ثقافة الضيافة والكرم وبعض تقاليدها بمجتمعات إفريقيا

إذا كان الكرم وحسن الضيافة قيمةً إنسانية مشتركة بين جميع الثقافات؛ فإنه في المنظور الإفريقي يتميَّز بالسَّعة الأفقية، وبالعمق العامودي، فهو موجودٌ في كل مجموعةٍ إفريقية، وفي الوقت نفسه عميقُ الجذور في ثقافة كل مجموعةٍ إثنية.

وفوق ذلك؛ تتميَّز الضيافة بأنها ليست مجرَّد تصرُّفٍ وخُلقٍ إنساني في الكرم، وإنما هي كما يؤكده الباحثان (Mnyaka & Motlhabi, 2005) مسألة وجود؛ باعتبار الاهتمام برفاهية الآخرين قيمةً وجودية في الفلسفة الإفريقية التي تُعرف بـ«أُبونْتو»، أي أن العناية بالجيران والأقارب والضيوف تقوم على مبادئ أخلاقيةٍ صارمةٍ مُلزِمةٍ لكمال إنسانية الفرد ومروءته.

إن مصطلح أُبونْتو Ubuntu مركَّبٌ من جزأَين: ubun-ntu، يعني الجزء الأول: وجود أو كينونة، والآخر: إنسان، فالمصطلح- إذاً- يرمز للوجود الإنساني، ويُترجم إلى اللغات الأوروبية ترجمةً مقاربة بـ Humanism. وهو مصطلحٌ موجودٌ في اللغات البانتُوية بإفريقيا جنوب الصحراء. يُعرِّفه الباحث برودريكْ Broodryk بأنه: «رؤية إفريقية متكاملة للعالَم تقوم على القِيَم الأصيلة في الإنسانية: من تعاوُن، وتشارُك، وتعاطُف، وتحقيق مجتمعٍ إنساني مثالي في جوٍّ من الأُخوَّة»[1]. أو بتعريفٍ أكثر اختصاراً عند الباحث أنجا: «أن يُسخِّر الفرد حياته للآخرين»، وأن هذه الفلسفة بمثابة «دين بالمجتمعات الإفريقية التقليدية»[2].

بهذا؛ فإن أُبونْتو هي المحرك الضمني العميق الذي يُشكِّل رؤية العالَم لدى الأفارقة، ويوجِّه جميع تصرُّفاتهم وتوجهاتهم في السلوك، وعلاقاتهم مع الآخرين، ولا تكتمل إنسانية الإنسان إلا في إطار التزام الفرد بمقتضيات فلسفة أُبونْتو ولوازمها.

من هذا المنطلق؛ فإن قيمة الكرم وحسن الضيافة منبثقةٌ عن هذه الرؤية، ويدلُّ على هذه العلاقة الوشيجة بين قيمة الكرم وفلسفة أُبونْتو أن الباحثين قد حدَّدوا ركائز رؤية العالَم عند الأفارقة في سبعةٍ هي: (أ) قداسة الحياة، (ب) والحِسُّ المجتمعي، (ج) وحِسُّ الوئام البشري، (د) والحِسُّ الديني الروحي، (هـ) والحِسُّ بقداسة الكلمة (و) واحترام السلطة وكبار السن، (ز) العناية بالضيف.[3]

عليه؛ فإن الكرم وحسن الضيافة، كما يتجلَّى في هذه المنظومة، مكوِّنٌ جوهريٌّ في بناء الفرد والمجتمع الإفريقي، أو هو كما يقول الباحث شِينيدو عنه بمجتمع إيبو جنوبيَّ نيجيريا ومثيلاته من المجتمعات الإفريقية: «أسلوب حياة إفريقية» (A way of being an African)[4].

والضيافة ليست طقوساً شكلية في الحفاوة بالغريب وتقديم المأكل والمشرب والمأوى له، وإنما هي محصِّلة لروحٍ أخوية صادقة وعلاقاتٍ سلمية عميقة مُوَسَّعة في قبول الآخر[5]، لا تتحدَّد بعلاقات القربى والدم، وإنما هي منفتحة على الإنسان- كلّ الإنسان، وعلى العالَم بأسْرِه، من بَشَر وغير بَشَر[6].

أما ترجمة مفاهيم أُبونْتو والكرم وحسن الضيافة إلى أفعالٍ ماثلةٍ؛ فإن شواهد تاريخية كثيرةً قد تكفلت بتسجيل ذلك في أفعال الأفارقة أفراداً وجماعاتٍ، ويكفي هنا استعراضُ طائفةٍ منها.

من أجلى الشواهد على حسن الضيافة: هجرة الطائفة المسلمة الأولى المستضعَفة المضطهَدة بمكة إلى أرض الحبشة، وذلك بأمرٍ من النبي (صلى الله عليه وسلم) نفسه؛ مبرِّراً هذا الاختيار بما بأرض الحبشة من حسن ضيافة، وحفظٍ للذمم والحريات، وقد صدَّق ذلك نجاشيُّ الحبشة بتوفير الرعاية الكاملة لضيوفه، وكفِّ أيدي أهل مكة عنهم حين حاولوا استرجاعهم إلى مكة.

بعد ذلك؛ يروي لنا المؤرخون العرب كثيراً من المواقف في المجتمعات الإفريقية في حُسن ضيافتهم للوافدين عليهم، فالبكري (أبو عبيدة، ت487هـ/1094م)- مثلاً- قد سجَّل بعض ما كان يحظى به الضيوف التُّجارُ من حفاوةٍ واحترامٍ وامتيازاتٍ بعاصمة إمبراطورية غانة، منها بناء الملك تُونْكامَنين الوثني مسجداً بالقرب من قصره ليُصلِّي فيه ضيوفه. كما سجَّل قصة دخول الإسلام الأول ببلاد مَلِلْ في غرب إفريقيا، وعزا ذلك لشيخٍ داعية نزل ضيفاً على ملك مَلِلْ، وصادف حضوره فترةَ جدبٍ وقحطٍ شديد، ونتج عن استسقاء الشيخ مطرٌ غزير، كان سبباً في إسلام الملك وأهل مملكته[7].

بالمثل؛ يذكر العمري (فضل الله، ت749هـ/1348م)؛ أن أهل دُنقُلة بالنُّوبة، على ما هم عليه من شظف العيش، هم «أصلَحُ من كثيرٍ ممَّن سواهم من السودان، وبها مسجد جامع تأوي إليه الغرباء، وتجيء رُسُل الملك إليهم تستدعيهم إليه، فإذا جاؤوا؛ أضافَهم ووَهَبَهم وأكرمهُم هو وأمراؤه»[8].

أما ابن بطوطة، الذي زارَ مالي (753هـ/1352م)، فقد سجَّل لنا بعض المواقف من الضيافة الشعبية والرسمية له، غير أن سوء فَهْمه للثقافة المحلية؛ حَمَلَه على الاستخفاف ببعض طقوس الضيافة، فحين نزلت قافلتُه بمدينة إيوالَتَنْ- مثلاً- صَنع واليها مشروباً ودعا القافلة، وكان مشروباً ممزوجاً بعَسَل ولبن، وهو أفضلُ ما يُكرم به الضيف في مجتمع مانْدينْغ، قال ابن بطوطة: «فقلت لهم: ألهذا دعانا الأسْوَدُ؟ قالوا: نعم، وهي الضيافة الكبيرة عندهم. فأيقنت حينئذٍ أن لا خير يُرتجى منهم»[9].

وحديثاً؛ فإن حسن الضيافة كان من العناصر الثقافية الأولى التي أبهرت كثيراً من الرحالة الأوروبيين الأوائل الذين وفدوا على المجتمعات الإفريقية. مثلاً، على الرغم من الرؤية الاستعلائية واللهجة العنصرية في مذكرات الرحالة بارو (Sir John Barrow, 1764-1848)، فإننا نجد عنده إشادةً قوية بقيمة حسن الضيافة في المناطق التي زارها بالجنوب الإفريقي، يقول: «وعلى الرغم من فظاظة طباعهم، وتخلُّف عقولهم، فإنهم مُتَميِّزون بشدَّةٍ في أمرٍ واحد: إنه حُسن الضيافة تجاه الغرباء»[10].

والأمر نفسه في شهادة الرحالة كامْبيل، الذي قضى حوالي ثلاثة عقودٍ بإفريقيا الوسطى في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، يقول: «إن حُسْن الضيافة من العادات المقدسة ببانتولاند، وهي عادةٌ موجودةٌ في كل مكان. سيبادر الشخص بإفريقيا بتوفير أفضل غُرَفه، وتقديم عَشائه للضيف، دون أن يشعر أنه يقوم بعملٍ مميَّز»[11].

أيضاً: من الرحالة الذين أشادوا بثقافة الضيافة بمجتمع غيكويو: فيشر، وروتليج[12]  Routledge, Fisher. كما يذكر الرحالة الإنجليزي «ريتشارد بارث» عن مجموعات «ياوْ»، أن مجيء الضيف إلى الدار مفخرةٌ لربّ الدار؛ إذ يعتقدون أن نبتةً غير مرئية أمام الدار تجذِبُ الضيوف والبركة لأهل الدار[13].

ويندُرُ في الوقت الحالي أن يُجري باحثٌ دراسةً ميدانية ويكتب عنها دون أن يقف بُرهَةً من الزمن؛ للإشادة بما حظي به من حفاوة وكرم ضيافة من لدن مجتمع دراسته.

في هذا الإطار؛ يجمُلُ بنا رصدُ بعض مظاهر الضيافة على امتداد شعوب القارة. مثلاً؛ تُعرَف بمجتمعات نْغوني بجنوب إفريقيا جماعة يُطلَق عليها «إسيتيبي» Isithebe، وهي ذات مهامٍّ اجتماعية معقدة، تتلخص في قيامها بكل ما يحقق الوئام بين أفراد المجتمع، ومن أهم مهامها الإشراف على توزيع اللحوم والأغذية والخمور في مناسبات الزواج، والختان، ومناسبات الاحتفاء بالمصالحة بين المتخاصمين، وكذلك العناية بالضيوف الوافدين على المجموعة[14].

أما بمجتمعات شرق إفريقيا؛ فيوجد نوعٌ خاصٌّ من الحِلف، يُطلَق عليه أوتاني Utani، وصفه الباحث Anacleti بأنه نظامٌ اجتماعيٌّ لتسهيل التنقُّل في المجتمع. ووصفه الباحث Lloyd Swantz بأنه نوعٌ من جواز السفر بين المجموعات الإثنية المختلفة، تُلزِمُ كلَّ طرفٍ بتقديم طقوس الضيافة لكل ضيف، وقد شمل ذلك مجموعات Nyamwezi, Ndengereko, Digo, Ngoni, Zaramo، في كينيا الحديثة، ودعَت الحاجة لذلك في ظروف أسفار تلك المجموعات بالمنطقة، وقطع مسافاتٍ طويلة في التجارة، وحمل البضائع إلى شواطئ المحيط الهندي[15].

هذا، وتتميز مجموعات غيكويو بشرق إفريقيا بمفهوم الإنسان الحبيس المسجون، والإنسان الطليق، فالحبيس محدود السمعة؛ لقلَّة إحسانه، والطليق ugumo njega هو الذي حُسْنُ أفعاله مُنتشرٌ في البلاد التي لم تَطأها قدَمُه عبر الأشخاص الغرباء الذين أحسن إليهم[16]. كما أن من الألقاب التبجيلية عندها guthondeka rutwa، ومن لوازم هذا اللقب المبادرة إلى مواساة الآخرين، والعناية الفائقة بالضيف، ويقابله muhuuni or muroba، وهو البخيل الخامل الذي لا يُرجى منه خيرٌ، ومن الصعب أن يُمحى هذا اللقب السلبي عن الشخص إذا ما أُلصِقَ به[17]. ومثل هذا اللقب التبجيلي للشخص المضياف عند جيران غيكويو مجموعات ليو Luo القاطنة غربيَّ كينيا هو jangwono، ويقابله لقب ja wooro، ويُنظَرُ إليه نظرة ريبة، ويُعدُّ من زمرة اللصوص، والقَتَلة، والسَّحرة[18].

أما في وسط إفريقيا وغربها، بمجتمع فانغْ في كونغو وغابون، فإن الكرم وحسن الضيافة يُكسِب الفردَ السمعةَ الطيبة ولقب nsem y duma، ولا يتحقَّق ذلك إلا بالزواج. لذلك؛ فإن العزوبة ممقوتة؛ لعجز العازب عن الوفاء بمستلزمات الضيافة، واعتباره أنانياً[19]، وهنا تقع مسؤولية كبيرةٌ على المرأة في طقوس الضيافة[20]. أيضاً؛ فإن سرد تواريخ الأجداد ndan ayong بين فانغْ يقوم بدَورٍ محوري في التزام الأفراد بالكرم وحسن الضيافة؛ حيث يُرجعون أصولهم إلى رجالٍ أمجادٍ، يزعمون تارةً أنهم آلهة أو أنصاف آلهة، ومن المحال الانتسابُ إلى أولئك دون القيام بأفعالٍ مجيدة في الكرم وحسن الضيافة[21]. كما يعتقدون- مثل كثيرٍ من المجموعات الإثنية- أن أسلافهم قد يأتون في صورة غرباء؛ ليختبروا كرمهم والتزامهم بقِيَم المجموعة[22].

في السياق نفسه؛ فإن مجتمعاتٍ إفريقية حديثة تشتهر بتعبيراتٍ في الاحتفاء بالضيوف، وهي متداولةٌ بشكلٍ واسعٍ بفضل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، من ذلك كلمة Karibu، بلغة سواحيلي، وهي مقترضةٌ من «قريب» العربية، أي اقترِبْ، تفضَّلْ! وتقال في الاحتفاء بالضيف. ومنها Akwaba بلغة تُوِي في غانا، و  tendungalبلغة فولاني. وتشتهر جمهورية السنغال بأنها أرض الضيافة teraanga بلغة وُلوفْ، ويذهب كثيرٌ من الباحثين إلى أن من الصعب ترجمة هذه اللفظة بمجرد «حسن ضيافة»، إنها تعني أكثر من ذلك، وهي مفهومٌ مركزيٌّ في الهوية السنغالية[23]. كما نجد في النشيد الوطني لجمهورية كوت ديفوار التنصيص في كلماته الأولى على أنها بلد الضيافة pays de l’hospitalite.

من هنا؛ يتجلَّى أن الكرم وحسن الضيافة من العناصر الثقافية الأكثر بروزاً في الواقع الإفريقي، والأقوى في مصارعة التقلبات والضغوط الخارجية والداخلية. هذا، على الرغم من طغيان النزعة المادية في المجتمعات الحديثة؛ حيث لا تزال توجد لدى المجموعات الإثنية والأفراد الكثير من مظاهر الكرم وحسن الضيافة.

باختصارٍ؛ فإن الكرم وحسن الضيافة يمثِّلُ مُحدِّداً ثقافياً بارزاً في المجتمعات الإفريقية الحديثة، وهو امتدادٌ لتاريخ ثقافي طويلٍ تشكَّلت فيه رؤية الأفارقة نحو الكرم وحسن الضيافة في إطار المفهوم الإنساني الذي يُطلَق عليه «أُبونْتو». وقد استفاضت الشواهد التاريخية في الإشادة بكرم الضيافة لدى كثيرٍ من المجموعات الإثنية بإفريقيا. حتى في الفترة الاستثنائية من التلاقي غير الطبيعي بين إفريقيا وأوروبا (الغارة الاستعمارية)؛ فإن ما أجمعت عليه القوى الغازية لإفريقيا هو اعترافها بحسن ضيافة شعوبها، ويشهد لذلك واقعُ كثيرٍ من المجتمعات الإفريقية التي ما زالت تحتفظ ببعض مظاهرها الثقافية؛ حيث توجد بها معتقداتٌ وممارساتٌ راقيةٌ في حسن الضيافة، واعتبار الضيافة واجباً دينياً، وحقّاً اجتماعياً، على السواء.

الضيافة في السرديات الشعبية الإفريقية:

توجد في الموروث الشفهي الإفريقي نماذج كثيرة من الأساطير والقصص والحكايات والأشعار المتضمِّنة لقِيَم الكرم وحسن الضيافة، والكاشفة عن رؤى الشعوب الإفريقية حول الكرم والضيافة، بل أن تيمة الكرم وحسن الضيافة، ونبذ البخل والأنانية، تُشكِّلُ موضوعاً محورياً في الأدب الشعبي لدى بعض المجموعات الإثنية، كما الحال بمجتمعات شمالي مالي والنيجر[24].

في الأساطير مثلاً؛ تُصادفنا مغبّةُ البخل على الغرباء في أسطورةٍ لدى مجموعات باكونغو في كونغو الديمقراطية، وهي عن امرأةٍ عجوز مجذومة وفدتْ على قرية؛ فأوصد الجميع أبوابهم في وجهها إلا الدار الأخيرة، وعند مغادرتها، طلبت من أهل الدار هجرة البلدة المشؤومة، وفي الليل، أرسل الإله Nzambi على القرية مطراً شديداً أغرقَهم جميعاً.

ومثل هذه الأسطورة موجودةٌ عند مانْدينْغ في الرجل الذي ضيّف الإلهَ Ouende حين انتهَرَه الآخرون وهو مُتَقمِّصٌ صورةً بشرية؛ فأعطاه الإلهُ ثلاثة أنواعٍ من الحبوب، تتكاثر بصورةٍ عجيبة، وانتقَمَ من أهل القرية بإهلاكهم بعاصفةٍ هوجاء، ومطرٍ شديد[25].

شبيهٌ بذلك؛ حكاية شعبية عند مجموعات سوكوما بكينيا للملك الطيّب، الذي أضاف رجلاً فقيراً هو وكلبهُ بقصْرِه، وأصبح الرجلُ جزءاً من عيال الملك، وكان الكلبُ سبباً لخلاص الملك من موتٍ محقَّقٍ على أيدي أعدائه[26].

كما نجد حكايةً أخرى وبها رؤية نبذ الأنانية، وهي عن صداقة بين النسر والسلحفاة، استغلَّ النسرُ كرم السلحفاة؛ فكرَّر زياراته لها في بيتها، واستمتع بما توفِّرُه السلحفاةُ وأسرتُها له من ضيافة؛ لكنَّه- بِدَوْره- ظلَّ يُسَوِّف استضافته للسلحفاة عنده في أعالي الأشجار، تنتهي القصّة بمؤامرةٍ بين الحيوانات ضدَّ النسر، تجعله يعضُّ أنامل الندم على أنانيته وسوء استغلاله لكرم السلحفاة.

أما الأمثال الإفريقية في مجال الكرم وحسن الضيافة، فالموروث الشعبيُّ كريمٌ في هذا الموضوع إلى أبْعَد الحدود! فالأمثال مستفيضةٌ في الإشادة بالكرم وحسن الضيافة، وبيان كثيرٍ من الرؤى والأفكار، من ذلك مثلاً: رؤية التفاؤل بمجيء الضيوف، يقول المثَلُ السواحيليُّ: kupata mgeni ni baraka، أي: «الضيافة بركة»، أو «حضور الغريب بركة»[27]. وفي المعنى نفسه مثلٌ لدى مجموعات هايا ولويا Haya and Luyia، يقول: «دع الضيوف يأتون؛ يأتِ معهم الخير»[28]. ويذكر الأنثروبولوجي «جون مْبيتي» أن من أمثال نيامْوِيزي في تنزانيا قولهم: «الضيف دواء»، ويعني ذلك- فيما يعني- أن مجيء الضيف يُؤْذِنُ باختفاء صُوَر الخلاف بين أهل الدار، حيث يبشُّ الجميعُ في وجهه، ويُخفون عنه كلَّ خلافٍ، ويعود الوئامُ إلى البيت.

أيضاً؛ هناك طائفةٌ من الأمثال تحذِّرُ من البخل والأنانية؛ بوصفهما رذيلةً تمنع من إعطاء الضيافة حقَّها في الكرم والعناية. تقول مجموعةُ يوروبا:   ai re alejoo se la nwi pe: ore ore-e mi de، أي: «من البخل أن تقول: ها قد جاء صديقُ صديقي!»، لأن هذا التعبير تَعِلَّة للتقصير في حقّ القادم[29].

ومن هذه الطرافة في التعبير إلى شيءٍ من الشدة، تقول مجموعة غيكويو: muria wiki akuaga wiki، أي: «مَنْ يأكل وحده؛ يَمتْ وحده!»، فالأكل وحيداً يشير إلى ضعف علاقة الفرد بمحيطه الاجتماعي؛ لأن الأكل بوصفه متعةً يُفضَّل أن يشاطر فيه أصاحبُه الآخرين، والموت بوصفه كذلك مؤلماً يخففه مشاطرة الآخرين، أو بتعبيرٍ آخر: مَن لا يشارك الآخرين في أفراحه؛ لا يشاركونه في أتْراحه.

من جانبٍ آخر؛ تأتي أمثالٌ لتشجّع الفرد على المبادرة في القيام بواجب الضيافة والكرم، دون خوفٍ من الفقر والإقتار، وفي هذا السياق تقول مجموعات شونا في زيمْبابوي: mweni haapedzi dura، أي: «الضيف لا يُفني خزينة الحبوب». وفي المثَل عند سوكوما قولهم: «فراش الضيف سريع التخلية، فهو يمكُثُ أياماً ويرحل»، وفي السياق نفسه تقول مانْدينْغ في مثَل شِبه كاريكاتوري: «يوماً ترى الضيفَ ذا جبهةٍ عريضة، ويوماً تراه ذا قَفاً كبيرة، فالضيف راحلٌ وشيكاً، والتقصيرُ في حقِّه رذيلة».

هذا، وتُعدُّ مجموعات غيكويو من أكثَر المجموعات الإثنية الإفريقية مبالغةً في الكرم وحسن الضيافة، ويُشارُ بينهم إلى المبالغ في الكرم لضيوفه بـ uitangi، ومن أمثالهم: «يُعرَفُ قدرُ الزعيم بمقدار ناره (مَوْقده)»، وعندهم قصَّةٌ شعبية Muroki للملك الذي أفنى مواشيه وبَقَره في العطاء للضيوف والسائلين[30]، لذلك لا تُبالي غيكويو بما تُنفقُ على الضيف، فلولا المشقَّةُ سادَ الناسُ كلُّهم.

عادات وتقاليد في الضيافة:

نتيجةً لما سبقت الإشارة إليه، من ثقافةٍ واسعةٍ وعميقةٍ للكرم والضيافة بالمجتمعات الإفريقية التقليدية، فإن عاداتٍ وتقاليد، وإجراءاتٍ وطقوساً كثيرةً، قد نشأت لدى أولئك لاحتواء الرؤى والمفاهيم المتراكمة لديهم حول الكرم والضيافة، وترجمتها إلى أفعالٍ ماثلة، سواءً في ذلك الطقوس على مستوى جمعي، والطقوس على مستوى فردي.

مثلاً؛ يوجد في المجتمعات الزراعية نوعٌ من «الوقف الشعبي»، يتمثل في توفير احتياطاتٍ من الغذاء والمحاصيل الزراعية تشارك في توفيرها كل أسرة، أو يوجد ما يُطلق عليه «مزرعة عمومية»، يُطلَق عليها عند مجموعات مانْدينْغ Foroba-Foro، وعلى الخزينة التي تُحفظ بها المحاصيل الجماعية Foroba-bulon. وهو نوعٌ من الإنتاج الجماعي لكل قريةٍ أو مجموعةٍ عشيرية، وتتمُّ الاستفادة من محاصيل تلك المزرعة في المناسبات العامَّة بالقرية، مثل الوفيات، والعناية بالضيوف، والإنفاق على المحتاجين، والأعياد وغيرها[31]، وتقع مهمة العمل في هذه المزرعة على الجميع، خاصَّةً فئات الشباب Kamalen Ton الذين ينتظمون في مجموعاتٍ عمرية محدَّدة، ويكون العمل في المزرعة العمومية في أيَّامٍ معلومة[32]. ويُعرَف هذا النظام في زيمبابوي بـ zunderamambo، وهي مزرعة المملكة التي تحفظ محاصيلها لفترات الحاجة[33].

بالمثل؛ يوجد لدى المجموعات الرعوية ما يُعرف بـ«الحظيرة العمومية»، أي: الرؤوس الحيوانية الخاصَّة بالبلدة أو المجموعة العشيرية، تُنفق على الضيوف الوافدة على القرية. وفي مجتمع شاغا Shagga- مثلاً-  تُسمَّن بعض الدواجن والأنعام وتُحبَسُ من أجل الضيوف.

بالإضافة إلى ذلك؛ يوجد تقليدٌ آخر متَّبَعٌ في كل قريةٍ- أو حتى في المدن الحديثة، وهو تخصيص صاحب كل دارٍ غرفةً أو أكثر من أجل الضيفان، فلا تُسكن، وإن استُخدمت لأيِّ حاجةٍ فإنها تظل مؤقتةً قابلةً للتخلية الفورية إذا ما وفد ضيفٌ، ويُطلق على هذه الغرفة عند مانْدينْغ lonan-jigi bong، أي: بيت إنزال الضيوف. وعند مجموعة Laimbwe بكاميرون تُسمَّى beitonghekeh، وهي مجموعةٌ سكنية من الأكواخ مخصَّصة للغرباء، يحصلون فيها على المأكل والمشرب، وعلى الأمان، إذا ما وفدوا ضيوفاً أو لاجئين من خوف مجموعاتٍ أخرى[34].

المأكل والمشرب:

تختلف تقاليد وطقوس المأكل والمشرب المقدَّم للضيف، بين مجموعةٍ إثنية وأخرى؛ تبعاً للمزاج الغذائي في كل ثقافة، غير أن كل مجموعةٍ تُخصِّص للضيف أفضل ما لديها من الأغذية. مثلاً: في مجتمعات هايا في تنزانيا، وباغَنْدا في يوغندا، تُقدَّمُ للضيف حبَّات قهوة يمضغُها ثم يلفظها دلالةً على الحفاوة والترحيب به؛ ذلك لمكانة القهوة بمجتمعات شرق إفريقيا ومركزيتها في حياتهم. أما مجموعات غيكويو، فإنها تحتفي بالضيف بنوعٍ خاصٍّ من الطعام يُدعى ningukiruga[35].

ومن التقاليد في معظم الإثنيات: أن الضيف لا يُسألُ عن أخباره، أو عن هويَّته إذا كان غريباً، قبل تقديم الطعام له، وإلى ذلك تشير غيكويو بقولها: ng’aragu ndihooyagwo uhoro: «لا تسأل جائعاً رواية قصَّة»[36].

هذا، وفي المجتمعات التي يكون التنقُّل فيها مشياً على الأقدام؛ فإن من اللَّوازم مرافقة الضيف عند عودته حتى منتصف الطريق بين القرية والقرية المقابلة، وربما أُرسِلَ معه من الغلمان مَن يحملون له متاعَهُ. وفي بعض حالات المرأة الضيفة؛ فإنها تُعطى بعض الأشياء مثل البهارات، والبطاطا الحُلو، والدجاج، وغيرها[37].

العناية المعنوية:

بالإضافة إلى ما سبق؛ فإن حسن الضيافة لا يتوقف على توفير المسكن والمأكل وجبر الخاطر للضيف فحسب، وإنما يتعدَّى ذلك إلى توفير الأمن النفسي الكامل له، وتتعدى بعضُ المجموعات في ذلك إلى إبرام حِلْفٍ طقوسي مع الضيف، يُعدُّ بموجبه مرتبطاً بعلاقة دم بمُضيفه وبعشيرته، من ذلك مثلاً: حلف «لوبا باسا» Luba-basa، عند مجموعة أُرومو الرعوية. كما يجوز للضيف ما لا يجوز لغيره، فلا يُؤاخذ بشيءٍ من العادات والمحظورات القَبَلية، ولا تُردُّ وساطَتُهُ في المصالحات والمنازعات والشفاعات. نجد تعبيراً عن تلك العادات في بعض الأمثال الشعبية، ففي الـمَثَل عند إيبو قولهم: obiara ije amaghi ebe al ruru، أي: «الضيف معذور». ومثله عند مانْدينْغ قولهم: lona nya kabo, nga a te yeli ke، أي: «للضيف عيونٌ كبيرة؛ لكنَّه أعمى».

وإذا صادَفَ قُدومُ ضيف ولادةَ طفلٍ في القرية، أو عند مُضيفه، فإن اسمه يُطلَق على المولود؛ تكريماً له، واعتقاداً أنه قد جلب الخير. وهناك أسماءٌ جاهزةٌ تُطلَق على المولود الذي تُصادفُ ولادتُهُ وجودَ ضيف، فيُطلق مثلاً عند مجموعات نانْدي Nandi على المولود الذَّكر kiptoo، وعلى الأنثى cheptoo، وعند إثنية كامْبا mueni، وغيكويو mugeni، ولِيو wendo[38].

الخلاصة هنا: أن عاداتٍ كثيرةً قد نشأت وتطورت في المجتمعات الإفريقية حول ثقافة الضيافة، تتراوح بين العناية الجماعية بالضيف، وبين العناية الفردية به؛ حيث تُخصَّص محاصيل زراعية ورؤوس حيوانية، ومنازل للضيوف، ويُخصُّ الضيف بأطيب ما لدى كل مجموعةٍ من أصناف الأطعمة، ويُشمَل بالكثير من صُوَر العناية المعنوية والنفسية، كإطلاق اسمه على المولود الذي يولدُ بحضرته، أو تخصيص أسماء جاهزة لهذا الغرض، وغير ذلك من صُوَر الاحتفاء بالضيف، وإشعاره بقمَّة الاحترام.

الضيافة عند مجموعات غيكويو:

غيكويو Gikuyu/Kikuyu هي المجموعة الإثنية القاطنة بالمناطق السهلية لجبال كينيا، وتُمثِّل أغلبية إثنية بجمهورية كينيا الحديثة (20%)، وهي جماعة رعوية في الغالب[39]. تتميز غيكويو في مجال الضيافة والكرم بعُمق هذه القيمة؛ حيث تقومُ غيكويو على خمس قيَمٍ أساسية، هي: الأمانة Wĩhokeku، والكرم ũtaana، والعدل kĩhooto، والشجاعة ũcamba، وضبط النفس wĩkindira[40]. فهذه الركائز الخمس هي التي تستحوِذُ على جميع مظاهر الحياة لدى غيكويو.

أما حُسن الضيافة تحديداً؛ فإنها ركيزةٌ مؤصَّلةٌ في ثقافة غيكويو، فكراً وممارسةً. ولعل الباحث Cagnolo لم يبالغ في قوله: «إن غيكويو يعبدون الضيافة»[41] The Gikuyu make a fetish of hospitality، وقد نتج عن ذلك نشوء فنٍّ دقيقٍ في الضيافة utugi بين غيكويو، بإجراءاتٍ وطقوسٍ محدَّدة لا يتقنها إلا الضالعون في ثقافة هذا الشعب.

توضيحاً لذلك؛ فإن الضيافة- عند غيكويو- لا تكتمل إلا بثلاثة ركائز: kuheeana، وهي المبادرة إلى الحفاوة بالضيف وخدمته، وترك أيّ شُغلٍ آخر، و kugagura، وهو تقديم أطيَب المأكل والمشرب للضيف مهما كلف ذلك، و mituki، وتتمثل في المبادرة وسرعة البديهة في معرفة حاجات الضيف التي قد يمنعه الحياء عن المطالبة بها.

بالإضافة إلى ذلك؛ فإن لدى غيكويو مصطلحاتٍ وتعبيراتٍ دقيقةً في الضيافة يصعُبُ ترجمتها بدقّةٍ إلى لغةٍ أخرى، منها: kunyiita ugeni، وهي طقوس الاحتفاء بالضيف والبشُّ في وجهه، ومنها mituki، وهي المبادرة والسرعة في خدمة الضيف، و miario miega، وهي طرق محادثة الضيف ومؤانسته بألفاظٍ جاهزة، ومنها itega، وهي طُرق تقديم القِرَى للضيف مع إشعاره بالاحترام البالغ[42]. ومن أمثال غيكويو قولهم: utaana ni mituki، أي: «الكرم المبادرة»، فالكريم يتمايز عن البخيل بمبادرته إلى القيام بواجب الكرم، أما البخيل فإنه يقوم به بعد مسألةٍ أو إلحاحٍ من ذي الحاجة المضطر.

الضيافة عند إثنية إيبو:

إيبو Igbo هي المجموعات الإثنية القاطنة في الجنوب الشرقي من نيجيريا، وهي زراعية بحُكم استيطانها بالمنطقة الغابية الممتدة من دلتا نهر النيجر[43]. والضيافة في منظور إيبو- مثل سائر الإثنيات الإفريقية- واجبٌ روحيٌّ، وحقٌّ اجتماعيٌّ؛ حيث يعتقدون أن الآلهة أو أرواح الأسلاف قد تظهر للبشر مُتقَمِّصةً صُوَر ضيوف، وذلك لاختبار مدى التزام الناس بالقِيَم والتقاليد، وبقدر عناية الناس بأولئك الضيوف يكون رضا الآلهة عنهم، ويكون جزاؤهُم في شكل حصادٍ جيد، أو وفرةٍ في المواشي، أو غير ذلك. وبالعكس؛ فإن نقمة تلك الأرواح إذا لم يعتنِ بهم الناس تكون شديدة[44].

بناءً على هذا الاعتقاد؛ فإن الضيف بمجتمع إيبو يحظى بعنايةٍ بالغة، وأول واجبٍ تجاه الضيف هو تقديم ماء الشرب له، وجوزة غُورو oji (كولا)، وهي ثمرةٌ ذات اعتبارٍ ثقافي كبيرٍ في مجتمعات غرب إفريقيا على الرغم من طعمها المُرّ[45].

وإيبو مثل إثنية غيكويو في الإنفاق على الضيف؛ إذ لا تبالي بكثرة ما يُقدَّم في الضيافة؛ ما دام الضيف يشعر بالرضا والأمان، ولديهم مَثَلٌ يُعبِّر عن هذه الرؤية، يقول المثل: onye nwere madu ka onye nwere ego، أي: «امتلاك البشر أفضَلُ من امتلاك الأموال»[46]، والطريق إلى امتلاك الإنسان هو الإحسان إليه كما يأتي ذلك وشيكاً في المثَل عند مانْدينْغ.

ولدى إيبو أعرافٌ كثيرةٌ مرتبطةٌ بالضيافة، منها مثلاً: أن الضيف إذا حلَّ بشخص وليس لديه في العاجل ما يَقْرِي به الضيف، كذبح دجاج أو تقديم طعام، فإن من واجبه أن يبادر بسؤال جاره، وفي حال غياب الجار؛ فإن للمضيف أن يتصرَّفَ في ممتلكات جاره بلا حرج.

هذا، وللشَّخص الكريم المضياف اعتبارٌ خاصٌّ في مجتمع إيبو يشمل ذويه وآل بيته. بالمقابل؛ فإن البخيل المُقصِّر في حقِّ الضيافة ممقوت، ولدى إيبو أوصافٌ وتعبيراتٌ اصطلاحية جاهزةٌ للتَّبرُّم من مثل هذا الشخص، منها Oribe enyeghi mmadu, Onye aka chichi، ومن شأنها أن تزيل عن الشخص اعتباراتٍ اجتماعية كثيرة، وأن تُلحِق به العار وبذويه[47].

الضيافة عند إثنية ماندينغ:

تُطلَق مانْدينْغ  Mande/Manding، على شريحةٍ واسعةٍ من المجموعات الإثنية بغربي إفريقيا، منها: بَمْبارا، وديولا، ومالينكي، وسونِنْكي، وصُوصُو، وتتركَّز في دول: غامبيا، ومالي، وغينيا، وكوت ديفوار، وبوركينا. وهي زراعية تجارية، وكان على يدها تأسيس إمبراطوريتَي غانة ومالي القديمتَين[48].

تشترك مانْدينْغ مع مثيلاتها من الشعوب البَانتُوِيّة بعُمق ثقافة الضيافة فيها، وتزيد بتأثير تلك الثقافة بالموروثِ الإسلامي؛ ذلك لطول احتكاك مانْدينْغ بالإسلام لفترةٍ تربو على ألف عام. ويظهر هذا العُمق– أوّلَ ما يظهر- في لفظة ja-tigi، أي: «مُضِيف»، ومدلولها، فهي تعني حرفياً: «مالك الخاطر»؛ حيث الجزء الأوّل من الكلمة يعني: روح، أو خاطر، والآخر يعني: صاحب، أو مالِك، فمدلُول هذه اللفظة هو: الذي يَجْبُر الخاطر، ويُحقِّق الأمان[49].

عليه؛ فإن الضيافة عند مانْدينْغ مسؤولية ومزيّة، فمن الفخر أن يصبح الفرد مضيفاً، فالطيور لا تقع إلا على السنابل الممتلئة كما يقول مانْدينْغ. والمُضيفُ مسؤولٌ عن ضيفه قلباً وقالباً، روحاً وجسداً، لذلك يتردَّد عند الشعراء «جالي» (القوَّالين) بين مانْدينْغ قولهم: «إن الكرماء كُثُر؛ لكنَّ جاتيغي قِلَّة»، أي الذي يُعطي ويُحسن العطاء. وتلك رؤيةٌ واضحةٌ في فنِّ الضيافة عندهم، يُشار إليها بالمصدر «ja-tigi-ya»[50].

هذا، وقد قامت الضيافة منذ القِدَم بعقد الكثير من الأحلاف بين عشائر مانْدينْغ، فهي عملية لا تتحدَّدُ بالفترة التي يقضيها الضيف عند مُضيفه ثم يرحل، وإنما تمتدُّ عبر الزمن لتتمخَّض عن علاقاتٍ اجتماعية، وروابط أخوية مستدامة، تشمل ذوي قرابة الضيف والمضيف جميعاً؛ لذلك لا نزال نرى مفعول الكثير من تلك العلاقات الضاربة في القِدَم فاعلاً ومؤثِّراً في الأحلاف بين عشائر مانْدينْغ المعاصرة؛ محقِّقاً للوئام والتناغم في المجتمع، فمن المحال مثلاً أن يرفض فردٌ وساطة فردٍ من عشيرةٍ أخرى هي حليفته بعلاقة «ضيف-مُضيف» مُبرَمة بين الأجداد، ولدى مانْدينْغ مثَلٌ يؤكد هذا الاعتبار؛ إذ يقولون: mògòladon bè mògò kè mògò ta ye.، أي: «بِحُسْن العناية؛ يغدُو الإنسانُ مِلْكاً للإنسان»، أو بتعبير المتنبي: «إذا أنتَ أكرمتَ الكريم مَلَكتَهُ».

أما التأثير الإسلامي في رؤيةِ مانْدينْغ لقيمة الكرم والضيافة؛ فمن مظاهره تحوير مانْدينْغ بعض المأثورات الإسلامية لتخصيب رؤيتها في الضيافة[51]، من ذلك مثلاً: زعْمُهم أن صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) اختلفوا في العلم والمال: أيهما أكبَرُ قدراً عند الناس؟، فأراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يُعلِّمهم، وكانوا في طريقهم إلى دار الهجرة، وعندما شارفوا المدينة؛ لبِسَ النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) ثوباً خَلِقاً أسْمال، وطلب من أصحابه أن يلبِسوا أجمل ثيابهم، وحين بلغوا المدينة؛ هُرِع الناسُ نحو صحابته يعرضون عليهم ضيافتَهم، وبينما النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) مُنْعزِلٌ بلا عَرْضٍ اقترَب منه رجلٌ أعمى فقيرٌ، هو «بالَنْصاري» (تحريف لاسم أبي أيوب الأنصاري)، ودعاه إلى بيته، ولم يكن معه من الطعام ما يكفي اثنين، فأطعم النبيَّ (صلى الله عليه وسلم)، وبات طاوياً مع زوجته، وقد كافأ النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) بالَنْصاري على معروفه بأن دعا اللهَ له؛ فردَّ إليه بصره، ودعا له ثانيَةً؛ فظلَّ حياتَهُ كلَّما مدَّ يده داخل خزينة حبوبه أخذَ منها ما اشتهى من الذُّرة أو الأرزِّ أو القمح أو غيرها[52]. فههنا تحويرٌ طريفٌ لعدَّة وقائع حقيقية في السيرة النبوية، مع تطعيمها بعناصر محلية، خاصَّةً أسطورة Ouende- السَّالفة الذِّكر في فقرة السَّرديات الشعبية.

هذا، ولا يزالُ مفعول هذا الزَّعم سارياً في رفع عشائر فوسَانا نَسَبَها إلى «بالَنْصاري»، وإطلاق لقب Kela-jatigiw، أي: «مضيفو النبي (صلى الله عليه وسلم) على أنفسهم»، وهو لقبٌ ذو مخزونٍ ديني كبير؛ يكسبهم مكانةً واعتباراً اجتماعياً فريداً بين عشائر مانْدينْغ.

يمكن الخلوص هنا إلى القول: إن مجتمعات إفريقيا التي تخيَّرنا منها ثلاثة نماذج في مناطق متباعدةٍ بإفريقيا: غيكويو، ويوروبا/إيبو، ومانْدينْغ، مجتمعاتٌ قد تركَّزت فيها ثقافة الكرم وحُسن الضيافة وتجذَّرت، وارتبطت بالحسِّ الديني والروحي؛ حيث تعتقد تلك المجتمعات ومثيلاتها: أن تقديم الضيافة على أحسن وجوهها إنما هو عنصرٌ ضروريٌّ لتحقيق إنسانية الإنسان ومروءته، كما أنه إرضاءٌ للآلهة والأسلاف، وأن القصورَ في هذا الواجب يجلب سخط الأسلاف ونقمة الآلهة. وبناءً على ذلك؛ فإن طقوساً دقيقة، وإجراءاتٍ معقدةً قد تبلورت حول الضيافة في كل مجتمعٍ إفريقي، وتزيد المجموعات الأكثر تأثُّراً بالإسلام أو بغيره من الأديان الكبرى، باقتراض رموز تلك الأديان إلى ثقافتها المحلية؛ من أجل تخصيب رؤاها ومفهوماتها حول الكرم والضيافة، وتلك حال مجموعات مانْدينْغ.

موقع ثقافة الضيافة في الحاضر الإفريقي:

انطلاقاً من كل ما سبق، عن تجذُّر ثقافة الكرم وحسن الضيافة في المجتمعات الإفريقية، فإن الذي يُقلقُ المتأمّلَ في واقع المجتمعات الإفريقية هو التحوُّل المتسارع الحاصل في هذه الثقافة، وذلك بتأثير عوامل كثيرة: من عولمة، وطغيان نزعة الحياة المادية، وأخلاق المدينة، والتأثيرات الجذرية في رؤية العالَم الإفريقية، فما جدوى ثقافة الكرم والتشارُك وحسن الضيافة، والاستعداد للعطاء غير المشروط، وغير ذلك من القيَم التي فعلت فِعْلَها يوماً ما في تضامُن المجتمع الإفريقي وتناغُم شعوب القارة؟!.

في هذا الإطار؛ يتخذ بعض الباحثين موقفاً رافضاً لقيمة الكرم وحُسن الضيافة؛ حيث يرَون أن حقائق الحاضر قد تجاوزت تلك القِيَم وطقوسها، فالباحث كيبرابْ يصف الضيافة بأنها قد أصبحت «قطعة أثرية» a museum piece في متحف التاريخ[53]. عليه؛ فإن مشكلات اللجوء بإفريقيا، وغيرها من مشكلات القارة، ينبغي أن تُعالَج- في رأي أولئك- بأساليب وأدواتٍ جديدة، وهنا يركِّزون على بُعد المسافة بين الشخصية الإفريقية الأصيلة والشخصية المعاصرة.

هذا، ومما يحتجُّ به الرافضون: واقعُ المجتمعات الإفريقية- الحضرية خاصَّةً، إذ هي بعيدةٌ عن قِيَم الضيافة، فالإفريقي مضطهدٌ منبوذٌ في الدولة القُطرية المجاورة له في معظم الأحيان، وقد تؤدِّي خلافاتٌ فردية عابرةٌ بين فردَين، أحدُهما مُواطنٌ وآخر ينتمي إلى دولة إفريقية أخرى، إلى استنفارٍ جماعي، يُستولَى فيه على ممتلكات المهاجرين الأبرياء، وتُخرَّبُ بيوتُهم، ويُقتلون أحياناً.

بالإضافة إلى ذلك؛ يرى أولئك أن كرم الضيافة قد كلَّفت القارة في الماضي الكثير من حريّتها، وخيراتها، وملايين أبنائها في شكل تجارة الرقيق؛ إذ استغلت القوى الإمبريالية طيبة الأفارقة للاستيلاء عليهم.

على نقيض الفريق الرافض؛ يرى فريقٌ يمثِّل الأكثرية: أن حُسن الضيافة، وغيره من القِيَم الإنسانية النبيلة، لا غنًى عنها في أيّ عصرٍ من العصور، وتحت أيّ ظرفٍ من الظروف، ويزيدون: إن الإشكال ليس في تلك القيَم التي توصَفُ بأنها قديمة، وإنما في طُرق توظيفنا لها. إن هذه قِيَمٌ اجتماعية ثقافية وضعها- ويطبقها- بشرٌ لا ملائكة، لذلك ليس مستغرباً أن تكتنفها بعض أوجُه القصور، وأن توظفها بعض النفوس الضعيفة توظيفاً نفعياً أنانياً، ومهمّة الإنسان المعاصر هي حُسن توجيه تلك القِيَم، وتوظيفها توظيفاً مناسباً لظروفه، وواقع الحياة وحقائقها[54].

هذا، ومما يستشهد به هذا الفريق المؤيد لإعادة الاعتبار لقِيَم الضيافة بإفريقيا الحديثة: أنها قد اضطلعت بمهمَّة كبيرةٍ في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حين تأجَّجت نيران حركات التحرُّر الشعبية من ربقة الاستعمار، وفي تلك الظروف عاد الوعيُ التضامني بقوة، وظهر فكر البان أفريكانيزم؛ فبادرَت المجموعات في الدول الإفريقية الفتية إلى مساندة تلك الحركات، وإلى فتح كثيرٍ من الدول الإفريقية حدودها للاجئين النازحين، والفارين من القوى الاستعمارية الغاشمة، حاملين في ذلك أعباءً اقتصادية واجتماعية وسياسية كثيرة، وتوَّج الاتحاد الإفريقي African Union، عام 1969م، هذه المبادرة الشعبية والوطنية بتوقيع معاهدة بين دول الاتحاد OAU Refugee Convention، تُوجب توفير الضيافة والحماية لكل لاجئٍ بإفريقيا، وقد أطلق بعض الباحثين على تلك الفترة: العصر الذهبي للُّجوء بإفريقيا The Golden age of asylum[55].

أما ما يُلوِّح به الرافضون من طغيانٍ لنزعة الأنانية ومواقف العنصرية من لدن الأفارقة بعضهم نحو بعض؛ فإن المؤيدين يرون أن قيمة الضيافة، وغيرها من قِيَم الأُخوَّة وحُبّ الخير، ما جاءت إلا للحدِّ من تلك الآفات. إن حُسن الضيافة- مثلاً- لا يعني بسط الخير للأباعد فحسب، وإنما هو عملية تبدأ من المحيط الضيّق من الأقارب والجيران قبل الأباعد، ولا يمكنُ أن يكون الأفرادُ ذوي تقبُّل للغرباء وحفاوةٍ بهم؛ وهم فيما بين أنفسهم بعضهم رافضون بعضاً، شحيحون على أنفسهم. إن حُسن الضيافة ما هو إلا امتدادٌ للوئام والتناغم المحلي في المجتمع، وتلك معادلةٌ شحيحةُ الوجود في كثيرٍ من المجتمعات الإفريقية الحديثة المتمزقة بين المشارب السياسية.

أخيراً:

مهما يكن من موقفٍ حيال الضيافة في إفريقيا؛ فإن الدراسات في هذا الموضوع ينبغي أن تُكثَّف، وأن تتركَّز في المجال الثقافي الاجتماعي للضيافة، وهو المجال المعني بالسياقات الاجتماعية التي تتمُّ فيها إجراءاتٌ معيَّنة من طقوس الضيافة، وهو ما حاولت هذه الورقة في ضوئه النظر في الضيافة بإفريقيا. وإلى جانب هذا المجال يوجد المجال الشخصي، وتُعنى الدراسات في هذا الجانب برصد الحاجات النفسية والجسدية للضيف والمُضيف على السواء. والجانب الثالث الأخير لدراسات الضيافة هو المجال التجاري الاقتصادي، والعناية فيه بالعوائد المادية التي يجنيها المُضيف في النشاط الضيافي، وهذا المجال الأخير هو الذي يستحوذ على الاهتمام البحثي والرسمي، حتى إنه إذا ما أُطلقت الضيافة تبادَرَ إلى الذهن مفهومها التجاري، ولا شك أن هذا الجانب لا يمكن أن ينجح دون ربطه بالمجالَين الآخرَين، وبخاصَّةٍ المجال الثقافي الاجتماعي[56].

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M