في لحظات الأزمات: خلف كل ليبرالي معتدل، هناك فاشي

شفاء ياسر

محتوى مترجم

المصدر: Jacobinmag

التاريخ: 2019/12/14

الكاتب: Alvaro Garcia Linera

أجرى الحوار لمجلة «جاكوبين» إلودي ديكامبس وطارق بوعافية، وترجمه من الإسبانية إلى الإنجليزية ديفيد برودر.

منذ فوزها الأول في الانتخابات أواخر عام 2005، حققت حركة إيفو مورالس «نحو الاشتراكية» نجاحًا منقطع النظير في تغيير واحدة من أفقر دول أمريكا اللاتينية. خلال 13 عامًا من حكم الحركة، انتُشل ربع السكان من الفقر المدقع، وانخرط غالبية السكان الأصليين أخيرًا في قلب الحياة العامة، وتمتعت بوليفيا بأكبر معدل نمو في إجمالي الناتج المحلي في المنطقة.

انتهى كل هذا في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني، بإجبار قادة الجيش الرئيس مورالس على الاستقالة. بعد أسابيع من الحشد اليميني الحثيث، بعد فوز مورالس في انتخابات 20 أكتوبر/ تشرين الأول – مع ادعاءات متداولة لكن غير مثبتة بالتزوير – سار الزعيم شبه العسكري اليميني المتطرف لويس فيرناندو كاماتشو منتصرًا إلى لا باز (العاصمة الفعلية لبوليفيا، بينما سوكري العاصمة الرسمية)*، واعدًا بـ «إعادة الله إلى القصر الرئاسي». أُجبر مورالس على الفرار من العاصمة، معربًا عن أمله في أن تؤدي استقالته إلى وقف عنف المعارضة.

مع ذلك، حتى بعد الانقلاب، اتبعت السلطة الجديدة حملة عنيفة للانتقام من الحركة المخلوعة، وحتى من السكان الذين استفادوا خلال فترة حكمها. في عهد الرئيسة التي نصَّبت نفسها جانين آنييز، تصاعدت أعمال العنف التي ترتكبها العصابات المؤمنة بتفوق العنصر الأبيض في الشوارع، إلى جانب قمع الشرطة والجيش للمتظاهرين المناهضين للانقلاب. قُتل حوالي 24 شخصًا خلال الأسبوع والنصف الماضيين، مع تفاقم العنف ضد السكان الأصليين وممثلي حركة «نحو الاشتراكية» والحركات الاجتماعية.

أحد الفاعلين الرئيسيين في الحكومة المخلوعة هو ألفارو جارسيا لينيرا، نائب الرئيس البوليفي منذ 2006، ومهندس رئيسي للسياسات الاجتماعية التي روج لها الرئيس مورالس. بعد الانقلاب، أُجبر الرجلان على الذهاب للمنفى، ولجآ إلى مدينة مكسيكو (عاصمة المكسيك)*. في يوم السبت الموافق 16 نوفمبر/تشرين الثاني، منحنا جارسيا لينيرا مقابلة في العاصمة المكسيكية، متحدثًا عن أحداث الأسبوع السابق، والأسباب الأعمق للانقلاب، ودور كل من القوى الرجعية المحلية والتدخل الأجنبي في قيادة الاحتجاجات.

لنبدأ بآخر الأخبار. في الأيام الأخيرة، عانى نشطاء الحركة والمتعاطفون معها، وجميع المعارضين للانقلاب عامةً، من القمع الوحشي من الشرطة والقوات المسلحة. ما رد فعلك على موجة العنف المتصاعدة؟

الحزن والسخط على مقتل سبعة فلاحين متواضعين (قُتلوا في اليوم السابق لهذه المقابلة)، وآخر في غيبوبة. قُتلوا بأسلحة أوتوماتيكية كانت بأيدي الجنود والشرطة الوطنية، الذين فتحوا النار على الفلاحين الذين احتشدوا لإظهار رفضهم للانقلاب، وكانت مذبحة. من الواضح أنه سيتعين على المسؤولين سواء كانوا من رجال الشرطة أو الجنود أو المدنيين المثول أمام النظام القضائي، سواء حدث هذا غدًا أو بعد شهر أو خمسة أعوام.

يغرقون الشعب البوليفي في الدم، وهذا عمل وحشي. أصيب 110 أشخاص بطلقات نارية، وقُبض على أكثر من ستمائة شخص. هذا انقلاب دموي يأتي من لا شيء لفرض سيطرته بالنار والدم.

استقلتَ والرئيس تحديدًا لتجنب المزيد من سفك الدماء وعنف المعارضة؟

هذا صحيح. غادرنا لأننا لا نريد المزيد من القتلى. هددتنا الشرطة، وتجاهلت القوات المسلحة النظام الدستوري وهددت باستخدام القوة ضد رفاقنا. قُلنا «سنستقيل»، لأننا أُجبرنا من الشرطة والضغط العسكري. أملنا أنه إذا فعلنا ذلك، فلن يؤذوا رفاقنا. لكن رغم تخلينا عن الحكم، وتخلينا عن فوزنا بالانتخابات، وعدم مشاركتنا في الانتخابات القادمة، رغم كل هذا، خرج هؤلاء الناس وتلك الحكومة المنقلبة إلى الشوارع لمواصلة قتل البوليفيين.

ما نراه هو موجة من العنف العنصري ضد الهنود (السكان الأصليين). ونوع من «تصفية الحسابات» من قِبل النخبة السياسية، وهو موجه ضد الهنود الذين تجرأوا على تولي الحكومة والتمسك بالسلطة، والتمتع ببعض الحقوق على مدى السنوات القليلة الماضية.

في يوم الأحد الموافق 10 نوفمبر/تشرين الثاني، قبل ساعات قليلة من إعلانك عن انتخابات جديدة، اتُّخذ قرار الاستقالة، لوضع حد للعنف الذي أطلقته المعارضة. «اقترح» قائد الجيش ويليامز كاليمان روميرو الاستقالة. لكن ماذا أدى تحديدًا لقرار ترك السلطة؟ لماذا انضمت القوات المسلحة سريعًا إلى الانقلاب؟ 

كان للانقلاب ثلاثة مراحل. كانت الأولى مرحلة مدنية، بدأت في اليوم التالي للانتخابات. فزنا بفارق 10% عن مرشح المركز الثاني، ما يعني عدم إجراء جولة ثانية. لم يعترف الخاسر كارلوس ميسا بفوزنا، وطالب بإجراء جولة إعادة. تبع ذلك فورًا نوعٌ من التمرد من الطبقات الوسطى التقليدية، ما أثار ضجة حول تفوقهم العرقي المفترض. انتفضت مدن مثل سانتا كروز وكوتشابامبا ولا باز ضد الحكومة، وبدأوا بإحراق مؤسسات الدولة. واعتدوا على خمسة من تسعة مباني للجان الانتخابية – لجان الفرز – وأشعلوا فيها النيران. كما أحرقوا صناديق الاقتراع والأوراق.

ثم دعوا لإغلاق جميع المناطق التي تسكنها هذه الطبقات الوسطى التقليدية. ظهرت في هذا الوقت ولأول مرة الفرق شبه العسكرية الفاشية، وبدأت هجماتها على النقابات العمالية. أحرقوا العديد من مكاتب الفلاحين ونقابات المهن، وهاجموا وطاردوا قادتهم. تعرضت الفلاحات للهجوم من خمسمائة وستمائة من عصابات من راكبي الدراجات النارية، مع أشخاص يحملون مضارب بيسبول ذات مسامير، وقنابل مسيلة للدموع.

اختطفوا عمدة قرية ريفية، وضربوها وسحلوها، وتبولوا عليها وحلقوا رأسها وهددوا بقتلها، وغطوا وجهها باللون الأحمر أمام كاميرات التلفاز. وعندما صادفوا فلاحين في الشوارع ضربوهم مثل الحيوانات. لكن كانت هذه اللحظة الأولى للانقلاب، اللحظة المدنية. سعوا إلى فرض نوع من الإرهاب الحضري حول أطراف الدولة والمؤسسات المنشأة قانونيًّا.

ردت القوى الشعبية بالدعوة إلى مقاومة الانقلاب. وصل عمال المناجم من «مركز العمال البوليفي COB» (الاتحاد الرئيسي لنقابات العمال) إلى لا باز. ووصل الفلاحون والسكان الأصليون وسكان المدينة للدفاع عن الرئيس. لو استمرت هذه المواجهة كما هي – وضع القوات المدنية المؤيدة للانقلاب في مواجهة القوات المدنية المدافعة عن الديمقراطية – لكُنَّا هزمناهم. لكن بعد ذلك جاءت المرحلة الثانية، تدخل الشرطة، وهذا ما حسم كل شيء. رفضت الشرطة القيادة المدنية، وفشلت في حماية المؤسسات والقطاعات التي تتعرض للهجوم، وفي منتصف الليل، رفض قائد القوات المسلحة القيادة المدنية ودعا إيفو إلى الاستقالة.

اتخذ الانقلاب منحى تصاعديًّا، من القوات المدنية إلى الشرطة ومن ثم الجيش. إذا لم يتخذ الجيش هذا الموقف، لكان بإمكاننا إيقاف الانقلاب في مرحلته المدنية.

انقلب الوضع عندما انقلبت الشرطة والقوات المسلحة، الذين لم يتدخلوا للحفاظ على النظام وحماية قادة النقابات العمالية المضطهدين، ولم يحموا النساء اللواتي تعرضن للاعتداء من هذه العصابات شبه العسكرية، ونبذوا السلطة الشرعية في اليوم التالي. أظهروا قدرة استثنائية على نشر القوة القمعية عندما قاموا بتسميم المتظاهرين بالغاز وحبس الفلاحين والقادة الآخرين… وفي 15 نوفمبر/تشرين الثاني، قتلوا سبعة أشخاص، وفي الأيام الخمسة التالية، قُتل 18 شخصًا (واستمرت الأرقام في التزايد منذ هذه المقابلة التي تمت يوم السبت الموافق 16 نوفمبر/تشرين الثاني).

يبدو أن القوى المؤيدة للانقلاب ركزت هجماتها على القطاعات الشعبية، مثل عمال المناجم والفلاحين والعمال، الذين شكلوا تاريخيًّا القاعدة الاجتماعية التي أوصلت إيفو إلى السلطة.

أعتقد هذا هنا أيضًا، كان بإمكاننا هزيمتهم، رغم هذه الجهود. ما أضعف التوازن هو دور الشرطة والجيش. بغض النظر عن الدستور، تحولوا كمسلحين إلى جانب القوات المؤيدة للانقلاب والمتمردين، وفي هذه المرحلة دخل الانقلاب في أقسى مراحله. سترى الرئيسة الذي نصَّبت نفسها جانين آنييز إلى جانب جنرال يضع وشاح الرئاسة عليها. كان من المفترض أن يعين مجلس النواب الرئيس الجديد، لا أن يضع مسؤولٌ عسكريٌ الوشاح على منقلب!

لم أرَ صورة كهذه منذ الثمانينيات، عندما قام الجنرال لويس جارسيا ميزا بانقلاب عسكري. قتل الزعيم الاشتراكي مارسيلو كيروغا سانتا كروز، مع عشرات من عمال المناجم، حتى يصبح رئيسًا. على مدى 40 عامًا تقريبًا، لم نرَ هذا النوع من الصور، أن تحتل الشرطة والجيش حرفيًّا قصر الحكومة والحكومة. أرى أن جانين آنييز دمية، فالذين يملكون السلطة الحقيقية هم الشرطة والقيادة العليا للجيش.

كان هناك بالفعل محاولة انقلاب في 2008، أطلقتها القوى المحافظة في ميديا لونا (المقاطعات الشرقية اليمينية)، وبدعم من السفير الأمريكي فيليب غولدبرغ. لماذا نجحت اليوم، رغم فشلها منذ 11 عامًا؟ 

تغير أمران. كان التشابه وقتها أيضًا هو حدوث انقلاب مدني بقيادة «لجان مدنية»، وهي هياكل الشركات التي حشدت العناصر المحافظة في سانتا كروز والشرق بقوة. بدأت كانتفاضة، مثل التي نعاني منها اليوم. لكن في 2008، لم تنقلب الشرطة ولا الجيش كما في الوقت الحالي.

لكن تعلمت القوات الموالية للانقلاب دروسًا من هذه التجربة. وبلا شك، كانت الطريقة التي أصلحوا بها هذه المشكلة هي شراء ولاء رجال الشرطة والقادة العسكريين. كان الكثير من المال يدفعهم للقيام بهذا الانقلاب، لا بد أنها ملايين الدولارات هي التي دفعت قوات الأمن للتخلي عن ولائها للدستور.

العنصر الثاني الذي يجب أخذه في الاعتبار، هو أنه منذ 11 عامًا، اتخذت أمريكا اللاتينية موقفًا موحدًا. حينها، كان لولا دا سيلفا يحكم البرازيل، وهوجو تشافيز في فنزويلا، ورافييل كوريا في الإكوادور، وكريستينا كيرشنر في الأرجنتين، وكذلك ميشال باشليت في تشيلي. أثناء محاولة الانقلاب في 2008، وقفت أمريكا اللاتينية فورًا ككتلة واحدة للدفاع عن الديمقراطية. في الواقع، عقد أعضاء «اتحاد دول أمريكا الجنوبية» اجتماعًا طارئًا في سانتياغو عاصمة تشيلي. ترأس الاجتماع الرئيسة التشيلية باشليت، ورفضت الدول الحاضرة الانقلاب.

اليوم، وبعد أسبوع واحد من الانقلاب (من تاريخ المقابلة)، هناك 18 قتيلًا وليس ثمة اجتماع. لم يعد لدينا بناء يجمع حكومات ذات سيادة – حكومات لا تعتمد على الولايات المتحدة – يمكنها أن تقرر أنه يجب احترام الديمقراطية، ويجب ضمان السلام. ما نراه بدلًا من ذلك، هي مواقف تهاون مثل مواقف «منظمة الدول الأمريكية»، التي تلعب دورًا ضارًّا في تأييد القرارات التي أدت إلى مذبحة للشعب البوليفي والتصديق عليها وتقديسها.

صدرت سلسلة من التسجيلات لـ 16 محادثة من أكتوبر/تشرين الأول، كشفت عن الروابط بين زعماء المعارضة البوليفية (محافظ كوتشابامبا السابق مانفريد رييس فيلا، والنائب السابق لكوتشابامبا ماوريسيو مونيوز)، وجنود سابقين وأعضاء في مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة (ماركو روبيو وتيد كروز وبوب مينينديز). هدفهم – كما يُزعم – شن حملة لزعزعة الاستقرار إذا أُعيد انتخاب إيفو. ما يعني من بين أمور أخرى، إثارة انتفاضة بين الجيش والشرطة، ومهاجمة منازل أعضاء البرلمان من حركة «نحو الاشتراكية»، حتى يتمكنوا من دعم استقالة إيفو… هل يجب أن تؤخذ هذه التسجيلات على محمل الجد؟ 

نعم، يجب أن نأخذ تلك التسجيلات على محمل الجد، لأنها تخبرنا ما حدث في كواليس السياسة خلال الأشهر الأخيرة. وأعتقد أنهم حصلوا على الإشارة التي انتظروها عندما بات واضحًا أننا سنفوز بالانتخابات.

في 2014، فزنا بـ 62% من الأصوات، واليوم فزنا بـ 47%. فزنا في الانتخابات، لكن من الواضح أنه ليس بذات الأفضلية التي كانت سائدة في السنوات الماضية. لذا، عندما فزنا بنسبة أقل من 50%، رأوا لحظة ضعف في ديمقراطيتنا ونظامنا الدستوري. وقالوا في اليوم الذي تلا التصويت: «هذه فرصتنا، حان وقت الانقلاب». ثم بدأوا هجومهم ضدنا.

كما ذكرت، انخفض التصويت لصالح حركة نحو الاشتراكية من 62% في عام 2014 إلى 47% في عام 2019. وهكذا، على مدى الخمس السنوات الماضية، تخلى عنكم جزء من الطبقة الوسطى التي كانت ذات يوم تدعم عملية التغيير التي كنتم تقودونها. كيف توقفت هذه القطاعات الهامة من الشعب -الذين خرجوا من الفقر ودخلوا الجامعات وحصلوا على وظائف حكومية- عن دعمكم؟  

هناك العديد من الدروس التي يجب استخلاصها، لكننا نحتاج أيضًا للتفكير أعمق قليلًا. الفوز بنسبة 62% في الانتخابات الأولى و47% في اللاحقة هو أمر طبيعي تمامًا، وفي الواقع، تحكم العديد من الحكومات حول العالم بنسبة دعم 35% أو 40%، وأحيانًا أقل من ذلك. لكن بالنسبة لحكومة تقدمية، الأمور أكثر تعقيدًا. إذا كان الحكم باستخدام هذه القاعدة من الدعم ممارسة روتينية لحكومة تنفيذية عادية، فالفوز بنسبة أقل من 50% يمثل تحديات مختلفة لحكومة تدفع بالتحولات في المجتمع. أحد هذه التحديات هو كيفية تحييد وتحويل سلطة الإجبار المشروعة للدولة. ما يعني أن فنزويلا كانت أكثر تقدمًا من بقيتنا.

في الواقع، وبخلاف أي مشاكل ربما تواجهها، كان لدى فنزويلا ميزة إنشاء هيكل دفاعي ضمن عمليتها الثورية، بالتوازي مع الدولة، والذي لم ننشئه. ليس لأننا لم نره ضروريًّا، في الواقع، كانت هناك مبادرات بالفعل، لكن ربما لم يجرِ ذلك بسرعة أو بعمق كافٍ. هذه هي الفكرة الرئيسية.

يعود هذا الجدل إلى سيلفادور أليندي. هل من الممكن الوصول للاشتراكية ديمقراطيًّا؟ نعم. لكن يجب أن تكون هناك هياكل للدفاع عن الديمقراطية نفسها. أرى أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، أتحدث عن مفهوم أعمق للديمقراطية. الديمقراطية هي المساواة، وتوسيع الحقوق، ونزع عنصرية السلطة والحقوق التي يتمتع بها الشعب. لذا لا يمكن أن تكون هناك عملية تغيير إذا لم تكن ديمقراطية. يجب أن يستحوذ هذا التغيير على المؤسسات، كما يجب أن يكون لديه أشكال تنظيمية قادرة على الدفاع عن إنجازاته، عند مواجهة الاضطرابات الناجمة من الخارج. من الواضح في هذه الحالة أن الأموال التي أُعطيت الشرطة والقيادة العسكرية جاءت من الخارج، وهي أموال كثيرة.

في مواجهة احتمال انهيار الدستور، يجب أن تكون هناك هياكل دفاع شعبية، بنتها فنزويلا لكننا لم نفعل. هذا هو الدرس الأول. أما الثاني فهو أنه إذا كانت العمليات التقدمية تقدمية بالفعل، فعليها إنشاء آليات للحراك الاجتماعي. إذا كنت فقيرًا جدًّا، فأنت الآن تنتمي للطبقة الفقرة نسبيًّا، وإذا كنت تنتمي للطبقة الفقيرة نسبيًّا فأنت الآن تعمل لتوفير دخل متوسط، لو لم يحدث هذا الحراك التصاعدي فإن الموارد الإجمالية لا تُوزع ديمقراطيًّا.

لكن في الوقت نفسه، من الطبيعي أن يكون أولئك الذين أتوا من الطبقات الشعبية، وهم الآن من أصحاب الدخول المتوسطة، طوروا نوعًا مختلفًا من التوقعات. لا يمكننا لومهم على ذلك. لكن ما حدث في بوليفيا ليس كما حدث في البرازيل، أو بعض الدول الأخرى في أمريكا اللاتينية. بدأت عملية التراجع عندما توقفت الطبقات المتوسطة الشعبية تدريجيًّا عن الارتقاء، وشعرت بالخطر من عودتها للحضيض مرة أخرى. كان هناك لحظة من مقاومة التغيير. لكن عندما رأينا ذلك في دول أخرى، فعلنا كل ما في وسعنا للتأكد من عدم سقوط هذا الحراك الاجتماعي، وتباطأ المنحنى قليلًا، لكنه استمر في الارتفاع. إذا ماذا حدث؟

رأت الطبقات الوسطى التقليدية أنها انتُهكت من الطبقات الشعبية والسكان الأصليين، الذين حصدوا التعليم الجامعي والمدخرات، ولديهم الآن كوادر كبيرة في مختلف المجالات لتولي مناصب حكومية. صُعقت هذه الطبقات الوسطى التقليدية، تحديدًا لأن الطبقات الوسطى الجديدة من خلفيات شعبية آخذة في الظهور، وتبلورت حول مواضع أكثر تحفظًا.

في أي شيء قصَّرنا؟ لم نوسع خطابنا ليشمل هذه الطبقة المتوسطة التقليدية، وكذلك بعض أفراد الطبقة الوسطى الجديدة. ربما، كما كنا نحكم، ظل خطابنا بعيدًا عن الواقع الذي كان يتطور. ماديًّا، تغيرت الطبقات، لكن ظل جوهر خطابنا راسخًا في الواقع القديم.

تُقدم وسائل الإعلام الرئيسية كارلوس ميسا كسياسي «يميني وسطي»، بينما يُصوِّر لويس فيرناندو كاماتشو كـ «زعيم الاحتجاج الشعبي». ماذا تقول حول المسار السياسي الإيديولوجي لهاتين الشخصيتين؟ 

كان كارلوس ميسا نائبًا للرئيس جونزالو سانشيز دي لوزادا، ومؤخرًا ترشح للرئاسة. قدَّم ميسا نفسه كرجل يميني معتدل، لكنه في الأحداث الأخيرة، أصبح متطرفًا، تمامًا كما فعلت هذه الطبقة المتوسطة التقليدية. كان هو الذي رفض الاعتراف بفوزنا، ودعا للاحتشاد يوم إعلان النتائج في 21 أكتوبر/تشرين الأول، وفي ذات الليلة، أُحرقت مكاتب لجنة الانتخابات.

عندما تطورت الأحداث الدرامية التي وقعت نهاية الأسبوع الماضي – أحداث الانقلاب – رفض ميسا كل المفاوضات. وكان أول من اعترف بآنييز. والتزم الصمت التام بشأن مواقفها الديكتاتورية، وانتهاك الدستور والمذبحة ضد الشعب. تحول من كونه ليبراليًّا معتدلًا إلى داعم للانقلاب. لهذا أقول: في لحظات الأزمات، خلف كل ليبرالي معتدل، هناك فاشي.

من جانبه يأتي لويس فيرنانديز كاماتشو من أسرة شديدة المحافظة. كان والده عضوًا في حزب العمل القومي الديمقراطي، وهو حزب الديكتاتور السابق هوجو بانزر سواريز. وكرجل أعمال، كان كاماتشو قادرًا على  تمويل المشاعر المضادة للحكومة لجزء معين من المجتمع في منطقة سانتا كروز. كما كان قادرًا على استخدام خطاب ديني عنصري لجمع وحشد مؤيديه. هو من جعل الناس تصلي علانية، وقال إن بطله هو بابلو إسكوبار، لأنه مثله، لديه قائمة سوداء من الناس لملاحقتهم.

اهتزت المنطقة بسبب الاحتجاجات الضخمة ضد الحكومات النيوليبرالية (من هايتي إلى تشيلي والإكوادور)، وفاز المرشحون التقدميون بالانتخابات في دول رئيسية مثل المكسيك والأرجنتين. كيف تضع هذا الانقلاب في سياق الصراع وإعادة التكوين الجيوسياسية التي تمر بها أمريكا اللاتينية؟ 

كان هناك الكثير من الحديث حول نهاية الحقبة التقدمية. لكن لا أعتقد أن فكرة الحقبة تستخدم كثيرًا. أُفضل مفهوم موجات، الذي يساعدنا على فهم الحكومات التقدمية في المكسيك والأرجنتين. هناك كل من الموجات المرتفعة والمنخفضة. أعتقد أن استعارة الثورة كما استخدمها كارل ماركس لشرح ثورة عام 1848، تساعد في فهم اللحظة الفوضوية الحالية. ترتفع الموجة في المكسيك والأرجنتين، وتتراجع في بوليفيا، وهناك احتجاجات ضد النموذج النيوليبرالي في الإكوادور وتشيلي.

كانت بوليفيا دعامة للتقدمية في أمريكا اللاتينية. هل ترى الانقلاب ضد إيفو وسيلة لصد موجة تقدمية جديدة؟ 

نعم، لأنه كان مشروعًا ناجحًا. كان لدينا اقتصاد ناجح، وتوزيع عادل للثروات، وعملية تصنيع ناجحة، وإدارة ناجحة للاقتصاد الكلي. لذا، ما الذي يمكن أن يوقف هذا غير اللجوء للعنف؟

 

رابط المصدر:

https://www.ida2at.com/in-moments-crisis-behind-every-moderate-liberal-fascist/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M