الدفاع الخليجي المشترك وسط حالة عدم اليقين الإقليمي

  • من الضروري تسريع عجلة العمل في مسار العمل الدفاعي الخليجي المشترك الذي يتوافر على تراكم جهود وخبرات سنوات طويلة، وخَلَقَ هياكل عسكرية ومؤسسية متعددة المهام موجودة على الأرض وأَنتجَ نجاحات جيدة. وهذا السجل سيظل يمنح الدفاع المشترك أهمية وفاعلية تتجدد كلما أشتد تأزم الوضع الإقليمي.
  • على الرغم من استمرار دول الخليج في تعميق شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، سيستمر القلق الخليجي من درجة التزام واشنطن بهذه التعهدات، خاصة في حال دخول إسرائيل مستقبلاً في أي معادلة مواجهة في الخليج أو حوله، وكذلك في ظل تنامي التهديدات الأمنية الأخرى في الإقليم وجواره المباشر.
  • مع هذا، لا تزال هناك فرصة أمام دول الخليج وواشنطن لتعميق العمل الدفاعي الخليجي واستخدامه أداةً رئيسة من أدوات حفظ الأمن الإقليمي، وهو ما يُمكِّن الخليج من أداء دور وازن يحفظ أمنه ومصالحه من ناحية، ويُلبّي توقعات واشنطن من ناحية أخرى، دون الانخراط في مواجهات مفتوحة.

 

يتصف المشهد الإقليمي الحالي بالسيولة الجيوسياسية، وما يتبع هذا من تغير في طبيعة التهديدات واعتلالٍ في موازين القوة. ومع تجدد احتمال حصول هجوم أمريكي-إسرائيلي على إيران، وما سبقه من اعتداء إيراني على سيادة دولة قطر الشقيقة في 23 يونيو 2025 واعتداء إسرائيلي عليها في 9 سبتمبر، فقد تسارعت المعطيات التي تدفع الخليجيين لمراجعة وإعادة تقييم افتراضات وحسابات دول مجلس التعاون حول مصادر الخطر وعدم الاستقرار، وكيفية التعامل معها.

 

تحدَّث سابقاً الدكتور ماجد الأنصاري، مستشار رئيس مجلس الوزراء القطري، عن “تصور جديد للتهديد”، خصوصاً بعد ما بدا من تحول الخليج لساحة من ساحات الصراع الإيراني-الإسرائيلي. هذه المعطيات أتت لتسلط الضوء بقوة على الدفاع الخليجي المشترك، ومدى جاهزيته للاستجابة للتغيرات المُحيطة بدول المجلس وما يتبعها من تهديد مباشر لأمنها.

 

تحفل البيئة الخليجية بجهود ثنائية من قبيل “التحوط الاستراتيجي” الذي يتبع مبدأ توزيع المخاطر عبر تخفيف آثارها المتوقعة، هذا مع تجنُّب عواصم الخليج الانضواء في تحالفات ومحاور صِدامية، وفوق ذلك جنوحها لتنويع شراكاتها الأمنية مع أطراف متعددة مثل الولايات المتحدة (أو غيرها)، ويُضاف لهذا تبنيها في السنوات الأخيرة لمقاربة ترتكز على خفض التصعيد في بؤر التوتر المتعددة في الإقليم، ورفضها لأي حرب في الإقليم، ونأيها عن أي تصعيد عسكري ضد إيران، ومواصلتها العمل الدبلوماسي والوساطات للوصول إلى تسويات سياسية لملفات النزاع. لكن إلى جانب أهمية استمرار الاستثمار في جميع هذه المسارات، فإنه من الضروري تسريع عجلة العمل في مسار العمل الدفاعي الخليجي المشترك الذي يتوافر على تراكم جهود وخبرات عمرها خمسة عقود، والذي خلق هياكل عسكرية ومؤسسية متعددة المهام موجودة على الأرض وأنتج نجاحات جيدة. وهذا السجل سيظل يمنح الدفاع المشترك أهمية وفاعلية تتجدد كلما أشتد تأزم الوضع الإقليمي.

 

استمرت دول الخليج في تنفيذ مشاريعها الدفاعية المشتركة بنجاح على رغم التحديات المختلفة (مجلس التعاون الخليجي)

 

تحديات داخلية وخارجية

استمرت دول الخليج بنجاح في تنفيذ مشاريعها الدفاعية المشتركة على رغم التحديات المختلفة، وعلى رغم أن الطريق لا يزال طويلاً للانتقال من حالة التعاون إلى التكامل الفعال والمؤسسي. وكما أنَّه ليس من المتوقع أو الواقعي أن تعمل دول مجلس التعاون في المدى المنظور على تأسيس “ناتو خليجي“، فإن البيئة الإقليمية المضطربة تُحتم اللجوء إلى منهجية الخطوات الطارئة؛ كما تُبين قرارات الاجتماع الاستثنائي لمجلس الدفاع الخليجي المشترك عقب الاعتداء الإسرائيلي على دولة قطر. ولكن من الممكن استكمال البناء على ما تم مُراكمته في العقود الماضية عبر تعزيز كفاءة واستدامة الآليات والأطُر المؤسساتية، وهو ما سيقلل من لجوء دول الخليج إلى ردات فعل عاجلة كلما اشتدت أو تغيرت التهديدات المحيطة بها، ويمنحها عمقاً أمنياً أكبر لدى صُنع قرارها الجيوساسي دون الارتهان لتقلبات الضامن الأمني الأمريكي وحساباته الآنية، ويمنحها كذلك مساحة أكبر من المناورة في ملفات حساسة تتغير حساباتها باستمرار وتتعقد موازين القوة بين الأطراف المتداخلة فيها.

 

وإذا كانت بداية العمل الدفاعي الخليجي قد اقترنت مع اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، وتزامن إطلاق القيادة العسكرية الموحدة مع ذروة اضطرابات الربيع العربي، فإن هذا مدعاة لدول المجلس لمواصلة تسريع وتعميق العمل الدفاعي بينهم للتكيف مع بيئة إقليمية تتسم بالديناميكية الشديدة وعدم اليقين.

 

وينبغي الاعتراف أن هناك بعض التحديات الداخلية التي تواجه دول المجلس، والتي تُصعب العمل أحياناً في هذا الملف، ومن أبرزها:

 

  • التبايُن أحياناً في تحديد طبيعة التهديدات ومصادر الخطر، وتقييم درجة تأثير هذا الخطر أو ذاك عليها.
  • حصول اختلافات وأزمات أحياناً بين هذه الدول نفسها.
  • التباين في كيفية تطويع العمل الدفاعي المشترك في خدمة السياسات الخارجية.
  • التمسك الصارم بمبدأ السيادة الوطنية الذي قد يُصعب أو يُؤخر مشاريع الاندماج العسكري أحياناً.
  • ويُضاف لهذا ‘اختلافات فنية’ في سياسات التسلح وشراء الأنظمة الدفاعية (ومع ذلك هناك تشابه في وحدة المصدر الغربي غالباً).

 

يتعيَّن على العمل الدفاعي الخليجي التكيف مع بيئة إقليمية تتسم بالديناميكية الشديدة وعدم اليقين (شَترستوك)

 

على الرغم من كل هذا، فقد استمرت هذه الدول في تعزيز العمل الدفاعي بينها، وبالذات حين حصول اضطراب في النظام الإقليمي، فجاء إطلاق القيادة العسكرية الموحدة في قمة الكويت في 2013، والتي ينتظم تحتها 100 ألف مقاتل، بالتزامن مع الفوضى التي أحدثتها ثورات ‘الربيع العربي’. وهي الخطوة التي قد تؤدي مستقبلاً إلى خطوة حيوية مثل توحيد (أو على الأقل تنغيم) العقيدة العسكرية التي تُوجِه جيوش دول المجلس. ومن بعد إطلاق القيادة الموحدة أتت خطوات أخرى مثل تأسيس مركز التنسيق البحري المشترك للأمن البحري، وإنشاء الأكاديمية الخليجية للدراسات الاستراتيجية والأمنية، بهدف بناء ثقافة عسكرية تدريسية موحدة.

 

ومن المهم هنا الالتفات إلى أن الحراك الدبلوماسي الذي شهدته الدوحة من بعد الهجمات الإيرانية والإسرائيلية عليها، والذي تُوّج بانعقاد قمة عربية-إسلامية طارئة في 14 و15 سبتمبر، عبّر عن قلق خليجي عميق تجاه مصادر التهديدات المُحدقة بالخليج، وهي القائمة التي لطالما احتوت على لاعبين إقليميين آخرين. وأعقب قمة الدوحة انعقاد اجتماع ‘استثنائي’ لمجلس الدفاع المشترك، أعلن عن خمسة إجراءات تكتيكية، وهي:

 

  1. زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية عبر القيادة العسكرية الموحدة.
  2. العمل على نقل صورة الموقف الجوي لجميع مراكز العمليات بدول المجلس.
  3. تسريع أعمال فريق العمل المشترك الخليجي لمنظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.
  4. تحديث الخطط الدفاعية المشتركة بالتنسيق بين القيادة العسكرية الموحدة ولجنة العمليات والتدريب لدول مجلس التعاون.
  5. تنفيذ تمارين مشتركة بين مراكز العمليات الجوية والدفاع الجوي.

 

إن ردة الفعل السريعة هذه تعكس اعتماداً حقيقياً على الهياكل الموجودة، والتي تدرج الخليجيون ولا يزالون في العمل على تطويرها – وإن ببطء شديد، وهي ليست مجرد خطوات رمزية معنوية أو عمل غير ناجح كما أعلنت ذلك بعض التحليلات الغربية. ومع هذا كله، وعلى الرغم من استمرار دول الخليج في تعميق شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، سيستمر القلق الخليجي من درجة التزام واشنطن بهذه التعهدات، خاصة في حال دخول إسرائيل مستقبلاً في أي معادلة مواجهة في الخليج أو حوله. ويُضاف إلى ذلك تحديات أخرى تستمر بإلقاء ظلالها على العمل الدفاعي الخليجي المشترك، مثل البرنامج الصاروخي الإيراني، والأمن البحري والممرات المائية الحساسة، بالإضافة لحالة عدم الاستقرار المزمنة في جغرافيات ممتدة مثل اليمن ومنطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر.

 

على رغم مواصلة دول الخليج تعميق شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، سيستمر القلق الخليجي من درجة التزام واشنطن بدورها كضامن للأمن الإقليمي (أرشيفية/أ.ف.ب)

 

الدور الأمريكي وفرصة الخليج

بسبب كل هذه العوامل وغيرها فإن الحاجة ستظل مستمرة للولايات المتحدة لممارسة أدوار مختلفة ومتجددة. ومن جانبها، فإن واشنطن رغبت دائماً بتعميق الاندماج الدفاعي بين دول المجلس، حتى في ظل ما طرحته وثيقة الأمن القومي التي نشرتها الرئاسة الأمريكية الحالية في نوفمبر 2025، والتي قدمت مقاربة يبدو أنها احتوت على تناقض في المنطق الذي يحركها، حيث أنها تُبشِّر بانحسار اهتمام أمريكا بمنطقتنا وتقليل الانخراط الأمني الطويل-المدى فيها، رغم تعهدها بعدم السماح لأي ‘قوة معادية’ بالسيطرة على نفط وغاز الخليج أو إعاقة حرية الملاحة في المضائق والممرات المائية حول الخليج والجزيرة العربية، كما أن الاستراتيجية الجديدة صريحة في أن واشنطن ستعمل على تنسيق خطط وأفعال حلفائها وشركائها بحيث تتوائم مع هدف أمريكا بمنع هيمنة أي دولة منافسة على الأقاليم المختلفة أو السوق العالمي وسلاسل الإمداد.

 

ولا تشكل النقطة الأخيرة بذاتها افتراقاً عن أهداف واشنطن التقليدية، لكنها خلت من التأكيد التقليدي على ضمانات الردع الأمريكي التي لطالما شكلت عاموداً أساسياً من أعمدة الدفاع الخليجي. ولكن على الجانب الآخر، ركزت الاستراتيجية بقوة على مبدأ ‘تقاسم العبء’ (Burden-Sharing) وإدارة التهديدات، مع وضع سقف توقعات عالِ حول المسؤولية التي “يجب” أن يتولاها حلفاء واشنطن “الأغنياء” و”المتقدمين” في ضمان أمن دولهم ومنظومة الأمن التي تربطهم بواشنطن، وترافق هذا مع إعلان الإدارة الأمريكية نيتها تنظيم إطار عمل جماعي وشبكة شراكات تُسهِّل ‘تحمل العبء’. وهذا قد يتيح الفرصة لدول المجلس وواشنطن لتعميق العمل الدفاعي الخليجي -الذي قطع أصلاً مسيرة طويلة من التطور والتناغم- واستخدامه أداةً رئيسة من أدوات حفظ الأمن الإقليمي، وهو ما يمكن الخليج من أداء دور وازن يحفظ أمنه ومصالحه من ناحية، ويُلبّي توقعات واشنطن من ناحية أخرى، دون الانخراط في مواجهات مفتوحة.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M