من الدفاع السَّلبي إلى الدفاع النَّشِط: خيارات دول الخليج في الرد على الاعتداءات الإيرانية

  • عبر اعتداءاتها المتكررة على دول الخليج العربي، تُحاول إيران رَفْع كلفة الحرب الدائرة لتشمل كل دول المنطقة، بما يدفع هذه الدول إلى الضغط على الإدارة الأمريكية لوقف الحرب. لكن طهران بهذا التوجه تدفع نفسها إلى مزيدٍ من العزلة الإقليمية، في ظل تراجُع التعاطف الخليجي والعربي معها. 
  • ترى دول الخليج أن إيران ارتكبت خطأً استراتيجياً بالاعتداء عليها، وأن طهران تُخاطِر بتحويل المواجهة القائمة إلى حرب إقليمية واسعة دون اكتراث بالتداعيات الخطِرة لتوجهٍ كهذا على دول الجوار، وسيكون لهذا الخطأ تأثير في مستقبل العلاقات الخليجية مع النظام الإيراني في حال نجح في البقاء بعد انتهاء الحرب.
  • تتمسَّك دول الخليج حتى الآن باستراتيجية دفاعية تتوخى حماية أراضيها وسكانها عبر صدّ الهجمات الإيرانية، ولكن ذلك لا يعني أن دول الخليج في حال توسَّعت الهجمات الإيرانية وطال أمدها ستكتفي بالدفاع السَّلبي، إذ قد تلجأ إلى خيار الرَّد على العدوان الإيراني على أراضيها، والانتقال إلى الدفاع النَّشِط.

 

مع بدء الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران في 28 فبراير 2026، شنَّت إيران هجمات بالصواريخ الباليستية والجوالة والطائرات المسيرة على دول مجلس التعاون الخليجي الست. وبينما تدّعي طهران أن هذه الهجمات تستهدف القواعد والمصالح الأمريكية في هذه الدول، فإن الضربات الإيرانية في الحقيقة شملت مواقع وأعياناً مدنية، من مطارات وموانئ ومناطق صناعية ومنشآت للطاقة وناقلات نفط، إلى جانب فنادق ومبانٍ سكنية. وأدى إطلاق إيران أكثر من 1700 صاروخ ومسيرة على دول الخليج حتى الآن إلى مقتل بضعة أفراد، وإصابة المئات من المدنيين.

 

الأهداف الإيرانية وردود الفعل الخليجية

واضح أن هدف إيران من توسيع حلقة النار هو رَفْع كلفة الحرب لتشمل كل دول المنطقة، بما يدفع هذه الدول إلى الضغط على الإدارة الأمريكية لوقف الحرب على إيران، وهذا ما عبّر عنه ضمناً وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، حينما قال إنه “يجب على دول المنطقة ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة بسبب توجيهها ضربات لإيران”.

 

وقد أعربت دول الخليج عن إدانتها واستنكارها للاعتداءات الإيرانية على سيادتها وأراضيها، وهذا الاستنكار لم ينبع من كون الضربات الإيرانية انتهكت القانون الدولي ومبدأ حسن الجوار فحسب، بل أيضاً لكون إيران تنكَّرت لجهود دول الخليج الدبلوماسية لمنع وقوع هذه الحرب، إلى حد أنها وجهت ضرباتها إلى سلطنة عُمان التي قادت جهود الوساطة في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. كما اعتبر مسؤولون ومحللون خليجيون أن إيران بهذه الاعتداءات نكثَت التعهد الذي كان بينها وبين دول الخليج، والذي تضمن منع دول الخليج الولايات المتحدة من استخدام القواعد على أراضيها لشن هجمات على إيران، مقابل أن تمتنع الأخيرة عن استهداف أراضي الدول الخليجية. لذا شعرت دول الخليج بأنها تعرَّضت للغدر من قبل إيران، والأهم أن الاعتداءات الإيرانية أدت إلى تراجُع في التعاطف الخليجي مع إيران إثر تعرُّضها للهجمات الإسرائيلية-الأمريكية، وهذا ما دفع أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إلى القول في تدوينة عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، بأن “العدوان الإيراني على دول الخليج أخطأ العنوان وعزل إيران في لحظتها الحرجة”، وخاطَبَ المسؤولين الإيرانين بالقول: “حربكم ليست مع جيرانكم، وبهذا التصعيد تؤكدون رواية من يرى أن إيران مصدر الخطر الرئيسي للمنطقة، وأن برنامجها الصاروخي عنوانٌ دائم لعدم الاستقرار”.

 

تتمسك دول الخليج حتى الآن باستراتيجية دفاعية تتوخى حماية أراضيها وسكانها عبر صدّ الهجمات الإيرانية (أ.ف.ب)

 

لا شك في أن دول الخليج تخشى من تداعيات توسيع المواجهة بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة إلى حرب إقليمية واسعة، والتي لن تقتصر على التكاليف المالية والاقتصادية الناجمة عن الدمار الذي سيلحق بالبنية التحتية ومنشآت الطاقة وتراجع الأنشطة الاقتصادية، بل أيضاً احتمال جرّ دول الخليج إلى الانخراط في الحرب، الأمر الذي سيُضاعف من تبعاتها الأمنية والاقتصادية.

 

لذا، تتمسك دول الخليج حتى الآن باستراتيجية دفاعية تتوخى حماية أراضيها وسكانها عبر صدّ الهجمات الإيرانية، ولكن هذا لا يعني أن دول الخليج في حال توسَّعت الهجمات الإيرانية وطال أمدها ستكتفي بالدفاع السَّلبي، إذ قد تلجأ إلى “خيار الرد على العدوان الإيراني على أراضيها”، وفق البيان الصادر عن الاجتماع الاستثنائي (الافتراضي) للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في 1 مارس. كما حذَّر مسؤولون في بعض هذه الدول بشكل واضح من أن الاعتداءات الإيرانية “لن تمر دون رد“، بل إن مسؤولاً سعودياً أكد لوكالة “فرانس برس” أن “هجوماً إيرانياً منسقاً على منشآت نفطية سعودية قد يؤدي إلى رد عسكري من المملكة”. وفي هذا الصدد، تُطرح الاسئلة الآتية: هل ستتجه دول الخليج إلى الرد عسكرياً على الاعتداءات الإيرانية؟ ومتى قد تلجأ إلى هذا الخيار؟

 

الخيارات الخليجية ومحدداتها

من المهم التنبيه بداية إلى أن خيارات دول الخليج في الاستجابة لاعتداءات إيران على سيادتها وأراضيها، ترتبط بعاملين رئيسين، هما: المدى الزمني للحرب، ونطاق الاعتداءات الإيرانية وشدتها. ويمكن الحديث عن ثلاثة خيارات أمام دول الخليج لمواجهة الاعتداءات الإيرانية، كالآتي:

 

الأول، الاستمرار في الدفاع السَّلبي (Passive Defense)، عبر الاعتماد على أنظمة الدفاع الجوي الذاتية للتصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية. وقد تلتزم دول الخليج بهذا الخيار في حال راهنت على أن الحرب على إيران لن يطول أمدها، واستمر نجاح دول الخليج في التصدي لأغلب هذه الصواريخ والمسيرات، إلى جانب محدِّد مهم وهو عدم قدرة إيران على الاستمرار في الوتيرة نفسها من الهجمات بسبب اتساع نطاق الأهداف الإقليمية ومحدودية مخزونها من الصواريخ والمسيرات. والأهم أن هذا الخيار يضمن لدول الخليج تجنُّب ردود الفعل الانتقامية الإيرانية في حال قيامها بالرد عسكرياً على الهجمات الإيرانية.

 

الثاني، السَّماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد على الأراضي الخليجية وأجوائها لضرب إيران، فبعد أن بادرت إيران إلى شن هجمات على المصالح الحيوية في دول الخليج لم يعد هناك مبرر لاستمرار هذه الدول في قراراها بتقييد استخدام القواعد الأمريكية، وقد يشمل هذا الخيار أيضاً اللجوء إلى القدرات الدفاعية للحلفاء، وفي مقدمتهم الأوربيون، سيّما فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا، بحيث تطلب دول الخليج من هذه الدول نشر أنظمة الإنذار المبكرة والدفاع الجوي في أراضيها لحماية أصولها العسكرية (مثل القاعدة البحرية الفرنسية في أبوظبي، والقاعدة البريطانية في كلٍّ من البحرين وعُمان)، ومواطنيها المقيمين في الدول الخليجية، إلى جانب أن هناك مصلحة رئيسة لهذه الدول في استمرار تدفق النفط والغاز الخليجي وعدم زيادة أسعارهما بما يؤثر سلبياً في اقتصاداتها. ومما يدعم هذا الأمر البيان الذي صدر عن الترويكا الأوروبية (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) في 2 مارس، والذي أكَّدت فيه أنها ستتخذ خطوات للدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة، وكان لافتاً أن البيان نصّ على أن تلك الخطوات قد تشمل “تمكين اتخاذ إجراءات دفاعية ضرورية ومتناسبة لتدمير قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المُسيّرة من مصدره”، ما يعني أن هذه الدول قد تتجه إلى توجيه ضربات إلى مصادر إطلاق الصواريخ والمسيرات على الأراضي الإيرانية، ومن دون أن يعني ذلك الانضمام إلى العملية الأمريكية-الإسرائيلية بشكل رسمي.

 

الشرطة البحرينية تُطوِّق المنطقة المحيطة بفندق كراون بلازا المتضرر، عقب هجوم عسكري إيراني، في المنامة، 1 مارس 2026. (أ.ف.ب)

 

الثالث، الرَّد عسكرياً على الهجمات الإيرانية (Active Defense)، وذلك بأن تشن دول الخليج غارات جوية ضد منصات إطلاق الصواريخ البالستية ومواقع إطلاق الطائرات المسيرة على الأراضي الإيرانية. وقد تلجأ دول الخليج إلى مثل هذا الخيار في حال اتساع نطاق وشدّة الضربات الإيرانية على دول الخليج، ما يستدعي رداً حازماً من هذه الدول، ورسالة ردع مفادها أن دول الخليج لن تتسامح مع انتهاك سيادتها والاعتداء على أراضيها. ويدعم هذا الخيار أن دول الخليج تحظى بالشرعية وفق القانون الدولي للرد على الاعتداءات الإيرانية، كما تحظى بتأييد شعوبها لاتخاذ مثل هذه الخطوة. والأهم أن دول الخليج، سيّما الإمارات والسعودية، تمتلك سلاح جوٍّ متقدماً يمكّنها من شن مثل هذه الغارات. ويمكن اعتبار أن إسقاط قطر طائرتي “سوخوي 24” إيرانيتين انتهكتا الأجواء القطرية في 2 مارس مؤشراً على استعداد دول الخليج لهذا الخيار، كما يمكن استحضار سابقة في هذا الشأن (معركة خط فهد)، حين تصدَّت المقاتلات السعودية لطائرات إيرانية كانت متجهة للإغارة على المدن الشرقية في السعودية، وأسقطتها في أجواء مياه الخليج، وذلك في 5 يونيو 1984، في خضم الحرب الإيرانية-العراقية. إلا أن هذا الخيار له محدداته فلا يُتوقَّع أن تضيف الغارات الخليجية -إن حصلت- كثيراً إلى نتائج الضربات الأمريكية المكثفة، فأثرها سيكون رمزياً، كما أنَّه لا يُتوقع أن يكون هناك إجماع بين دول الخليج على مثل هذا الخيار، إلى جانب أن لهذا الخيار كُلفته، إذ إنَّه قد يؤدي إلى تكثيف الهجمات الإيرانية.

 

الاستنتاجات

تُواجه دول الخليج العربي الست خطر توسُّع الحرب إلى نطاق إقليمي أوسع، ما يخلق تهديدات كبيرة لأمنها واستقرارها فضلاً عن التحديات الاقتصادية، وهي لا تزال ترى تراهن على خفض التصعيد وعدم إطالة أمد الحرب، كما أنها قد تتجه إلى تعزيز قدراتها على صد هذه الهجمات من طريق الاستفادة من قدرات الحلفاء الأوربيين في هذا الشأن. ومن الواضح أن دول الخليج لا تستبعد خيار الانتقال إلى الدفاع النَّشِط عبر الرد على الهجمات الإيرانية بالمِثل، ومحاولة تعطيل هذه الهجمات قبل وصولها إلى الأجواء والأراضي الخليجية. وفي كل الأحوال، ترى دول الخليج أن إيران ارتكبت خطأً استراتيجياً بالاعتداء عليها، وأن هذا الخطأ سيكون له تأثير في مستقبل العلاقات مع النظام الإيراني في حال نجح في البقاء بعد انتهاء الحرب.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M