- عقب انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات الإيرانية-الأمريكية في مسقط، لا تزال تنتظرُ المفاوضين الإيرانيين والأمريكيين مهمة صعبة تتمثل في جسر الهوّة الشاسعة بين ما تنشده إدارة الرئيس ترمب، وما ترغب في تحقيقه المؤسسة السياسية الإيرانية.
- يمكنُ وصف مسار التفاوض المنشود إيرانيّاً بأنّه محاولة “العودة إلى الاستراتيجيات التقليدية” التي كانت تعتمدها إيران طيلة الأعوام الماضية، في خلال جولات مفاوضاتها المتكررة مع المجتمع الدولي، ومع الولايات المتحدة بشكلٍ خاص.
- أهم الاستراتيجيات التفاوضية التقليدية الإيرانية، تتمثل في: اعتماد “الفوضى المقصودة” في المواقف الصادرة عن القيادات الإيرانية؛ واستراتيجية “عزل الملفات الموضوعة على الطاولة”؛ واستراتيجية “الحل المرحلي” في كلّ ملفٍّ من تلك الملفات؛ والعودة إلى مبدأ “اللعب على خط الخلاف بين المعتدلين والمتشددين”؛ وإخلاء الطاولة من الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى.
- تُظهِرُ الاستراتيجيات التفاوضية الخمس أنّ طهران تحاول مُجدداً صوغ الإطار العام للمفاوضات، والتأثير على طبيعة مخرجاتها، وشراء الوقت، وإبعاد بعض الملفات عن دائرة “ما يمكن التفاوض بشأنه”، لكنْ ليس واضحاً ما إذا كانت هذه المقاربة ستُحقِّق النجاح ذاته الذي جسَّدهُ اتفاق 2015، في ظل التحوُّل الجوهري الذي طرأ على توجُّهات الإدارة الأمريكية.
بعد توقُّف المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة عقب حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، قرّرت طهران معاودة الانخراط في مسار مفاوضات يجمعها بواشنطن لفضّ الخلافات الواسعة وتخفيف التوتّر الذي بلغ أشدّه في النصف الثاني من يناير 2026 بعد الاحتجاجات الشعبية التي عمّت المدن الإيرانية. ووصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القرار الإيراني بأنّه جاء تجاوباً مع مطالب بعض الأطراف الإقليمية.
وتُظهِرُ المعطيات أنّ ثمّة مهمّة صعبة تنتظرُ المفاوضين من الجانبين، لجسر الهوّة الشاسعة بين ما تنشده إدارة الرئيس ترمب، وما ترغب في تحقيقه المؤسسة السياسية الإيرانية من وراء هذه المفاوضات.
رهان إيراني مُتجدِّد على الاستراتيجيات التفاوضية التقليدية
ربما يمكن منذ البداية وصف مسار التفاوض المنشود إيرانيّاً بأنّه محاولة “العودة إلى الاستراتيجيات التقليدية” التي كانت تعتمدها إيران على مرّ الأعوام الماضية، في خلال جولات مفاوضاتها المتكرّرة مع المجتمع الدولي، ومع الولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ خاصّ، وأبرزها الاستراتيجيات الخمس التالية:
1. أول تلك الاستراتيجيات، اعتماد “الفوضى المقصودة” في المواقف الصّادرة عن القيادات الإيرانية، وبخاصّة الوجوه/المؤسسات المؤثّرة في السياسة الخارجية؛ فعلى الرغم من حقيقة أنّ المؤسسة السياسية الإيرانية، معروفٌ عنها الانصياع المفرط للتوجيهات الصادرة عن رموز الدولة العميقة، ومؤسسة بيت القائد الإيراني الأعلى، فإنّ أقلّ ما يمكن أنْ توصف به مجموعة المواقف الصادرة عن المراكز المؤثّرة على صنع القرار في طهران هذه الأيام، هو أنّها تتّسم بالفوضى، والتناقض، والتشظّي. وينعكسُ هذا التشظي على فكرة المفاوضات نفسها؛ حيث ينقسم فيها القرار إلى قطاعات معارضة تستمد قوتها من بعض مواقف القائد التي تؤكّد عدم جدوى الحوار مع واشنطن، وقطاعات موافقة تستمدُّ شرعيّتها من المجلس الأعلى للأمن القومي المحسوب على مؤسسة القائد. كما ينعكسُ هذا التشظّي على الخلاف بشأن محاور المفاوضات أو الملفات المطروحة على الطاولة؛ إذْ يوجد انقسام واضح في المواقف حولها، كما ينعكسُ على موضوع التخلّي عن المخزون الذي يعتقد بأنّ طهران تمتلكه من اليورانيوم عالي التخصيب. إذْ تُشير مصادرٌ إلى أنّ أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، نقل إلى الجانب الروسي جاهزيّة إيران لنقل المخزون خارج البلاد، وأكّدت مصادر مقربة من الحرس الثوري قبول الجانب الإيراني فكرة تجميد تخصيب اليورانيوم في الداخل لعدّة أعوام، بينما أكّد مساعد الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي أنّ فكرة نقل اليورانيوم إلى خارج إيران مرفوضة من الأساس. كما أعلن المستشار السياسي للقائد الإيراني، علي شمخاني، أنّ خفض التخصيب لأقلّ من 20% ليس على أجندة المفاوضين.
وفي حين يمكنُ أنْ يُفهَم من هذه المواقف المتعارضة أنّ القرار الإيراني بشأن تفاصيل المفاوضات، وأولوياتها، لم ينضج بعد، فالأرجح هو أنّ كلّ ذلك، ناجمٌ عن “استراتيجية الفوضى المقصودة” التي تعتمدها المؤسسة السياسية في إيران، ويرادُ منها تحقيقُ مكاسب سياسية وتفاوضية، من ضمنها: شراء الوقت، والتلويح بأنّ تحصيل الإجماع في الجبهة الداخلية يحتاجُ إلى جهودٍ كبيرة، كما يحتاج إلى تنازلاتٍ يقدّمها الجانب الأمريكي، وامتيازاتٍ يمنحها لطهران لردع المعارضين، وتوحيد الصفّ الداخلي.
2. استراتيجية “عزل الملفات الموضوعة على الطاولة”: ترغب الولايات المتحدة وشركاؤها بأن تكون طاولة المفاوضات التي تعقد مع الجانب الإيراني طاولة شاملة، تتضمّن جميع الملفات الخلافيّة التي يُمكن حصرها في “الملف النووي”، و”البرنامج الصاروخي”، و”مشروع التوسع الإقليمي ودعم الميليشيات”، إلى جانب حديثٍ غير أساسيّ عن ملفّ الحريات والقمع الذي مارسته السلطات الإيرانية تجاه المحتجين. كما يرغبون في أن تكون حصيلة المفاوضات اتفاقٌ يتضمّن حلّاً شاملاً لكل تلك الملفات الخلافية. لكن في المقابل ترغب إيران في اختصار الطاولة على الملف النووي، أو على الأقلّ أن تكون طاولةً تبدأ من الملف النووي لتتناول الملفات الخلافية الأخرى في وقت لاحق، وبعد التوصُّل إلى اتفاق بشأن الملف النووي. وفي هذا الصّدد، يؤكد الجانب الإيراني المشارك في المفاوضات أنّ هذا هو الإجراء الواقعي أو الأجراء الناجم عن السياسة الواقعية (Realpolitik)، ويرى أن الرغبة الأمريكية في وضع كل الطاولات الخلافية على طاولة حوار واحدة والخروج بحل شامل يتضمن حلولاً متزامنة لكل منها، أمرٌ لا يمتّ بصلة إلى الواقع والواقعية السياسية، لأن الجانب المتشدد في إيران يرفض طاولة كهذه من الأساس. لكنّها في الحقيقة استراتيجية تمنح إيران مجالاً لإبعاد ملفات استراتيجية مهمة على رأسها ملف البرنامج الصاروخي من دائرة ما يمكن التفاوض بشأنه أو تأجيل التفاوض بشأنها إلى أجل غير مسمى، كما تمنحها قوة لاستخدام الملفات الأخرى للضغط على مسار المفاوضات النووية والتأثير على طبيعة الحلّ الناتج عنها.
3. اعتماد “استراتيجية الحلّ المرحلي” في كلّ ملفٍّ من تلك الملفات؛ بما يعني بالدرجة الأولى اعتمادها التوصل إلى “حلّ مرحلي” في المفاوضات التي تجرى بشأن الملف النووي. وتمنح هذه الاستراتيجية طهران مزيداً من الوقت كما تُقدّم لصانع القرار الإيراني – وفق ادعاءاته – إمكانيات أوسع في إقناع الجانب المتشدّد، وإطعامه تفاصيل الاتفاق المنشود جرعة تلو الأخرى، لأنّ حقنه بكل التفاصيل مرّة واحدة ليس مُمكناً. ويبدو أنّ طهران ترغب في اعتماد مبدأ “تنازل مُقابل تنازل” مقابل الرغبة الأمريكية بالحصول على توافق كلي بشأن الملف النووي مرّة واحدة. ويعني ذلك تفكيك الخلاف بشأن الملف النووي إلى عدّة محطات، منها: “الخلاف بشأن المخزون النووي وسُبُل معالجته”، و”الخلاف بشأن عودة المفتشين والخضوع للرقابة المتشددة”، و”الحديث عن خفض مستويات التخصيب إلى 20% أو أقل منه”. على أن تُقدِّم طهران تنازلات عن كل من هذه المحطات مقابل تنازلات تُقدِّمها الولايات المتحدة، وتتمثل في خطوات اقتصادية على أغلب الظن. وأخيراً، فإن طبيعة المواقف الصادرة من طهران، تظهر رغبتها في أن تكون الولايات المتحدة هي التي تقوم بالتنازل الأول، متمثلاً في إبعاد القطع العسكرية البحرية عن محيط إيران، والتنازل عن بعض العقوبات المفروضة على طهران.
4. العودة إلى مبدأ “اللعب على خط الخلاف بين المعتدلين والمتشددين”؛ وهي آلية أثبتت فاعليتها في تجارب سابقة حين دفعت صانع القرار الغربي نحو منح الحكومات المعتدلة والإصلاحية في إيران مزيداً من الهامش والامتيازات لردع تطلعات التيارات المتشدّدة، ولتوسيع القاعدة الاجتماعية للتوجهات الإصلاحية والمعتدلة. وليس واضحاً ما إذا كان لهذه الآلية الفاعلية ذاتها بعد هيمنة صقور الجمهوريين على الحكم في الولايات المتحدة، وتغييب الأصوات الأوروبية التي كانت تدعم فكرة تعزيز مكانة الإصلاحيين والمعتدلين خلال النسخ السابقة من المفاوضات. لكن من الواضح أن الحكومة الإيرانية ترغب في تخيير الجانب الآخر من الطاولة بين التنازل عن بعض المواقف الحدّية بغية دعم “حكومة ترغب في التفاوض”، وبين وضع المنطقة تحت رحمة المتشدّدين الذين يرغبون في قلب الطاولة، وزج المنطقة إلى أتون حرب إقليمية.
5. استراتيجية “إخلاء الطاولة من الزوائد”؛ وإذا كانت هذه الاستراتيجية هي التي دفعت في وقت ماض إيران – كما دفعت الولايات المتحدة – نحو إقصاء الثلاثي الأوروبي، والصين، وروسيا من طاولة المفاوضات، لتقتصر المقاعد عليها وعلى واشنطن، فإنّ من الأولى أنْ تسعى طهران نحو إقصاء اللاعبين الإقليميين منها، خصوصاً وأنّ مطلب إقصاء اللاعبين الإقليميين يعد مطلباً إيرانيّاً أصيلاً مارسته طهران على مرّ كل المحطات. وتأتي الرغبة الإيرانية في إقصاء الأطراف الإقليمية من منطلق رغبتها في تأكيد أنّ ملفاتها – وكذلك مكانتها – أكبر من أنّ توضع على طاولة إقليمية، وأنها تمتلك ملفات تمكّنها من اللعب مع الكبار. كما تأتي من منطلق القناعة بأنّ الأطراف الإقليمية تمتلك أولويات ستضعها على طاولة المفاوضات إذا ما شاركت فيها، وأنّ تلك الأولويات هي التي لا ترغب طهران في وضعها على الطاولة ومناقشتها، سواء مع الجانب الأمريكي أو مع النظراء الإقليميين.
هل تُجدي الحيل القديمة نَفْعاً هذه المرة؟
تلك، إذن، هي الاستراتيجيات التي تُشكّل في اللحظة الرّاهنة المعالم العامة للمقاربة الإيرانية لموضوع المفاوضات مع الولايات المتحدة. وهي مفاوضات كانت قد قضت على فرص انعقادها حرب الاثني عشر يوماً، والتي أدت من منظور واشنطن إلى القضاء على البرنامج النووي الإيراني والقضاء معه على طاولة مفاوضات كانت تقوم على وجود الخطر الإيراني، لتكون النتيجة في خلال الأشهر الخمسة الماضية إلحاحاً إيرانيّاً على ضرورة انعقادها، مقابل تلكؤ أمريكي في العودة إليها؛ إلّا أن الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي وحملة القمع الذي مارستها السلطات بحقها، والمواقف التي اتخذتها إدارة ترمب حيال كل ذلك، كلها عوامل أعادت فتح النافذة التي كانت تبحث عنها طهران للعودة إلى حلبة المفاوضات.
وتُظهِرُ الاستراتيجيات الخمس السالفة الذكر أنّ طهران تتعمّد العودة إلى سياستها التفاوضية القديمة التي سبق وأن حققت نجاحات واختراقات دبلوماسية مهمة، كان اتفاق عام 2015 أبرزها، ومن ثمَّ محاولة صوغ الإطار العام للمفاوضات الحالية، والتأثير على طبيعة مخرجاتها، وشراء الوقت، وإقصاء بعض الملفات عن دائرة “ما يُمكِن التفاوض بشأنه”. لكن ليس واضحاً أنْ تلك الأدوات القديمة ستؤدي إلى تحقيق نفس النجاحات في ضوء التحوُّل الجوهري الذي طرأ على توجُّهات الإدارة الأمريكية التي تُريد الحصول على نتائج سريعة من طريق “استراتيجية النّصر عبر الترويع”، والتطور الجوهري في طبيعة الخلاف مع النظام الإيراني في الساحة الدولية، خصوصاً وأنّ المجتمع الدولي يرى أن الفرصة باتت سانحة لنزع أسلحة النظام الإيراني، وتجريده من كل مخالبه بعد أنْ أصبح في أضعف حالاته، وفي أشدها عزلة.