سنن الله بين يقين الوعد وتقلبات الواقع

بقلم الخبير الاستراتيجي التنموي
د.ف. سامح الوظاف

https://t.me/Samehalwadhaf/281

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

 

في أزمنة الاضطراب السياسي والصراع الحضاري، يبرز سؤال جوهري في وعي المسلم:
هل نقيس الواقع بميزان اللحظة أم بميزان السنن الإلهية؟
وهل الثقة بوعد الله مجرد شعار تعبوي، أم رؤية حكيمة تؤسس لموقف واعٍ ومتزن؟

هذا المقال يحاول قراءة الخطاب الإيماني المرتبط بقضايا الصراع والتمكين قراءة تحليلية، تستند إلى القرآن الكريم باعتباره مرجعًا تأسيسيًا في فهم حركة التاريخ وسنن الله الثابتة

أولاً: مفهوم “غلبة الأمر” في المنظور القرآني
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ ليس تعبيرًا عاطفيًا، بل قاعدة عقيدة كبرى.
فالغلبة هنا ليست لحظة عسكرية، ولا تفوقًا إعلاميًا، بل سيادة سننية تتحقق عبر مسار طويل من الابتلاء والتدرج.
القرآن يقرر أن الوعد الإلهي حق:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾
غير أن تحقق الوعد يخضع لشروط:
الإيمان
الاستقامة
الصبر
الإصلاح الداخلي
إذن، اليقين بوعد الله لا يلغي العمل، بل يوجّهه.

ثانيًا: إشكالية استعجال النصر
يتكرر في القرآن سؤال المكذبين:
﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾
وهذا السؤال لا يعبّر فقط عن تكذيب، بل عن عقلية تقيس الحق بالسرعة والنتيجة المباشرة.
بينما يرسّخ القرآن مبدأ الأجل المحدد:
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾
ومن هنا نفهم أن:
تأخر النصر ليس هزيمة.
وطول الابتلاء ليس تخليًا.
وتقلب الموازين ليس نهاية المسار.
إن السنن الإلهية تعمل في عمق التاريخ، لا في سطح الحدث.

ثالثًا: البعد النفسي في زمن الفتن
الأزمات تكشف البنية الداخلية للأفراد والجماعات.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
فالاستقامة هي معيار الثبات، لا الانفعال المؤقت.
وفي المقابل، يحذر القرآن من خطاب الشك الذي يظهر عند الشدائد:
﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾
من الناحية التحليلية، يمكن القول إن:
الحرب النفسية أخطر من الحرب العسكرية.
انهيار الثقة الداخلية أخطر من الضغط الخارجي.
التفكك القيمي بداية السقوط الحضاري.

رابعًا: الصراع بين منظومتين قيميّتين
القرآن لا يقدّم الصراع بوصفه تنازع قوة فحسب، بل بوصفه صراع رؤى وقيم:
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
هنا يتجلى البعد الفلسفي للصراع:
هل المعيار هو المصلحة الآنية؟
أم العدالة والحق ولو على حساب المكاسب؟
التاريخ يثبت أن الحضارات التي تقوم على المادية المجردة تفقد توازنها الداخلي، بينما الحضارات ذات الأساس القيمي تمتلك قدرة أعلى على الصمود.

خامسًا: سنة التداول وسنة السقوط
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
هذه الآية تؤسس لفهم غير خطّي للتاريخ.
لا نصر دائم، ولا هزيمة أبدية.
كل قوة إذا تجردت من العدالة دخلت في مسار التآكل الداخلي.
والقرآن يدعو إلى دراسة التاريخ لا للتباكي، بل للاعتبار:
﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾
التمكين في المفهوم القرآني ليس مجرد سيطرة، بل:
عدل
إقامة قيم
إصلاح
تزكية

سادسًا: المسؤولية الفردية في زمن الاصطفاف
من أخطر المشاهد القرآنية مشهد تبرؤ الأتباع من المتبوعين يوم القيامة.
هذا المشهد يؤسس لمبدأ خطير:
لا عذر بالاتباع الأعمى.
الموقف الأخلاقي في القضايا الكبرى ليس خيارًا هامشيًا، بل مسؤولية شخصية.
فالقرآن يحمّل الفرد مسؤوليته كاملة في:
موقفه
كلمته
انحيازه القيمي

سابعًا: بين العاطفة والبصيرة
الخطاب الإيماني قد يتحول أحيانًا إلى خطاب تعبوي عاطفي، لكنه في أصله خطاب بصيرة:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾
والبصيرة تعني:
قراءة الواقع بوعي، وكما قال شهيد القران السيد حسين الحوثي” عين على القران وعين على الحدث ”

فهم موازين القوى دون تضخيم.
التمييز بين الثوابت والمتغيرات.
الجمع بين اليقين والعمل الواقعي.

الخاتمة:
الثبات بين الوعد والعمل
إن الإيمان بأن الله غالب على أمره لا يعني الانسحاب من الواقع، ولا الاكتفاء بالانتظار، بل يعني:
إصلاح الداخل.
تعزيز الوعي.
بناء القوة الأخلاقية والمعرفية.
الثبات دون تهور.
فالقرآن لا يعد بنصر بلا شروط، ولا بتمكين بلا إصلاح.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
وهكذا يبقى اليقين نورًا، والعمل طريقًا، والسنن الإلهية ميزانًا لفهم حركة التاريخ.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

وردنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M