المستخلص
أحدثت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران تحولًا مهمًا في البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، كما أثارت تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام السياسي الإيراني وطبيعة مراكز القوة داخله. فعلى الرغم من الخسائر العسكرية والاقتصادية التي تكبدتها إيران، فإن الحرب لم تؤد إلى انهيار النظام أو تفكك مؤسساته كاملاً، بل ساهمت في إعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين الرئيسيين داخل الدولة. وفي هذا السياق برز الحرس الثوري بوصفه المؤسسة الأكثر قدرة على إدارة الأزمة وضمان استمرارية النظام، في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية بعد مقتل معظم القيادات العليا في النظام الإيراني، الأمر الذي دفع العديد من الباحثين إلى الحديث عن مرحلة جديدة تتعاظم فيها مكانة المؤسسة العسكرية والأمنية في مقابل تراجع نسبي لدور المؤسسات المدنية.
تهدف الدراسة إلى استكشاف التحولات البنيوية التي أفرزتها الحرب الأمريكية–الإسرائيلية داخل منظومة الحكم الإيرانية، من خلال تحليل إعادة توزيع النفوذ بين المؤسسات الدينية والعسكرية، وتقييم فرص صعود الحرس الثوري بوصفه الفاعل الأكثر تأثيرًا في صنع القرار الاستراتيجي. كما تسعى إلى استشراف تداعيات هذه التحولات على مستقبل النظام السياسي الإيراني وانعكاساتها على التوازنات الجيوسياسية والأمنية في الشرق الأوسط، لاسيما في دول الخليج العربي ومصر وإسرائيل.
مقدمة
تمثل الحروب الكبرى في تاريخ الدول لحظات فارقة تعيد تشكيل النخب السياسية والمؤسسات الحاكمة. وقد كشفت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران عن مجموعة من المتغيرات التي قد تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل الجمهورية الإسلامية. فبينما ركزت التحليلات الغربية والإقليمية على حجم الخسائر العسكرية التي تعرضت لها إيران، برزت أهمية دراسة التحولات الداخلية التي أفرزتها الحرب داخل بنية النظام السياسي نفسه.
لقد قامت الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979 على توازن معقد بين المؤسسة الدينية والمؤسسات الجمهورية والحرس الثوري. إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت أن المؤسسة الأكثر قدرة على إدارة الأزمات هي المؤسسة الأمنية والعسكرية، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: هل تتجه إيران نحو مرحلة يصبح فيها الحرس الثوري الفاعل الأكثر تأثيرًا في عملية صنع القرار السياسي والاستراتيجي؟
وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الحرب لم تؤد إلى تغيير النظام الإيراني، لكنها ساهمت في إعادة تشكيل موازين القوى داخله لصالح الحرس الثوري، بما قد يفضي إلى ظهور نموذج جديد من الحكم يمكن وصفه بـ”الجمهورية الإسلامية الأمنية”.
أولاً: الإطار النظري للدراسة
تعتمد الدراسة على ثلاثة مداخل نظرية رئيسية.
1– نظرية النخبة الحاكمة
ترى نظرية النخبة الحاكمة أن السلطة الفعلية داخل الدول تتركز في يد مجموعات محدودة تمتلك أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري. وقد أشار فيلفريدو باريتو وغايتانو موسكا إلى أن النخب لا تختفي وإنما يعاد إنتاجها بصورة مستمرة داخل النظام السياسي ([1]).
وتساعد هذه النظرية على فهم التحولات الجارية داخل إيران، حيث يبدو أن مركز الثقل يتحرك تدريجيًا نحو النخبة الأمنية والعسكرية.
2-نظرية الدولة العميقة
تشير هذه النظرية إلى وجود مؤسسات قادرة على التأثير في القرار السياسي بغض النظر عن تغير الحكومات أو المسؤولين. وفي الحالة الإيرانية تتمثل هذه المؤسسات في الحرس الثوري والأجهزة الأمنية ومجلس صيانة الدستور والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة بمكتب المرشد ([2]).
3– نظرية الأمننة
تفترض نظرية الأمننة أن النخب السياسية قد تحول القضايا السياسية إلى قضايا أمن قومي بما يسمح باتخاذ إجراءات استثنائية. وقد ساهمت الحرب في تعزيز هذا الاتجاه داخل إيران، حيث أصبحت الاعتبارات الأمنية أكثر حضورًا في عملية صنع
القرار ([3]).
ثانياً: طبيعة النظام السياسي الإيراني قبل الحرب
يتميز النظام السياسي الإيراني ببنية تجمع بين الشرعية الدينية والمؤسسات الجمهورية المنتخبة، حيث يقوم على مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنح المرشد الأعلى موقع السلطة العليا في الدولة، إلى جانب وجود مؤسسات تنفيذية وتشريعية منتخبة تعمل ضمن الإطار الدستوري للجمهورية الإسلامية. وقد أوجد هذا النموذج توازناً خاصاً بين المرجعية الدينية وآليات المشاركة السياسية منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979م ([4]).
وفي هذا السياق، برز الحرس الثوري الإيراني كأحد الركائز الأساسية للنظام، إذ تأسس لحماية الثورة ومكتسباتها، ثم تطور تدريجياً إلى مؤسسة ذات أدوار أمنية وسياسية واقتصادية واسعة. وساهمت الحرب العراقية–الإيرانية، ثم العقوبات الدولية والتحديات الإقليمية اللاحقة، في تعزيز مكانته داخل الدولة وتوسيع نفوذه في الملفات المرتبطة بالأمن القومي والسياسة
الخارجية ([5]).
وقبيل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية، كان الحرس الثوري قد رسّخ موقعه باعتباره أحد أهم مراكز القوة داخل الجمهورية الإسلامية، مستنداً إلى نفوذه العسكري وشبكاته الاقتصادية وعلاقاته المؤسسية، الأمر الذي جعله شريكاً رئيسياً للمؤسسة الدينية في إدارة الدولة وتوجيه سياساتها الاستراتيجية.
ثالثاً: الحرب وإعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام الإيراني
شكّلت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران محطة مهمة في إعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام السياسي الإيراني، إذ تجاوزت تداعياتها الجانب العسكري لتؤثر في توزيع النفوذ بين مؤسسات الدولة. فمع تصاعد التهديدات الخارجية، تعزز دور المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، بوصفها الجهات الأكثر قدرة على إدارة الأزمات وحماية الأمن القومي، الأمر الذي منحها نفوذاً متزايداً في عملية صنع القرار ([6]).
وفي المقابل، تراجع الوزن النسبي للمؤسسات المدنية والتنفيذية، مع اتساع حضور المقاربة الأمنية في إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. كما أسهمت الحرب في تعزيز الخطاب القومي داخل المجتمع الإيراني من خلال تصوير المواجهة باعتبارها دفاعاً عن الدولة وسيادتها، وهو ما دعم التماسك الداخلي وعزز شرعية المؤسسات الأمنية.
وعلى هذا الأساس، أعادت الحرب ترتيب أولويات الدولة الإيرانية لصالح اعتبارات الأمن القومي والردع الاستراتيجي، بما أدى إلى ترسيخ دور المؤسسات الأمنية في رسم السياسات العامة، وعكس اتجاهاً متزايداً نحو أمننة عملية صنع القرار داخل الجمهورية الإسلامية.
وعليه، يمكن القول إن الحرب لم تؤد إلى تغيير طبيعة النظام السياسي الإيراني أو إحداث قطيعة مع بنيته المؤسسية القائمة، لكنها ساهمت في إعادة تشكيل موازين القوة داخله بصورة عززت مكانة الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية، وجعلتها أكثر حضورًا وتأثيرًا في إدارة شؤون الدولة وتحديد توجهاتها الاستراتيجية خلال المرحلة المقبلة.
رابعاً: الحرس الثوري من حارس للثورة إلى مركز ثقل استراتيجي
شهد الحرس الثوري الإيراني منذ تأسيسه عام 1979 تحولاً تدريجياً من قوة أُنشئت لحماية الثورة والنظام السياسي إلى مؤسسة استراتيجية متعددة الأدوار تمثل أحد أهم مراكز النفوذ داخل الجمهورية الإسلامية. وقد ساهمت الحرب العراقية–الإيرانية والعقوبات الدولية والتوترات الإقليمية المتلاحقة في توسيع نطاق نفوذه وتعزيز مكانته داخل بنية الدولة.
فعلى المستوى العسكري، أصبح الحرس الثوري الركيزة الأساسية لمنظومة الردع الإيرانية من خلال إشرافه على القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والعمليات الخارجية، بينما امتد نفوذه إلى المجال الاقتصادي عبر شبكة واسعة من المؤسسات والشركات العاملة في قطاعات حيوية. كما تزايد حضوره السياسي من خلال شغل شخصيات مرتبطة به مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي جعله شريكاً رئيسياً في صياغة السياسات المرتبطة بالأمن القومي والسياسة الخارجية ([7]).
ومع تصاعد التحديات الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية، تبدو مكانة الحرس الثوري مرشحة لمزيد من التعاظم، بما يعزز دوره كمركز ثقل استراتيجي لا يقتصر على حماية النظام، بل يمتد إلى المساهمة في إدارة الدولة وتوجيه خياراتها السياسية والأمنية والاقتصادية.
خامساً: مستقبل ولاية الفقيه وعملية انتقال السلطة
تمثل قضية الخلافة السياسية في إيران أحد أكثر الملفات حساسية داخل النظام السياسي، لارتباطها بموقع المرشد الأعلى باعتباره أعلى سلطة دينية وسياسية في الدولة. وقد اكتسب هذا الملف أهمية متزايدة في مرحلة ما بعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية، مع تصاعد التساؤلات بشأن مستقبل القيادة الإيرانية وآليات انتقال السلطة خلال السنوات المقبلة.
ورغم أن الدستور الإيراني يمنح مجلس خبراء القيادة صلاحية اختيار المرشد الأعلى، فإن عملية الخلافة تخضع في الواقع لتوازنات سياسية وأمنية ومؤسسية معقدة. وفي هذا السياق، برزت تكهنات حول أدوار محتملة لبعض الشخصيات المقربة من مركز السلطة، إلا أن حسم هذا الملف سيظل مرتبطًا بتوافقات النخبة الحاكمة وموازين القوة داخل الدولة أكثر من ارتباطه باعتبارات شخصية أو وراثية ([8]).
ومن المرجح أن يؤدي الحرس الثوري دورًا محوريًا في إدارة مرحلة الانتقال السياسي، بحكم نفوذه المتنامي داخل مؤسسات الدولة. ومع ذلك، لا تبدو المؤسسة الأمنية معنية بإزاحة ولاية الفقيه بقدر سعيها إلى الحفاظ على استقرار النظام من خلال إعادة ضبط العلاقة بين الشرعية الدينية والقوة الأمنية، بما يضمن استمرارية النظام وقدرته على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر واقعية يشير إلى أن الحرس الثوري لن يسعى إلى إزاحة مؤسسة ولاية الفقيه، بل إلى إعادة ضبط التوازن بينها وبين المؤسسة الأمنية، بما يضمن استمرار النظام واستقراره. ومن ثم، فإن مستقبل السلطة في إيران يبدو مرهونًا بقدرة النخبة الحاكمة على إدارة توازن دقيق بين الشرعية الدينية من جهة، والقوة الأمنية–العسكرية من جهة أخرى، وهو ما يعزز الاتجاه نحو نموذج حكم يقوم على الشراكة غير المتكافئة بين المؤسستين.
سادساً: الحرس الثوري وإعادة إنتاج النخبة الحاكمة
تمثل مرحلة ما بعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية تحديًا مهمًا لقدرة النظام الإيراني على الحفاظ على تماسكه المؤسسي وإدارة أي ترتيبات مستقبلية للسلطة. وفي هذا السياق، يبرز الحرس الثوري بوصفه أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا داخل النظام، بعد أن تطور من مؤسسة عسكرية معنية بحماية الثورة إلى قوة تمتلك نفوذًا واسعًا في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وقد ساهمت العقوبات الدولية والتحديات الإقليمية المتعاقبة في تعزيز مكانة الحرس الثوري داخل بنية الدولة، بما جعله طرفًا رئيسيًا في صياغة التوجهات الاستراتيجية للنظام. ومع تزايد أهمية المؤسسات الأمنية في أوقات التحول السياسي، تتعاظم قدرة الحرس الثوري على التأثير في إعادة توزيع مراكز القوة وإدارة التوافقات بين النخب الحاكمة ([9]).
ومن ثم، لا يقتصر دور الحرس الثوري على تنفيذ السياسات، بل يمتد إلى المساهمة في إعادة إنتاج النخبة السياسية والحفاظ على استمرارية النظام، الأمر الذي يجعل موقعه داخل معادلة السلطة عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل التوازنات السياسية الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.
الجمهورية الإسلامية الأمنية: إعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام الإيراني
أفرزت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران تحولات مهمة في بنية النظام السياسي الإيراني، دفعت بعض الباحثين إلى الحديث عن نموذج “الجمهورية الإسلامية الأمنية” بوصفه إطارًا تفسيرياً للمرحلة الراهنة. ويشير هذا المفهوم إلى تنامي دور المؤسسات الأمنية والعسكرية في عملية صنع القرار دون أن يعني ذلك تحول إيران إلى نظام عسكري مباشر، بل إعادة توزيع موازين القوة داخل النظام لصالح الفاعلين الأمنيين.
وفي ظل التحديات الأمنية المتزايدة والضغوط الخارجية، اتجهت الدولة الإيرانية إلى تعزيز أدوات القوة الصلبة والردع العسكري باعتبارها ركائز أساسية لحماية النظام وضمان الأمن القومي. ورغم استمرار مبدأ ولاية الفقيه بوصفه المصدر الأعلى للشرعية السياسية، برز الحرس الثوري كفاعل محوري في إدارة الملفات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي والسياسة الخارجية، مستفيدًا من نفوذه العسكري والاقتصادي المتنامي ([10]).
كما انعكس هذا التوجه على المجال الاقتصادي من خلال زيادة دور المؤسسات المرتبطة بالمنظومة الأمنية في إدارة القطاعات الحيوية ومواجهة تداعيات العقوبات والأزمات. وعليه، فإن مفهوم “الجمهورية الإسلامية الأمنية” لا يعبر عن قطيعة مع النظام القائم، بقدر ما يعكس عملية إعادة تشكيل داخلية تتزايد فيها مركزية الاعتبارات الأمنية في صنع القرار، وهو اتجاه مرشح للاستمرار في ظل استمرار التوترات الإقليمية والدولية.
ثامناً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل إيران (2026–2035)
يمكن تحليل مستقبل النظام السياسي الإيراني خلال العقد القادم من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تعكس طبيعة التفاعلات بين مؤسسات الدولة، وعلى رأسها مؤسسة ولاية الفقيه والحرس الثوري، في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
السيناريو الأول: الشراكة الاستراتيجية بين ولاية الفقيه والحرس الثوري
يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا وفق المعطيات الحالية، إذ يقوم على استمرار البنية السياسية القائمة مع تعزيز تدريجي لدور الحرس الثوري داخل منظومة الحكم. وفي هذا الإطار، يحتفظ المرشد الأعلى بموقعه بوصفه المرجعية الدينية والدستورية العليا، بينما يتوسع الحرس الثوري في إدارة الملفات الأمنية والاستراتيجية، بما في ذلك السياسة الإقليمية والدفاع والردع.
ويستند هذا السيناريو إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها حاجة النظام إلى الحفاظ على شرعيته الدينية كمصدر أساسي للاستقرار السياسي، إلى جانب رغبة الحرس الثوري في الاستفادة من النفوذ القائم دون الدخول في مسؤولية الحكم المباشر. كما يعزز من احتمالات هذا السيناريو استمرار التهديدات الخارجية، والحاجة إلى الحفاظ على وحدة النخبة الحاكمة وتماسكها في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية.
السيناريو الثاني: الجمهورية الإسلامية الأمنية
يفترض هذا السيناريو اتجاهاً تصاعدياً نحو تعميق الطابع الأمني للدولة، من خلال توسع أكبر لدور الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية داخل البنية السياسية والاقتصادية. وفي هذه الحالة، تتزايد مكانة الشخصيات ذات الخلفيات العسكرية والأمنية في مواقع صنع القرار، مع تراجع نسبي لدور المؤسسات المدنية التقليدية.
ورغم أن هذا السيناريو يظل ممكنًا في ضوء التحولات الجارية، إلا أنه قد يواجه تحديات داخلية تتعلق بإدارة التوازنات بين مراكز القوة المختلفة، فضلاً عن إشكالية الحفاظ على شرعية النظام في ظل اتساع الدور الأمني على حساب التعدد المؤسسي.
السيناريو الثالث: إعادة التوازن البراغماتي
يفترض هذا السيناريو نجاح التيارات البراغماتية والإصلاحية داخل النظام في استعادة جزء من دور المؤسسات المدنية، وإعادة التوازن بين الفاعلين السياسيين والأمنيين. وقد يتحقق ذلك في حال حدوث انفراجه نسبية في البيئة الإقليمية، أو نجاح إيران في تخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية.
ومع ذلك، تبدو فرص تحقق هذا السيناريو أقل مقارنة الأول والثاني، نظراً لطبيعة التهديدات الأمنية المستمرة، وتعاظم دور المؤسسات العسكرية في إدارة الملفات الاستراتيجية للدولة.
تاسعاً: انعكاسات صعود الحرس الثوري على الخليج العربي
من المتوقع أن تمتد آثار التحولات الجارية داخل بنية النظام السياسي الإيراني إلى البيئة الإقليمية الأوسع، وليس إلى الداخل الإيراني فقط. وفي هذا السياق، ستتعامل دول الخليج العربي مع تصاعد دور الحرس الثوري بوصفه مؤشرًا على استمرار النهج الإيراني القائم على سياسة الردع الإقليمي وتوسيع النفوذ الاستراتيجي في محيطه الجغرافي.
ويُرجّح أن ينعكس هذا الإدراك في مجموعة من الاتجاهات المتداخلة، من أبرزها: استمرار ارتفاع الإنفاق الدفاعي وتحديث القدرات العسكرية الخليجية، بما يتناسب مع مستوى التهديدات المتصورة. كما يتوقع تعزيز الشراكات الأمنية مع القوى الدولية الكبرى لضمان مظلة ردع خارجية داعمة لاستقرار المنطقة.
وفي السياق ذاته، يُنتظر توسيع نطاق التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول مجلس التعاون الخليجي، بما يعزز من قدرات التنسيق المشترك في مواجهة التحديات الإقليمية. كما يزداد التركيز على أمن الممرات البحرية الحيوية، خاصة في الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر، باعتبارها شرايين أساسية لحركة الطاقة والتجارة العالمية.
ورغم هذه الاتجاهات، من المرجح أن تستمر بعض الدول الخليجية في تبني مقاربة مزدوجة تقوم على الجمع بين بناء القدرات الردعية والحفاظ في الوقت ذاته على قنوات اتصال سياسية ودبلوماسية مع طهران، بهدف إدارة التوترات ومنع الانزلاق إلى مواجهات عسكرية مباشرة.
عاشراً: انعكاسات التحولات الإيرانية على مصر
تمثل مصر طرفًا إقليميًا محوريًا في معادلة التوازنات الشرق أوسطية، ومن ثم فإنها تتأثر بشكل مباشر بالتطورات المرتبطة بمستقبل النظام الإيراني وصعود الحرس الثوري. وتنطلق القاهرة في مقاربتها من اعتبار أن استقرار الإقليم شرط أساسي لحماية مصالحها الاستراتيجية، ولا سيما في منطقتي البحر الأحمر وقناة السويس اللتين تشكلان محورًا حيويًا للأمن القومي المصري وحركة التجارة العالمية.
وفي ضوء ذلك، يُتوقع أن تدفع التحولات داخل إيران السياسة المصرية نحو تعزيز التنسيق الأمني مع دول الخليج العربي، إلى جانب متابعة دقيقة لمجريات التوازنات الإقليمية المتغيرة، بما يسمح بإدارة المخاطر المحتملة قبل تحولها إلى تهديدات مباشرة.
كما ستسعى مصر إلى الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة، تقوم على تجنب الانخراط في الاستقطابات الحادة داخل الإقليم، مع الاستمرار في دعم الاستقرار الإقليمي باعتباره مصلحة استراتيجية عليا. وفي المقابل، فإن استمرار التوترات بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين قد يفرض تحديات إضافية على أمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد والأمن القومي المصري.
الحادي عشر: إسرائيل وصعود الحرس الثوري
تنظر إسرائيل إلى الحرس الثوري الإيراني باعتباره التهديد الاستراتيجي الأبرز لأمنها القومي، نظراً لدوره في تطوير القدرات الصاروخية الإيرانية، وإدارة شبكات النفوذ الإقليمي في عدة ساحات عربية. ومن ثم، فإن أي زيادة في نفوذ الحرس الثوري داخل بنية النظام الإيراني تُفسَّر في إسرائيل باعتبارها امتدادًا مباشرًا لمسار التصعيد الاستراتيجي القائم.
وفي هذا الإطار، يُتوقع أن تدفع هذه التطورات إسرائيل إلى تسريع جهودها في تطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وتعزيز التعاون الأمني والعسكري مع شركائها الإقليميين والدوليين، إلى جانب رفع مستوى القدرات الاستخباراتية والاستخبار المضاد لمتابعة التحركات الإيرانية في الإقليم.
كما ستواصل إسرائيل تبني استراتيجية تقوم على الاحتواء والردع المركّب تجاه إيران، بما يجمع بين الأدوات العسكرية والأمنية والسيبرانية والدبلوماسية. ومع ذلك، تدرك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن أي مواجهة عسكرية شاملة مع إيران ستكون عالية الكلفة على جميع الأطراف، الأمر الذي يجعل معادلة الردع المتبادل هي الإطار الأكثر ترجيحًا لإدارة العلاقة بين الجانبين خلال المرحلة المقبلة.
النتائج الرئيسية للدراسة والتوصيات
توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الرئيسية التي تعكس طبيعة التحولات الجارية داخل النظام السياسي الإيراني وتداعياتها الإقليمية. فقد أظهرت أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية لم تؤدِّ إلى إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك مؤسساته الأساسية، بل أسهمت في إعادة ترتيب موازين القوة داخله دون المساس بجوهر بنيته السياسية.
كما بيّنت النتائج أن الحرس الثوري خرج من الحرب بوصفه المؤسسة الأكثر نفوذًا وقدرة على إدارة الأزمات، الأمر الذي عزز مكانته داخل منظومة الحكم. وفي السياق ذاته، تشير المعطيات إلى أن إيران تتجه نحو نموذج حكم أكثر أمننة، مع استمرار مبدأ ولاية الفقيه بوصفه المصدر الأساسي للشرعية السياسية. كما أكدت الدراسة أن عملية انتقال السلطة ستظل عاملاً حاسمًا في تحديد مستقبل النظام، نظرًا لتداخل الأبعاد الدينية والمؤسسية والأمنية فيها.
وأوضحت النتائج كذلك أن الحرس الثوري مرشح لأن يصبح الفاعل الأكثر تأثيرًا في رسم السياسات الاستراتيجية الإيرانية خلال العقد المقبل، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية والدولية. كما خلصت إلى أن التحولات الداخلية في إيران سيكون لها تأثير مباشر على التوازنات الأمنية في الخليج العربي والشرق الأوسط بشكل عام، بما يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية الإقليمية.
وفي ضوء هذه النتائج، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات. فعلى مستوى الدول العربية، توصي الدراسة بضرورة تطوير آليات الرصد الاستراتيجي للتغيرات الداخلية في إيران، بما يسمح بفهم مبكر لاتجاهات صنع القرار الإيراني. كما توصي بتعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي بين الدول العربية، إلى جانب دعم مسارات الحوار الإقليمي لتقليل احتمالات التصعيد العسكري والأمني في المنطقة.
أما على مستوى مصر، فتؤكد الدراسة أهمية الحفاظ على سياسة التوازن الاستراتيجي في التعامل مع التغيرات الإقليمية، مع ضرورة تعزيز أمن الممرات الحيوية، وعلى رأسها البحر الأحمر وقناة السويس، لما لها من أهمية مباشرة في الأمن القومي والاقتصاد المصري. كما توصي بتوسيع الشراكات الدفاعية مع الدول العربية لتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة.
وفيما يتعلق بمراكز الدراسات والبحوث، تدعو الدراسة إلى تكثيف الاهتمام بملف انتقال السلطة في إيران باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، إضافة إلى متابعة تطور العلاقة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري، وبناء نماذج استشرافية تساعد في فهم مستقبل الأمن الإقليمي وتحولاته المحتملة.
الخاتمة
تكشف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران عن دخول الجمهورية الإسلامية مرحلة جديدة من إعادة التشكيل الداخلي، حيث لم تؤدِّ الحرب إلى تغيير جوهر النظام أو إسقاط مؤسساته، بقدر ما أسهمت في إعادة ترتيب موازين القوة داخل بنيته السياسية والأمنية. وفي هذا السياق، برز الحرس الثوري بوصفه أحد أبرز المستفيدين من تداعيات ما بعد الحرب، ليس من خلال الاستحواذ المباشر على السلطة، وإنما عبر تعزيز موقعه كفاعل مركزي في ضمان استمرارية النظام وإدارة تحدياته الاستراتيجية.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن إيران تتجه تدريجيًا نحو نموذج حكم أكثر تركيبًا، يقوم على المزج بين استمرار الشرعية الدينية التي تمثلها مؤسسة ولاية الفقيه، وبين تصاعد الدور الأمني والعسكري في عملية صنع القرار، بما يعكس تعاظم تأثير المؤسسات الأمنية داخل بنية الدولة. ويعني ذلك أن مسار التطور السياسي في إيران لا يتجه نحو القطيعة مع النظام القائم، بل نحو إعادة توازن داخلي يعزز من حضور الفاعلين الأمنيين في مقابل المؤسسات التقليدية.
وبناءً على ذلك، فإن فهم مستقبل الجمهورية الإسلامية خلال العقد المقبل يتطلب مقاربة تحليلية تركز على التفاعل المعقد بين ولاية الفقيه والحرس الثوري وبقية مكونات الدولة العميقة، باعتبارها القوى الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار الدولة الإيراني، وفي رسم ملامح التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.
أولاً: المراجع العربية
1- القصاب، عبد الوهاب. إيران: الدولة والثورة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2016.
2- إدريس، محمد السعيد. إيران: الدولة والثورة والصراع على النفوذ الإقليمي. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2021.
3- ــــــــــــــــــــــــــــــــ. إيران بين الثورة والدولة: تحولات الدور الإقليمي وبنية النظام السياسي. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2019.