قرار حظر زيارة النائبتين طليب وعمر وتداعياته على العلاقات الأميركية – الإسرائيلية

مقدمة

قررت الحكومة الإسرائيلية، بتحريض من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 15 آب/ أغسطس 2019، منع النائبتين الأميركيتين الديمقراطيتين، رشيدة طليب وإلهان عمر، من زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة والدولة العبرية، بذريعة دعمهما “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات”، المعروفة عالميًا بـ BDS، ومزاعم حول عزمهما تعزيز جهود “نزع الشرعية” عن دولة إسرائيل[1]. وأثار هذا القرار هواجس وانتقادات كبيرة داخل الحزب الديمقراطي وبين اليهود الأميركيين، وحتى داخل المجتمع الإسرائيلي. ويرى كثير من هؤلاء أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، يقامر بسياساته المحابية لترامب بمكانة إسرائيل الرفيعة في الولايات المتحدة الأميركية وعلاقاتها الاستراتيجية بالحزب الديمقراطي. ومن ثمّ، فإنه يحوّل إسرائيل من كونها قضية فوق حزبية أميركيًا – وهي المكانة التي تتمتع بها منذ عقود – إلى قضية تخضع للتجاذبات الحزبية؛ على نحوٍ قد يؤسس لتداعيات استراتيجية مستقبلية سلبية على العلاقات الأميركية – الإسرائيلية الحساسة جدًا بالنسبة إلى الدولة العبرية ووجودها وأمنها ورخائها.

كما تتخوف المنظمات اليهودية الأميركية، بما فيها اليمينية، كلجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية “إيباك”، من أن نتنياهو قد يكون يساهم في تعزيز مكانة التيار اليميني العنصري الأميركي المتطرف الداعم لترامب، والمعادي لكل الأقليات ومن ضمنها اليهود الأميركيون أنفسهم. بل إن ترامب نفسه ما لبث يعبر عن مشاعر قد تحمل معاداة للساميّة، حتى في خضم اتهامه للديمقراطيين بذلك.

لم يحاول ترامب إخفاء دوره في حظر إسرائيل دخول النائبتين، وأقر بحديثه مع مسؤولين إسرائيليين حول الموضوع، من دون تأكيد إن كان تحدث مع نتنياهو شخصيًا أم لا[2]. ولم يتردد ترامب، ولا البيت الأبيض، في الاستمرار في كيل الاتهامات للنائبتين على أنهما كارهتان لإسرائيل ولليهود وبأنهما معاديتان للساميّة[3]، بل إنّ ترامب مضى أبعد من ذلك بالتلميح إلى أنّ الحزب الديمقراطي نفسه تحوّل إلى أرضية خصبة لمعاداة إسرائيل[4]. وقد دان معظم قادة الحزب الديمقراطي، ومن ضمنهم يهود، وأشد المؤيدين لإسرائيل بينهم، قرار الحكومة الإسرائيلية ودور ترامب في ذلك. كما صدرت إدانات مماثلة من جانب أعضاء في الكونغرس عن الحزب الجمهوري.

وبحسب تصريحات مسؤولين إسرائيليين، نقلتها الصحافتان الأميركية والإسرائيلية، فإن الحكومة الإسرائيلية كانت قد قررت بعد مداولات مكثفة، في تموز/ يوليو 2019، السماح لكل من طليب وعمر بأداء الزيارة التي كانتا تعتزمان القيام بها، وهو ما كان أكده كذلك السفير الإسرائيلي في واشنطن، رون ديرمر، علنًا ولقادة الحزب الديمقراطي في الكونغرس. لكنّ تغريدة لترامب، في 15 آب/ أغسطس، جاء فيها: “لو أن إسرائيل سمحت للنائبة عمر والنائبة طليب بالزيارة لأظهر ذلك ضعفًا كبيرًا […] إنهما عار”، وضعت نتنياهو في موقف حرج؛ فهو إما أن يُغضب ترامب وإمّا أن يغضب الديمقراطيين. واختار نتنياهو في المحصلة إغضاب الديمقراطيين ومعظم المنظمات اليهودية الأميركية[5]، وخصوصًا أن نتنياهو يشعر أنه مدين لترامب بقضايا كثيرة، ليس أقلُّها إهداءه قرارًا أميركيًا يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو الإقرار بضم الجولان السوري المحتل، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وتأييد فكرة ضم إسرائيل أراضيَ في الضفة الغربية، ومن ثمّ نسف فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة. كما أن نتنياهو محتاج إلى أن يدعمه ترامب معنويًا على أعتاب انتخابات الكنيست الإسرائيلي، منتصف أيلول/ سبتمبر 2019، الحرجة بالنسبة إليه، وخصوصًا أنه يواجه تهمًا جادة بالفساد واستغلال السلطة، ويحظى ترامب بشعبية واسعة بين الإسرائيليين.

ستحاول هذه الورقة بإيجاز تقديم إجابات عن بعض الأسئلة المركزية التي يطرحها تدخل ترامب المباشر في هذا الموضوع، كاسرًا تقليدًا أميركيًا متبعًا، يتمثّل في ألّا ينقل المسؤولون الأميركيون خلافاتهم الحزبية الداخلية إلى الخارج. وتتركز أهم هذه الأسئلة في التالي:

  • ما الذي يحاول ترامب استثماره انتخابيًا؟
  • كيف يمكن أن تؤثر هذه القضية في الصوت اليهودي الأميركي؟
  • ما التداعيات المحتملة لهذا القرار على علاقات الحزب الديمقراطي بإسرائيل وعلى العلاقات الأميركية – الإسرائيلية؟
  • ما خلفيات هواجس المنظمات اليهودية الأميركية من هذه القضية؟

أولًا: ما الذي يحاول ترامب استثماره انتخابيًا؟

كثف ترامب في الأشهر الأخيرة هجومه على النائبتين، طليب وعمر، إضافةً إلى أخريين، هما ألكساندريا أوكازيو – كورتيز وأيان برسلي، واصفًا إياهن بـ “الفريق”. وتمثل النائبات الأربع أعمدة في التيار التقدمي Progressives داخل الحزب الديمقراطي. وتقوم استراتيجية حملة ترامب الانتخابية على ملاءمة الأجندة “الاشتراكية” لهذا التيار، كما يزعمون، مع أجندة الحزب الديمقراطي، ومن ثمّ إضعاف حظوظ الحزب انتخابيًا عام 2020[6]. وقد وصلت حدة هجوم ترامب عليهنّ إلى حدود عنصرية غير مسبوقة من جانب رئيس أميركي ضد مناوئيه السياسيين، وخصوصًا عندما طالبهنّ بالعودة من حيث أتين وأن “يساعدن في إصلاح الأماكن المنهارة تمامًا والموبوءة بالجريمة التي جئن منها”[7]، رغم أن ثلاثة منهن، أصلًا، ولدن في الولايات المتحدة، وكلهن طبعًا مواطنات أميركيات. فكورتيز، يرجع أصلها إلى المستعمرة الأميركية في البحر الكاريبي، جزيرة بورتوريكو، وهي مولودة في ولاية نيويورك وتمثل إحدى دوائرها في مجلس النواب الأميركي. وأيان برسلي، من الأقلية السوداء، مولودة في ولاية أوهايو وتمثل إحدى دوائر ولاية ماساتشوستس في مجلس النواب. في حين أن طليب، وهي من أصول فلسطينية، مولودة في ولاية ميشيغان، وتمثل إحدى دوائرها الانتخابية كذلك في مجلس النواب. أما الرابعة، وهي إلهان عمر، فقد ولدت في الصومال، وهاجرت طفلةً إلى الولايات المتحدة وتجنست فيها، وتمثل اليوم إحدى دوائر ولاية مينيسوتا.

وكما سبقت الإشارة لم يتردد ترامب، مرارًا، في اتهام الأربع، وتحديدًا طليب وعمر، بمعاداة اليهود وإسرائيل، خصوصا أنهنَّ ناقدات سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وفي تحميل مواقفهن تلك للحزب الديمقراطي الذي لمّح مرارًا إلى أنه يستبطن مشاعر معادية للساميّة، رغم أن مؤسسة الحزب وغالبية أعضائه في الكونغرس يتبنون سياسات ومواقف أكثر قربًا من إسرائيل، ولم يترددوا من قبل في إدانة بعض تصريحاتهن. ويأمل ترامب من ذلك تحقيق التالي:

  1. حشر الحزب الديمقراطي في زاوية دفاع عن الذات فيما يتعلق بأجندة التيار التقدمي داخله، وخصوصًا فيما يتعلق بقضايا التعليم والصحة والهجرة والسياسة الخارجية، كما نحو إسرائيل. وإذا نجحت حسابات ترامب، فإن هذا قد يعني توسيع الهوة بين مؤسسة الحزب التقليدية والقواعد الأكثر شبابية، وبالنتيجة إضعاف حظوظ الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية والولائية في 2020.
  2. محاولة استمالة الأموال والأصوات اليهودية الأميركية لصالحه ولصالح الجمهوريين في الانتخابات المقبلة، أو على الأقل خصم نسبة منها، وخصوصًا مع سياسات إدارته الأشدّ انحيازًا إلى إسرائيل.
  3. تعزيز موقفه في صفوف قاعدته الانتخابية من الإنجيليين الذين يضعون دعم إسرائيل على رأس أجندتهم السياسية الانتخابية من منطلقات دينية.

ثانيًا: كيف يمكن أن تؤثر هذه القضية في الصوت اليهودي الأميركي؟

تشير المعطيات إلى أن غالبية اليهود الأميركيين يصوتون إلى جانب الحزب الديمقراطي في الانتخابات الوطنية والولائية والمحلية، وعلى نحو مستمر ومتواصل، منذ عام 1928. وبحسب جوناثان سارنا، أستاذ التاريخ اليهودي الأميركي في جامعة برانديس، فإن “اليهود الأميركيين يميلون، إلى حد بعيد، إلى التصويت لصالح الديمقراطيين منذ عام 1928، لأنهم يرون أن قيمهم ومصالحهم منسجمة أكثر مع الحزب الديمقراطي، وخصوصًا نحو قضايا مثل الهجرة والحريات المدنية والفصل بين الكنيسة والدولة وإسرائيل”[8]. وتشدد هاسيا داينر، أستاذة التاريخ اليهودي الأميركي في جامعة نيويورك، على أنه من الخطأ الاعتقاد أن الناخبين اليهود يضعون في اعتبارهم قضية واحدة، هي إسرائيل، عند إدلائهم بأصواتهم؛ وهو ما ترى أن ترامب يعجز عن إدراكه حتى الآن[9]. ويؤكد الصحافي الأميركي اليهودي، ماثيو روزسا، أن العديد من اليهود الأميركيين يرون أنّ ثمة صلة تاريخية قوية بين العقلية القمعية التي أدت إلى انتخاب الرئيس ترامب وعقلية معاداة السامية، ومن ثمّ فإن لدى أغلبهم آراء ليبرالية ويصوتون لصالح الديمقراطيين[10].

وبالفعل، فإن أغلب السياسيين اليهود الأميركيين البارزين هم أعضاء في الحزب الديمقراطي، حيث إنه من أصل 27 نائبًا في الكونغرس الأميركي، هناك 25 عن الحزب الديمقراطي، ونائبان فقط عن الحزب الجمهوري. أما في مجلس الشيوخ، فمن أصل 9 شيوخ هناك 8 ديمقراطيون، والتاسع، هو السيناتور المستقل، ولكن المتحالف مع الديمقراطيين، والمنافس على ترشيحهم لانتخابات الرئاسة، بيرني ساندرز. وينسحب الأمر ذاته على القضاة اليهود الثلاثة في المحكمة العليا من أصل تسعة؛ فجميعهم محسوبون على الجناح الليبرالي فيها.

هذا التوجه نحو الحزب الديمقراطي داخل اليهود الأميركيين، بعيدًا عن الموقف من إسرائيل، تؤكده أيضًا نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2016، إذ صوت 71 في المئة منهم لصالح المرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون، رغم أنها كانت وزيرة خارجية الرئيس باراك أوباما، في إدارته الأولى، والتي شهدت صدامات متكررة مع حكومة نتنياهو، في حين صوت 24 في المئة فقط منهم لصالح ترامب[11]. ولا توجد مؤشرات جادة وقوية على أن هذه الأرقام ستشهد تغييرًا جذريًا في الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

ثالثًا: التداعيات المحتملة على علاقات الحزب الديمقراطي بإسرائيل، والعلاقات الأميركية – الإسرائيلية

‌1. التداعيات المحتملة على علاقات الحزب الديمقراطي بإسرائيل

سبقت الإشارة إلى أن أغلب الناخبين اليهود الأميركيين، وعلى مدى العقود التسعة الماضية، يعطون الحزب الديمقراطي أصواتهم، وأنهم ليسوا رهائن قضية واحدة رغم أهميتها لديهم، هي إسرائيل. ومع ذلك، فإنه ينبغي أن نسجل أن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت تغييرات كبيرة في انطباع قواعد الحزب الديمقراطي السلبي نحو إسرائيل، وهو ما يتنامى طرديًا مع تصاعد تأثير القاعدة الشبابية، والتيار التقدمي والليبرالي، في الحزب، وحتى بين الأعضاء اليهود. وقد أدت ضغوط التيار التقدمي والليبرالي في آذار/ مارس 2019 إلى أن يقاطع ثمانية متنافسين ديمقراطيين على مرشح الرئاسة عن الحزب مؤتمر “إيباك”، من جرّاء دورها في تشجيع إدارة ترامب على الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، الذي عمل عليه الرئيس أوباما عام 2015، ورفضها حق الفلسطينيين في تقرير المصير[12]. في المقابل، فإن قواعد الحزب الجمهوري تقترب أكثر من إسرائيل، وهي أشدّ تأييدًا لسياساتها.

يوضح عدد من استطلاعات الرأي أجري عام 2018 المقصود أعلاه. مثلًا، يظهر استطلاع رأي، أعدته جامعة ميريلاند، في الفترة أيلول/ سبتمبر – تشرين الأول/ أكتوبر 2018، أنه في حين يريد 57 في المئة من الجمهوريين أن تنحاز إدارة ترامب أكثر إلى صالح إسرائيل على حساب الفلسطينيين، فإن 82 في المئة من الديمقراطيين يريدونها أن تكون محايدة[13]. وفي استطلاع آخر لمركز “بيو” صادر في كانون الثاني/ يناير 2018، نجد أن 79 في المئة من الجمهوريين يقولون إنهم يتعاطفون مع إسرائيل أكثر من الفلسطينيين، مقابل 27 في المئة من الديمقراطيين يقولون إنهم يتعاطفون مع إسرائيل أكثر من الفلسطينيين. وتتمثل المفاجأة في أن نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين مقابل إسرائيل بينهم هي 25 في المئة. أما الذين يصنفون أنفسهم ليبراليين بين صفوف الديمقراطيين فإن 35 في المئة منهم يتعاطفون مع الفلسطينيين، مقابل 19 في المئة لصالح إسرائيل. وتكمن المفارقة في أن نسبة المتعاطفين مع إسرائيل بينهم انخفضت خلال عامين فقط انخفاضًا معتبرًا؛ إذ كان استطلاع آخر للمؤسسة ذاتها عام 2016 قد أشار إلى أن نسبة من يتعاطفون مع إسرائيل حينها كانت 33 في المئة. ومع أن من يصنفون أنفسهم ديمقراطيين معتدلين أو محافظين لا زالوا أكثر تعاطفًا مع إسرائيل منهم مع الفلسطينيين، بنسبة 35 في المئة إلى 17 في المئة، فإن اللافت أن نسبة المتعاطفين بينهم مع إسرائيل انخفضت انخفاضًا واضحًا منذ عام 2016 بأكثر من 18 نقطة مئوية، من 53 في المئة إلى 35 في المئة[14].

يدرك قادة الحزب الديمقراطي والمؤسسة التقليدية فيه الأكثر محاباة لإسرائيل هذا التحول في موقف قواعد حزبهم من الدولة العبرية، وهم يدقون منذ سنوات أجراس الإنذار، خصوصًا أن حزبهم هو الذي أَمْكَنَ من قيام إسرائيل عام 1948، تحت إدارة الرئيس هاري ترومان. وقد دفع النجاح النسبي الذي حققه التيار التقدمي، الأكثر نقدًا لإسرائيل، في الحزب في الانتخابات التشريعية النصفية عام 2018، بعدد من قادة الحزب إلى تشكيل لجنة سياسية لدعم مرشحين ديمقراطيين أشدّ تأييدًا لإسرائيل في انتخابات العام المقبل[15]. ومن المعروف أن طليب وعمر هما عضوان بارزان في التيار التقدمي والليبرالي الشاب في الحزب الديمقراطي، وليس سرًا أن المؤسسة التقليدية في الحزب خاضت معارك مريرة مع هذا التيار، وتحديدًا مع طليب وعمر، بسبب مواقفهما الناقدة لإسرائيل. لكن رضوخ نتنياهو لمطالب ترامب بحظر سفرهما وضع مؤسسة الحزب التقليدية المحابية لإسرائيل في موقف حرج، اضطرها وأشدّ أعضاء الحزب تأييدًا لها، بدءًا من الناطقة باسم الكونغرس، نانسي بيلوسي، مرورًا بزعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب، ستيني هوير، وزعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، شاك شومر، وليس انتهاء بكثير من المنافسين الديمقراطيين على مرشح الرئاسة، إلى أن يدينوا جميعًا القرار الإسرائيلي. بل إن بيلوسي وضعت نتنياهو في الدرجة ذاتها مع ترامب، لمّا قالت إنّ العلاقات الأميركية – الإسرائيلية أكبر منهما[16]. وكان لافتًا التحذير الذي أطلقه جيرمي بن عامي، المدير التنفيذي لمؤسسة “جي ستريت”، وهي إحدى الأذرع الليبرالية للّوبي الصهيوني الأميركي، من أن نتنياهو ومستشاريه يرتكبون خطأ استراتيجيًا عندما يقدمون إسرائيل على أنها فرع تابع للحزب الجمهوري[17].

‌2. التداعيات المحتملة على العلاقات الأميركية – الإسرائيلية

من الصعب تصور تداعيات كارثية مباشرة أو ذات معنى تمس بمتانة العلاقات الثنائية، الأميركية – الإسرائيلية، والانحياز الأميركي إلى إسرائيل، في المدى القريب أو حتى المتوسط، لكن لا ينبغي التقليل من الأضرار الكبيرة المحتملة التي قد تترتب على قرار إسرائيل غير المسبوق بمنع نواب من الكونغرس الأميركي من زيارتها ومن زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب نقدهم بعض سياساتها. ويمكن تلخيص أهم تلك التداعيات المحتملة في التالي:

  • أن تتحول إسرائيل تدريجيًا إلى قضية محل تجاذب حزبي سياسي في الولايات المتحدة، وهي التي تتمتع إلى اليوم بميزة كونها قضية فوق حزبية، تحظى بشبه إجماع على دعمها في الكونغرس ودوائر الإدارات الأميركية. وفي العقد الأخير، تكاثرت إرهاصات تحوّل إسرائيل إلى قضية حزبية من جرّاء صدامات نتنياهو المتكررة مع أوباما عندما كان رئيسًا، بل وصل به الأمر عام 2012، إلى دعم منافسه الجمهوري، ميت رومني، ضمنيًا. ثمّ إنه قام بخطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين البلدين، أو حتى في تاريخ علاقات الولايات المتحدة بأي دولة أخرى، وذلك عندما قبل دعوة من قيادة الحزب الجمهوري في الكونغرس، عام 2015، ليتحدث أمام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، من دون استئذان البيت الأبيض، وفي تحدٍ مباشر للرئيس، حول مخاطر الاتفاق النووي مع إيران؛ وهو ما أدى إلى أن يقاطع 56 عضوًا ديمقراطيًا من المجلسين خطابه[18].
  • في حالة خسارة ترامب الانتخابات الرئاسية المقبلة، ووصول مرشح ديمقراطي إلى الرئاسة من الذين انتقدوا القرار الإسرائيلي بمنع طليب وعمر من زيارتها، والساخطين من تساوق نتنياهو مع ترامب في اختزال العلاقات الأميركية – الإسرائيلية في الحزب الجمهوري، فإن إسرائيل الدولة قد تجد أن مصالحها الوطنية مع الولايات المتحدة معرضة لمخاطر حقيقية[19].
  • ينبني على النقطتين الأولى والثانية أن أصواتًا بدأت تعلو في الحزب الديمقراطي، تطالب اليوم بإخضاع المساعدات الأميركية العسكرية السنوية لإسرائيل بقيمة 3.8 مليارات دولار إلى تدقيق أكبر فيما يتعلق بمجالات إنفاقها واستخدامها. وبحسب السيناتور ساندرز، فإنه “إذا كانت إسرائيل لا تريد أن يزورها أعضاء من الكونغرس الأميركي […] فلربما ينبغي لها أن ترفض باحترام مليارات الدولارات التي نعطيها إياها”[20]. في حين طالبت عمر، وهي عضو في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، بربط المساعدات الأميركية لإسرائيل بمعاملتها للفلسطينيين[21].
  • ثمة من يشير إلى أن قرار نتنياهو منع النائبتين من التيار التقدمي زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة والدولة العبرية قدّم أكبر هدية لناشطي حركة المقاطعة BDS في الولايات المتحدة[22]؛ عبر إظهار إسرائيل دولةً لا تحترم القوانين الدولية، والأعراف الديبلوماسية، ولا حتى الحليف الأميركي، فضلًا عن انتهاكاتها حقوق الإنسان الفلسطيني واحتلالها الأرض الفلسطينية.

رابعًا: هواجس المنظمات اليهودية الأميركية

لعل أهم ما يقلق المنظمات واليهود الأميركيين هو الهوة التي تتعمق بين أغلبهم وبين إسرائيل، والتي اتسعت في العقد الأخير منذ وصول التحالف اليميني برئاسة نتنياهو إلى الحكم. وكانت سبقت الإشارة إلى أن أغلب اليهود الأميركيين ليبراليون، مقارنةً بحكومة نتنياهو المتحالفة مع ترامب والحزب الجمهوري. ولا يخفي كثير من اليهود الأميركيين وبعض منظماتهم ضيقهم من أن يوفر نسق العلاقة بين ترامب ونتنياهو للأول ملاذًا يحتمي به من اتهامات له ولقاعدته بحمل مشاعر معادية للساميّة[23].

وفي خضم هجوم ترامب على طليب وعمر، واتهاماته للحزب الديمقراطي بأنه أضحى مأوى لمشاعر معاداة الساميّة، كان لافتًا أنه هو نفسه لجأ إلى لغة تدل على معاداته للساميّة؛ وذلك لمّا اعتبر أن اليهود الأميركيين الذين يصوتون لصالح الحزب الديمقراطي إما أنهم “عديمو الولاء” وإمّا أنهم “جهلة”[24]. وفي حين دان مسؤولون كبار في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وأغلب المنظمات اليهودية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، تصريحات ترامب، وهي ليست الأولى له ضمن سياقات مماثلة، فإن نتنياهو وأعضاء حكومته التزموا الصمت ورفضوا التعليق على الموضوع، على أساس أن إسرائيل لا تتدخل في الصراعات الحزبية الأميركية[25].

وتشير معطيات عدة إلى أن نسبة معتبرة في قاعدة ترامب الانتخابية، التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض، تكنّ كراهية شديدة لليهود، عبرت عنها الشعارات المعادية لهم في الصدامات الدموية التي شهدتها مدينة تشارلز سيتي في ولاية فرجينيا في آب/ أغسطس 2017، ثم في مجزرة الكنيس اليهودي، في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، في مدينة بيتسبرغ في ولاية بنسلفانيا، والتي ذهب ضحيتها 11 مصلّيًا يهوديًا وستة جرحى، ونفذها أميركي أبيض متطرف.

يخشى كثير من هؤلاء، أيضًا، أن ترامب المتباهي دومًا بإسرائيل ودعمه لها، في حين يخوض معركة مشبعة بالعنصرية والكراهية ضد الأقليات العرقية والدينية في الولايات المتحدة، إنما يقوم بحشر إسرائيل، ومن ثمّ حشرهم تلقائيًا، في معسكر الكراهية والتطرف ذاته الذي يمثله.

خلاصة

يرى بعض المراقبين، أن الشخص الوحيد الذي خرج منتصرًا من تداعيات قضية طليب – عمر، هو ترامب نفسه؛ ذلك أنه عزز موقفه مدافعًا عن إسرائيل بين قاعدته الانتخابية الإنجيلية، في حين أنه لا يغامر كثيرًا بخسارة أصوات بين اليهود الأميركيين، الذين في الأصل لن يصوت له أغلبهم في الانتخابات المقبلة. في المقابل، فإن ترامب عمّق الصراع حول إسرائيل في الحزب الديمقراطي، وأضعف موقف أنصارها فيه؛ بسبب قرار المنع وتساوق نتنياهو مع ترامب. أما أكبر الخاسرين، فهو إسرائيل الدولة ومصالحها الوطنية؛ إذ إنّ نتنياهو قد يستفيد شخصيًا من الانطباع الذي يسعى للترويج له انتخابيًا، من أنه الرجل القريب من الرئيس الأميركي المتحالف معه لصالح إسرائيل وحصل من تلك العلاقة على مكاسب للدولة، كما في القدس والجولان، إلا أنه في المقابل عمّق الشرخ الآخذ في التوسع منذ سنوات مع الحزب الديمقراطي؛ على نحو يهدد باحتمال تحول إسرائيل إلى قضية حزبية، كما أنه يتباعد أكثر مع اليهود الأميركيين، وبعض مؤسساتهم النافذة لصالح إسرائيل.

يبقى منتصر آخر، ولكن ضمن مقاييس أخرى، ألا وهو التيار المنافح عن الحقوق الفلسطينية في الولايات المتحدة؛ إذ إن تحالف ترامب – نتنياهو نجح في جعل قضية فلسطين واحدة من قضايا الظلم والتمييز العنصري المسكوت عنها، في الولايات المتحدة والعالم، وهذا إنجاز كبير ما كان يحلم به كثيرون في هذا التيار.

يبقى مسألة أخيرة، أنه لا ينبغي توقّع تداعيات كبرى مباشرة على العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، فحتى في أوج الصدام بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو كان أوباما هو الرئيس الذي رفع، قبل مغادرته الحكم عام 2016، حجم المساعدات العسكرية لإسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيًا؛ بحيث أضحت 3.8 مليارات دولار، مدة عشر سنوات، دخلت حيز التنفيذ عام 2019 بقيمة كلية مقدارها 38 مليار دولار.

[1] Torey Van Oot, “U.S. Rep. Ilhan Omar Blasts Israel, Trump Over Trip Decision,” Star Tribune, 20/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: http://strib.mn/2NKDr2O

[2] Joseph Krauss, “Netanyahu’s Partisan Streak has Paid off, but for How Long?,” AP, 19/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/2UmSLUP

[3] Bob Fredericks, “Trump Mocks Rashida Tlaib’s Tears Over Family’s Treatment,” The New York Post, August 20/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/2zK1cjr

[4] Alex Pappas, “Tlaib Gets Emotional as Omar Calls for Congress to Act Over Israel Travel Restrictions,” Fox News, 20/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://fxn.ws/2TJgxtP

[5] Jonathan Swan & Barak Ravid, “Scoop: Trump Tells Advisers Israel Should Bar Entry to Reps. Omar and Tlaib,” AXIOS, 10/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/30On1tT

[6] Fredericks.

[7] Barbie Latza Nadeau, “Trump’s Tirade: Tells Dem Congresswomen to Leave U.S.,” The Daily Beast, 14/1/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/34fPTxf

[8] Matthew Rozsa, “Donald Trump and the Jews: He’s Exactly why Most of us Vote for Democrats,” Salon, 24/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/34fRxip

[9] Ibid.

[10] Ibid.

[11] Felicia Sonmez & John Wagner, “Trump Says Any Jewish People Who Vote for Democrats Are Showing ‘Great Disloyalty’ or ‘Lack of Knowledge’,” The Washington Post, 20/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://wapo.st/2Ulm8GV

[12] Aiden Pink, “FACT CHECK: Did Democratic Presidential Candidates Really Boycott AIPAC?,” The Forward, 27/3/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/32lBq17

[13] Nielson Scarborough, “American Views of the Israeli-Palestinian Conflict,” University of Maryland Critical Issues Poll, December 2018, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/2C8lqp5

[14] “Republicans and Democrats Grow Even Further Apart in Views of Israel, Palestinians,” Pew Research Center, 23/1/2018, accessed on 1/9/2019, at: https://pewrsr.ch/2ZJnyw2

[15] Jonathan Martin, “Prominent Democrats Form Pro-Israel Group to Counter Skepticism on the Left,” The New York Times, 28/1/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://nyti.ms/2FT4FBr

[16] Lisa Mascaro, “AP Interview: Pelosi Assails ‘Weakness’ of Trump, Netanyahu,” AP, 17/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/34kmq5E

[17] Matt Viser & Rachael Bade, “A Toxic Rift Opens between Democrats and Israel after the Nation Refuses Entry to Two Members of Congress,” The Washington Post, 16/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://wapo.st/34fkStt

[18] Mike Lillis, “WHIP LIST: 56 Democrats to Skip Netanyahu Speech to Congress,” 9/2/015, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/2zK5TK5

[19] Krauss.

[20] Viser & Bade.

[21] Cristina Marcos, “Omar Says US should Reconsider Aid to Israel,” The Hill, 19/8/019, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/2lg2XRn

[22] Sam Brodey, “Israel’s Snub of Ilhan Omar and Rashida Tlaib Is a Gift for the BDS Movement,” The Daily Beast, 18/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/2liyzpw

[23] Joe DePaolo, “Trump Called Out For Deriding Most Jews in America as Ignorant or Disloyal: ‘Blatantly Anti-Semitic’,” MSN, 21/8/2019, accessed on 1/9/2019, at: https://bit.ly/2kb7vbJ

[24] Ibid.

[25] Sonmez & Wagner.

 

رابط المصدر:

https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/The-decision-to-block-the-visits-of-US-representatives-Tlaib-and-Omar-and-its-repercussions-for-US-Israeli-relations.aspx

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M