طالبان باكستان تهدد احتضان إسلام أباد لأفغانستان الطالبانية

إعداد : إيهاب نافع ـ باحث بالمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات


كابول تفشل في رعاية مفاوضات الطرفين .. فشل وقف إطلاق النار الحركة تجدد عملياتها والجيش يهاجمها  

منذ اعتلاء طالبان الأفغانية مجددا الحكم يراود طالبان الباكستانية أحلاما مشابهة بتحقيق استحواز ولو جزئي في باكستان التي كانت ملاذا وظهيرا قويا لقرينتها الأفغانية طوال نحو 20 عاما عاشتهم خارج السلطة على أمل العودة، تلك الأحلام للطالبان الأفغانية غذتها تلك المساندات والمغاذلات الضمنية التي قدمتها طالبان أفغانستان .

ففي الوقت الذي عادت فيه طالبان لتصدر سدة الحكم في أفغانستان لم تتخل عن قرينتها الباكستانية، إذ كان من بين قراراتها المبكرة الإفراج عن عدد من سجنائها في كابول، فضلا عن أنها رغم تشابك وتعقد كثير من الملفات داخليا وخارجيا إلا أنها رعت وساطة مباشرة بين طالبان باكستان وحكومة إسلام آباد، انطلاقا من ثوابتها التاريخية ومصالحها الآنية والمستقبلية، وإن كثير من ذلك تم سراً وبعيداً عن الأضواء، فضلا عن كونها راعت إصدار بيانات علنية تدين أعمال العنف الأخيرة التي قامت بها قرينتها الباكستانية، التي ربما تعمدت تصعيد عملياتها التي وصلت إلى ما يزيد عن 100 عملية خلال الشهرين التاليين لسيطرة طالبان الأفغانية على السلطة، إلا أن آثارها الفعلية لم تتخط آثارها الفعلية سوى أنها خلفت الإصابات فحسب، بينما تأثرت الحكومة بالأفعال وتنادت بحليفتها طالبان الأفغانية للوصول لسلام شامل مع طالبان باكستان[1].

مساعي طالبان باكستان إنعكست في نشاطه الإرهابي على مدار عام 2021م، سجل مؤشر العمليات الإرهابية التي نفذتها الحركة أعلى معدل له بواقع 37 عملية في سبتمبر، بينما شهد شهر فبراير أقل عدد ليسجل 15 عملية، وبناء على رصد وتحليل البيانات الواردة عن المناطق الأكثر تضررًا من إرهاب “طالبان باكستان”، وجد أن إقليم “خيبر بختونخوا” كان الأكثر استهدافًا بـ 257 عملية إرهابية، بينما نفذت الحركة 17 عملية بإقليم “بلوشستان”، و٨ عمليات بإقليم “البنجاب”.

ونظرًا للمحادثات التي عقدتها الحكومة الباكستانية مع الحركة، والتي نتج عنها وقف إطلاق النار لمدة شهر، يتضح اقتصار تنفيذ “طالبان باكستان” لعملياتها الإرهابية على الفترة الأولى من نوفمبر، كما تم رصد استئنافها لعملياتها بعد اليوم التاسع من ديسمبر، إلا أن عمليات الرصد سجلت ارتفاعًا ملحوظًا في عدد تلك العمليات رغم ذلك، فقد وقع 40 هجومًا في الأيام التسعة الأولى من نوفمبر، و45 هجومًا في ديسمبر.[2]

استئناف طالبان باكستان لارتكاب العنف يعنى بشكل أساسي هنا يعني أمران أولهما وقف اطلاق النار، فضلا عن فشل طالبان أفغانستان لعب دور الوسيط بين طالبان الباكستانية والحكومة، وهو الأمر الذي ووجه بلا هوادة من الجيش الباكستاني حيث شرعت قوات الأمن في تنفيذ حملة منخفضة المستوى ضد حركة طالبان باكستان في إقليم خيبر بختونخواه الشمالي الغربي لا سيما في المنطقة الحدودية الباكستانية الأفغانية، بغية القضاء على قدرات تنفيذ الهجمات الإرهابية ضد قوات الأمن في شمال غربي البلاد، وأكد مسؤولون محليون أن عشرات العمليات التي قادتها الاستخبارات جرى تنفيذها في هذه المناطق ضد مجموعات من طالبان باكستان بدأت العمل في منطقة الحدود الباكستانية الأفغانية إثر سيطرة حركة طالبان الأفغانية على كابول، واشتبكت تشكيلات صغيرة من الجيش الباكستاني وإدارة مكافحة الإرهاب التابعة للشرطة المحلية والقوات شبه العسكرية مع خلايا تابعة لحركة طالبان باكستان، وقال مسؤول أمني رفيع المستوى “كللت حملتنا في الشمال الغربي بالنجاح إلى حد ما، ولم نسمح لطالبان باكستان في أي مكان بتأمين موطئ قدم لها”[3].

يأتي ذلك فيما أكدت حركة “طالبان” الباكستانية مقتل محمد خراساني، وهو اسم مستعار، واسمه الحقيقي خالد بلطي، وهو متحدث سابق للحركة قرب الحدود الأفغانية المجاورة وتعهدت بالثأر لمقتله، ويأتي هذا التأكيد بعد أيام من إعلان مسؤولين أمنيين باكستانيين أن المتحدث السابق باسم حركة “طالبان” الباكستانية قتل بالرصاص في ولاية ننغرهار بأفغانستان[4].

وتشكل حركة «طالبان» نوعين من التهديدات على الدولة الباكستانية في ضوء الـ14 عاماً الماضية من سجل حركة «طالبان الباكستانية» في تنفيذ الهجمات الإرهابية ضد الدولة الباكستانية:

أولاً: تشكل حركة «طالبان الباكستانية» تهديداً للحياة المدنية في باكستان، وتهدد بوضوح الأجهزة الأمنية والمنشآت التابعة للدولة، وهو تهديد قد تظل تداعياته محصورة داخل الأراضي الباكستانية.

ثانيا: ثبتت إمكانية استخدام «طالبان الباكستانية» الأراضي الباكستانية لشن هجمات على بلدان إقليمية وأخرى بعيدة ومن هذه الدول الهند والولايات المتحدة والصين، وحال تهديد مصالح تلك الدول فإن ذلك قد يزعزع استقرار المنطقة وباكستان بشكل كبير.

وتعتقد الاستخبارات الباكستانية أن حركة «طالبان الباكستانية» تمتلك عدداً كبيراً من الخلايا النائمة في المناطق الحضرية من البلاد، والتي تشكلت بعد تسلل مجموعات من عناصر الحركة «غير الملتحين» من المناطق القبلية وتوجههم إلى المدن الجنوبية في أعقاب العمليات العسكرية في شمال وزيرستان عام 2014.

وطبقاً لأحد التقديرات؛ فقد نفذ الجيش والشرطة الباكستانية أكثر من 25 ألف عملية استخباراتية قادت القوات الباكستانية إلى المدن للتخلص من هذه الخلايا النائمة، ولم تسفر العمليات إلا عن نجاح جزئي، وشهد عام 2021 عودة العنف الذي قادته حركة «طالبان الباكستانية» في البلاد، وقد تشهد الفترة المقبلة إعادة لتوحيد صفوف الحركة تحت تأثير عودة «طالبان الأفغانية» إلى السلطة، فيما يؤكد مسؤولون عسكريون في باكستان إنه ليس ثمة أي فرصة لأن تحاول «طالبان» السيطرة على أي قطعة من الأرض داخل الأراضي الباكستانية. وصرح مسؤول رفيع المستوى بأن قدرة حركة «طالبان الباكستانية» تدهورت إلى مستوى من العمليات العسكرية السابقة لا تستطيع عنده السيطرة على الأراضي، وأنه من المرجح أن تستمر الحملة الرئيسية ضد الخلايا النائمة التابعة لحركة (طالبان) في المستقبل القريب[5].

الخطير في الأمر هو أن صناعة السلام المعلن من قبل الحكومة المركزية الباكستانية مع طالبان الباكستانية كان أحد الأوراق التي تعتمد عليها باكستان في توثيق صلاتها بطالبان أفغانستان، وفشل تلك المحادثات يعني سقوط أحد أوراق اللعبة السياسية بين البلدين، وهو الأمر الذي سيؤثر حتما على طبيعة علاقة باكستان بأفغانستان الطالبانية، وكذلك سيؤثر على العلاقات بين كل من طالبان الأفغانية والباكستانية، فهل تستمر المواجهة الأمنية والعسكرية بين طالبان باكستان والحكومة الباكستانية أم تستطيع طالبان الأفغانية في التأثير على نظيرته التي تربطها بها مصالح عديدة تؤثر دون شك على حاضرها ومستقبلها.

 

الهوامش

[1]– من دراسة للباحث بعنوان: “طالبان الباكستانية وطالبان الأفغانية..الأيديولوجيا والقبلية”، من كتاب “أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي .. حصاد التطرفات”  178- أكتوبر2021 – مركز المسبار للدراسات والبحوث.

[2]– تقرير لمرصد الأزهر حول مؤشر العمليات الإرهابية لحركة “طالبان باكستان” لعام 2021 الصادر في 13 يناير 2022 .

[3] قناة الغد الاخبارية، 15 يناير 2022، ويمكن مطالعته عبر الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=0RRGzokczBk

[4] “طالبان” الباكستانية تؤكد مقتل متحدث سابق باسمها”، موقع روسيا اليوم، ويمكن مطالعته عبر الرابط التالي: https://2u.pw/9q0At

[5]– إسلام آباد تواصل حملتها العسكرية ضد «طالبان الباكستانية»، جريدة الشرق الأوسط، 14 يناير 2022، ويمكن مطالعة نص التقرير عبر الرابط التالي: https://2u.pw/sdom0

 

.

رابط المصدر:

https://www.europarabct.com/%d8%b7%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d8%a7%d9%83%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d9%87%d8%af%d8%af-%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d8%b6%d8%a7%d9%86-%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a3%d8%a8%d8%a7%d8%af/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M