العمل”، يعتمد الطفل في هذه المرحلة على أسرته لتقديم الكثير من الخدمات الاجتماعية التي يحتاجها لضمان استمرارية حياته، بما فيها رضاعته وإيوائه وتنظيفه وإطعامه، وبالإضافة إلى اعتماده عليها للعلاقات العاطفية والمعنوية إلخ. وعادة ما تقوم الأم بالكثير من هذه المهام في عصرنا الحالي، بحيث عادة ما تكون مهام نشأة الأطفال قد تم تأنيثها (feminized) في العصر الحديث، إلا أن هذا ليس الحال دائماً بالضرورة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطفل يعتمد أيضاً في هذه المرحلة من حياته على أجير في العائلة يعمل في مقابل راتب، بحيث يؤمن هذا الراتب السلع التي يحتاجها الطفل وعائلته من السوق لضمان استمرارية حياتهم، بما فيها السكن والغذاء واللباس إلخ. ويلعب الأب في كثير من الأحيان دور الأجير الذي يعيل الأسرة من ناحية النقد، إلا أنه وبشكل متزايد على مستوى العالم يقوم الوالدين بالعمل في مقابل أجر. وهذه العلاقة بين الأجير وأبناء أسرته غير مبنية بشكل حصري على اعتبارات سوقية اقتصادية بحتة، إذ تدخل فيها الروابط الأسرية وصلة الدم ومشاعر الأرحام بشكل عضوي وثيق.

تشكل مؤسسات الدولة الطرف الرابع والأخير المهم في العلاقات الاجتماعية في دورة تجديد إنتاج قوة العمل، إذ توفر الخدمات الاجتماعية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية التي يحتاجها الطفل وعائلته لضمان استمرارية نشأته. وتتفاوت الخدمات الاجتماعية العامة التي يتم تقديمها من دولة إلى أخرى، ففي بعض الدول لا تقدم المؤسسات العامة الخدمات الصحية، كما هو الحال في الولايات المتحدة، حيث تعرض هذه الخدمات كسلع على العائلات أن تشتريها في السوق. مع ذلك، يمكن القول بأنه في أي دولة في العالم في القرن الحادي والعشرين، تقدم الدولة خدمات اجتماعية معينة لرعاياها بشكل متفاوت. وكما هو الحال مع العلاقات الأسرية، فإن هذه الخدمات التي تقدمها الدولة لا تحكمها بشكل بحت مباشر علاقات السوق والبيع والشراء، بل تدخل في رسمها وتقديمها مبادئ أخرى كالحاجة والعدالة الاجتماعية وشعور الولاء الوطني أو القومي إلخ.

وتواصل الدولة تقديم الخدمات العامة للأجير حتى بعد تعديه مرحلة النشأة إلى المرحلة الثانية من الدورة وأصبح عاملاً، وإن كان هناك تغير في الخدمات التي تقدمها الدولة مع انتقاله من مرحلة إلى أخرى.  فتواصل الدولة تقديم بعض الخدمات كالصحة والأمن والقضاء خلال هذه المرحلة، فيما تختفي خدمات أخرى كالتعليم الإجباري المجاني، بينما تظهر بعض الخدمات الأخرى كبدل التعطل عن العمل.

وقد يكون المتغير الرئيسي في هذه المرحلة الثانية هو أن الأجير قد أصبح المصدر الرئيسي للنقد والسلع لأسرته أو ربّ الأسرة (breadwinner)، بما أنه الآن يعمل مقابل أجر لدى صاحب العمل. بل أضحى الأجير الآن الجهة التي تتكفل بتوفير المال لأسرته وللجيل الجديد من أطفاله، كما كان الحال عندما كان طفلاً ووفر الأجير في أسرته في ذلك الوقت النقد والسلع له. وبهذا، يؤمن الأجير وأسرته تواصل واستمرارية جيل جديد يأخذ مكانهما على مدى السنين القادمة.

وعندما يتقاعد الأجير ويصل إلى المرحلة الثالثة والأخيرة من حياته، فعادة ما يعيش على ما استطاع توفيره على مدى المرحلة السابقة من حياته لاستعماله في خريف عمره، إلا أن عائلته والدولة تواصل أيضاً تقديم خدمات اجتماعية يعتمد عليها المتقاعد. فالدولة توفر له خدمات الصحة ودور الرعاية، فيما قد توفر له عائلته ما يحتاجه من خدمات وعلاقات مادية وعاطفية خلال هذه الفترة الأخيرة من عمره.

والحقيقة أنه على مر الزمان والمكان اختلفت نسبة الخدمات الاجتماعية التي تقدمها كل من الأطراف السابقة في سبيل تواصل دورة تجديد إنتاج قوة العمل. ففي النصف الثاني من القرن العشرين، زاد دور الدولة بشكل ملحوظ في تقديم خدمات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية لكل مواطنيها، فيما يسمى بدولة الرفاه (welfare state). وقبل هذه الفترة لم تكن تلعب الدولة دوراً رئيسياً في تقديم هذه الخدمات، بحيث تم تركها أساساً لأقارب ومجتمع الأجير أو “السوق” لتقديمها. والواقع هو أن غالبية سكان الكرة الأرضية على مر التاريخ لم يكن بإمكانهم تحمل تكلفة توفير هذه الخدمات شخصياً كالصحة والتعليم، حيث سادت بينهم الأمية ونسب الأمراض العالية، واقتصرت خدمات التعليم والصحة أساساً على أعلى طبقات الهرم الاجتماعي المقتدرة مالياً، حتى غيرت دولة الرفاه هذه المعادلة في القرن العشرين ووسعت انتشارها لتشمل أعداداً كبيرة من بني البشر.

النقطة الرئيسية التي بودنا إيصالها من هذا السرد هي التالية: تدخل في دورة تجديد إنتاج قوة العمل عدة علاقات اجتماعية، بعضها ذات طابع عقلية السوق والربح، خصوصاً في العلاقة ما بين الأجير وصاحب العمل، والسلع والخدمات التي يشتريها الأجير بمعاشه. فيما هناك العديد من العلاقات الضرورية في هذه الدورة لا تدخل فيها اعتبارات السوق البحتة، كالعلاقات التي توفرها الأسرة، بما فيها العلاقات العاطفية بين أعضائها والخدمات كالتنظيف وتجهيز الطعام إلخ. ونفس الأمر ينطبق على الخدمات الاجتماعية التي توفرها الدولة، بما فيها خدمات التعليم والصحة إلخ. ولهذا علينا التذكر بأن الكثير من هذه العلاقات غير خاضعة لمنطق السلعة، بحيث تقوم الأسرة وخدمات الرفاه التي تمثلها الدولة بإخراج هذه العلاقات من منطق السوق والربح البحت.

إلا أنه ثمة خصائص تمتاز بها دورة تجديد إنتاج قوة العمل المواطنة في دول الخليج. أولى هذه الاختلافات هي أن الكثير من الخدمات الاجتماعية التي قد يقوم بها أعضاء أسرة الأجير في اقتصاديات أخرى، كالتنظيف والطبخ ورعاية الأطفال، قد تم تفويضها في حالة دول المجلس إلى عمال/عاملات الخدمة المنزلية الذين يوظفهم المواطنون في منازلهم بشكل مكثف، وعادة ما يكون عمال الخدمة المنزلية من غير المواطنين. وظاهرة الخدمة المنزلية التي تعيش مع العائلة ليست بغريبة على مستوى العالم، إلا ان كثافتها وحدتها في دول الخليج تعتبر حالة تستحق التوقف، إذ أن عمال الخدمة المنزلية يلعبون دوراً موسعاً من ناحية تقديم الخدمات الاجتماعية المتعلقة بالتنشئة داخل العائلة في دول الخليج. كمثال، تشير الإحصائيات إلى أن عدد عمال الخدمة المنزلية بلغ 108 ألف في الربع الأول من 2014 في البحرين، أي عامل واحد لكل خمسة مواطنين،[27] أما في الكويت، فوصلت النسبة إلى 669 ألف، بمعدل عامل لكل إثنين من المواطنين، وتعتبر هذه نسب الأعلى من نوعها في العالم.[28]

ولكن الخاصية الكبرى التي تميز دورة تجديد إنتاج قوة العمل في الخليج هي كون الرواتب والتحويلات النقدية التي يحصل عليها المواطنين مقدمة أساساً من الدولة، ويتم تمويلها كما ذكرنا سابقاً عبر إيرادات النفط. إذن، فإن النفط يلعب دوراً رئيسياً في تزويد النقد الذي تحتاجه هذه الدورة لتمويل استهلاك الأجير وعائلته من السوق. بل وكما وضحنا، فان الاعتمادية على إيرادات النفط لدفع رواتب المواطنين قد زادت لدرجة أنه لم تعد المدفوعات التي تقدمها الدولة إلى بعض المواطنين في كثير من الأحيان هي راتب مقابل عمل، بل أصبحت فعلياً تحويلات من الدولة إلى بعض المواطنين بدون أي عمل في المقابل. أي أن التحويلات من الدولة إلى المواطنين وصلت إلى مرحلة عدم تسليع قوة العمل لدى الموظف الحكومي (decommodification of labour power)، بحيث أصبح الموظف يحصل على راتب بدون أي عمل. بل حتى هذا الوصف غير مكتمل، فلو كانت فعلاً التحويلات عبارة عن مدفوعات متساوية لكل المواطنين كدخل لهم بغض النظر عن العمل، على غرار مفهوم الدخل الأساسي الشامل (universal basic income)، لكانت هذه المدفوعات أكثر نفعاً وأقل ضرراً من النظام الحالي على إنتاجية المواطنين.

فالنظام الحالي يطلب فعلياً من المواطنين التسجيل اسمياً بأنهم من ضمن كادر العمل الحكومي حتى يحصلوا على المدفوعات، ومن بعدها لا يطلب منهم عمل يكافئ المدفوعات بالمقابل. وبهذا، أصبح هناك تسابق للتسجيل كموظف عند الدولة، لأن عدم الحصول على وظيفة مع الدولة يعني عدم الحصول على التحويلات النقدية من الدولة في شكل راتب، وهذا خلق حافز عند الكثير من المواطنين للتسجيل كموظفين لدى الدولة بدون تقديم عمل مكافئ في المقابل بعد استلام المنصب الوظيفي. ليس هذا فحسب، بل أصبح مستوى المنصب الحكومي والمنافع المادية التي يجنيها المواطن مرتبط بشكل كبير بالعلاقة و”الواسطة” مع متخذي القرار. بل وصل الحال في بعض الدول كالكويت بأنه بإمكان الموظف الحكومي (في وزارة الداخلية أو الجيش كمثال) أن يتقاعد براتب كامل بعد عشرين عاماً. وبذلك فليس من الغريب أن تلاقي شخصاً في نهاية الثلاثينات من العمر، والذي من المفترض أن تكون المرحلة ذات العطاء والإنتاجية الأعلى في حياة الموظف، وقد تقاعد من العمل براتب كامل. وقد تم تسمية هذه الظاهرة بأشكال مختلفة، منها “العقلية الريعية” و”البطالة المقنعة”، وقد يكون أفضل تجسد لهذه الظاهرة هو المقولة التي اشتهرت في كل دول مجلس التعاون وأصبحت هدف كل مواطن بأن “يمشون لي الراتب”، وبرأيي فأن هذا اسم ملائم لهذه الظاهرة. وقد أدى ذلك إلى خلق بيروقراطية حكومية تعاني من التشبع من العمالة الفائضة والإنتاجية المنخفضة والتوظيف والترقية “المسيسة”. وقد تفاوتت حدة هذه الظاهرة في دول مجلس التعاون، حيث وصلت أقصاها في الكويت، بينما خفت حدتها في البحرين، على الرغم من تواجدها في كل دول مجلس بنسب متفاوتة.

وهكذا، يكون استنتاجنا بأن النفط يلعب دوراً محورياً في ضمان تجديد الإنتاج الاجتماعي لقوة العمل المواطنة في دول مجلس التعاون. فإيرادات النفط تمول دخل المواطنين واستهلاكهم المترتب عليه، بالإضافة إلى تمويل الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة للمواطن. وبالإضافة إلى دور إيرادات النفط، فإن مؤسسات الدولة وأسرة العامل المواطن وعمال الخدمة المنزلية تلعب جميعها دوراً رئيسياً في توفير العوامل الاجتماعية المطلوبة لضمان تجديد إنتاج قوة العمل المواطنة.

خامساً: سوق عمل الوافدين

يشكل الوافدون الغالبية الساحقة من قوة العمل في كل دول مجلس التعاون. وإذا ما نظرنا إلى الإحصائيات، يتبين لنا تركز العاملين الوافدين أساساً في قطاعات الإنشاء والتجزئة والخدمات. وهذه الإحصائيات ليست بغريبة إذا ما قارناها بإحصائيات الموظفين في الشركات العائلية الخاصة، التي كما بينا تتكون بشكل شبه حصري من الموظفين الوافدين، وتشكل المكان الرئيسي الذي يعمل فيه الوافدين، مما يجعل هناك تطابق بين قوة العمل الوافدة والموظفين في الشركات العائلية. وبالإضافة للشركات العائلية، يعمل جزء كبير من الوافدين المقيمين في الخليج في قطاع الخدمة المنزلية، حيث تصل هذه النسبة إلى ربع إجمالي قوة العمل وما يقارب ثلث العمالة الوافدة في بعض دوله مثل الكويت (أنظر الرسم البياني الثالث).

الشكل 2.5.8: توزيع المشتغلين الوافدين حسب القطاعات في دول مجلس التعاون، %

 

*الاحصائيات لا تشمل قطاع الخدمة المنزلية. أرقام البحرين وعمان للقطاع الربحي (لا تشمل المؤسسات الحكومية غير الربحية)

المصدر: أجهزة الإحصاء الرسمية

وبناء على هذه القطاعات التي يعمل فيها الوافدين، فليس من الغريب أننا نجد غالبية العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون من الذكور. وقد انعكس هذا الأمر على تركيبة ديمغرافية فريدة من نوعها على مر الزمان والمكان في تاريخ البشرية، إذ تتعدى النسبة أكثر من 3 ذكور لكل أنثى في قطر. وتتربع دول مجلس التعاون الست على أعلى نسب ذكور للنساء بين السكان على مستوى العالم.[29] وينتج هذا التباين الكبير بين الجنسين في سكان دول المجلس من كون العمال الوافدين يأتون بمفردهم إلى دول الخليج دون عائلتهم، بل لا يسمح للكثير منهم باصطحاب عائلاتهم إلى دول المجلس.

وقد انعكس ذلك على شكل الهرم العمري لقاطني دول مجلس التعاون، إذ نجد غالبية الوافدين من الفئة العمرية ما بين 15-64 سنة، وهي سن العمل التي تشمل غالبية الوافدين القادمين إلى دول مجلس، بينما تنخفض نسبة المتقاعدين والأطفال بينهم. في المقابل، فنسبة كبيرة من المواطنين هم من دون الخامسة عشر عاماً في دول مجلس التعاون عام 2015، مما جعل هناك اختلافاً جذرياً في الهرم السكاني للمواطنين في مقابل الوافدين.

الشكل 2.5.9: اعلى عشر دول في عدد الذكور لكل 100 انثى من اجمالي السكان، 2015

المصدر:

World Population (United Nations: Department of Economic and Social Affairs, Population Division, 2017). Prospects: The 2017 Revision, DVD Edition https://esa.un.org/unpd/wpp/Download/Standard/Population/ .

 

الشكل 2.5.10: توزيع السكان حسب الفئة العمرية، %

المصدر:

National and non-national populations by aggregated age groups in GCC countries (GLMM, latest year or period available), < https://goo.gl/BvfCZG >.

وتتعدد الدول التي تأتي منها العمالة الوافدة إلى دول الخليج، إلا أن الغالبية الساحقة تأتي من دول شبه القارة الهندية كالهند وباكستان وبنغلاديش، بالإضافة إلى كميات معتبرة من الدول العربية والفلبين، وطبقة صغيرة ولكن ذات دور مهم من الدول الغربية.

جدول 2.5.1: أرقام الوافدين من أهم الدول المرسلة إلى دول مجلس التعاون (بالآلاف)

الدولة وسنة الاحصائيات
الامارات البحرين السعودية عمان قطر الكويت
2013-2014 2014 2013 2016 2013-2014 2012
الهند 2,600 258 2,000 777 545 693
باكستان 1,200 49 1,500 252 90 120
بنجلاديش 700 98 1,500 667 150 190
مصر 400 20 1,300 52 180 483
الفلبين 526 30 670 40 200 162
نيبال 300 0.7 500 14 400 55
سريلانكا 300 8 550 20 100 110
سوريا 242 3 1,000 غير معروف 60 136
الأردن 200 7 250 غير معروف 40 55
فلسطين 150 5 500 غير معروف 21 8
لبنان 100 2 160 غير معروف 25 43
اليمن 90 5 800 غير معروف 40 11
اثيوبيا 90 1 150 17 21 77
اليمن 85 30 1,500 21 39 14
السودان 75 14 500 غير معروف 42 5

المصدر:

Estimate of the figures of foreign nationals (GLMM, between 2012-2015), < https://goo.gl/pTF2Cn >.

ومثلما اتضح لنا عند الحديث عن الموظفين في قطاع الشركات العائلية، فإن أغلب الوافدين يعتبرون من ذوي التعليم المتدني، إذ تصل كمثال نسبة التعليم ما دون الثانوية بين الوافدين في الكويت إلى 83% في عام 2016، بينما تتدنى نسبة من لديهم شهادة أعلى من الثانوية إلى 8% (شاهد الرسم البياني التالي). في المقابل، لا تتعدى نسبة التعليم ما دون الثانوية بين المواطنين 30% في الكويت، وترتفع نسبة من لديهم شهادة أعلى من الثانوية إلى 46%.

الشكل 2.5.11: نسبة التعليم لدى المشتغلين حسب الجنسية في دول مجلس التعاون، %

 

*احصائيات للبحرين تقتصر على المسجلين في هيئة التأمين الاجتماعية (القطاع الربحي) فقط

المصدر: أجهزة الإحصاء الرسمية

قصة مقاربة تنطبق على الرواتب، إذ أن الرواتب التي يحصل عليها الوافدين متدنية نسبياً إذا ما قورنت بتلك التي يحصل عليها المواطنين، حيث يتدنى معدل الراتب الذي يحصل عليه الوافد إلى أقل من ربع الراتب الذي يحصل عليه المواطن في بعض الدول كقطر والكويت. وعادة ما يحصل المواطنون على رواتب أعلى في القطاع الحكومي مقارنة بالقطاع الخاص، لكن ظاهرة تدني رواتب الوافدين مقارنة بالمواطنين تنطبق على الواقع حتى إذا ما استغنينا عن القطاع الحكومي غير الربحي وقارنا العاملين في المشاريع الربحية فقط. ويعكس هذا الأمر الدور الذي يلعبه الريع المقدم من قبل الدولة (في شكل الرواتب لموظفي الدولة أو التحويلات لإجمالي المواطنين) في رفع الأجر الاحتياطي او الأدنى (reservation wage) الذي دونه لن يقبل المواطن بالعمل في القطاع الخاص وسيفضل عدم العمل.

الشكل 2.5.12: معدل الراتب الشهري للمشتغلين حسب الجنسية في دول مجلس التعاون بالدولار الأمريكي

المصدر: أجهزة الإحصاء الرسمية

وعلى نفس المنوال، فبالإمكان القول بأن حقوق العمل التي تحصل عليها العمالة الوافدة منخفضة نسبياً إذا ما قورنت بتلك التي يحصل عليها المواطنون. فإذا ما استثنينا الطبقة العليا والمتوسطة من الوافدين، فلا يسمح لغالبية العمال باصطحاب عائلتهم معهم إلى الخليج، وبهذا يعتبرون “عزاب”، حتى وإن كان لديهم عوائل في دولهم.[30]  كمثال، فعلى الرغم من تواجد 11.1 مليون عامل أجنبي في القطاع الخاص في السعودية عام 2017، لم يتعد عدد المرافقين معهم 2.2 مليون شخص. أي أن معدل المرافق لكل عامل في القطاع الخاص بلغ 0.2 مرافق فقط، مما يبين أن غالبية عوائل العمالة الوافدة تبقى في البلد المرسل، أكان ذلك إجبارياً عبر القانون أم اختيارياً.

وعادة ما تمتد ساعات العمل للكثير من الوافدين في الشركات العائلية إلى فترات طويلة قد تصل للعمل سبعة أيام في الأسبوع وبمعدل يتعدى العشر ساعات يومياً. بالإضافة إلى ذلك لا يحق للعمال الوافدين تشكيل النقابات، وعموماً فإن ميزان القوة يميل لصالح الكفيل الذي يحمل بين يديه القوة القانونية لتحديد إمكانية بقاء الوافد وعمله في الدولة، ما يضع الوافد في محل التابع. وقد أصبحت قصص ووقائع الاضطهاد والأذى التي يتعرض لها الوافدون معروفة وموقع متابعة منظمات الحقوق العالمية، وخصوصاً في قطاعي الإنشاء والخدمة المنزلية. فحتى منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لم يجد قطاع الخدمة المنزلية قانوناً رسمياً ينظم عمله من ناحية الساعات أو الرواتب أو حقوق العامل في أي من دول الخليج. وهذا لا يعني أن الجميع أو حتى غالبية العمال الوافدين يتعرضون لهذه الاضطهادات في دول الخليج، إلا أن الواقع يبين بأنها تحصل بما يكفي ليجعلها ظاهرة مستفحلة في دول مجلس التعاون.[31].

كيف نفسر تدني الرواتب والإنتاجية فيما يتعلق بقوة العمل الوافدة؟ فهل تدني الإنتاجية هو ما يفسر تدني الراتب، أم أن العكس صحيح؟ أم هل أساس القضية هو أن المواطنين يحصلون على رواتب أعلى بكثير مما تستحقه إنتاجيتهم؟ للوصول إلى فهم أعمق لديناميكيات قوة العمل الوافدة في دول الخليج، فعلينا فهم دورة تجديد إنتاج قوة العمل الوافدة، كما كان الحال مع دورة المواطنين، وهذا ما سنلتفت إليه الآن.

سادساً: دورة تجديد قوة العمل الوافدة

على عكس الحال مع سوق عمل المواطنين، فإن سوق عمل الوافدين من منظور الشركات العائلية الخاصة المستقطبة نطاقه الجغرافي هو العالم ككل بدلاً من أن يكون محيطه الدولة، بل فعلياً لا ينظر أصحاب الشركات العائلية إلى المواطنين للتوظيف إلا إذا أرغمتهم الدولة. فأي شخص يريد توظيف عمال لأي شركة أو مشروع، وفيما عدا بعض الإجراءات البيروقراطية، يستطيع أن يمد بصره على مستوى العالم ليستقطب العمال، سواء من شبه القارة الهندية، أو من شرق آسيا، أو الفلبين، أو أوروبا، أو أمريكا. إذن فالعالم بأكمله هو الملعب وهذا فريد جداً على مستوى العالم.

وتنعكس الاختلافات بين سوقي العمل في شكل منحنى العرض (supply curve) لكل منهما، فسوق العمل المحلي، الذي يغذي أساساً المؤسسات الحكومية والمشاريع العامة، يعتمد على العرض المتواجد داخل الدولة، وهو فعلياً محدود بعدد مواطني الدولة ولا يتغير بشكل كبير (كما هو الحال في أي دولة أخرى)، وهذا ينعكس في شكل منحنى العرض غير المرن (inelastic). في المقابل، فسوق عمل الوافدين، والذي فعلياً هو سوق عمل شركات القطاع العائلي الخاصة، والذي يمتد فعلياً على مستوى 7.5 مليار من سكان العالم، فبإمكاننا معاملة حجم عرضه وكأنها غير محدود (infinitely elastic). ولذلك، فإن الكثير من النظريات التي يتم استعمالها لتفسير سوق العمل الوطني في اقتصاديات أخرى من العالم، كمثال نظرية المرض الهولندي،[32] لا تنطبق بنفس الشكل على دول الخليج نظراً لطبيعة سوق العمل العالمي فيها.

الشكل 2.5.13: عرض سوق عمل المواطنين والوافدين

لو ركزنا الآن على النمط المعياري (ideal type) لدورة تجديد إنتاج قوة العمل الوافدة، فنجد الخطوات الثلاث نفسها التي كانت في دورة تجديد قوة عمل المواطنين، ولكن الآن هناك اختلاف جذري في المساحة الجغرافية التي تحصل فيها هذه الخطوات الثلاث (أنظر الرسم البياني التالي). فعلى الرغم من كون العامل الوافد يأتي إلى دول الخليج ليعمل في أراضيها في المرحلة الثانية، إلا أن المرحلة الأولى، مرحلة النشأة والتجهيز، لا تحصل في دول الخليج بل في بلده الأم. وعلى نفس المنوال، فإن غالبية الوافدين يعودون إلى دولهم بعد التقاعد، وبذلك، فإن المرحلة الأخيرة الثالثة يتم استكمالها في دولهم. أضف إلى ذلك كون عائلة العامل الأجير الوافد، بما فيها زوجته وأبنائه، أي الجيل القادم من قوة العمل، في الغالب ليسوا في دول الخليج بل في الدولة الأم. وهذه الدورة عادة ما تسمى بالهجرة الدائرية (circular migration)،[33] بحيث يعود الوافد إلى دولته بعد انقضاء فترة عمله في الدولة المضيفة، وهي تختلف عن الهجرة الاستيطانية (settler migration)، بحيث يبقى الوافد عادة في الدولة التي هو فيها ويستوطنها ويصبح مواطناً جزءاً منها وهي جزء منه، كما هو حال أغلب الهجرة إلى أمريكا وكندا.

 

الشكل 2.5.14: دورة تجديد قوة العمل الوافدة

 

ولهذه الاختلافات في المساحات التي تحصل فيها دور التجديد للعمالة الوافدة تبعات وفروقات جوهرية في طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تُرسم بين قوة العمل الوافدة وبقية الاقتصاد في الخليج. فلو نظرنا إلى العلاقات الاجتماعية المترتبة مع هذه الخطوات كما فعلنا سابقاً مع دورة تجديد العمالة المواطنة، نجد أنها تختلف بشكل جذري وتمتد على مساحات مختلفة كلياً. لنبدأ بالمرحلة الأولى من الدورة من ناحية العلاقات الاجتماعية للطفل الذي سيصبح أجيراً في المستقبل. فبينما يتم تعليم الطفل وتوفير خدمات الصحة والتدريب له من قبل الدولة التي سيعمل فيها في حالة سوق عمل المواطنين، ففي دورتنا هذه تتم هذه الأمور في دولته الأم، والتي فعلياً ليس لدول الخليج أي دخل في تنظيم سياساتها. نفس الأمر ينطبق على عائلة الأجير التي توفر له الخدمات الاجتماعية في مرحلة نشأته، فهذه العائلة والطفل نفسه يتواجدون في البلد المرسل في هذه المرحلة بدلاً من مجتمعات الخليج.

إذا ما انتقلنا إلى المرحلة الثانية، المرحلة التي يصل فيها الأجير إلى سن العمل ويصبح أجيراً وافداً في دول مجلس التعاون، فبينما هو يعمل ويقبض أجره من صاحب العمل (الكفيل) في اقتصاديات الخليج، فإن عائلته التي يعيلها عبر راتبه تتواجد في البلد الأم، بحيث يرسل إليها الأموال من الخليج. وبينما يتلقى العامل الوافد خدمات اجتماعية كالصحة ودعم السلع التي تضمن استمرارية معيشته على أراضي الخليج وعودته إلى العمل هناك يوماً بعد يوم، فإن بقية عائلته تتلقى هذه الخدمات من دولها الأم حيث يقطنون. أما في المرحلة الثالثة، مرحلة التقاعد، فإن الاجير يكون قد ترك دول الخليج وعاد إلى دولته، وبذلك فإن الدولة الأم هي التي توفر له الخدمات العامة كالصحة في فترة تقاعده، ونفس الأمر ينطبق على عائلته التي تعيله في هذه الفترة في بلده الأم. إذن فإن غالبية علاقات الأجير الاجتماعية مع أسرته أو مع الدولة في المراحل الثلاث من حياته تكون في الدولة الأم.

الشكل 2.5.15: دورة تجديد قوة العمل الوافدة

 

وتترتب تبعات جمة من هذه المساحة الجغرافية الفريدة لدورة تجديد قوة العمل غير المواطنة في الخليج. كبداية، بإمكاننا تحليل رواتب قوة العمل، أي سعر سلعة قوة العمل في الخليج. فكما نعرف من نظريات الاقتصاد، فإن السعر الأدنى لأي سلعة هو تكلفة إنتاج هذه السلعة. وبالتأكيد، تدخل عوامل أخرى في تحديد السعر كعوامل الطلب والعرض وجودة السلعة، كما هو الحال مع أي سلعة، إلا أن السعر الأدنى الذي لا يرضى أي بائع ببيع سلعته بأقل منه على المدى البعيد فهو تكلفة الإنتاج. ولا يختلف الحال مع سلعة قوة العمل في اقتصادنا الرأسمالي المعاصر (على الرغم من أنها سلعة متوهمة). ولذلك فإن السعر الأدنى لقوة العمل هي تكلفة إنتاج واستمرارية قوة العمل اجتماعياً، أي تكلفة معيشة حياة الأجير وأسرته الاجتماعية.

وهذه التكلفة تختلف من مكان وزمان إلى آخر، حيث تدخل فيها عوامل عدة، منها الحد الأدنى من الحاجات الحيوية التي يحتاجها الإنسان للعيش كالغذاء والسكن والملبس، مروراً بالعوامل الاجتماعية التي تحدد مستوى وشكل الطعام والسكن واللباس الذي يلبسه الإنسان وعائلته. وتختلف هذه العوامل الاجتماعية باختلاف الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها العامل وأسرته، بالإضافة إلى اختلافها بناء على المكان الذي يعيش فيه العامل. فتكلفة إعالة واستمرار مهندس مدني وعائلته اجتماعياً في الهند تختلف عن تكلفة إعالة وإنتاج عامل نظافة وعائلته اجتماعياً هناك. وعلى نفس النمط، فتكلفة إعالة عامل نظافة وعائلته اجتماعياً في ألمانيا، تختلف عن تكلفة حياة عامل النظافة وعائلته اجتماعياً في الهند.

في حالة سوق عمل المواطنين، فالحال في غالبية العالم هو أن تتواجد عائلة الأجير معه في نفس المكان، كما تتجلى المراحل الثلاث في الدورة التي بيناها في محيط دولة العامل أساساً. إلا وأنه كما رأينا اختلف الحال في حالة العمال الوافدين فيما تسمى الهجرة الدائرية. وهذا يعني أنه يتم تحديد تكلفة إنتاج الأجير وأسرته بشكل كبير بناء على العوامل الاجتماعية التي تعيش فيها أسرة الأجير في بلدها الأم. فمما لا شك فيه أن الأجير سيستعمل جزءاً من راتبه لتوفير السكن والطعام لنفسه وهو يعمل في دول الخليج، إلا أن جزءاً كبيراً إن لم يكن الأكبر من راتبه يتم تحويله لإعانة أسرته في دولته الأم. وبذلك، فإن تكلفة تعليم وصحة وسكن وغذاء أسرة الأجير التي تحتاجها لاستمرارية حياتها يتم تحديدها في البلد الأم، ونفس الأمر ينطبق على تكلفة حياة الأجير وأسرته بعد تقاعده وعودته إلى البلد الأم. ولذلك فإن الرواتب المدفوعة في دول الخليج تعكس بشكل كبير تكلفة إنتاج وإعادة إنتاج قوة العمل وأسرتها في البلد الأم بدلاً من تكلفة إنتاجها في أراضي دول مجلس التعاون.

وإذا ما نظرنا إلى دورة التجديد لأسرة عامل وافد واحد فقط، فإن هذه لا تمثل دورة كاملة بالمعنى المعروف، فليس بالضرورة أن أبناء هذا العامل هم من سيأخذون مكانه في الخليج، فقد يبقى أبناءه للعمل في بلدهم الأم. ولكن إذا نظرنا على المستوى الكلي الشمولي (macro view)، فإن تواصل الدورة في عائلة واحدة لا يهم من وجهة نظر سوق العمل في الخليج. فما دام هناك سيل متواصل من العمال الوافدين الذين يأتون إلى الخليج بشكل مستمر، فإن الاقتصاد قد ضمن بذلك تواصل واستمرارية العرض من قوة العمل بشكل يومي وعلى مدى فترة طويلة من الزمن، بغض النظر عن كيفما تم إنتاج قوة العمل هذه وما سيحصل لها بعد رحيلها، حيث أن نشأتها وتقاعدها تحصل فعلياً خارج حدود واهتمام دول الخليج. إذن، فإن دورة تجدد قوة العمل في الخليج مرهونة بتفويض خارجي (outsourcing) يتعدى حدودها، بحيث تتم أغلب خطوات وتكلفة عملية إنتاج العامل الوافد منذ نشأته حتى تقاعده ليس في دول الخليج، بل في الدولة الأم.

وهكذا قد يبدو للوهلة الأولى بأنه قد تم تجاوز مبدأ الدولة كمعيار رئيسي في تشكيل قوة العمل في الخليج وكأن هذا المبدأ لم يعد مهماً، ولكن هذا استنتاج خاطئ. فعلى الرغم من أنه لا يمكننا فهم قوة العمل في الخليج بالنظر إلى مساحة دولها فقط، تبقى دورة تجديد قوة العمل الوافدة في الخليج معتمدة بشكل رئيسي على تواجد دول متعددة، تستطيع اقتصاديات الخليج أن تستقطب قوة عمل من كل منها.  فاقتصاديات دول الخليج تستغل بشكل محوري التناقضات التي تنشأ بين نظام الدولة ونظام الإنتاج في العالم. فإذا كان أجر عامل معين في دولة محددة مرتبط أساساً بمتوسط تكلفة معيشة العامل في هذه الدولة، وإن كانت هذه التكلفة تختلف من دولة إلى أخرى، فإن دول الخليج تعتمد على هذا الاختلاف في تكلفة إنتاج قوة العمل بين هذه الدول لاستقطاب قوة عملها منها، كل حسب راتبه وتكلفته في دولته الأم.

هنا يجب ان نتذكر أن الوظائف التي يشغلها الوافدين في الخليج هي أساساً وظائف في منتجات وخدمات محلية غير قابلة للتصدير (كالإنشاء وبيع الجملة والتجزئة وخدمات المطاعم إلخ).  ولما كان عرض سوق العمل الذي يستقطب منه الخليج العمال يشمل العالم كله، بدلاً من حدود أراضيه فقط، فمن البديهي أن أجر العامل الذي يأتي من دولة معينة سيعتمد على معدل راتب تلك الفئة من العامل في دولته، بالإضافة إلى علاوة تضاف فوقها (markup) حتى تغريه وتستقطبه للقدوم إلى الخليج بدلاً من البقاء في دولته الأم. وبهذا، فإن اقتصاديات الخليج تستغل واقع كون سوق العمل عموماً مبنياً على مستوى الدولة في بقية العالم، مما يخلق أسواق عمل مختلفة في كل دولة، لكل منها تكلفة مختلفة لمعيشة العامل، والتي تنعكس في رواتب مختلفة بناء على الدولة التي يأتي منها العامل. وبذلك تستطيع دول الخليج استقطاب أياد عاملة من أسواق العمل المختلفة من كل دول العالم وبرواتب مختلفة.

نفس المبدأ يسري عندما تقوم الشركات العالمية (Multi-National Companies) بالانتقال بمصانعها إلى دول ذات رواتب أقل من منظورها. فهي تبحث عن التكلفة الأدنى في الإنتاج، ومن ثم تصدر المنتجات من تلك الدول إلى الأسواق المختلفة في أرجاء العالم، وبهذا يكون وكأن الدولة المستوردة قد قامت باستيراد قوة العمل ولكن في شكل منتجات. وهذا عادة ينطبق على إنتاج السلع القابلة للتصدير، كالملابس والسيارات. ولكن ماذا عن السلع غير القابلة للتصدير، مثل حلاقة الشعر أو قطاع الانشاء؟ يعمل الخليج على نفس المبدأ ولكن بآلية معكوسة، فبدلاً من أن تنتقل الشركات إلى تلك الدول ذات الراتب الأقل، وبدلاً من أن يتم تصنيع المنتجات هناك ومن ثم تصديرها إلى الدول، فالخليج يقوم باستيراد قوة العمل مباشرة إلى أراضيه للقيام بالإنتاج فيها.

وعندما نفهم هذه النقطة حول حيز دورة التجدد لقوة العمل الوافدة في الخليج، عندها سوف نفهم لماذا يحصل العامل من كل جنسية مختلفة على راتب مختلف في دول الخليج. فقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا الأمر مبني أساساً على العنصرية، بحيث تستحق بعض الأعراق رواتب أعلى من الأخرى، بحيث يكون سوق العمل أقرب إلى “سوق نخاسة” كما وصفها لي أحد الزملاء الذين يعملون في مجال سوق العمل في الخليج، يتم فيه إحصاء الرؤوس لكل عامل من دولة معينة وراتبها وتكلفتها. وليس علينا إنكار أن يكون للعنصرية يد في الموضوع، إلا أن أساس هذا التمييز هو الفروقات في تكلفة إنتاج العامل والرواتب التي يحصل عليها في دولته. فالراتب الذي يحصل عليه مصفف الشعر يختلف في المملكة المتحدة عن مصفف الشعر في الفلبين، وهذا ينعكس على الراتب الذي يحصل عليه الشخص من هذه الدول عندما يعمل كمصفف شعر في الخليج.

 وقد يكون أفضل تجسيد لهذه الظاهرة هي الأسعار المختلفة المرتبطة بجنسية عاملات الخدمة المنزلية، بحيث تقوم مكاتب استقدام العاملات بالتسعير بناء على جنسية العاملة، بحيث نجد أن عاملة من سريلانكا تستوجب راتباً شهرياً معيناً، وأخرى من الفلبين راتباً آخر، وتلك القادمة من أثيوبيا راتباً مختلفاً عن الاثنتين. وعلى الرغم من أن هذه الأسعار تعكس عوامل أخرى كالطلب على العاملات من كل جنسية والنظرة المجتمعية النمطية لجنسية معينة (كمثال النظرة العنصرية أن هذه الجنسية أو تلك أكثر نظافة من غيرها)، إلا أن أسعار الرواتب أساساً تعكس عوامل تكلفة معيشة العامل وعائلته في دولته، بحيث يكون هذا الراتب هو السعر المطلوب لاستقطابها من دولتها وترك أهلها للعمل في الخليج. وهذا يفسر لماذا لا تتواجد الكثير من العاملات القادمات من دول الاتحاد الأوروبي للعمل في هذه المهن في الخليج، حيث تتعدى تكلفة رواتبها الرواتب المعروضة من دول أخرى.[34]

بل ليس من الغريب في بعض الدول كالسعودية والبحرين، أن يكون راتب العامل الوافد من جنسيات معينة في قطاعات محددة، أعلى من الراتب الذي يحصل عليه المواطن. وهذا ينطبق تحديداً في حالة الموظفين من الدول الغربية في المناصب الإدارية والمصرفية، خصوصاً عند احتساب العلاوات التي يحصل عليها الموظف الغربي للسكن والمدارس وتذاكر السفر. وعادة ما توفر الكثير من هذه الشركات حزمتين من الرواتب، واحدة تعرف بالحزمة المحلية وأخرى حزمة المغترب، بحيث تكون الثانية أعلى (expatriate vs. local package).[35]

وهذه الفروقات في التكلفة، بالإضافة إلى التمايز في الحقوق والقدرة التفاوضية بين المواطن والوافد، تفسر لنا لماذا لا يعمل المواطنون في بعض الوظائف في دول الخليج، كالتنظيف والبناء وغيرها. ولا يرجع هذا الأمر فقط إلى “عادات وتقاليد” أهل الخليج كما يتم تبرير الأمر عادة، فقد عمل أهل الخليج في هذه الوظائف في عصر قبل النفط. إلا أنه في الوضع الحالي لسوق العمل العالمي الطاغي في قطاع الشركات العائلية، فليس هناك أمل في تمكن المواطنين من المنافسة في هذا السوق كعمال حتى لو أرادوا ذلك، وحتى بعد أن نحسب فروقات الأجور الناتجة من ريع الدولة المقدم للمواطنين. ويرجع ذلك لتكلفة معيشة الوافد وعائلته، والتي كما قلنا كثير منها يتم تغطيتها في دولته الأم، والتي عادة ما تكون فيها الحياة أرخص بكثير من دول مجلس التعاون. على سبيل المثال، يستطيع معاش 1500 ريال سعودي (حوالي 400 دولار أمريكي) أن يوفر حياة من الطبقة الوسطى لأسرة الوافد في كثير من الدول كالهند والفلبين، بل أن هناك الكثير ممن يرسلون أبنائهم إلى مدارس خاصة في دولهم بناء على هذا الراتب فقط. في المقابل، فلن يستطيع مواطن براتب مماثل حتى شراء أبسط الأمور الأساسية لإعالة أسرته في دول مجلس التعاون في ظل أسعارها المرتفعة، وبذلك لن يستطيع تأمين نفس مستوى الحياة التي يؤمنها الوافد لأسرته في الدولة الام. وإذا ما أدخلنا الاختلافات الاجتماعية في نمط الحياة بين تلك في دول مجلس التعاون والدول المرسلة، فإن تكلفة هذه الحياة الاجتماعية داخل دول مجلس التعاون ترتفع بشكل كبير. ولذلك، فإن المنافسة تكون غير متوازنة بين المواطن والوافد العامل نظراً للاختلاف في تكلفة الحياة الاجتماعية لأسرة كل منهما، كونها تعيش في دول ومساحات جغرافية مختلفة. هذا بالإضافة الى التمايز في الحقوق والقدرة التفاوضية بين المواطن والوافد تحت نظام الكفالة، والتي تعطي ارباب العمل سلطة أكثر على الوافدين مقارنة بالمواطنين، بما فيها ربط قدرة الوافد على البقاء في البلاد مع كفيله، مما يجعل ارباب العمل يفضلون توظيف الوافدين على المواطنين حتى لو تساوت الأجور، وذلك نظراً لأن الفئة الأولى اكثر “طواعية” و”انضباط” تحت العلاقات غير المتكافئة التي يفرزها نظام الكفالة.[36]

وهذه الاختلافات في تكلفة دورة تجديد قوة العمل المواطنة والوافدة وتمايز الحقوق فيما بينهم هي أساس عزوف المواطنين عن العمل في القطاع الخاص العائلي. فأساس المشكلة ليس في كسل المواطنين، أو في تدني تحصيلهم العلمي، أو في مواءمة مخرجات التعليم لسوق العمل، أو الاختلافات في الأجر الاحتياطي نظراً لتفضيل المواطنين للعمل في القطاع الحكومي. فعلى الرغم من أن هذه مشاكل واقعية ومهمة، وخصوصاً العامل الأخير منها، إلا أنها ليست أساس المشكلة. فكما رأينا تتعدى نسبة التحصيل العلمي للمواطنين من ناحية الشهادات نظيرتها لدى الوافدين في القطاع الخاص بنسب كبيرة، بل إن نسبة التعليم بين المواطنين تقترب من النسبة في دول أوروبا وأمريكا (30% لديهم شهادات أعلى من الثانوية). وعلى نفس المنوال، فإن المواطنين لا يمانعون العمل في المشاريع العامة ذات الإنتاجية الأعلى من القطاع العائلي. بل المشكلة الرئيسية هي أن الأغلبية الساحقة من الوظائف التي يوفرها القطاع العائلي هي تلك التي تتطلب تعليماً متدنياً وإنتاجية متدنية ورواتب متدنية، نظراً لاعتمادها على قوة عمل متدنية التكلفة ومتدنية الحقوق يتم استقطابها من بقاع العالم أجمع والتحكم بها عبر نظام الكفالة.

ولذلك، فقد انحصرت القطاعات الخاصة التي يتجه المواطن للعمل فيها في شركات المشاريع العامة، بالإضافة إلى القطاعات التي يستطيع أن ينافس فيها المواطن الوافدين من كل العالم من ناحية التكلفة، على أن توفر هذه الوظيفة الراتب والحقوق التي تسمح بإمكانية استمرارية مستوى معين من حياته الاجتماعية. وتنحصر هذه القطاعات إجمالاً في القطاع المصرفي والعقاري والإداري. وقد تكون الظاهرة التي لفتت نظر الكثير من زوار البحرين من مواطني دول الخليج الأخرى سابقاً هي عمل البحرينيين في محطات الوقود، الذي يقدم لنا مثالاً آخر للدلالة على هذه الخاصية لسوق العمل في دول مجلس التعاون. فالسبب الذي يدفع المواطنين للعمل في هذه الوظيفة ليس فقط الحاجة، بل لأن الرواتب والمميزات التي توفرها هذه المحطات، والتي كانت مملوكة من قبل شركة النفط الوطنية (بابكو)، عالية بما يكفي ليقبل المواطن العمل فيها، إذ أن الموظف في هذه الوظيفة يحصل على أكثر من 400-500 دينار بحريني شهرياً كراتب، بالإضافة إلى المميزات من تقاعد وإجازات إلخ التي يحصل عليها أي موظف آخر في شركات المشاريع العامة. أما عندما تم تخصيص محطات الوقود هذه في البحرين واستحوذت عليها شركات عائلية خاصة، نجد أن المزايا المغرية قد اختفت والرواتب قد تدنت، وبالتزامن جرى استبدال الموظفين البحرينيين بموظفين وافدين ذوي تكلفة ورواتب وحقوق أدنى، ولم يعد في قدرة الموظف البحريني منافستهم في العمل، وأصبح من النادر رؤيتهم فيها حتى يومنا هذا.

سابعاً: التكنولوجيا والإنتاجية في سوق العمل “العالمي”

ولهذه الدورة عالمية النطاق لقوة العمل في الخليج تبعات على الإنتاجية والتكنولوجيا المستعملة في اقتصاداتها. فللوهلة الأولى، قد تنظر بعض الشركات أو حتى الدولة بأن هذا التفويض للخارج (outsourcing) لأغلب خطوات إنتاج قوة العمل، بما فيها نشأته وتدريبه، بأنه أمر جيد يقلل من التكلفة والجهد المتطلب من الشركة والدولة في مجال توفير وصقل قوة العمل. فليس على الدولة أن تشغل بالها بمسألة تعليم وصحة وتربية العامل في نشأته، أو العناية به في تقاعده كما هو الحال مع قوة العمل المواطنة، ونفس الأمر ينطبق على الشركة التي يعمل فيها العامل، فليس عليها أن تقلق حول مسألة تدريبه، بل يأتيها العامل جاهزاً للعمل مباشرة من الخارج.

في المقابل، فهذا يعني أن الدولة فعلياً قد فوضت وتخلت عن قدرتها في التحكم ورسم شكل قوة العمل لديها، والتي كما ذكرنا هي من أهم الأمور التي تنشغل بها الدول الأخرى، إذ أنها تستثمر الكثير من فنون حكمها في كيفية إدارة وصقل قوة عملها من نشأتها إلى مماتها. ولنا أن نأخذ مثالاً متطرفاً، فلو تم فرض حصار كلي على أي دولة من دول الخليج، بحيث لم يسمح للناس بالتنقل إليها على الإطلاق، فلن يكون في مقدار اقتصاديات دول الخليج، وخصوصاً القطاع العائلي الخاص، توفير قوة العمل التي يحتاجها على الإطلاق، إذ أنها تعتمد على العالم الخارجي بشكل رئيسي لتزويده بها، وقد يكون ما حصل في الكويت خلال الغزو العراقي عندما نزحت العمالة الوافدة بأعداد كبيرة في فترة الغزو هو خير مثال على ذلك.

كما تنعكس طبيعة دورة العمل العالمية في الخليج على الإنتاجية والتكنولوجيا في القطاع العائلي. ففي الدول ذات الفائض من رأس المال والنقص النسبي في قوة العمل، كما هو الحال في الدول الصناعية، يحفز هذا الأمر الشركات على تبني التكنولوجيا الجديدة والمكننة (mechanization) لرفع الإنتاجية وخفض كمية قوة العمل المستخدمة، وذلك نظراً لندرة قوة العمل وارتفاع تكلفتها. في المقابل، ففي دول الخليج، ونظراً لتوفر عرض غير محدود من قوة العمل وبرواتب متدنية، فليس هناك حافز للتوجه نحو التكنولوجيا المتقدمة نظراً لرخص قوة العمل. كمثال، تتجه الأسواق في الدول الغربية إلى استعمال ماكينات الدفع الذاتي (self-checkout) نظراً لغلاء توظيف عمال الدفع، بينما في دول مجلس التعاون ذات “العمالة الرخيصة” التكلفة فيتم توظيف عمال للدفع، وآخرين لوضع البضائع في الأكياس، وآخرين لحمل البضائع إلى السيارة. وبهذا، فإن الحافز لرفع الإنتاجية عبر التقدم في التكنولوجيا (intensive growth) ضئيل جداً، وتعتمد الشركات أساساً على التوسع العددي (extensive growth) في العمالة الرخيصة.

العامل الثاني الذي يؤدي إلى تدني الإنتاجية هو تدني الحافز للاستثمار في التدريب وتطوير قوة العمل. فكما هو معروف، فإن الاستثمار في “رأس المال البشري”، أي بمعنى آخر تدريب ورفع كفاءة قوة العمل، يعتبر من أهم الطرق لرفع الإنتاجية في الشركات. ولكن في حالة دورة تجديد قوة العمل في الخليج التي تعتمد على العمالة الوافدة، فالحافز يقل بشكل كبير لدى الشركات والدولة للاستثمار في التدريب. فمن وجهة نظر الشركات، إذا كان العامل الوافد سيأتي جاهزاً ومدرباً، وبما أنه نظرياً لن يبقى إلى أبد الآبدين بل قد يرحل إلى دولة أخرى في أي لحظة، فما الداعي لاستثمار الأموال في تدريبه؟ ونفس الأمر ينطبق على الدولة، فبما أن هذا العامل وافد غير مواطن، وسيرحل من الدولة مع نهاية فترة عمله، فما هو الحافز حتى تستثمر الدولة الموارد في تدريبه؟

وهذا التفويض الخارجي لدورة تجديد قوة العمل في الخليج له أثر آخر سلبي على الإنتاجية، إذ أدى إلى تدني نسبة توطين المهارات في اقتصاديات الخليج. فالكثير من المهارات التي يكتسبها أي عامل تأتي عبر التجربة والعمل (learning by doing)، وهذه مهارات ضمنية (tacit knowledge) لا يكتسبها العامل عن طريق الكتب، بل عبر الممارسة الفعلية على أرض الواقع. ففي بقية دول العالم، فإن الطريقة الوحيدة التي تتعلم فيها قوة العمل كيفية بناء شارع أو بيت لا تتم عبر الكتب والنظريات فقط، بل عن طريق تجربة وممارسة بناء البيت أو المصنع أو الشارع، حتى وإن تطلب ذلك الفشل عدة مرات.  في المقابل، فلم تكتسب قوة العمل المواطنة في الخليج الكثير من المهارات في الأعمال التي تعتبر من أسس حياة مجتمعاتها، أكان ذلك في تنظيف الشوارع، مروراً بتصليح السيارات، وصولاً إلى بناء مصانع التحلية التي تزودها بالمياه، أو مصانع الطاقة، أو حتى بناء شوارع المجتمع أو بيوته. إذ أن كل هذه القطاعات تعتمد أساساً على قوة عمل وافدة للقيام بها، وبذلك الوافدين هم من يكتسب المهارات للقيام بهذه الأعمال، وهي مهارات ترحل معهم عند رحيلهم عن الدولة المضيفة.[37]

بل إن هذه الحالة من عدم توافر القدرة على إعادة إنتاج التكنولوجيا تمتد حتى إلى ذلك القطاع الذي يمثل عصب الحياة في الخليج، ألا وهو النفط. فعلى الرغم من مرور أكثر من ثمانين سنة على إنتاج النفط، لا تزال دول الخليج غير قادرة ذاتياً على إنتاج وتصنيع الكثير من الآلات والمعدات التي تحتاجها في هذه الصناعة، من معدات حفر الحقول ومصانع التقطير والتكرير إلخ، كونها تعتمد بشكل شبه كلي على شركات عالمية أجنبية لتزويدها بهذه المعدات وبناء المصانع. وبذلك، فحتى في أهم قطاع إنتاجي لدول الخليج، تبقى هذه الدول عاجزة عن ضمان إعادة إنتاج هذا القطاع بشكل دائم ومستمر بشكل ذاتي. ولنا أن نقارن ذلك مع حالة النرويج، التي أصبحت من الدول الرائدة في مجال خدمات وتصنيع معدات وآلات قطاع النفط، بل حتى وانها تصدر حوالي 35% مما تنتجه من خدمات ومعدات في هذا القطاع.[38]

وهذا بدوره ينعكس على إمكانيات التدريب وإعادة إنتاج مهارات قوة العمل بشكل مستمر. فجزء رئيسي من إعادة إنتاج قوة العمل هو القدرة على توارث المهارات من جيل إلى آخر عبر التدريب. وإسناد مهمة تدريب الأجير الوافد إلى دولته الأم قبل وصوله، ومغادرة الأجير الوافد دول الخليج بعد انتهاء عمله بكل الخبرات التي جناها من عمله، يعني فعلياً أن أي مهارات اكتسبت قد غادرت البلاد، وأن البلاد لم تكتسب في المقابل أي قدرة على تدريب وتوريث هذه المهارات للأجيال القادمة. ونتيجة لهذه التبعات المنبعثة من الاعتماد على السوق العالمي في المقام الأول لتوفير قوة العمل، فليس من الغريب أن يتميز قطاع الشركات العائلية في الخليج بتدني التكنولوجيا والإنتاجية، إذ يعتمد أساساً على النمو العددي (extensive growth ) في عمالة وافدة رخيصة التكلفة متدنية التعليم والإنتاجية وتعمل في قطاعات متدنية التكنولوجيا.

أخيراً وليس آخراً، فناتج أخير للطبيعة الفريدة لدورة سوق العمل العالمية في دول الخليج، هو تميز هذه الاقتصاديات بتحويلات كبيرة من العمالة الوافدة إلى الدول الأم. وهذا كما رأينا جزء أساسي من حلقة “الهجرة الدائرية”، فالسبب الرئيسي الذي يأتي بالعمال الوافدين لدول الخليج هو جني الراتب لإرساله لإعالة أسرهم في بلدانهم الأم. وبذلك، فإن تحويلات العمال في كل دول الخليج تعتبر من الأعلى على مستوى العالم، بحيث وصل إجمالي التحويلات إلى 98 مليار دولار في عام 2014.[39]

الشكل التوضيحي 2.5.16: قيمة تحويلات العمالة الوافدة من دول الخليج بالأسعار الجارية، بليون دولار امريكي

 

المصدر: البنك الدولي

وهذه التحويلات هي عبارة عن عملة أجنبية (دولارات) تخرج من دول الخليج، ولذلك فإنها تدخل كسالب في الحساب الجاري لاقتصاداتها، حالها حال الواردات التي تدفع لها دول الخليج بالدولارات (أنظر الخطوة رقم 4 في الرسم البياني لدورة المال في الخليج في الورقة السابقة حول نمط نمو الانتاج). وكما هو الحال مع الواردات، فإن دول الخليج تمول هذه التحويلات عن طريق إيرادات النفط التي تجنيها من الخارج، والتي توفر العملة الخارجية التي تسمح بتمويل الواردات والتحويلات العمالية إلى الخارج، بالإضافة إلى تمويلها لرؤوس الأموال الخارجة من دول الخليج..

وكما هو الحال مع الواردات ورؤوس الأموال التي تخرج من الخليج، فإن العوامل التي تحدد النمو في تحويلات العمالة الوافدة تختلف عن العوامل التي تحدد الإيرادات التي تحصل عليها دول الخليج من النفط. فتحويلات العمالة الوافدة تنمو مع زيادة أعداد قوة العمل الوافدة في الخليج، والتي يحكم نموها عوامل الطلب على قوة العمل من قبل الشركات الخاصة الربحية في الاقتصاد المحلي، كما كان الحال مع نمو الطلب على الواردات من السلع والخدمات. في المقابل، يتم تحديد إيرادات النفط أساساً في العالم الخارجي عبر التقلبات في أسعار النفط. وإذا ما وصلت الواردات وتحويلات العمال إلى مستويات تتعدى فيها إيرادات النفط، فهذا يعني أن الحساب الجاري للدولة سيدخل في السالب، بحيث لا تغطي إيرادات النفط الأموال التي تخرج من دول الخليج.

خلاصة: استدامة قوة العمل في ظل “الوطنية” و”العالمية” و”الكورونا”

كان هدفنا في هذه الورقة تحليل قوة العمل في الخليج من ناحية الاستدامة، وبالتحديد كان بودنا الإجابة على سؤالين: 1. ما هو الدور الاقتصادي الذي تلعبه قوة العمل في اقتصاديات الخليج؟ 2. كيف تؤمن قوة العمل استمراريتها وتجديد إنتاجها في الاقتصاد بشكل متواصل؟

وقد أتت جائحة الكورونا عام 2020 لتعري الكثير من هذه الآليات والتناقضات في سوق العمل في الخليج. وقد انصب تأثير الجائحة الاقتصادي من ناحية قوة العمل أساساً على الوافدين، والذين كانوا الأكثر عرضة لخسارة أعمالهم ورزقهم، بالإضافة إلى تعرضهم لتهديد كورونا بنسبة عالية، إذ هم المرابطون في الخطوط الأمامية عبر مواصلتهم العمل في الأماكن العامة التي نحتاجها لضمان استمرارية الحياة. وكان هؤلاء “العزاب” كما يعرفون (وهو مصطلح كولونيالي الأصل) هم الأكثر عرضة لأن يفرض عليهم خيار مواصلة العمل مقابل خسارة وظائفهم في ظل كورونا، وخصوصاً أولئك الذين يعيشون على الدخل اليومي والعمالة غير الموثقة.[40] فالعمال المنتمين لهذه الطبقة بالتحديد يجدون أنفسهم مضطرين لمواصلة العمل حتى وإن أحسوا بأعراض المرض، خوفاً من فقدان الرزق أو التبعات القانونية التي يظنون أنهم قد يتعرضون لها في حال تواصلهم مع الجهات الرسمية طلباً للعلاج. أما من ناحية السكن، فبينما قد يطمح الكثير من المواطنين للعيش في منزل ذي أربعة أو ستة غرف، فليس بالغريب على الكثير من الوافدين أن يتشارك كل أربعة أو ستة منهم في غرفة واحدة، مما يجعل مطالبات “التباعد الاجتماعي” و”العزل المنزلي” في حالتهم أشبه بالنكتة السمجة.

على المدى القصير، من المتوقع أن الكثير من هؤلاء العمال سيفقدون أعمالهم، وهناك مسؤولية أخلاقية على أصحاب الشركات والدول في التأكد من حصولهم على أي مستحقات متبقية لهم، وتكاليف العودة لدولهم، واحتياجات الحياة خلال فترة تواجدهم في الخليج على أقل تقدير. فبما أن الشركات هي من استقطب الوافدين للعمل وبما أن الدول هي التي سمحت للشركات والوافدين بذلك، فإنهم مسؤولون عن هؤلاء العمال خلال تواجدهم في دول الخليج. ومما لا شك فيه أن هذه القضية ستبرز كتحدٍ كبير خلال الفترة القادمة مع تزايد الضائقات على القطاع الخاص في خضم أزمتي كورونا وتدني أسعار النفط.

أما على المدى المتوسط والبعيد، فقد تكون هذه الصدمات التي فرضتها كورونا قسراً هي فرصة لإصلاح سوق العمل في الخليج، وفتح النقاش حول المستقبل المنشود منه. وقد يكون أول مدخل للتطرق إلى هذا الموضوع هو الاعتراف والتركيز على الدور الكبير الذي لعبته العمالة الوافدة في تشكيل اقتصاديات الخليج. فهم فعلياً من بنوا مدنه والبيوت والعمارات التي نسكن ونعمل ونعيش فيها، وأشرفوا على تنظيفها وصيانتها وإطعام من بها. وأول وأهم ما يمكن عمله من هذه الناحية هو تفعيل حقوقهم العمالية في عملية الإنتاج، حالهم حال المواطنين، بحيث يتم التأكد من تطبيق قانون العمل، وخصوصاً في القطاع الخاص العائلي الذي يوظف هذه العمالة والذي تم تركه من قبل الدولة ليفعل ما يشاء بموظفيه. وهذا الإصلاح مهم ليس من الناحية الحقوقية والإنسانية فقط، بل إنه سيرفع من حقوق الموظفين في الاقتصاد إجمالاً، بمن فيهم المواطنين. فليس من الممكن أن يتطور قطاع خاص ذي إنتاجية ورواتب وحقوق عالية إن لم يطبق ذلك على جميع من يعمل فيه، فإن بقيت التفرقة ما بين المواطنين والوافدين فسيتواصل القطاع الخاص في إيجاد الحيل والسبل في التنصل من توظيف المواطنين، والاتجاه نحو توظيف الوافدين مهما بلغ مدى السياسات والقوانين الحكومية، بما أن حقوقهم ورواتبهم أقل.

وجزء رئيسي من هذه العملية يتمثل في تغيير نظام الكفالة الحالي، بحيث يتم تقنين أعداد القوى العاملة وإحالة عملية إدارتها وتنظيمها، بما في ذلك قانون الكفالة، إلى مؤسسة مركزية تابعة للدولة، تكون لها رؤيتها وخطتها الواضحة بالنسبة إلى الهجرة وتبعاتها. وتهدف هذه الخطوة إلى تفعيل رؤية أوسع حول الهجرة، تتطرق إلى أبعادها الاجتماعية والاقتصادية، وذلك في مقابل النظام الحالي الذي تعتمد هجرة الوافدين فيه أساساً على الطلب الفردي من الكفلاء وأصحاب العمل، الذين يأخذون في الاعتبار المصلحة الفردية فقط، دون اعتبار التداعيات المجتمعية ككل، بطريقة ترفع من دخولهم على حساب المكفولين وتمهد لحدوث انتهاكات محتملة على نطاق واسع، فضلاً عن الضوائق التي تنتعكس على المواطن من هذا الاختلال في التوازن كما بينا أعلاه.

لكن تبقى القضية المحورية من ناحية قوة العمل هي أنه على دول الخليج أن تختار نمط سوق العمل المنشود: هل تريد سوق عمل عالمي مفتوح على مصراعيه، يستقطب من خلاله رأس المال المحلي قوة العمل من أي مكان يريده على امتداد الكرة الأرضية، ويحكم السيطرة عليها عبر نظام الكفالة، بحيث ترتكز جهود دول الخليج على تنظيم العملية بين الجهات المرسلة والمستقدمة خلال دورة هذه “الهجرة الدائرية”؟ أم على العكس هل تريد دول الخليج التحول إلى سوق عمل وطني ترتسم حدوده أساساً على مستوى الدولة، بحيث يعتمد السوق بشكل أساسي على المواطنين والمقيمين الدائمين في الدولة لتوفير قوة العمل بشكل متواصل ومتجدد، ومن ثم يتم تطعيم سوق العمل الوطني هذا بالهجرة عند الحاجة، في مسار مشابه لبقية دول العالم الصناعية؟

كما بينا مسبقاً، فلكل خيار حججه المعقولة. فطبيعة سوق العمل العالمي الحالي في الخليج كان لها تأثير قوي في زيادة إجمالي الدخل المادي للمهاجرين إلى الخليج. وقد يكون أكبر دليل على ذلك هو حجم التحويلات التي تعدت 98 مليار دولار عام 2014، حيث تبين الإحصائيات أن الهجرة إلى الخليج والتحويلات المالية الناجمة عنها تلعب أكبر دور نسبياً في تخفيض عدم المساواة في الدخل على مستوى العالم، بحيث يفوق دورها النسبي دور الدول الغربية بالضعف في رفع دخل المال تحت قانون الكفالة. كما أن هذه التركيبة وفّرت الحل الأمثل لرأس المال المحلي، إذ تم تسخير قوة عمل عالمية قليلة الحقوق والرواتب لسوق رأس المال المحلي، الذي لا تتعدى حدوده مستوى الدولة. وحتى المواطنين استفادوا من تدني أسعار الاستهلاك نظراً لتدني تكلفة قوة العمل، بالإضافة إلى انتشار استعمال الخدمة المنزلية وفتح الشركات الصغيرة التي تعتمد على العمالة الوافدة. أما من ناحية الدولة، فأصبح عموم الناس في أراضيها من السكان قليلي الحقوق السياسية وهم أقرب إلى الرعايا، أكانوا مواطنين أم وافدين، كما زاد نفوذ الحكومات المحلية على الدول المصدرة للعمالة. وبذلك، أصبحت الفروقات في الرواتب والمزايا والعطايا والحقوق والواجبات بناء على الجنسية والمهنة هي سيدة الموقف، عوضاً عن أي نوع من المواطنة التي تسعى نحو المساواة والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار.

في المقابل، فقد زادت حالات الاضطهاد والتفرقة في صفوف الوافدين، بالإضافة إلى فقدان المواطنين قدرتهم التنافسية في الإنتاج. ففي الوضع الحالي، من المستحيل على المواطن منافسة الوافد في سوق العمل، وذلك لأن تكلفة عائلة وحياة العامل الوافد تحدد في بلده الأم، وهي أقل بكثير من تكلفة حياة وعائلة المواطن في دول الخليج. هذا بالإضافة الى تدني حقوق الوافد وضعف قدرته التفاوضية مع كفيله تحت نظام الكفالة، مما يجعل الكفلاء يفضلون توظيف الوافدين لأنهم “أكثر طاعة وانضباطاً” ويسهل فصلهم وتسريحهم عن العمل. وما أن يتم التطرق إلى هذه الفروقات في التكلفة والحقوق، فمن المستحيل على المواطن أن يتمكن من منافسة الوافد، وسيبرز شبح البطالة كأمر يهدد المواطنين، وبذلك تزيد حالة الاغتراب فيما بين المواطنين والوافدين معاً. وأصبح “المواطنون” في مقابل “الوافدون” وكأنهما خانتين جامدتين أقرب إلى الطوائف الطبقية (castes) المتواجدة في الهند، بحيث من المستحيل أن ينتقل أحد من خانة إلى أخرى. ولذلك، فإن الوضع الحالي الذي يخلق هذه الحالة الفاقعة من الاختلافات والمتجذرة حتى في القانون بين المواطنين والوافدين، وحالات التعصب والزينوفوبيا والشك المتبادل والتحزبات داخل مكان العمل بناء على الجنسية، تدعو إلى التساؤل حول طبيعة المجتمع الذي نريده في الخليج، والتي أضحت أشبه بحالة من الاغتراب الدائم لمواطنيه ووافديه، وهو اغتراب مبني على فروقات وشروخ متقاطعة.

وقد يكون أكبر تحدٍ اقتصادي يواجه سوق العمل العالمي الحالي في الخليج هو عدم استدامة قوة العمل والتكنولوجيا، ذلك أن اقتصاد الدولة فعلياً قد فوض إعادة إنتاج هذه العوامل المهمة إلى أطراف خارج البلاد، بحيث لا يتم تجديد وإعادة إنتاج وتدريب هذه العوامل عبر الأجيال داخل اقتصاديات الخليج بل خارجها. ولذلك، فبرأيي أن الانتقال نحو نظام قوة عمل أقرب إلى الحال في بقية دول العالم، حيث يكون تجديد واستمرارية قوة العمل أساساً ضمن نطاق الدولة، مع تطعيمها بالوافدين متى دعت الحاجة، على أن يحصل المواطنون والوافدون على حقوقهم العمالية والاجتماعية كاملة ودون تفرقة، هو الحل الأمثل لاقتصاديات دول الخليج من ناحية الاستدامة وأيضاً من ناحية بناء مجتمع أكثر عدالة وانسجاماً.

وفي هذا المجال، فإن هناك قضية مهمة على دول الخليج فتح النقاش فيها، وهي إمكانية توطين جزء من الوافدين الذين عاشوا في دولها لفترات طويلة ويريدون أن يصبحوا جزءاً فاعلاً من المجتمع وهويته وثقافاته ولغته الجامعة ومصيره المشترك، بغض النظر عن أصولهم وخلفياتهم الاجتماعية. فأخلاقياً، هناك أمر غير طبيعي في أن يكون الشخص قد عاش في مكان ما طوال عمره، وعمل وأفنى حياته وأنجب أبناءه فيه، وهم بدورهم كبروا وعملوا وأنجبوا أحفاداً في نفس الرقعة، ليصبحوا ثلاثة أجيال متعاقبة أو أكثر كل منها لم يعرف موطناً سوى دول الخليج، ولكنهم ما زالوا يعاملون كوافدين لا يمكن لهم أن يصبحوا جزءاً مكتملاً من المجتمع، بل وبالإمكان إبعادهم وترحيلهم في أية لحظة. ومن ناحية الاستدامة، فإن حل هذه المسألة سيساهم في إبقاء الكثير من الكفاءات في البلاد، وجعلها جزءاً من النمط الاقتصادي بدلاً من أن تخرج من البلاد بلا عودة.

هل هذه الدعوة لإصلاح سوق العمل هي دعوة لدول الخليج للانغلاق على نفسها؟ بالطبع لا ومن المهم ألا تفسر كذلك. فالخليج دائماً ما تميز بانفتاحه على العالم وتجارته وثقافاته وتكنولوجياته، وهذا شيء إيجابي بكل تأكيد استفادت منه دول الخليج والكثير من دول العالم، ومن المهم أن يتواصل هذا الانفتاح. فمن الضروري ألا ننظر إلى الأمور من منطلق نحن ضد الآخر. فالعالم مترابط ويعتمد على بعضه البعض من الناحية الاقتصادية والسياسية والبيئية بشكل عضوي، مما يجعل الخروج من العقلية الانغلاقية والتعاون فيما بين أقطاره أمراً ضرورياً، بل وقد يرى البعض أن هدف الإنسانية على المدى البعيد هو الوصول إلى عالم مفتوح الحدود كما كان قبل عصر الدولة الحديثة. لكن يبقى واقع الحال هو أننا نعيش الآن في عصر ما زالت الدولة فيه هي الوحدة الرئيسية للإدارة العامة، وأن هناك مقومات تحتاجها أي دولة كي تستطيع إعادة إنتاج نفسها، وهي مقومات أساسية تقوم عليها غالبية دول العالم، إن اختفت أصبحت الدولة ومن يسكنها في خطر الانكشاف وعدم الاستدامة، مع صعوبة أن تتمتع الدولة ومواطنيها باستقلالية وسيادة اتخاذ قراراتها. فإلى أي مدى سيتم استيراد كل شيء في الخليج، حتى البشر والتكنولوجيا، ويتم الدفع بالمقابل عن طريق مورد واحد فقط، وهو النفط الذي يجعل كل هذا الاستيراد والاتكالية على الخارج ممكنة في الأساس؟

 

[1] هذه الورقة مبنية أساساً على ما ورد في الفصل السابع من كتاب المؤلف بعنوان:

عمر الشهابي، تصدير الثروة واغتراب الانسان: تاريخ الخلل الإنتاجي في دول الخليج العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2018).

[2] للمزيد حول الاستدامة من منظور القدرة على إعادة الإنتاج والتجديد، راجع الورقة السابقة لنفس المؤلف في هذا الإصدار.

[3] للمزيد حول “السلعة المتوهمة” انظر الفصل الثاني من المرجع السابق.

[4] وقد تم تسمية هذه في الأدبيات بـ “الخلل السكاني”. راجع:

 عمر الشهابي، سكان الخليج: مظاهر الخلل وآليات المواجهة (الكويت: منتدى التنمية وآفاق، 2013).

[5] Foucault, Michel. Security, territory, population: lectures at the Collège de France, 1977-78 (Springer, 2007).

[6] “244 million international migrants living abroad worldwide, new UN statistics reveal,” United Nations, 12 January 2016, < https://goo.gl/4sh8eh >.

[7] “Migrants in the UK: An Overview,” The Migration Observatory, 21 February 2017 < https://goo.gl/7HKBVS >.

[8] “Frequently Requested Statistics on Immigrants and Immigration in the United States,” MPI, 8 March 2017 <https://goo.gl/w2juFm>.

[9] Eric Newburger and Thomas Gryn, The Foreign-Born Labor Force in the United States: 2007 (USA: American Community Survey Reports, December 2009), <https://www.census.gov/prod/2009pubs/acs-10.pdf >.

[10] Cinzia Rienzo, “Migrants in the UK Labour Market: An Overview,” The Migration Observatory, 1 December 2016 <https://goo.gl/vs2Jkn>.

[11] Foucault, Michel. Security, territory, population: lectures at the Collège de France, 1977-78 (Springer, 2007).

[12] قانون اتحادي رقم (17) لسنة 1972 في شأن الجنسية وجوازات السفر، الاتحاد النسائي العام <http://www.gwu.ae/assets/openingData/18/14475.pdfi>.

نظام الجنسبة العربية السعودية، هيئة الخبراء لمجلس الوزراء < https://laws.boe.gov.sa/BoeLaws/Laws/LawDetails/d9f183b6-3afc-4405-834f-a9a700f18571/1 >،

مرسوم أميري رقم 15 لسنة 1959 بقانون الجنسية الكويتية ( 15 / 1959 )، شبكة المعلومات القانونية لدول مجلس التعاون <https://goo.gl/X1MdHd>.

قانون رقم (38) لسنة 2005 بشأن الجنسية القطرية، البوابة القانونية القطرية <http://www.almeezan.qa/LawPage.aspx?id=2591&language=ar>.

[13] والدلائل تشير  بأنه فعلياً لا يتم تطبيق هذا القانون على ارض الواقع في هاتين الدولتين.

[14] “Jus sanguinis revisited,” The Economist, 2 March 2013 <https://goo.gl/w6N3pL>.

[15] نستعمل كلمة مواطنة بمعناها كـ”حامل الجنسية” (citizenship) بدلاً من المعنى السياسي الأشمل الذي يعني ممارسة حقوق المواطن الفاعل سياسياً، والتي فعلياً لا تطبقها أي من دول الخليج حتى على مواطنيها.

[16] مربدأت بعض التغيرات تطرأ على هذه الأمور في السنوات الأخيرة مثل “الفيزا المرنة” والإقامة المرتبطة بتملك العقار سنتغاضى عنها في هذا التحليل.

[17] عمر الشهابي، “الكفالة: التبعية والإقصاء في مجتمعات الخليج العربية،” الثابت والمتحول 2014: الشقاق المجتمعي وترابط المال والسلطة، (الكويت: مركز الخليج لسياسات التنمية، 2014)،  < https://gulfpolicies.org/2019-05-18-07-30-16/2019-05-18-10-13-53/2014/9-explore/2239-5-4  >.

[18] ” أرامكو توظف 3013 مواطنا خلال عام 2015،” أرقام، 29 مايو 2016، <https://goo.gl/2kizhv>.

[19] انظر الفصل السادس من كتاب:

عمر هشام الشهابي، تصدير الثروة واغتراب الانسان.

[20] عمر الشهابي وآخرون، “إيرادات النفط في دول مجلس التعاون وأوجه إنفاقها،” الثابت والمتحول 2017: الخليج والإصلاح الاقتصادي في زمن الأزمة النفطية (الكويت: مركز الخليج لسياسات التنمية، 2017)، <https://gulfpolicies.org/2019-10-30-17-22-00  >.

[21] والتي لا يسعنا الخوض فيها بالتفصيل في هذه الدراسة نظراً لكونها تركز على الجانب الإنتاجي الاقتصادي في المقام الأول.

[22] هذا على الأقل من ناحية الكادر البيروقراطي من غير متخذي القرارات السياسية الكبرى، حيث تدخل في الأخيرة اعتبارات أخرى.

[23] مسح نفقات ودخل الأسرة، الجهاز المركزي للمعلومات في البحرين، 2006، <https://goo.gl/cvUT6e>.

[24] Measuring the standard of living in Qatar (Qatar: ministry of development planning and statisctics, 2012/2013), <https://goo.gl/s9HuvJ>.

[25] أهم نتائج نتائج مسح نفقات ودخل الأسرة (سلطنة عمان: المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في سلطنة عمان، 2011)، <https://goo.gl/MWTpPs>.

[26] Omar Alshehabi, “Histories of migration in the Gulf Arab States,” Transit States: Labour, Migration & Citizenship in the Gulf, London, Pluto Books, (2015), p.35.

[27] “108 آلاف حجم العمالة المنزلية في البحرين،” الأيام، 14 سبتمبر 2015، <https://goo.gl/5GnV6m>.

[28] “669 ألفاً عدد العمالة المنزلية و5% نسبة القضايا المرفوعة،” الأنباء، 25 ابريل 2017، <https://goo.gl/9wLzYX>.

[29] تمثل ظاهرة تفضيل الذكور على الإناث حالة اجتماعية في الهند تصل في بعض الأحيان إلى وأد الرضيعات الإناث.

[30] وسنتعمق في هذه النقطة في الفصل التاسع

[31] من المهم التنويه بأنه عند الحديث عن الوافدين، فإننا نتحدث عن الملايين من البشر من عدة جنسيات مختلفة، وفي أعمال مختلفة، وفي طبقات اقتصادية مختلفة، يعيشون حياة مختلفة، بدلاً من النظر إليهم ككتلة واحدة متجانسة. ولذلك فإن التعميم بشكل كلي يعتبر مضللاً. إلا وكما بينا مسبقاً، فإن الغالبية الساحقة تعتبر من “العزاب” من ذوي الدخل المحدود، ولذلك فهذا سيكون تركيزنا في المتبقي من المقالة.

[32] وهنا لنا أن نسجل نقداً على الأطروحات التي ترى أن دول الخليج تعاني أساساً من المرض الهولندي، وهي النظرية التي ترى أن ارتفاع عائدات النفط يؤدي إلى ارتفاع الرواتب وتكلفة قوة العمل في الاقتصاد المحلي، مما يخفض من تنافسيتها على المستوى العالمي ويؤدي إلى خفض مستوى الصادرات في الدولة وتقلص التصنيع فيها. إذ أن هذه النظرية تعتمد على تطابق حيز سوق العمل مع مستوى الدولة أساساً. ويبدو جلياً لنا أن الرواتب في دول مجلس التعاون للغالبية الساحقة من العمال متدنية نسبياً ويتم تحديدها أساساً على مستوى العالم في سوق العمل الدولي بدلاً من سوق العمل الوطني، بما أن الأغلبية الساحقة من العمال في دول مجلس التعاون هم من الوافدين. ولذلك فإن الآلية التي تطرحها نظرية المرض الهولندي، المبنية على سوق عمل وطني مغلق، لا تتفق مع واقع حال سوق العمل في دول الخليج. وهذا يبين لنا أن أخذ النظريات جاهزة كما هي ومحاولة تطبيقها على دول مجلس التعاون قد لا يكون مفيداً في كثير من الأحيان. للمزيد حول المرض الهولندي انظر:

Corden WM, “Boom Sector and Dutch Disease Economics: Survey and Consolidation,” Oxford Economic Papers. (1984), 36: 362.

[33] Vertovec, Steven, Circular Migration: the way forward in global policy? (UK: Universtity of Oxford, 2007).

[34]لأمثلة على رواتب موظفي الخدمة المنزلية حسب الجنسية أنظر:

“تكاليف استقدام العمالة المنزلية في السعودية الأعلى خليجيا بـ 120 %،” الاقتصادية، 27 ديسمبر 2015، < http://www.aleqt.com/2015/12/27/article_1016988.html >.

“جولة مقارنة بين أسعار استقدام العمالة المنزلية في دول الخليج،” الأنباء، 25 نوفمبر 2013 <https://goo.gl/mTWxKw>.

[35] وأستحضر هنا طرفة مضحكة مبكية رأيتها بعيني في إحدى الشركات، حيث اشتكى أحد المواطنين البحرينيين من معارفي وهو موظف في شركة عالمية مرموقة، بأنه لا يحصل على بدل سكن كما هو الحال مع زميله الأجنبي الغربي، وبذلك فهو فعلياً يحصل على راتب أقل بحوالي 30% من نظيره. فردت عليه الشركة بأن هذه البلد هي دولتك التي تعيش فيها! فرد عليهم: أنا أحتاج مكان أعيش فيه مثلي مثل زميلي، فكان أن رد عليه قسم الموارد البشرية بشكل شبه مازح: “حكومتك وأهلك لن يقصروا!” وشاءت الأقدار أن يسافر هذا الشخص ويغترب لفترة من الزمن، ما لبث بعدها أن حصل على الجنسية في إحدى البلاد الأوروبية. عندها عاد وقدم على نفس الشركة ولكن على أنه وافد من الدولة الأوروبية، وحينها حصل على عرض أفضل عن طريق حزمة المغترب (expatriate package) لأنه الآن كان يصنف بأنه من دولة غربية!

[36] للمزيد حول نظام الكفالة وتاريخ نشوئه انظر:

عمر الشهابي، “تاريخ نشوء نظام الكفالة للعاملين الوافدين في دول الخليج العربية”، عمر الشهابي وآخرون، الثابت والمتحول 2018: التنمية في هامش الخليج (الكويت: مركز الخليج لسياسات التنمية، 2018)، <https://gulfpolicies.org/index.php?option=com_content&view=article&id=2320&catid=9&Itemid=1142&lang=ar >.

[37] للمزيد أنظر:

عمر هشام الشهابي، “نحو فهم جديد لسوق العمل”، مركز الخليج لسياسات التنمية، 2016، <https://goo.gl/nJXzsA>.

عصام الزامل، “تأثير العمالة الوافدة على الاقتصاد السعودي”، الثابت والمتحول: الخليج والإصلاح الاقتصادي في زمن الأزمة النفطية (الكويت وبيروت: مركز الخليج لسياسات التنمية ومركز دراسات الوحدة العربية، 2017)، <https://goo.gl/tq4NzZ>.

[38] “The Service and Supply Industry”, Norsk Petroleum Website, <http://www.norskpetroleum.no/en/developments-and-operations/service-and-supply-industry/>.

[39] Migration and Remittances Data,” The World Banks, 24 September 2015 <https://goo.gl/vpk2CP>.

[40] عمر الشهابي، “تاريخ نشوء نظام الكفالة للعاملين الوافدين في دول الخليج العربية”، عمر الشهابي وآخرون، الثابت والمتحول 2018: التنمية في هامش الخليج (الكويت: مركز الخليج لسياسات التنمية، 2018)، <https://gulfpolicies.org/index.php?option=com_content&view=article&id=2320&catid=9&Itemid=1142&lang=ar >.

رابط المصدر:

https://gulfpolicies.org/2019-05-18-07-30-16/2019-05-18-10-13-53/170-2020/2413-2-5

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M