ما مدى تهديد فيروس كورونا لدول الخليج؟

دلال العكيلي

أعلن عدد من البلدان العربية اتخاذ إجراءات صحية صارمة لمنع تفشي فيروس كورونا، خاصة في دول الخليج، وذلك بعد ظهور العديد من الإصابات في إيران، وحصد الفيروس الكثير من الارواح حول العالم وفي دول الخليج وهذا له اثار كبيرة وخاطر كثيرة اذ منها يهدد إلغاء أو تأجيل دول الخليج الغنية بمصادر الطاقة سلسلة من المؤتمرات والفعاليات بسبب مخاوف من فيروس كورونا المستجد، بتعميق الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها هذه الدول بفعل تراجع أسعار النفط، وتم إلغاء فعاليات رياضية ومعارض اقتصادية في السعودية والإمارات وقطر، بينما قامت الرياض كذلك بتعليق أداء العمرة في مسعى لتجنب انتشار المرض.

وتم تسجيل أكثر من 150 مصابا بفيروس كورونا المستجد في البحرين والكويت وسلطنة عمان وقطر والإمارات والسعودية، غالبيتهم عادوا من إيران، ويسعى الخليج جاهدا للتكيف مع انخفاض عائدات النفط بسبب الأزمة التي أدّت إلى شلل في الاقتصاد في الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، وقرّرت السلطات السعودية تعليق العمرة “موقتًا للمواطنين والمقيمين” في المملكة، خشية وصول فيروس كورونا المستجد للمسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة، بعد نحو أسبوع من تعليقها للمعتمرين الوافدين.

كما قرّرت المملكة المحافظة تأجيل أو وقف مؤتمرات ومعارض كبرى ووضعت قيودا على دخول الأجانب، وأعلن مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي تأجيل دورته الافتتاحية التي كان من المقرر عقدها هذا الشهر في مدينة جدة السعودية “تماشيا مع الاجراءات الاحترازية الوقائية” ضد انتشار الفيروس الذي اودى بنحو 3200 شخص في العالم حتى الآن، وفي إمارة دبي المعروفة باستضافتها مئات المعارض والمؤتمرات سنويا، تم إلغاء معرض “آرت دبي” الفني السنوي، ومعرض دولي للقوارب وغيرها.

وقال رجل أعمال فرنسي يدير شركة علاقات عامة في دبي لوكالة فرانس برس “كان لدينا خطط لإقامة فعالية علاقات عامة لعلامة مجوهرات خلال آرت دبي، واستضافة تجمع على هامش مهرجان الفيلم في السعودية”، مضيفا “ألغي الحدثان”، وتم أيضا تأجيل أو إلغاء عدد من الفعاليات الرياضية، بينها طواف الإمارات للدراجات بعد أن ألغت السلطات المرحلتين الأخيرتين منه بعد تشخيص إصابة فنيين من احد الفرق المشاركة، ما دفع السلطات الى وضع عشرات المتسابقين والفنيين وغيرهم في حجر صحي في فنادق بأبوظبي وتم تشخيص ست إصابات إضافية مرتبطة بذلك، واتّخذت السلطات الإماراتية إجراءات احترازية عديدة آخرها تعليق الدراسة في المدارس والمؤسسات التربوية الأخرى الحكومية والخاصة لمدة اربع أسابيع.

تداعيات اقتصادية

وحذرت مؤسسة “كابيتال ايكونوميكس” المالية الاستشارية ومقرها لندن من أن انتشار فيروس كورونا المستجد أدى إلى خفض توقعاتها للنمو في الشرق الأوسط لعام 2020 بنسبة 0,5 بالمئة لتصبح 2%، وقالت المؤسسة في تقرير “اقتصاد الإمارات هو الأضعف وتهدد التداعيات بإثارة مخاوف متعلقة بديون دبي”.

وفي حال استمرار الأزمة، فإن هذا قد يؤثر على معرض اكسبو 2020 الذي تستضيفه الإمارة الخليجية، وتعوّل دبي على اكسبو بين تشرين الأول/اكتوبر 2020 ونيسان/ابريل 2021 لتنشيط قطاعيها التجاري والسياحي، وتأمل في جذب 25 مليون زائر، وتقدر “كابيتال ايكونوميكس” ان دول الخليج الست قد تخسر نحو 40 مليار دولار من عائدات النفط هذا العام، بعد انخفاض الأسعار من نحو 70 دولارا إلى 50 دولارا للبرميل.

وستحاول الدول الأعضاء في منظمة أوبك وشركاؤها لجم هبوط أسعار النفط بسبب أزمة الفيروس الذي يؤثر على الطلب العالمي، خلال اجتماع الخميس والجمعة في فيينا، وأضرت إجراءات احتواء الفيروس بقطاعات السياحة والطيران والبيع بالتجزئة.

وقرّرت شركاتا الطيران الإماراتية الأبرز “الاتحاد للطيران” و”طيران الإمارات”، حث موظفيها على أخذ إجازات غير مدفوعة الأجر، بينما قامت بإلغاء وإعادة جدولة الرحلات، وقال ام. أر. راغو نائب الرئيس التنفيذي في إدارة الأبحاث المنشورة في المركز المالي الكويتي إنه “في مواجهة الوباء وفي ظل اغلاق التجمعات والشركات، ستتعطل سلاسل الإمداد وسيتأثر الاستهلاك والإنفاق”.

لاول مرة السعودية تغلق صحن الكعبة

قالت وكالة الأنباء السعودية الرسمية أن سلطات بلادها قررت إبقاء صحن الكعبة مغلقا طوال فترة تعليق العمرة، في إجراء “احترازي” غير مسبوق، خشية وصول فيروس كورونا لأقدس المواقع لدى المسلمين، وذكرت الوكالة أنه “وفقا للإجراءات الصحية الاحترازية ولضرورة تكثيف أعمال التنظيف والتعقيم في الحرمين الشريفين سيتم إغلاق صحن المطاف حول الكعبة، والمسعى بين الصفا والمروة طوال فترة تعليق العمرة. وستكون الصلاة داخل المسجد فقط”.

وتشمل الإجراءات “إغلاق الحرمين الشريفين بعد انتهاء صلاة العشاء بساعة وإعادة فتحهما قبل صلاة الفجر بساعة كما أكّدت أنه “تقرر عدم السماح بالاعتكاف والافتراش أو إدخال الأطعمة والمشروبات وسيتم إغلاق مشارب ماء زمزم” المباركة عند المسلمين، وانتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي صور وتسجيلات أظهرت الكعبة في وسط باحة المسجد فوق أرضية بيضاء وحيدة تحيط بها حواجز بلاستيكية، إلى جانب مجموعة من عناصر الأمن وعمّال النظافة.

وأعلنت السلطات حتى الآن عن خمس إصابات لأشخاص عادوا من إيران، حيث توفي 107 أشخاص بسبب هذا الفيروس، وقررت السعودية تعليق العمرة “مؤقتا للمواطنين والمقيمين” في المملكة تفاديا لانتشار فيروس كورونا “ومنع وصوله إلى الحرمين الشريفين”، وكانت الرياض قد قررت في وقت سابق تعليق دخول الراغبين في أداء العمرة إلى أراضيها بصفة مؤقتة.

وقف العمرة

بعد قرارها منع المعتمرين من الوصول إلى المواقع الإسلامية المقدسة لاحتواء فيروس كورونا المستجد، تجد السعودية نفسها في موقف قد يكون محفوفا بالمخاطر من الناحية السياسية ولو أنه ضروري بالنسبة لتدابير الوقاية، قررت المملكة تعليق العمرة التي يمكن تأديتها على مدار العام بسبب مخاوف من وصول الوباء إلى مكة والمدينة، ما يطرح تساؤلات بصدد موسم الحج المقرر في تموز/يوليو، قد يشكل الحج، الذي يشهد توافد ملايين الاشخاص على مواقع دينية تكتظ بهم ما يمكن أن يسهل انتقال العدوى.

ويأتي تعليق العمرة حاليا في إطار اجراءات احترازية اتخذت في كافة دول الخليج، بعد الغاء التجمعات الجماهيرية، من الحفلات الموسيقية إلى الأحداث الرياضية، مع هذا، فإن المسألة تشكل تحديا بارزا محتملًا في منطقة مضطربة حيث تخاطر بإثارة المتشددين المتطرفين الذين يرون الدين مقدّماً على الاعتبارات الصحية والمسلمين المتدينين الذين يعتبرون الحج شعيرة لا يمكن إلغاؤها.

وتعاني المملكة بالفعل من تراجع أسعار النفط في شكل كبير، وهي تخاطر الآن أيضًا بخسارة مليارات الدولارات التي تكسبها سنويا من عوائد السياحة الدينية مع فرض قيود على زيارة مكة والمدينة، وأدّى 18,3 مليون شخص مناسك العمرة في العام 2018، بحسب الأرقام الرسمية في المملكة، وسلطت إدارة الرياض للأزمة أيضا الضوء على الدور السعودي كراع للأماكن المقدسة، وهي أحد أركان شرعيتها السياسية، وقالت ياسمين فاروق الباحثة في مركز “كارنيغي” إن الاضطرابات الناجمة عن فيروس كورونا منحت نقاد وخصوم المملكة الإقليميين ذخيرة جديدة “لإثارة تساؤلات حول سيطرة السعودية على أقدس المواقع الإسلامية”.

وأفادت فاروق وكالة فرانس برس أن وسائل الإعلام الحكومية السعودية نشرت سلسلة من التأييدات من قبل هيئات إسلامية، من المفتي العام في نيوزيلندا إلى ماليزيا ودول اخرى، ما يشير إلى “قلق الرياض من إمكانية تسييس هذه الخطوة واستخدامها ضدها”، وسعى المراقبون المؤيدون للسعودية إلى توجيه التركيز إلى خصوم المملكة، حيث أثار البعض على وسائل التواصل الاجتماعي السخرية بعد أن وصفوا الفيروس بأنه من “عمل قطر” أو مؤامرة من جانب إيران.

ولم تعقب السلطات في السعودية على ما جرى تداوله وحتى بعد ظهر أعلنت الجهات المعنية في المملكة عن ارتفاع الإصابات بالفيروس لديها إلى خمس، وباتخاذها إجراءات الوقاية، تصرفت السعودية بخلاف غريمتها الإقليمية إيران، التي تكافح من أجل احتواء انتشار الفيروس من مواقعها الشيعية المقدسة حيث يبدو أن الزوار ورجال الدين تحدوا التحذيرات الصحية، وقال عمر كريم الزميل الزائر في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن لفرانس برس إنّ “السعودية تحاول تقديم نفسها على أنها أكثر مسؤولية من إيران”.

وتبع “لكن، هناك تخوف من أن قرارها قد يشعل النقاش السياسي في العالم الإسلامي حول ما إذا كان ينبغي أن تكون (السعودية) السلطة الوحيدة المسؤولة عن الحج والمدينتين المقدستين” في إشارة لمكة والمدينة

إلغاء أو تأجيل أحداث اقتصادية وفنية ورياضية

صدرت قرارات إما بإلغاء أو تأجيل أحداث اقتصادية وحفلات موسيقية وأحداث أخرى مهمة في دول خليجية فيما كثفت السعودية إجراءات الفحص الصحي مع تفشي فيروس كورونا في منطقة الخليج، واكتُشفت إصابة ما لا يقل عن 2476 شخصا بالفيروس في منطقة الخليج معظمهم في إيران حيث أودى المرض بحياة 77 شخصا كما أعلنت بلدان أخرى في منطقة الشرق الأوسط عن حالات إصابة.

وفي الإمارات، وهي مركز للسياحة والأعمال، ألغي مهرجان ألترا للموسيقى الإلكترونية الذي كان مقررا تنظيمه في الخامس والسادس من مارس آذار في ساحة دو أرينا التي تتسع لنحو 25 ألف شخص بأبوظبي، كما ألغي حفل (ميوزيك بانك) لموسيقى البوب الكورية والذي كان مقررا إقامته يوم 21 من هذا الشهر في ساحة كوكاكولا أرينا دبي التي تتسع لنحو 17 ألف شخص.

وأشار منظمو مهرجان ألترا، الذي كانت ستشارك فيه فرقة (ميجر ليزر) للموسيقى الإلكترونية ومنسق الأغاني أفروجاك، إلى قيود على السفر فرضتها بعض البلدان وشركات الطيران في ظل الانتشار السريع للفيروس، وقالت الشركة المنظمة لحفل (ميوزيك بانك) إن قرار الإلغاء جاء بسبب انتشار الفيروس في كوريا الجنوبية وغيرها.

والمؤتمرات والحفلات الموسيقية والأحداث الرياضية من عوامل الجذب الرئيسية للزوار الأجانب في الإمارات التي أعلنت رصد 27 حالة إصابة بفيروس كورونا، وقال منظمو معرض (آرت دبي) الدولي للفنون إنه تقرر أيضا إرجاء المعرض الذي كان مقررا إقامته من 25 إلى 28 مارس آذار، كما تقرر أيضا إرجاء منتدى للمرأة ومهرجان لليوجا في أبوظبي وإلغاء المهرجان الهندوسي في دبي، وألغت قطر معرضا للدفاع وأرجأت البحرين مؤتمرين للنفط والغاز من الشهر الجاري إلى النصف الثاني من العام.

وقالت وزارة الصحة السعودية إنه يجري فحص من يدخلون المملكة برا بمن فيهم القادمون من الجسر الذي يربط بينها وبين البحرين، وأعلن مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي تأجيل دورته الافتتاحية التي كان من المقرر إقامتها في جدة ثاني أكبر مدن السعودية، وذكر المهرجان في بيان نشره على موقعه أنه “يتوجب علينا جميعا مواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وألا نتوانى في دعم وتلبية الجهود والإجراءات المفروضة استجابة لكبح انتشار الفيروس عالميا”، كما تأجل سباق جائزة السعودية الكبرى ضمن بطولة العالم للفورمولا 1 للزوارق السريعة إلى أجل غير مسمى بسبب تفشي كورونا عالميا، وأرجأت الكويت دورة الألعاب الخليجية من أبريل نيسان إلى ديسمبر كانون الأول كما أغلقت حديقة الحيوانات وذكرت وكالة الأنباء الكويتية يوم الثلاثاء أن وزارة الصحة أصدرت تعليمات للمقاهي بالامتناع عن تقديم الأرجيلة (الشيشة).

 

رابط المصدر:

https://annabaa.org/arabic/reports/22479

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M