- إن أي ضربة أمريكية تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك بنيته الحاكمة لا تُقرأ في حسابات حزب الله بوصفها تهديداً لحليفٍ استراتيجي فحسب، بل تهديداً وجودياً مباشراً للحزب نفسه.
- سترتبط ردود فعل حزب الله على أي هجوم أمريكي على إيران بحجم هذا الهجوم وطبيعته، حيث إن تلك الردود ما هي إلا امتداد للاستراتيجية الإيرانية أكثر من كونها قرارات مستقلة تحكمها مصالح الحزب وحدها، أو لبنان.
- من المرجح أن يكون التدخل الجزئي والرد ضمن نطاق جغرافي محدد، هو الخيار الأنسب لحزب الله؛ لكونه يتماشى مع نية إيران إطلاق “حرب إقليمية” مع جعلِها مضبوطةً إلى حد ما، ويمنح الحزب دوراً في المواجهة دون أن يذهب إلى حرب شاملة.
- حتى لو دفعت إيران حزب الله نحو تدخل محدود للحفاظ على مسار تفاوضي مع إدارة ترمب، فإن طبيعة الرد الأمريكي، والرد الإسرائيلي تحديداً تجاه حزب الله، قد تكون العامل الحاسم في تحديد مسار الحرب وما يتبعها من مسارات تفاوض.
بينما تتساوى احتمالات شن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هجوماً على إيران أو توصُّل الجانبين إلى اتفاق، يقف حزب الله اللبناني أمام مفترق طرق، فقد أعلن أنه لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي هجوم أمريكي، لكنَّه يشكل فعلياً الحلقة الأضعف في المحور الإيراني حالياً جراء الحصار الذي تفرضه عليه سورية وإسرائيل والحكومة اللبنانية.
تبحث الورقة خيارات حزب الله في حال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران، وهي خيارات تتدرج بين التدخل الكامل واستخدام القوة النارية الشاملة، أو التدخل الجزئي ضمن نطاق جغرافي محدد، أو الامتناع عن الدخول في المواجهة.
خلفية التصعيد الأمريكي والحشد العسكري
شكَّل موقف حزب الله اللبناني من أي مواجهة عسكرية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران عنصراً محورياً في فهم ديناميكيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط. فالحزب، بوصفه أحد أبرز الفاعلين المرتبطين بالمحور الإيراني، أكَّد أنه لا ينظر إلى أي تهديد أمريكي لإيران باعتباره شأناً ثنائياً منفصلاً، بل بوصفه استهدافاً مباشراً لمنظومة إقليمية مترابطة سياسياً وعسكرياً. في هذا السياق، جاء تصريح الأمين العام لحزب الله اللبناني، نعيم قاسم، يوم 26 يناير، بأن الحزب “لن يكون على الحياد” في حال اندلاع حرب ضد إيران ليفتح المجال أمام سيناريو قد “يُشعل المنطقة” عموماً. واكب المرشد الأعلى للثورة في إيران علي خامنئي، تصريحات قاسم، بالتحذير يوم 2 فبراير من أن أي هجوم أمريكي على إيران سيؤدي إلى “حرب إقليمية”، بينما حذَّر مسؤولون آخرون من “حرب شاملة“، التي تعني وفق كلامهم “استهداف إسرائيل والقواعد الأمريكية القريبة في الدول المجاورة لإيران، أو أي قواعد تستخدم في الهجوم، مع إلزام حلفاء طهران، لاسيما في لبنان والعراق واليمن، بالانخراط في المعركة”، حيث تتعامل إيران مع شبكتها من الأذرع على أنها “أدوات ردع سيادية“.
شهدت الأشهر الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الضغط الأميركي على إيران، سواء عبر الرسائل السياسية الصارمة أو في شكل تحركات عسكرية ميدانية تعكس استعداداً لخيارات تتجاوز الردع التقليدي. فقد عززت الولايات المتحدة وجودها البحري والجوي في الشرق الأوسط، مع نشر مجموعة حاملة طائرات إضافية، وتكثيف الانتشار في قواعدها الممتدة من الخليج العربي إلى شرق البحر الأبيض المتوسط. ترافقت هذه التحركات مع رفع مستوى الجاهزية الدفاعية لحلفاء واشنطن الإقليميين، خاصة في ما يتعلق بأنظمة الدفاع الجوي والإنذار المبكر، في مؤشر على توقع سيناريوهات رد إيراني غير تقليدية عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة وأذرعها الإقليمية.
هذا التصعيد يحمل في طياته احتمالية التدحرج إلى “حرب شاملة”، ليس فقط بين الولايات المتحدة وإيران، بل على مستوى شبكة الفاعلين المرتبطين بطهران في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق. إذ إن أي استهداف مباشر للقيادة الإيرانية أو لمنشآتها النووية والعسكرية قد يُفعّل منطق «وحدة الساحات» الذي لطالما أُشير إليه في أدبيات محور “المقاومة”. ومع ذلك، تبقى نافذة التسوية قائمة، في ضوء الوساطات الإقليمية التي نجحت في تهدئة التوتر وفتح المجال أمام مفاوضات مباشرة بين الجانبين في سلطنة عمان. إذ إن طبيعة الحشد الأمريكي قد تكون موجهة بالدرجة الأولى نحو تعزيز الردع وفرض شروط تفاوضية جديدة، ما يفتح المجال أمام سيناريو احتواء التصعيد عبر قنوات سياسية غير معلنة، تمنع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
الخيارات المحتملة أمام حزب الله
فيما لا يزال الغموض يكتنف مصير المفاوضات المزمع إجراؤها، يظل الهجوم العسكري خياراً مطروحاً مع استمرار القوات الأمريكية في التوافد إلى المنطقة. وهكذا، يجد حزب الله نفسه أمام عدد من السيناريوهات للرد على أي هجوم ضد إيران. وعلى الأرجح أن ترتبط ردود فعل حزب الله بحجم وطبيعة العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران، حيث إن تلك الردود ما هي إلا امتداد للاستراتيجية الإيرانية أكثر من كونها قرارات مستقلة تحكمها مصالح الحزب وحدها، أو لبنان. وفيما يأتي استعراض الخيارات:
الخيار الأول: التدخل الكامل والرد بالقوة النارية الشاملة
يَفترض هذا الأمر تدخّلاً واسعاً وشاملاً من حزب الله باستخدام كامل قوته النارية التي أعاد بناءها في خلال العام الماضي، على خلفية احتمال تنفيذ الولايات المتحدة ضربة كبيرة ضد إيران تستهدف مراكز القيادة والسيطرة، وتطال قيادات الصف الأول، مع احتمال استهداف المرشد الأعلى للثورة في إيران أو مكتبه، بالتوازي مع ضرب البرنامجين النووي والصاروخي بعد تحييد الدفاعات الجوية. في هذا السياق، بما يشكل “تهديداً وجودياً وشيكاً“، يصبح تدخّل حزب الله بالقوة الشاملة ضرورة استراتيجية لطهران باعتباره خط الدفاع الخارجي الأساسي بعد تضرّر قدراتها داخل أراضيها. ويقتصر هذا التدخّل على ضربات مكثفة ضد إسرائيل دون استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، يكون الهدف منها التعويض عن الضربات الإيرانية أو فتح مسارات لضربات إيرانية لاحقة ومشاغلة شبكة الدفاعات الجوية الإسرائيلية. وتتمثل العوامل المساهمة في هذا الخيار في الآتى:
أولاً، إن أي ضربة أمريكية تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك بنيته الحاكمة لا تُقرأ في حسابات حزب الله بوصفها تهديداً لحليفٍ استراتيجي فحسب، بل تهديداً وجودياً مباشراً للحزب نفسه. فحزب الله يرتبط بإيران بعلاقة تتجاوز الدعم السياسي والعسكري إلى بنيةٍ عقائدية ومالية وتنظيمية عميقة، ما يجعل مصير الطرفين مترابطاً على مستوى البقاء. وفي هذا السياق، يحضر البُعد الديني الأيديولوجي، المتمثل بولاية الفقيه، بوصفه مكوناً جوهرياً في بنية الحزب.
ثانياً، عندما تتحول الضربة الأمريكية من “ردع/عقاب” إلى ضربة استراتيجية واسعة فإن إيران ستضطر إلى تفعيل خطوط دفاعها الخارجية لخلق توازن ردعي بديل خارج الجغرافيا الإيرانية. هذا المنطق ينسجم مع ما نُقل عن تصريحات نعيم قاسم بأن الحزب “ليس على الحياد” في حال تعرَّضت إيران لعدوان أمريكي.
أما لماذا سيتركز ضرب حزب الله على إسرائيل لا على القواعد الأمريكية، فيقف خلفه سببان جوهريان؛ 1) الجدوى: إسرائيل هي الهدف الأقرب والأكثر تعرضاً لتأثير نيران حزب الله، بما يخلق ضغطاً سريعاً على قرار الحرب ومساراتها. و2) التحكُّم بالتصعيد: مهاجمة القوات الأمريكية مباشرة قد تُحوّل الاشتباك إلى حرب أمريكية-لبنانية مفتوحة، وتُلغي هامش المناورة السياسي، وتستجلب رداً أمريكياً مباشراً على لبنان، دولةً وبُنىً تحتية.
وأخيراً، فإن حاجة إيران إلى “دفاع متقدم” بعد تضرر دفاعاتها المحلية إذا تم تحييد أجزاء من الدفاع الجوي الإيراني أو ضرب قواعد إطلاق الصواريخ/قيادة وسيطرة، تصبح إيران أكثر حاجةً إلى أن يُعاد بناء الردع عبر جبهات خارجية تُشتت الجهد وتخلق كلفة استراتيجية على خصومها.
أما العوامل التي قد تكبح الحزب من دخول هذا المسار فتتمثل بالآتي:
1. خطر فقدان السيطرة على مسار الحرب، فالتدخل الشامل يفتح الباب أمام حرب إسرائيلية شاملة ضد الحزب حيث تشن الطائرات الإسرائيلية ضربات أوسع في العمق اللبناني، وتوسع دائرة الاستهداف، بما يؤدي إلى تحويل الصراع إلى “حرب تدمير لإيران والحزب” بلا سقف سياسي واضح. وربما يميل الحزب إلى التصعيد المدار عوضاً عن التصعيد الشامل من أجل تحقيق “المنفعة الاستراتيجية”؛ فحتى لو كانت الضربة الأمريكية كبيرة، قد تفضّل طهران (ومِن عبرِها الحزب) رداً يحقق وظيفة ردعية دون الوصول إلى نقطة اللاعودة، بحيث يُبقي مساحة للتسوية أو وقف إطلاق نار، ويمنع قيام تحالفٍ دولي واسع يشرعن حرباً طويلةً ضد محور إيران.
وسيرى الحزب أن عليه أن يتوخى كلفة خياره في الرد الشامل على لبنان، والتي ستشكل عاملاً ضاغطاً عليه، إذ إن البلاد لا تزال تعاني من وطأة الحرب مع إسرائيل والتي لا تزال طائراتها تقصف أهداف حزب الله على امتداد الخريطة اللبنانية، كما أن تبعات الانهيار الاقتصادي وانفجار المرفأ لا تزال ماثلة. وسيرى الحزب أنه سيكون عليه التعامل مع تبعات حرب إسناد جديدة لإيران، بينما لا تزال مناطقه مدمرة بعد الحرب 2024، ومناصريه من الشيعة نازحين من مساكنهم المدمرة. ومن شأن هذه الحرب الجديدة أن تزيد من الأعباء المادية على شيعة لبنان، وأن تزيد من ضغوط الدولة اللبنانية على الحزب لتسليم سلاحه، وأن تضاعف التوتر بين الحزب وبقية القوى اللبنانية لانفراده مجدداً بقرار السلم والحرب.
وقد ينسحب التوتر الداخلي على العلاقة بين الحزب وحركة أمل، حيث من المرجح أن تعترض الحركة على توريط الشيعة في حرب إسناد لإيران هُم في غنى عنها. وسيقع الحزب في حرج شديد على المستوى الشيعي واللبناني لعدم رده على الانتهاكات الإسرائيلية خلال الشهور الماضية، والتي تكثَّفت اعتباراً من مطلع العام الجاري، في مقابل انخراطه في الحرب لإسناد إيران. وفي هذا الصدد، فقد بات لافتاً صدور تصريحات متكررة من قيادات في حزب الله تؤكد تماسك التحالف مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ونفي وجود أي تباين، بخلاف ما كان يُلاحظ في مراحل سابقة.
أما إسرائيل فقد ترى في مؤشرات التعبئة/التدخل فرصة لتوجيه ضربة استباقية كبيرة للبنية العسكرية للحزب تجعله “خارج الخدمة”، خاصة إذا اعتقدت أن الحرب الشاملة باتت مقبلة.
2. حتى لو ركّز الحزب على إسرائيل، فإن الحجم الكبير للهجمات قد يدفع واشنطن للتدخل سياسياً وعسكرياً بصورة أوسع، أو لدعم عمليات إسرائيلية أشمل، أو لتشديد العقوبات والعزل. لذلك يبقى “التمييز” بين ضرب إسرائيل وضرب الأمريكيين جزءاً من إدارة المخاطر، لكن التمييز لا يضمن أن أمريكا ستبقى خارج المعادلة إذا اتسعت النار.
ومما يسهم في إعاقة هذا المسار هو وجود سلطة معادية للحزب في سورية، تعمل على قطع خط إمداده من إيران. وسيكون على الحزب أن يحذر ليس فقط من تشديد دمشق رقابتها على الحدود البرية لمنع إعادة بناء مخازن حزب الله من السلاح في خلال الحرب، وإنما من استغلال الرئيس السوري أحمد الشرع لانشغال الحزب في حربه الشاملة ضد إسرائيل والولايات المتحدة، ويشن هجوماً على معاقله على الحدود السورية اللبنانية، أو أن يكرر مناورته التي نفذها مع نظام الأسد، حيث هاجمه بمجرد دخول وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل حيز النفاذ. ولقد وجدت الإدارة السورية في ظروف التصعيد بالمنطقة فرصة من أجل ممارسة ضغوط أكبر على حزب الله، حيث اتهمته بشكل غير مباشر بالوقوف وراء مجموعة من المسلحين استهدفوا منطقة المزة ومطارها العسكري عدة مرات، وتزويدهم بالصواريخ والطائرات المسيرة. وبالتالي لا يمكن للحزب إغفال احتمال التدخل السوري ضده.
الخيار الثاني: التدخل الجزئي والرد ضمن نطاق جغرافي محدد
يَفترض هذا الأمر تدخّلاً جزئياً من حزب الله يقتصر على استهداف قرى وبلدات في شمال إسرائيل باستخدام صواريخ ومسيّرات تقليدية شبيهة بتلك التي استُخدمت في خلال “حرب إسناد غزة”. وينطلق من فرضية أن الضربة الأمريكية لن تكون قاتلة للنظام الإيراني، لكنها تُعطّل قدراته الدفاعية وتشل جزءاً كبيراً من قدراته الهجومية، ما يحدّ من قدرة إيران على الوصول المباشر إلى إسرائيل. في هذا الإطار، يكون هدف تدخل حزب الله ردعياً تفاوضياً بالدرجة الأولى، وليس هجومياً. وهناك عدة عوامل ستسهم في هذا السيناريو:
1. طبيعة الضربة الأمريكية نفسها؛ فإذا كانت الضربة مُعطِّلة لقدرات إيران الدفاعية والهجومية دون أن تستهدف إسقاط النظام أو تفكيك بنيته القيادية، فإن طهران لا تكون في موقع “المعركة الوجودية” التي تستدعي فتح كل الجبهات، بل في موقع إدارة أزمة كبيرة تحتاج إلى إعادة ترميم الردع دون توسيع الحرب.
2. بروز عامل الرغبة في استخدام القوة ورقة تفاوض. وفي هذا السياق، يصبح إطلاق الصواريخ والمسيّرات في شمال إسرائيل رسالة سياسية–عسكرية هدفها الضغط ورفع الكلفة، تمهيداً لمسار تفاوضي أو وقف إطلاق نار، وليس فتح معركة تدميرية واسعة.
3. تعقيدات الواقع اللبناني الداخلي، حيث يسمح التدخل المحدود للحزب بالحفاظ على توازن دقيق: المشاركة في الرد دون جرّ لبنان إلى حرب شاملة يصعب احتواؤها سياسياً واقتصادياً.
أما العوامل التي ستُقلل فرص هذا المسار فأبرزها أن إسرائيل قد لا تتعامل مع التدخل الجزئي على أنه محدود، بل ستنظُر إليه باعتباره بداية حرب، فتردّ بضربات واسعة في العمق اللبناني، ما يفرض على الحزب الانتقال من التدخل المحدود إلى المواجهة الشاملة رغماً عنه. كذلك، فإن سوء التقدير في إدارة التصعيد يبقى خطراً دائماً؛ فالهجمات المحدودة قد تتدحرج بسرعة خارج السيطرة نتيجة خطأ تكتيكي أو تقدير خاطئ من أحد الأطراف. وأخيراً، قد ترى الولايات المتحدة أن أي تدخل هو جزء من المعركة، فتزيد دعمها العملياتي لإسرائيل أو تتدخل بشكل غير مباشر، ما يرفع منسوب التصعيد ويُقوّض منطق “التدخل المحدود” نفسه. عدا أن التدخل المحدود قد سبق وأثبت أنَّه استراتيجية فاشلة، إذ لم يُسهِم رد أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله، المدروس والمحسوب، بعد طوفان الأقصى (أكتوبر 2023)، في إنقاذ غزة أو منع إسرائيل من شن حرب واسعة ضد الحزب في لبنان انتهت بهزيمته.
الخيار الثالث: عدم الدخول في المعركة
يَفترض هذا الأمر أن العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران ستكون محدودة، أي أنَّها أقل من حرب الـ 12 يوماً السابقة، وتهدف أساساً إلى دفع طهران نحو طاولة التفاوض دون السعي لتفكيك النظام أو إسقاط رأسه. في هذا السياق، قد لا ترى إيران حاجة إلى تدخل حزب الله، بل ترى الحفاظ عليه أولوية كي تستخدمه ورقة تفاوض إلى جانب برنامجها النووي والصاروخي وبقية أذرعها الإقليمية، أو وسيلةً لإحياء نفوذها الإقليمي. وتدفع نحو هذا الخيار عدة عوامل:
أولاً، طبيعة الهدف الأمريكي. عندما يكون المقصود هو الضغط التفاوضي لا التغيير الجذري، تميل طهران إلى تجنّب فتح جبهات إضافية قد تُفقدها السيطرة على مسار التصعيد. وفتح جبهة لبنان في هذه الحالة يبدّل طبيعة الأزمة من ضغطٍ قابل للاحتواء إلى حربٍ إقليمية، وهو ما يتعارض مع الهدف الأمريكي نفسه ويُحرج إيران سياسياً إذا كانت تسعى فعلاً إلى مسار تفاوضي.
ثانياً، قيمة حزب الله كورقة تفاوض مستقبلية. في هذا التقدير، يُصبح الحفاظ على قدرات الحزب أهم من استخدامها. فحزب الله، إلى جانب البرنامجين النووي والصاروخي وبقية الأذرع الإقليمية، يشكّل جزءاً من “سلة القوة” التي تدخل بها إيران أي مفاوضات لاحقة. واستنزاف هذه الورقة في مواجهة محدودة لا يحقق مكسباً استراتيجياً.
ثالثاً، التحكم الإيراني بالإيقاع الإقليمي. فعدم إدخال حزب الله في المعركة يرسل إشارة بأن طهران ما زالت قادرة على ضبط محورها وعدم الانجرار إلى ردود انفعالية، ما يعزز صورتها بوصفها طرفاً يمكن التفاوض معه وليس طرفاً يدفع المنطقة إلى الفوضى.
رابعاً، الواقع اللبناني. في ظل الهشاشة الاقتصادية والسياسية، يكون عدم إشراك لبنان في المواجهة خياراً منطقياً يجنّب الحزب ضغوطاً داخلية كبيرة، ويمنع تآكل ما تبقى من شرعيته المحلية.
في المقابل، هناك عوامل قد تحول دون هذا الخيار، فقد تضعف فرصه إذا اعتبرت إيران أن عدم الرد عبر حزب الله يُفسَّر ضعفاً ويُضعف صورتها الردعية أمام خصومها، خاصة إذا كانت الضربة الأمريكية مؤلمة رمزياً أو عسكرياً. كما أن الضغط المعنوي داخل محور إيران قد يدفع نحو رد ولو محدود لإظهار التضامن العملياتي، حتى لو لم يكن ذلك ضمن الحسابات الأصلية.
يُضاف إلى ذلك، خطر الحسابات الإسرائيلية؛ فقد ترى إسرائيل في هدوء حزب الله فرصة لتوسيع ضرباتها الوقائية في لبنان، ما يفرض على الحزب الرد رغم عدم وجود قرار مسبق بالتدخل. ولربما رأت إسرائيل أن تسوي حساباتها بشكل كامل مع الحزب مرة واحدة وإلى الأبد، وبذلك تضع يديها على جائزة الترضية الخاصة بها بعيداً عن مآلات الأمور بين إيران والولايات المتحدة.
ويبقى احتمال أن تتحول الضربة المحدودة إلى موجات متتالية تتجاوز الإطار المحسوب، ما يدفع إيران إلى إعادة تقدير موقفها وطرح خيار تفعيل الجبهة اللبنانية. كما أن ضربة أمريكية لا تستهدف إسقاط النظام قد لا تكون مُرضية لإسرائيل، ما قد يدفعها إلى التصعيد منفردة ضد حزب الله بهدف تحييده وإنهاء كونه ورقة قوة تفاوضية بيد إيران، وإزالة تهديده المباشر لإسرائيل.
الخلاصة والاستنتاجات
إن ترجيح أيٍّ من هذه الخيارات أو المسارات السالفة الذكر لا يرتبط بما قد يريده حزب الله بحد ذاته، بل بما تفرضه حسابات إيران وفق طبيعة الضربة الأمريكية. فإذا كانت الضربة وجودية، وتستهدف إسقاط النظام أو شلّ بنيته القيادية بشكل كامل، فإن خيار التدخل الشامل يصبح الأكثر منطقية، لأن بقاء حزب الله نفسه سيكون مرتبطاً مباشرة ببقاء النظام في طهران.
في المقابل، إذا كانت الضربة الأمريكية محدودة جداً، وتهدف أساساً إلى الضغط التفاوضي دون السعي لإسقاط النظام، فإن خيار عدم تدخل حزب الله يبدو الأكثر عقلانية من منظور إيراني، لأن الحفاظ على الحزب ورقةَ قوةٍ تفاوضيةٍ يصبح أهم من استنزافه في مواجهة لا تحقق مكسباً استراتيجياً مباشراً. غير أن هذا المسار يصطدم بعامل أساسي يتمثَّل في الموقف الإسرائيلي، إذ من غير المرجح أن تكون إسرائيل مرتاحة لضربة أمريكية محدودة تترك قدرات حزب الله سليمة، ما قد يدفعها إلى التصعيد بشكل منفرد.
هذه الحسابات تجعل المسار الأكثر ترجيحاً هو التدخل الجزئي والمدروس؛ لكونه يتماشى مع نية إيران إطلاق “حرب إقليمية” مع جعلِها مضبوطةً إلى حد ما. فهذا الخيار يسمح لإيران بإظهار أنها ردّت ولم تبدُ عاجزة، ويمنح حزب الله دوراً في المواجهة دون أن يذهب إلى حرب شاملة، كما يرفع الكلفة على إسرائيل ضمن سقف يمكن التحكم به نسبياً، ويُبقي في الوقت نفسه باب التسوية مفتوحاً ويسمح لإيران أن تلجأ إلى بعض العواصم الإقليمية للتوسط عند الولايات المتحدة لوقف الحرب.
غير أن هذا التقدير يبقى إيرانياً بحتاً، ولا يضع في الحسبان التقديرين الأمريكي والإسرائيلي. فوفق موازين القوى، يمتلك هذان الطرفان مرونة أعلى وقدرة أكبر على أخذ زمام المبادرة. لذلك، حتى لو دفعت إيران حزب الله نحو تدخل محدود للحفاظ على مسار تفاوضي، فإن طبيعة الرد الأمريكي، والرد الإسرائيلي تحديداً تجاه حزب الله، قد تكون العامل الحاسم في تحديد مسار الحرب وما يتبعها من مسارات تفاوض.