- يتطلّبُ نجاحُ أيّة جهودٍ دبلوماسية لنزع فتيل الأزمة الإيرانية امتلاك مُختلفِ الأطراف تصوُّراً حول “طبيعة المسار الدبلوماسي الأمثل” الذي يمكنُه العبور بين المحاذير كافة، ويُحقّقُ قدراً معقولاً من التّوازن في مصالح الأطراف الدولية والإقليمية القادرة على إعاقة تقدُّم المسار، بالتوازي مع منح الطّرفين المُتفاوضَيْن مساحةً كافيةً من المرونة التفاوضية، والمكاسب المُتحقِّقة أو المرجُوّة.
- تُثبت تجربة وزير خارجية نابليون، شارل موريس دي تاليران، أنّ إدارة التوازنات، قد تُعوِّضُ جُزئياً عن فجوة القوة؛ وأنّ تطبيقَ أدواتِ “دبلوماسية ما بعد الإكراه” القائمة على: تفكيك معسكر الخصم، وتغليف المصلحة بخطاب معياري، وبناء صفقاتٍ مرحليّة قابلة للتحقُّق، قد يكون أكثرَ واقعيّةً من رهانات “الصفقة الكبرى”، أو “السياسات الصفرية”.
- في الحالة الإيرانية – الأمريكية، يبدو أنّه ليس في وسع أدواتِ الضّغط وحدَها إنتاج تسويةً مُستدامة، كما أنّ تحدّي القوة المتفوِّقة دونَ مسارٍ سياسيٍّ بديل يرفع احتمالاتِ التصعيد، ويجعل من الطرف الأضعف موضوعاً للعقاب. وعليه فإنّ نموذج “دبلوماسية ما بعد الإكراه” يُقدِّمُ إطاراً عملياً لتقليل المخاطر، ويفتح نافذةً لتسويةٍ تدريجية.
تُعدُّ المفاوضات السّياسية والدبلوماسيّة امتداداً للصّراع بوسائل غير عسكريّة، غير أنّها لا تُعقَدُ دائماً بين أطراف مُتكافِئة؛ ففي حالاتٍ كثيرة يأتي طرفٌ إلى الطاولة مُحاطاً بعقوباتٍ، أو تحتَ تهديدٍ عسكريّ، أو بعدَ خسارةٍ سياسيّة، فيما يمتلكُ الطّرف الآخر فائضَ قُوّة يسمحُ له بفرض شروطِه. ويَفترِضُ المنطقُ الشائع في العلاقات الدوليّة أنّ الطّرف الأضعف، لا يملكُ سوى قبول التّرتيبات المعروضة عليه، لكنّ التاريخ يكشفُ أنّ تفاوضَ “الضعيف” لا يعني بالضّرورة تراجُعاً مُطلقاً، بلْ يُمكن أنْ يتطوّر المسار التفاوضيّ، بحيثُ يمنح الطّرف الأضعف قدرةً على التأثير في شكل التّسوية، ويخرِجُه من كونه “موضوعاً للعقاب”، ليُصبح بقاؤه “ضرورةً”، عَبْر إدارةٍ دقيقةٍ للتّوازنات بين القُوى المُتنافسة.
السؤال الإيراني بوصفه مُعضِلةً إقليميّةً بأبعاد دوليّة استراتيجيّة
يتجاوزُ السّؤال الإيراني في اللحظة الرّاهنة كونه خلافاً ثنائيّاً بين طهران وواشنطن. وعلى الرّغم من أنّ إيران وأمريكا هما الجانبان الأساسيّان في الصّراع الرّاهن، فإنّ الملف الإيرانيّ يبقى سؤالاً إقليميّاً بأبعاد وامتدادات دوليّة؛ فهو يُشكِّلُ مفترقَ طرقٍ لمصالح استراتيجية للقوى الكبرى، وموضوعاً لطاولة حوارٍ تتشاركُ مقاعدها مُختلف القوى الدوليّة، كما تُؤثّر في مناخها الأطراف الإقليميّة.
وإذا كان الوعيُ بهذا “الانكشاف على السّياق الدولي” قد قاد الجانب الإيراني إلى صياغة مُقاربته للخلاف مع الولايات المتّحدة، فإنّه في اللحظة الرّاهنة يؤثّر بشكلٍ جوهريٍّ في الوعي الأمريكي حيال المسألة الإيرانية، ويصوغُ المقاربة الأمريكيّة للمُعضلة الإيرانية باعتبارها جُزءاً من مُقاربة أكثر شموليّة في السياسة الخارجية الأمريكية، تتعلّقُ بإدارة علاقات التنافس والصّراع مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي. وكل قراءة للمشهد الرّاهن تُحاولُ اختصارَ الملف الإيراني في الظّرف المحلّي الإقليمي، أو الثنائي الأمريكي -الإيراني، ولا تأخذُ هذا الوعي بالاعتبار، لن يكون بمقدورها فهم المنطق الذي يقفُ خلفَ قرارات واشنطن وطهران، وتفسيرُ استجابات اللّاعبين الدوليّين والإقليميّين في مختلف مستوياتهم من التأثير في طبيعة المواجهة.
ولعلّ أهمّ المحاور الدوليّة التي تُؤثّر في طبيعة المُقاربة الأمريكيّة للسؤال الإيراني، هو محورُ التّنافس الاستراتيجي بين أمريكا والصين (باعتبارها التحدّي الاستراتيجي الأول)؛ ما يجعل من إيران قلعةً يجبُ عزلها عن مسلسل التوسُّع الاستراتيحي الصيني. واكتسبت هذه المقاربة قبولاً أوسعَ في واشنطن، بعد توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين إيران والصين؛ ما أوجد مخاوفَ أمريكيّة من أنْ تصبح إيران بوابةَ النُّفوذ الصيني إلى منطقة الخليج التي تُعَدُّ منطقةَ نفوذٍ استراتيجية للولايات المتحدة.
في السّياق الدوليّ نفسِه، يُعدُّ السؤال الإيراني أحد الملفات الرئيسة المُرشّحة للحضور على طاولة أيّة مفاوضات استراتيجية أمريكيّة مع روسيا، بما في ذلك الحرب على أوكرانيا وفق صيغة “تنازل مقابل تنازل”. غيرَ أنّ الهاجس الشرقيّ ليس العامل الوحيد الذي يمنحُ السؤال الإيراني بُعداً دوليّاً؛ فالسؤال الإيراني موضوعٌ على طاولة السّجال الأمريكي – الأوروبي كذلك. وهذا ما كشفتهُ إلى العلن رسالةُ الرئيس الفرنسي ماكرون إلى نظيره الأمريكي ترمب؛ فقد أشار ماكرون إلى الملفّ الإيراني باعتباره موضوعاً يمكنُ التعاونُ بشأنه بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى جانب روسيا، مُقابل تعاونٍ أمريكيٍّ بشأن غرينلاند. إذْ قد تطمحُ واشنطن إلى حشد الرأي الأوروبي ورائها في الملف الإيراني بشكلٍ خاصّ، وملفات الشرق الأوسط عُموماً، مُقابل التوصُّل إلى صيغةِ تفاهُمٍ أوروبية – أمريكية بشأن غرينلاند.
وإذا كانت الأطراف الإقليميّة تُبدي تحفُّظاً بشأن المُقاربة الأمريكيّة للملف الإيراني، خُصوصاً في شقّ المقاربة العسكرية للملفّ، وتسعى إلى وساطةٍ توقف التصعيد العسكريّ في المنطقة، فإنّ الوعي بهذه الأبعاد الدوليّة للسؤال الإيراني يبدو أسياسيّاً في نجاح هذه الوسَاطة. كما يتطلّبُ نجاحُ أيّة جهودٍ دبلوماسيّة لنزع فتيل الأزمة امتلاك مُختلفِ الأطراف تصوُّراً حول “طبيعة المسار الدبلوماسي الأمثل” الذي يمكنُه العبور بين كّلّ هذه المحاذير، ويُحقّقُ قدراً معقولاً من التّوازن في مصالح الأطراف الدوليّة والإقليمية القادرة على إعاقة تقدُّم المسار، وذلك في نفس الوقت الذي يمنحُ فيه الطّرفين المُتفاوضَيْن مساحةً كافيةً من المرونة التفاوضيّة، والمكاسب المُتحقِّقة أو المرجُوّة.
الوسَاطات بين أنقرة ومسقط: إيران معضلةٌ إقليميّة تحوَّلُ بقاؤها إلى “ضرورة”
جرى الحديثُ في خلال الأيام الماضية عن عقدِ لقاءٍ في العاصمة التركية أنقرة، تُشاركُ فيه إيران والولايات المتّحدة إلى جانب عددٍ من القوى الإقليمية، بهدف نزع فتيل التّصعيد بين طهران وواشنطن، وإطلاقِ مسارٍ تفاوضيٍّ قابل للاستدامة بينهما. وسرعان ما انتشرت تقارير حول طلب الجانب الإيراني العودة إلى القناة العمانية، باعتبارها القناة المُفضّلة والموثوقة لدى الدولة العميقة في إيران للتواصل مع الولايات المتحدة. لكنّ ذلك لا يُلغي حاجة إيران إلى دورٍ إقليميٍّ أوسع للضّغط على إدارة ترمب من أجل إيقاف الخيار العسكري، قبل مراحل التفاوض، وفي خلالها. كما أنّ للقوى الإقليمية دورٌ آخر مهمّ، تحتاجه إيران وواشنطن، وهو التلويحُ بإمكانية تشكُّلِ تحالُفٍ إسلاميّ في وجه إسرائيل، في حال قرّرت التحرُّك مُنفردةً نحو خيار إسقاط النظام الإيراني، أو نحو إطاحة المسار التفاوضي عبر خطوةٍ تصعيديّة. وستعني مثل هذه الخطوة للأطراف الإقليمية أنّ إسرائيل تعمل على الإطاحة بما تبقى من توازنات القوّة الإقليمية، بينما ستَعني على الجانب الأمريكي تغليبَ المصالح الإقليميّة الإسرائيليّة على المصالح الدوليّة الأمريكيّة.
وتطمحُ إيران العائدة من خساراتٍ ثقيلة إلى دُخول المُفاوضات هذه المرّة باعتبارها “ضرورة” للأمن الإقليمي، وليسَ باعتبارها “تهديداً” له؛ إذْ ما عادت إيران في نظر معظم القوى الإقليمية تُشكِّلُ تهديداً بعد انحسار قوّتها، وقطعِ أذرُعها، بل باتت حجراً مهمّاً يستند إليه ما تبقى من توازنات القوّة في المنطقة.
وليس من المُستبعَد أنْ تلجأ الأطراف إلى محاولة التوفيق بين المسارين (أنقرة، ومسقط) عبر إطلاق مُباحثاتٍ موسّعة في أنقرة، تنبثقُ عنها مباحثاتٌ ثنائيّة في عُمان. لكنْ تبقى المُعضلة الأساسيّة في حقيقة أنّ استدامة المسار التفاوضي، ونجاحه، مرهونانِ بكيفيّة مُعالجة هواجس الأطراف الدوليّة والإقليميّة غير الحاضرة على طاولة المفاوضات، وبخاصة إسرائيل التي تتصدّر القوى الرّاغبة في ترجيح الخيار العسكري، والصّين وروسيا اللّتان تخشيان فقدان إحدى آخر القلاع الاستراتيجية في المواجهة مع المعسكر الغربي. أما الأوروبيون الذين سيمتعضون من تجاهل دورهم، وبالتأكيد سيضغطون لتكون أجندتهم حاضرة في المفاوضات، فلا يملكون حلولاً لتعطيل المسار التفاوضيّ كليّاً بعد استنفادهم كامل أوراقهم في الضغط على إيران؛ إذْ فعّلوا “آلية الزناد”، وصنّفوا “الحرس الثوري” تنظيماً إرهابيّاً، وما عادَ لديهم ما يُهدِّدُون به.
وبالعودة إلى طرفَيْ الصّراع الأساسيّين، يبقى نجاحُ المسار التفاوضيّ مرهوناً بقدرة الطّرفين على تجاوُز إشكالات جوهريّة تعوق التوصُّل إلى تفاهماتٍ مُشتركة، بعيداً عن خيار الحسم العسكري الذي يبقى وارداً، لكنّه مُرتفِع التّكلفة، وغير مضمون النّتائج:
- فعلى الجانب الإيراني؛ يتعلّق الرّهان بكيفيّة تعامُل صُنّاع القرار، والمُفاوض الإيراني، مع مسألة التفاوض تحت الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي، بما يسمح بالحفاظ على هامش تفاوُضيّ مُؤثّر، وقابلٍ للترجمة إلى مكاسبَ مقبولةٍ للدّاخل الإيراني. وعلاوة على ذلك، هنالك رهانٌ آخر لا يقلُّ أهميّة، ويتعلّقُ بما إذا كانت إيران بنظامها السياسي الرّاهن قادرةً على إعادة إدماج نفسها داخل النظام الدولي، وألّا تُدار بصفتها قضية “عُقوبة” خالصة. وفي مواجهة هذين التّحدّيَيْن، يبدو أنّ إيران تبني استراتيجيةً للتفاوض، تقومُ على تفكيك الملفّات الخلافيّة، وتفكيك أبعاد الصّراع (الإقليمية والدولية) لخلق مساحاتِ مناورةٍ في الصُّدوع والاختلافات الموجودة بين الخُصوم على الجبهة المُقابلة. وتُظهِرُ إيران مرونةً في تعزيز قابليّة برنامجها النووي للتحقُّق من سلميّته، وتعتمدُ على إدارة الخطاب القائم على المنافع الأمنية المُشتركة، وقواعد القانون الدوليّ، وتشجيعِ الوساطات الإقليميّة والدوليّة؛ ما يمنحُ مرافعتها مساحةً شرعيّةً، ويحدُّ من عُزلتها في الفضائين الإقليمي والدولي.
- وعلى الجانب الأمريكي؛ يتعلّقُ الرّهان بتحديدِ الإدارة الأمريكية هدفاً واقعيّاً للمفاوضات، مثل: تفعيلِ أدواتِ الضّبط والتحقُّق والمُراقبة الدوليّة للبرنامج النووي الإيراني، بوصفها بدائل عن مطالب تفكيك البرنامج النووي كُليّاً، وتفكيكِ البرنامج الصاروخي، والتي تظهرُ باعتبارها مطالب صِفريّةً لا تسمحُ بمواصلة المسار التّفاوضي. ويتعينُ على الولايات المتحدة أنْ تمتلك خريطةَ حوافزٍ اقتصادية، وسياسيّة، وأمنيّة للجانب الإيراني، وأنْ تتجنّب محاولات الإذلال التي تنتهي دائماً بإعادة إنتاج الأزمة، وألّا تكتفي بقوّة الرّدع الواضحة للجميع، بل تدعمها بملحقٍ سياسيّ، وآخر أمنيٍّ إقليميّ، ومِعياريّة قانونيّة وأخلاقيّة.
هل تصلحُ “دبلوماسية ما بعد الإكراه” للتطبيق على الحالة الإيرانية؟
تُقدِّم لنا مناهج العلاقات الدولية نموذجاً تاريخيّاً مُشابهاً، وتأسيسيّاً، يُمكن القياسُ عليه في مُعالجة المُعضلة الرّاهنة. ويتمثّلُ في تجربة وزير خارجية نابليون بونابرت، شارل موريس دي تاليران، في خلال مؤتمر فيينا (1814 – 1815)؛ حيثُ تمكّن من تحويل وضع فرنسا بعد هزيمة نابليون من موقع الطرف “المُعاقَب” إلى موقع الطرف “الضّروري” في إنتاج توازن أوروبي جديد. فبعد سقوط نابليون، ظهرت مخاوف من تغوّل بعض المُنتصرين، خصوصاً روسيا، وبروسيا؛ ما خلقَ حاجةً ضمنيّةً إلى “مُوازن” سياسي. واستثمر تاليران هذه الفَجوات عبر رفع مبادئ “الشّرعية”، و”توازن القوى”؛ ما ساهم في تقليلِ عُزلة فرنسا، وإعادة إدماجها في النظام الأوروبي الجديد تدريجياً. ويمكنُ استنباطُ خمسة مبادئ تفاوضيّة من تجربة تاليران، تُجادل هذه الورقة بأنّه يمكنُ تطبيقها على الحالة الإيرانية في مواجهتها الممتدّة مع الولايات المتحدة. وهي:
- مبدأ الضرورة السياسيّة: بمعنى تحويل الذّات إلى عنصر لا غنى عنه في إنتاج الاستقرار.
- مبدأ تفكيك معسكر الخصوم: التعامل مع الخصوم بوصفهم شبكة مصالح مُتنافسة لا كُتلة صمّاء.
- مبدأ الغطاء المعياري: تغليف المصلحة بخطاب قانوني/أخلاقي مقبول لدى الجميع.
- مبدأ التّحالف مع القلقين: الاصطفاف مع القوى الأكثر تخوُّفاً من اختلالات التوازن.
- مبدأ تحويل العُقوبة إلى صفقة: بناء منظومة تبادلات تدريجيّة قابلة للتحقُّق.
وتُجادل الورقة بأنّ تطبيقَ أدواتِ “دبلوماسية ما بعد الإكراه” في تجربة تاليران، والقائمة على: تفكيك مُعسكَر الخصم، وتغليف المصلحة بخطاب معياريّ، وبناء صفقاتٍ مرحليّة قابلة للتحقُّق، قد يكون أكثرَ واقعيّةً من رهانات “الصّفقة الكبرى”، أو “السّياسات الصفريّة” القائمة حاليّاً. وتتضمّنُ أدوات”دبلوماسية ما بعد الإكراه” تصميمَ مساراتٍ تدريجيّة للتفاوض، وآلياتٍ للتحقُّق، وبناء الثّقة، وإدارة الخِطاب العام، وتثبيتِ قنوات الاتّصال، بما يُقلِّلُ مخاطر الانزلاق إلى حربٍ واسعةٍ، ويزيدُ فرص تسويةٍ مُستدامةٍ.
وفي مثل هذه الحالات التي تنعدمُ فيها الثقة بين الأطراف، يُفضَّلُ أنْ يجري اعتمادُ أسلوبالتفاوض المرحليّ (خطوة مقابل خطوة)؛ فهو أكثر قابليّة للاستدامة في حالات أزمة الثّقة العميقة، مُقارنةً بـ “الصفقة الكبرى” التي يسعى الطّرف القويّ إلى فرضِها بمنطق القوة والتفوُّق، مُستثمراً حالة الضّعف التي يعيشها الخَصْم. وهنا يتعيّن على الطرف المتفوّق، إدراك حقيقة أنّ غياب”مخرج تفاوضي محترم” للطرف الضعيف، يزيدُ احتمالات التّصعيد بدل التّسوية، ويعملُ على تأجيل الصّراع، لا إنهائه.
لقد تناولت أدبيات الدبلوماسية الحديثة مفهوم “توازن القوى” منذُ أمدٍ بعيد، ولطالما لعبت “المؤتمرات الدوليّة”، و”المبادرات الإقليميّة” دوراً مهمّاً في إعادة إنتاج الاستقرار، وبخاصّةٍ بعد أزمنة الحروب. ولطالما أبهرتنا تحليلات هنري كيسنجر للنظام الأوروبي، وأعجبتنا مناسباتٌ دوليّةٌ مثل “مؤتمر فيينا“، وتبدو الحاجة ماسّة في هذه الأيام إلى تمثُّل تجارب تاريخيّة ناجحة مثل تجربة تاليران، وسلوكه البراغماتي، وقدرته على توظيف المبدأ لخدمة المصلحة المُشتركة. وفي الوقت الذي تتناول فيه الأدبيّات السياسة المعاصرة، المفاوضات الأمريكية – الإيرانية من زاويةِ أزمةِ الثّقة، وتعقيدِ الملفّات المُتداخلة، مع التّركيز على البُعد النووي، والعُقوبات، وإشكاليّة تعدُّد الوسطاء، وتعدُّد الأطراف الرّاغبة في التأثير على مسار المفاوضات، تبدو مثل هذه المُقاربات حاجةً مُلحّةً لتفكيك كُلّ هذه التّعقيدات، والخروج بمسارات تفاوضيةٍ قابلةٍ للاستدامة، ومُنتجةٍ لواقعٍ دولي وإقليميٍّ أكثر توازناً واستقراراً.
تطبيق النموذج على الحالة الإيرانية – الأمريكية
تتّسمُ المواجهة الإيرانيّة – الأمريكيّة بتداخُلِ ملفاتٍ مُتعدّدة (نووي، عقوبات، ردع إقليمي، أمن ملاحة، وطاقة). وبناءً على مبادئ تاليران، يُمكنُ لإيران توظيف سرديّة الضّرورة الإقليميّة، وتفكيكِ الإجماع الدوليّ المُضادّ عبر الاستثمار في اختلاف الحسابات بين المؤسّسات، والحلفاء، واعتماد خطاب معياريٍّ للسّيادة، والقانون، والتّحالف مع القَلقين، وتشجيع الوسطاء، واعتماد نهج “خطوة مقابل خطوة”، بدل الصّفقة الكبرى.
وتُواجه هذه المقارنة حُدوداً تتعلّق باختلاف طبيعة النظام الدولي المعاصر، والحساسيّة التقنيّة للملف النووي، وتراكُم أزمة الثقة الممتدة منذ 1979؛ ما يجعل التّسوية أكثر تعقيداً من نموذج تسويات القرن التاسع عشر. لكنّ كلّ ذلك لا يمنعُ الافتراض بأنّ التفاوض المُثمر تحت الضغط ممكنٌ إذا نجح الطرف الأضعف في تحويل الذات إلى ضرورة سياسيّة، بدلاً من كونه موضوعاً للعقوبة. لكنّ نجاحهُ يتطلب أيضاً تغييراً ملموساً في السلوك والخطاب السياسي، بما يحدُّ من تشكُّلِ إجماعٍ صَلْبٍ ضدّه في المشهد الدوليّ، ويمنع عنه العُزلة الكاملة.
وخُلاصة القول، تُثبت تجربة تاليران أنّ إدارة التوازنات، قد تُعوِّضُ جُزئياً عن فجوة القوّة. وفي الحالة الإيرانية – الأمريكية، يبدو أنّ أدواتِ الضّغط وحدَها، لا يُمكنُ أن تُنتج تسويةً مُستدامة، كما أنّ تحدّي القوّة المتفوِّقة دونَ مسارٍ سياسيٍّ بديل يرفعُ احتمالاتِ التّصعيد، ويجعلُ من الطّرف الأضعف موضوعاً للعقاب. وعليه فإنّ نموذج “دبلوماسية ما بعد الإكراه” يُقدِّمُ إطاراً عملياً لتقليل المخاطر، وفتح نافذةٍ لتسويةٍ تدريجيّة.