الإبطاء المحسوب: تداعيات حرب إيران على مسار حل القضية الكردية في تركيا

  • أسهمت المواجهة الإيرانية-الأمريكية في دفع الدولة التركية إلى إبطاء مسار حل القضية الكردية، إذ خشيت أنقرة من التوظيف الأمريكي-الإسرائيلي للقوى الكردية في الحرب أو من احتمال تمدُّد حزب العمال الكردستاني في الفراغ المفتوح داخل إيران، ونشوء فاعلين جدد على غرار ما جرى في العراق وسورية، فضلاً عن موجات نزوح جديدة.
  • تتمثل سياسة أنقرة الحالية تجاه مسار “تركيا خالية من الإرهاب” بتأجيل الإصلاحات وتغليب المنطق الأمني، في حين يخشى الطرف الكردي من أن يتحوّل الحذر التركي إلى مراوغة ومماطلة. ومع أن الحرب الإيرانية ليست العامل الوحيد المحدد لمصير هذا المسار، لكنها باتت المتغير الخارجي الأكثر تأثيراً في وتيرته واتجاهه وحدوده.
  • تعكس سياسة الحكومة التركية لإبطاء مسار “تركيا خالية من الإرهاب” عدة عوامل متشابكة: الغموض الإقليمي، والحاجة إلى التحقق الميداني من نزع أسلحة حزب العمال، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية المرتقبة صيف العام المقبل التي تجعل الحكومة تتعامل مع هذا المسار بمزيد من الحذر.
  • مع نجاح الوساطة الباكستانية، المدعومة تركياً، في تهدئة المواجهة الإيرانية-الأمريكية، يُتوقَّع بقاء مسار القضية الكردية في تركيا رهينَ “إصلاحات قانونية محدودة” بانتظار نتائج المفاوضات؛ إذ إن أي اهتزاز في استقرار النظام الإيراني مستقبلاً سيُعزز نفوذ الحركات الكردية، مما قد يدفع أنقرة لتعليق المسار والعودة مجدداً لمقاربة أمنية أكثر صرامة.

 

منذ أواخر عام 2024، أطلقت تركيا مساراً طموحاً لحلّ قضيتها الكردية، أَسمته “تركيا الخالية من الإرهاب”، يقوم على مطالبة حزب العمال الكردستاني (PKK) وجميع فصائله المرتبطة به بإلقاء السلاح. وارتبط مسار هذه العملية بدايةً بمستقبل الأكراد في سورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد) هناك، وبعد التوصل إلى تفاهمات مُرضية بين دمشق و”قسد”، ولكن ليس بشكل كامل من وجهة نظر أنقرة، اعتقد كثيرون أن مسار العملية في تركيا سيتسارع ويُفضي إلى حل. غير أن اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، أوجد تحدياً غير متوقعٍ أمام هذا المسار، ودفع الدولة إلى إبطاء خطاه من جديد. وتكشف قراءة التصريحات الصادرة عن أنقرة، إلى جانب التطورات الميدانية، أن هذا المسار لا يسير بثبات بل على نحو متموّج ومتعدد الطبقات.

 

أين وصل المسار قبل اندلاع الحرب الإيرانية؟

انطلق مسار “تركيا الخالية من الإرهاب” بمبادرة من دولت بهتشلي، رئيس حزب الحركة القومية الشريك في الائتلاف الحكومي، الذي أكد حينها ضرورة “تعزيز الجبهة الداخلية” وسط أجواء متوترة على وقع العمليات الإسرائيلية في غزة. وفي السابع والعشرين من فبراير 2025، طالب عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون في جزيرة إمرالي التركية، علناً بحلّ الحزب. وعقب ذلك، قدّمت لجنة برلمانية متعددة الأطراف في الثامن عشر من فبراير 2026 تقريرها المتعلق بالمسار. وقبيل اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير 2026، اتخذت العملية طابع الحد الأدنى من التوافق الوظيفي بين الحكومة والجهاز الأمني والأطراف الكردية.

 

وتقوم هذه التوافقات على ركيزتين متوازيتين: الأولى، بيان أوجلان في السابع والعشرين من فبراير 2026، الذي أعلن فيه الانتقال من مرحلة “العصيان السلبي” إلى مرحلة “البناء الإيجابي”، أي التحوّل نحو بناء نظام للتعايش السلمي والاندماج الديمقراطي في تركيا. والثانية، تقرير اللجنة البرلمانية الساعي إلى إرساء هذا الانتقال على أسس قانونية ودستورية.

 

تشترط الدولة التركية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني أولاً، ثم الإصلاح القانوني، دون أي مسار تفاوضي تقليدي (أرشيفية/شترستوك)

 

بيد أن اللجنة البرلمانية اختارت في تقريرها مصطلح “التكامل الاجتماعي” بديلاً من “الاندماج” فيما يتعلق بمستقبل مقاتلي حزب العمال الكردستاني، وهو ما يكشف أن أنقرة تضع حدوداً أيديولوجية صارمة للمسار. فالطرف الكردي يقرأ المسار باعتباره تحولاً سياسياً حقيقياً، بينما تُعرّفه الدولة على أنه عملية تطبيع منضبطة. وبشأن الترتيب الزمني، نصّ التقرير بوضوح على ضرورة أن تتحقق الدولة من نزع جميع أسلحة  حزب العمال الكردستاني قبل أي خطوة أخرى؛ إذ تشترط تركيا أولاً نزع السلاح، ثم الإصلاح القانوني، دون أي مسار تفاوضي تقليدي، وهي تركن إلى أن زعيم الحزب أوجلان يُقدِّم الدعم المطلوب للمسار.

 

وفيما يتعلق بالخطوات المرتقبة، كان يُنتظر أن يتمحور المسار حول ما بات يُعرف بـ”قانون الإطار” وهو تشريع يُعيد تعريف الوضع القانوني لأعضاء التنظيم، ويُفضي إلى تضييق مفهوم الإرهاب ليُخرج منه الأعمال غير العنيفة. وفي المقابل، يُطالِب الطرف الكردي بخطوات متزامنة مع نزع السلاح. وقد حدد تونجر باكرهان، الرئيس المشترك لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM) الكردي، في الحادي والعشرين من مارس 2026، ثلاثة مطالب رئيسة، هي: الاعتراف القانوني والدستوري بالهوية والحقوق الثقافية الكردية؛ والتفاوض الحقيقي لا مجرد الحوار الشكلي مع الدولة؛ والشراكة في الحكم على المستويين المحلي والوطني. وهذا التوتر القائم بين رؤية الدولة ورؤية الحركة الكردية يمثّل النقطة الأكثر هشاشة في المسار، لاسيما في خلال التصعيد الأخير بالمنطقة.

 

الحرب الإيرانية وإعادة تأطير مسار حل القضية الكردية

لا تعني الحرب الأمريكية/الإسرائيلية – الإيرانية لتركيا مجرد اضطراب في بلد جار، بل تشكّل لحظة جيوسياسية فارقة تتسارع فيها موازين القوى عبر الحدود. وقد تردّدت في البداية أنباء عن اهتمام أمريكي-إسرائيلي بتوظيف القوى الكردية المعارضة للنظام الإيراني في الحرب ضده، وهو ما صرّح به ترامب في وقت من الأوقات قبل أن يتراجع عنه لاحقاً. وتشير تقارير متعددة إلى أن الاعتراض التركي الحاسم كان عاملاً محورياً في هذا التراجع. ووصفت صحيفة “تركيا” المقربة من الحكومة موقف أردوغان في مكالمته مع ترامب بأنَّه كان صريحاً، وأنَّه حذَّره قائلاً: “رأيتم ما حدث في سورية. ما فعلناه هناك سنفعله هنا. لن نأبه بأي مسارات. عند أول خطوة تُشعل المنطقة، سيكون الرد حاضراً”.

 

وقد دفعت هذه المتغيرات أنقرة إلى إعادة تأطير مسار الحل؛ فبدلاً من معادلة “الإصلاح السياسي عقب نزع السلاح”، بات التوجه نحو تأجيل الإصلاحات وتغليب المنطق الأمني. حتى إن محمد أوتشوم، أحد مستشاري أردوغان والمؤثر في صياغة خطاب المسار، أقرّ بأن الحرب في إيران تُولّد مخاطر على هدف “المنطقة الخالية من الإرهاب”، مُشيراً في الوقت ذاته إلى أن الإطار الإثني للمطالب الكردية مرفوض.

 

وتواجه تركيا مخاوف مضاعفة تتمثل في احتمال تمدُّد حزب العمال الكردستاني في الفراغ المفتوح داخل إيران، ونشوء فاعلين جدد على غرار ما جرى في العراق وسورية، فضلاً عن موجات نزوح جديدة. وهكذا تحول مسار الحل في نظر أنقرة من مشروع سلام إلى عملية إدارة مخاطر.

 

تخشى أنقرة من احتمال استغلال حزب العمال الكردستاني الحرب الإيرانية للتمدُّد في الفراغ المفتوح الناشئ داخل إيران (أرشيفية/شترستوك)

 

حسابات حزب العمال الكردستاني والأكراد في إيران

وفقاً لتقارير الأجهزة الأمنية التركية، تباطأ حزب العمال الكردستاني في تسليم أسلحته منذ اندلاع الحرب على إيران. فمناطق بأكملها مثل هاكورك وقابار وقنديل (في المثلث الحدودي التركي-العراقي-الإيراني) كان يُفترض أن تُخلَى منذ وقت، إلا أن العملية توقفت. ويرى الجانب الأمني التركي أن حزب العمال الكردستاني يتطلع إلى إيران باعتبارها “مُتنفَّساً” ومساحةً للفرص الاستراتيجية.

 

وتستشرف الحرب الإيرانية، وما نتج عنها من تداعيات، بالنسبة للتنظيم ثلاث فرص محتملة:

1. العمق الجغرافي؛ أي تحوّل كردستان إيران إلى ساحة عمليات جديدة.

2. الدعم الدولي: احتمال توظيف الأكراد في الاستراتيجيات الأمريكية-الإسرائيلية المناهضة لإيران.

3. كسب الشرعية: تعزيز دورحزب العمال الكردستاني  بوصفها فاعلاً إقليمياً.

 

لذلك، يُرجَّح أن التنظيم يُؤْثر حالياً “الغموض الاستراتيجي” على “الحل الشامل”. غير أن أوجلان، في رسالة أوصلها عبر نواب حزب المساواة وديمقراطية الشعوب في السابع والعشرين من مارس، طالب بتسريع المسار في ضوء الحرب على إيران، قائلاً: “ثمة مخططات هيمنة عميقة تُحاك للشرق الأوسط. والحرب في إيران أثبتت من جديد صواب المسار الذي نسير فيه في تركيا وأهميته”.

 

التوقيت والسياسة الداخلية: الإبطاء المدروس

تعكس سياسة الحكومة التركية لإبطاء مسار “تركيا خالية من الإرهاب” عدة عوامل متشابكة: الغموض الإقليمي، والحاجة إلى التحقق الميداني من نزع الأسلحة، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية المرتقبة صيف العام المقبل التي تجعل الحكومة تتعامل مع المسار بمزيد من الحذر. حتى إن دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية والمهندس الرئيس للمسار، دعا في الرابع والعشرين من مارس إلى التأني، قائلاً: “لا معنى لخنق المسار والتسرع فيه وإثارة الجدل حوله. انطلقنا، وسنصل إن شاء الله”. وفي المقابل، يخشى الطرف الكردي أن يتحوّل هذا الحذر إلى مراوغة ومماطلة.

 

وفي المحصلة، كشفت الحرب على إيران عن التناقض الجوهري في المسار؛ فالدولة تنظر إليه باعتباره إعادة ترتيب للداخل التركي، بينما يراه الأكراد مساراً لنيل حقوق إثنية حقيقية. وغدا كل طرف منتظراً أن يبادر الآخر بالخطوة الأولى.

 

يسعى الرئيس أردوغان لربط مسار المصالحة مع الأكراد بضمان الحصول على دعم كبير في البرلمان لتعديل الدستور أو كتابة دستور جديد (أ.ف.ب)

 

ويضاف إلى ما سبق، حسابات الرئيس رجب طيب أردوغان السياسية الشخصية فيما يتعلق بمسار المصالحة مع الأكراد، فهو يعدّ هذا المشروع وما قد يتضمنه من تعديلات دستورية، مفتاحاً لكتابة دستور جديد لتركيا، ومع الدستور الجديد يسعى لضمان ترشحه للرئاسة من جديد، وهو الأمر الذي يمنعه الدستور الحالي إلا في حال الانتخابات المبكرة. لذا فإن الرئيس أردوغان يسعى لربط مسار المصالحة بضمان الحصول على دعم كبير في البرلمان لتعديل الدستور أو كتابة دستور جديد.

 

كما أن تركيا تشهد حالياً ما يصفه بعض المراقبين الأتراك والتقارير الدولية بمسار “توريث الحكم”، مع تقدُّم الرئيس أردوغان في السِّن ومرضه، إذ زاد ظهور نجله بلال أردوغان في المحافل السياسية والاجتماعية، وهناك جيش إعلامي وإلكتروني يدعم فكرة وصول بلال إلى الحكم، وهذا المسار أيضاً يحتاج إلى استغلال فرصة الحل السلمي مع الأكراد ليكون مفتاحاً لتحقيق طموحات الرئيس أردوغان الشخصية والعائلية، وهو أمرٌ يحتاج -أولاً- إلى تهدئة الشكوك في الشارع التركي تجاه نتائج هذا المسار، والتأكيد أنَّه لن ينتهي بمسار مشابه لما حصل في العراق من فدرالية كردية أو حقوق إثنية للأكراد في الدستور، ويتطلب -ثانياً- من الرئيس أردوغان المزيد من الضغط على حزب المساواة والديمقراطية الكردي لكي يخفف من مطالبه ويقبل بما تطرحه الحكومة، وهو يراهن على دعم عبدالله أوجلان لهذا الأمر.

 

ويمكن اعتبار تباطؤ الحكومة في اتخاذ خطوات عملية في مسار الحل السياسي للقضية الكردية نوعاً من الضغط على الحزب الكردي، بالإضافة إلى الأسباب المشروحة أعلاه.

 

استنتاجات

لم تُوقف الحرب على إيران مسار “تركيا الخالية من الإرهاب”، لكنها أبطأته وأعادت تشكيله. فلم يعد المسار مجرد ملف إصلاح داخلي، بل تحوّل إلى استراتيجية أمنية متشابكة مع موازين القوى الإقليمية.

 

ومع أن الحرب على إيران ليست العامل الوحيد المحدد لمصير هذا المسار، لكنها باتت المتغير الخارجي الأكثر تأثيراً في وتيرته واتجاهه وحدوده. ومع نجاح الوساطة الباكستانية، المسنودة تركياً، بإقناع الولايات المتحدة وإيران بإعلان وقف لإطلاق النار في 8 أبريل، ولمدة أسبوعين تجري في خلالهما مفاوضات للتوصل إلى اتفاق شامل ودائم، فإنّ من المتوقع أن يظل مسار حل القضية الكردية في تركيا بطيئاً مع استمرار محدود في إجراء تعديلات قانونية ضيقة. وفي حال كان من تداعيات المواجهة الإيرانية-الأمريكية/الإسرائيلية تداعي النظام الإيراني في المرحلة التالية لوقف الحرب، فإن الحركات الكردية ستكتسب قوة أكبر، ما قد يؤدي إلى تعليق المسار وعودة تركيا إلى سياسات أمنية أكثر صرامة.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M