وَهْم الاصطفاف: كيف تُعيد المحاور تشكيل عدم الاستقرار في الشرق الأوسط

  • عودة سياسة المحاور في الشرق الأوسط لا تُخفِّف المخاطر بقدر ما تُعيد تدويرها داخل صيغ أكثر استقطاباً؛ إذ إن منطق المحاور يُحوّل الأزمات المحلية إلى صراعات بالوكالة طويلة الأمد.
  • يَحِدُّ الاصطفاف الإقليمي تدريجياً من استقلالية القرار الوطني، ويُقلّص هوامش المناورة، كما يُضعِف فرص بناء أمن إقليمي مشترك في القضايا العابرة للحدود.
  • في نظام دولي متشابك ومتعدد، تغدو التحالفات الصلبة عبئاً لا أداة استقرار. وفي السياق الشرق أوسطي، تبدو المحاور الصلبة محاولة لاستيراد يقين ما عادَ قائماً حتى لدى القوى الكبرى نفسها.

 

تشهد منطقة الشرق الأوسط عودة ملحوظة لمنطق المحاور والاصطفافات الإقليمية، في لحظة تتسم بارتفاع منسوب عدم اليقين الدولي وتراجُع فاعلية الأطر الأمنية الجماعية. تُقدَّم هذه الاصطفافات، في كثير من الحالات، بوصفها استجابة ضرورية لبيئة استراتيجية أكثر تقلباً، ووسيلة لتعزيز الردع وحماية المصالح الوطنية. غير أن التجربة الإقليمية تشير إلى أن هذا المنطق، على المديين المتوسط والطويل، غالباً ما يُفاقِم مصادر عدم الاستقرار بدل احتوائها.

 

فالمحاور، كما تتشكل في السياق الشرق أوسطي، لا تعمل بوصفها ترتيبات أمنية شاملة، بل باعتبارها كتلاً تنافسيةً تُعيد تعريف الأمن بوصفه نتاج الانتماء السياسي لا نتيجة التفاهمات المؤسسية. وبدلاً من تقليص المخاطر، تؤدي هذه الديناميات إلى تضييق هوامش المناورة، وتسييس ملفات التعاون، وتحويل الخلافات القابِلة للإدارة إلى خطوط مواجهة مفتوحة.

 

معضلة سياسة المحاور

يُظهِر تاريخ المنطقة أن المحاور لم تُنتج توازناً مستقراً بقدر ما أنتجت سباقات نفوذ مفتوحة. فحين تُبنى الشراكات على أساس الإقصاء، تصبح الخلافات اللاحقة غير قابلة للاحتواء. ومع كل محور جديد، تتقلص المساحة الرمادية التي تسمح للدول بالمناورة، وتتراجع القدرة على إدارة التباينات دون تحويلها إلى صراع صفري. وهكذا، يتحول التنوع الاستراتيجي من مصدر قوة إلى عامل تهديد.

 

لا تعمل المحاور والاصطفافات بوصفها ترتيبات أمنية شاملة، بل باعتبارها كتلاً تنافسيةً تُعيد تعريف الأمن (تعبيرية/شَترستوك)

 

الأثر الأكثر عمقاً يظهر في تآكل استقلالية القرار الوطني. فالاصطفاف لا يفرض التزامات عسكرية فحسب، بل يُعيد ترتيب الأولويات السياسية والأمنية. ومع الوقت، تجد الدول نفسها مضطرة لمواءمة سياساتها مع حسابات المحور، حتى حين تتعارض مع مصالحها المباشرة. هذا التآكل لا يحدث دفعة واحدة، بل تدريجياً، عبر ما يمكن وصفه بـ”الاعتياد الاستراتيجي” على تقليص الخيارات.

 

وعلى عكس الافتراض الشائع، لا تُنتِج المحاور ردعاً واضح المعالم. بل تُدخِل الإقليم في حالة توتر مزمن، حيث يُقاس الأمن بقدرة كل طرف على رفع كلفة أي تحرك على الطرف الآخر. في بيئة مليئة بالساحات الهشة، يصبح هذا المنطق مُحفِّزاً لحروب الوكالة لا رادعاً لها. الصراعات لا تُحسم، بل تُدار، وتتحول الأزمات المحلية إلى امتدادات لمواجهات إقليمية أوسع.

 

في هذا السياق، يتراجع مفهوم الأمن الإقليمي المشترك. فالقضايا العابرة للحدود، من أمن الملاحة وأسواق الطاقة إلى مكافحة الإرهاب والتغير المناخي تتطلب تعاوناً واسعاً، لكنها تصبح رهينة الانقسامات السياسية. وبدلاً من بناء أطر جماعية فعالة، يُعاد تعريف هذه الملفات بوصفها أدوات نفوذ، ما يُضعِف القدرة على الاستجابة الجماعية ويزيد من قابلية الإقليم للصدمات.

 

عبء طويل الأمد

ثمّة أيضاً كلفة اقتصادية لا تحظى بالاهتمام الكافي. فالاصطفافات تُربِك بيئة الاستثمار، وتُسيّس التجارة، وتُحوّل القرارات الاقتصادية إلى امتدادات للصراع السياسي. وفي منطقة تسعى إلى إعادة تعريف نماذجها التنموية وبناء اقتصادات أكثر تنوعاً، يُصبِح منطق المحاور عبئاً طويل الأمد، لاسيما في ظل التحولات العالمية التي تتطلب استقراراً وتكاملاً لا استقطاباً.

 

سياسات المحاور لا تُنتِج ردعاً واضح المعالم. بل تُدخِل الإقليم في حالة توتر مزمن (شَترستوك)

 

المفارقة أن هذه العودة إلى الاصطفاف تحدث في لحظة دولية تتجه فيها القوة نحو التعددية المرنة لا الكتل الصلبة. فالنظام الدولي بات أكثر تشابكاً، وأقل قابلية للاختزال في محاور ثابتة. وفي هذا السياق، تبدو المحاور الصلبة في الشرق الأوسط محاولة لاستيراد يقين لم يعد قائماً حتى لدى القوى الكبرى نفسها.

 

الخلاصة، ليست أن التعاون الإقليمي خطأ، بل أن شكل التعاون هو ما يُحدد نتائجه. فالأمن لا يُبنى عبر الانتماء إلى محور، بل عبر إدارة التعددية دون تحويلها إلى انقسام. والدول التي تحافظ على مرونة شراكاتها، وتستثمر في مساحات التقاطع بدل خطوط المواجهة، لا تخرج من التفاعلات الإقليمية، لكنها تخرج من أَسْرِها.

 

في نهاية المطاف، لا تكمُن خطورة المحاور في ما تعلنه من تحالفات، بل في ما تُغلِقهُ من بدائل. إنها تُبسِّط عالماً معقداً، وتستبدل إدارة الخلاف بوهم الحسم. وفي إقليم تعلّم، بتكلفةٍ باهظةٍ، أن الاستقطاب لا يُنهي الأزمات بل يُطيلها، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً ليس أي محور هو الأقوى، بل أي نهج يترك أقل عدد ممكن من الأزمات بلا مخرج.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M