إضعاف السلطة أم إسقاطها؟ حدود الاستراتيجية الإسرائيلية وخيارات الصمود الفلسطيني

الملخص التنفيذي

تواجه السلطة الوطنية الفلسطينية واحدة من أخطر مراحلها منذ تأسيسها، في ظل ضغوط إسرائيلية متراكمة تمس قدرتها المالية والأمنية والإدارية والسياسية، وتترافق مع توسيع الاستيطان، وتقويض التواصل الجغرافي الفلسطيني، وإضعاف قدرة المؤسسات الفلسطينية على ممارسة وظائفها.

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن السياسة الإسرائيلية، ولا سيما في ظل صعود اليمين، لا تستهدف بالضرورة إسقاط السلطة بصورة فورية، بقدر ما تعمل على إبقائها قائمة مع إضعاف قدرتها ومنع تحولها من سلطة حكم ذاتي إلى قاعدة مؤسسية لدولة فلسطينية مستقلة.

غير أن هذه السياسة تنطوي على تناقض جوهري: فالإضعاف المستمر ليس عملية يمكن التحكم بحدودها إلى ما لا نهاية. وقد تصل السلطة إلى نقطة يتحول عندها الضعف التدريجي إلى عجز وظيفي، ثم إلى تفكك سياسي وأمني يصعب التحكم بنتائجه.

ولا يقف الخطر عند حدود الفراغ الداخلي؛ إذ قد يؤدي الانهيار إلى تدخلات إقليمية ودولية متزايدة لاحتواء تداعياته، وضمان استمرار الخدمات، وحماية المصالح والاستقرار، بما قد يفتح المجال أمام ترتيبات ومراكز نفوذ تتجاوز المؤسسات الفلسطينية.

وفي المقابل، ينبغي عدم مساواة انهيار السلطة بانهيار النظام السياسي الفلسطيني بكامله. فمنظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والمرجعية الوطنية الجامعة، تمثل خط استمرارية وطنياً يمكن أن يحافظ على المرجعية السياسية والقرار الوطني في حالات العجز المؤسسي الحاد، شريطة تعزيز قدرتها وتجديد مؤسساتها وتفعيل دورها.

ولا تملك القيادة الفلسطينية، في ظل اختلال موازين القوى، أدوات تمكنها منفردة من وقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية. لكنها تملك مساحات مهمة للفعل، في مقدمتها تجديد الشرعية، ووحدة الحكم، والإصلاح، وكفاءة المؤسسات، واستعادة ثقة المواطن، وتعزيز شبكة الأمان العربية والدولية.

وعليه، ينتقل السؤال من:

كيف نحافظ على السلطة؟

إلى:

كيف نحمي النظام السياسي الفلسطيني من التفكك، ونحافظ على استمرارية المرجعية الوطنية، ونعيد بناء القدرة والشرعية بما يحول المؤسسات الفلسطينية إلى قاعدة لتجسيد دولة فلسطين؟

أولاً: المشكلة الاستراتيجية

السؤال المتداول هو:

هل تريد حكومة بنيامين نتنياهو إضعاف السلطة الفلسطينية أم القضاء عليها؟

لكن صياغة السؤال بهذه الثنائية قد تكون مضللة، لأنها تفترض أن إسرائيل أمام خيارين فقط: الإبقاء على السلطة أو إسقاطها.

الأكثر دقة هو النظر إلى ثلاثة مستويات مترابطة:

إضعاف السلطة → إخضاع قدرتها على الفعل → منع تحولها إلى دولة.

فالسياسة الإسرائيلية لا تستهدف مؤسسة السلطة فقط، وإنما البيئة السياسية والجغرافية والاقتصادية التي يمكن أن تسمح بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

ومن هنا فإن السؤال الاستراتيجي الأكثر أهمية ليس فقط:

ماذا تريد إسرائيل؟

بل:

إلى أين تقود سياساتها، ومتى يمكن أن يتحول الإضعاف إلى عجز، وما الذي يستطيع الفلسطينيون فعله لمنع تحول العجز إلى تفكك سياسي وتقويض لإمكانية الدولة؟

ثانياً: من إضعاف السلطة إلى أزمة القدرة على الحكم

تتعرض السلطة الفلسطينية لضغوط متزامنة تمس العناصر الأساسية لقدرتها على الحكم، من بينها الضغوط المالية والاقتطاعات من أموال المقاصة، والعمليات العسكرية المتكررة، والاعتقالات والإجراءات بحق مؤسسات وأفراد في أجهزة الدولة، والتوسع الاستيطاني، وإضعاف التواصل الجغرافي، وتقليص المجال المتاح أمام المؤسسات الفلسطينية.

ولا تكمن خطورة هذه الإجراءات في أثر كل منها منفرداً، وإنما في الأثر التراكمي لتفاعلها.

فهي تؤثر في قدرة السلطة على دفع الرواتب وتقديم الخدمات وإنفاذ القانون والمحافظة على النظام العام، وفي الوقت نفسه تضعف صورتها وثقة المواطن بقدرتها.

وعندما تتراجع قدرة المؤسسة على تقديم الخدمات وإنفاذ القانون وتمثيل المواطنين، فإن المشكلة تتجاوز الأزمة المالية أو الأمنية لتصبح أزمة قدرة على الحكم.

ثالثاً: ما الوظيفة الاستراتيجية لإضعاف السلطة؟

لا يمكن الجزم بالنوايا الشخصية لرئيس الوزراء الإسرائيلي أو اختزال السياسة الإسرائيلية في إرادة شخص واحد، لكن يمكن تحليل اتجاهها من خلال السياسات والنتائج التي تنتج عنها.

وتشير هذه السياسات إلى معادلة أساسية:

إسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى غياب السلطة، لكنها لا تريد سلطة قوية قادرة على التحول إلى دولة.

فانهيار السلطة بالكامل قد يخلق فراغاً أمنياً وإدارياً واسعاً، ويضع إسرائيل أمام أعباء ومسؤوليات إضافية، ويفتح المجال أمام ظهور قوى يصعب التنبؤ بسلوكها.

وفي المقابل، فإن وجود سلطة فلسطينية قوية، تتمتع بشرعية سياسية ومؤسسات فاعلة ووحدة سياسية وجغرافية، يمكن أن يشكل قاعدة مؤسسية لتجسيد دولة فلسطين.

وبين هذين الاحتمالين تبرز الصيغة الأكثر انسجاماً مع توجهات اليمين الإسرائيلي:

سلطة موجودة ولكنها ضعيفة؛ تتحمل مسؤوليات السكان دون امتلاك مقومات السيادة، وتؤدي الوظائف الضرورية دون امتلاك القدرة على التحول إلى دولة.

وعليه، فإن القضية الأعمق ليست القضاء على السلطة ككيان إداري، وإنما منع قيام الدولة الفلسطينية التي يفترض أن تكون السلطة مرحلة انتقالية نحوها.

رابعاً: المعضلة الإسرائيلية — هل يمكن ضبط حدود الإضعاف؟

تفترض سياسة إضعاف السلطة إمكانية إبقائها عند مستوى يسمح باستمرار وظائفها الأساسية دون أن تصبح قوية بما يكفي لتشكل قاعدة لدولة، ودون أن تنهار بالكامل.

لكن المؤسسات لا تنتقل دائماً بصورة خطية من القوة إلى الضعف، وقد تصل إلى نقطة تحول يصبح بعدها التراجع سريعاً ومتراكماً:

ضغط مالي وسياسي وأمني

تراجع القدرة المؤسسية

تراجع ثقة المواطن

ضعف القدرة على إنفاذ القانون

ظهور بدائل محلية وغير رسمية

العجز الوظيفي

التفكك.

وهنا تكمن المفارقة:

قد لا تتخذ إسرائيل قراراً بإسقاط السلطة، لكنها قد تنتج بسياساتها الظروف التي تؤدي إلى انهيارها.

وبذلك ينتقل الخطر من سؤال النوايا الإسرائيلية إلى ديناميات نتائج قد تتجاوز قدرة جميع الأطراف على التحكم بها.

خامساً: ما بعد السلطة — فراغ أم استمرارية وطنية؟

من الخطأ افتراض أن انهيار السلطة سيؤدي تلقائياً إلى انتقال منظم للسلطة إلى أي تنظيم سياسي معروف.

ففي حالة حدوث فراغ واسع قد تظهر تشكيلات مسلحة محلية، وشبكات نفوذ عائلية ومناطقية، وقوى اقتصادية واجتماعية، وقيادات محلية خارج الأطر التقليدية، ومراكز متعددة تتنافس على الموارد والنفوذ.

وقد تصبح المعادلة:

تراجع السلطة → فراغ → تعدد مراكز القوة → تفكك المجال السياسي والأمني.

لكن هذه ليست النتيجة الوحيدة الممكنة.

فالسلطة الوطنية الفلسطينية ليست الإطار الوطني الفلسطيني الوحيد. وتبقى منظمة التحرير الفلسطينية المرجعية السياسية والتمثيلية الأوسع للشعب الفلسطيني.

ومن هنا ينبغي النظر إليها باعتبارها خط استمرارية وطنياً في حال تعرض مؤسسات السلطة لعجز خطير.

ويمكن تصور مسار استمرارية يقوم على:

تعثر السلطة

الحفاظ على مرجعية منظمة التحرير

توافق فلسطيني على ترتيبات انتقالية

حماية استمرارية المؤسسات والخدمات

منع الفراغ السياسي والأمني

إعادة بناء القدرة والشرعية.

وهذا يتطلب ألا يبدأ التفكير في دور المنظمة بعد وقوع الانهيار، وإنما العمل مسبقاً على تعزيز قدرتها وتجديد مؤسساتها وتوسيع قاعدة المشاركة فيها.

فالهدف ليس نقل أزمة السلطة إلى منظمة التحرير، بل استخدام المرجعية الوطنية لمنع تحول أزمة مؤسسة إلى أزمة وجود للنظام السياسي الفلسطيني.

سادساً: خطر التدخلات الإقليمية والدولية

الفراغ الفلسطيني، إذا حدث، لن يبقى فلسطينياً صرفاً.

فالموقع الجيوسياسي للضفة الغربية، وحساسيتها الأمنية، وارتباط القضية الفلسطينية بالاستقرار الإقليمي، تجعل من الصعب تصور انهيار واسع دون محاولات خارجية لاحتواء نتائجه.

وقد تبدأ هذه التدخلات سياسياً ومالياً وإنسانياً، من خلال تمويل الخدمات، ودعم مؤسسات أو فاعلين محليين، والوساطة السياسية، أو المساعدة في ترتيبات أمنية وإدارية مؤقتة.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من الأدوار الإقليمية:

دول الجوار المباشر، وفي مقدمتها الأردن ومصر: ترتبط حساباتها بصورة مباشرة بالأمن والجغرافيا والاستقرار ومنع انتقال الفوضى عبر الحدود.

الدول العربية الداعمة: تستطيع توفير شبكة أمان مالية وسياسية ودبلوماسية للمؤسسات الفلسطينية، بما يقلل احتمالات الانهيار.

قوى إقليمية أخرى: قد ترى في الفراغ فرصة لتوسيع نفوذها أو دعم فاعلين فلسطينيين يتوافقون مع مصالحها.

وعلى المستوى الدولي، قد تجد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والدول المانحة نفسها أمام ضغوط للبحث عن ترتيبات مؤقتة لضمان استمرار الخدمات والاستقرار.

ولا يعني ذلك حتمية التدخل الخارجي أو افتراض نوايا موحدة لدى هذه الأطراف. لكن القاعدة الاستراتيجية واضحة:

كلما ضعف المركز الفلسطيني، اتسعت مساحة الفاعلين الخارجيين للتأثير في الترتيبات التي قد تنشأ بعده.

ومن هنا فإن حماية المؤسسات الفلسطينية ووحدة المرجعية السياسية ليست مسألة داخلية فقط، بل وسيلة لحماية استقلالية القرار الوطني الفلسطيني.

سابعاً: خريطة الفاعلين

لا يمكن فهم الأزمة من خلال ثنائية «إسرائيل والفلسطينيين» فقط.

الجانب الإسرائيلي

توجد الحكومة واليمين الديني والقومي، والمؤسسة الأمنية والعسكرية، والمستوطنون، والمعارضة السياسية، ولكل منها مصالح وحسابات قد تختلف بشأن حدود الضغط على السلطة.

فبعض القوى قد ترى في إضعافها وسيلة لمنع الدولة الفلسطينية، بينما قد ترى المؤسسة الأمنية في انهيارها الكامل تهديداً للاستقرار ومصدراً لأعباء إضافية.

الجانب الفلسطيني

توجد منظمة التحرير، والرئاسة، والحكومة، وفتح، وحماس، والفصائل، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والقوى المحلية.

ولا تتطابق مصالح هذه الأطراف، لكن تفكك المجال السياسي الفلسطيني سيصيبها جميعاً.

المستوى الإقليمي والدولي

توجد دول الجوار، والدول العربية الداعمة، والقوى الإقليمية الأخرى، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة والدول المانحة.

ومن هنا لا يكفي أن نسأل:

من يريد ماذا؟

بل يجب أن نسأل أيضاً:

من يستطيع فعل ماذا؟ وكيف تتغير قدرته على التدخل كلما ضعف المركز الفلسطيني؟

ثامناً: حدود القدرة الفلسطينية

لا تملك القيادة الفلسطينية الأدوات اللازمة لمنع إسرائيل منفردة من اتخاذ إجراءات أحادية في الأراضي المحتلة، وأي استراتيجية تفترض خلاف ذلك ستكون مبنية على تقدير غير واقعي لموازين القوى.

لكن ضعف القدرة على التحكم بالسلوك الإسرائيلي لا يعني انعدام القدرة الفلسطينية على الفعل.

ما نستطيع التحكم به بدرجة كبيرة

الإصلاح الداخلي، والحوكمة، وكفاءة المؤسسات، وإدارة الموارد، وسيادة القانون، ونزاهة الانتخابات، وحياد المؤسسات العامة، وتجديد المؤسسات الوطنية، وتحسين العلاقة بين المواطن والمؤسسة.

ما نستطيع التأثير فيه دون التحكم به

المواقف العربية والدولية، والدعم المالي والسياسي، والعلاقات مع القوى الدولية، والرأي العام الدولي، وكلفة الإجراءات الإسرائيلية سياسياً ودبلوماسياً، وطبيعة المساعدة الخارجية في حالات الأزمات.

ما لا نملك قدرة مباشرة على التحكم به

الاستيطان، والعمليات العسكرية الإسرائيلية، والقرارات الحكومية الإسرائيلية، والتحولات الداخلية في المجتمع والسياسة الإسرائيليين.

وهذا التمييز ضروري حتى لا تهدر القيادة مواردها في محاولة التحكم بما لا تستطيع التحكم به، وتتجاهل المجالات التي تستطيع فيها إحداث تغيير حقيقي.

تاسعاً: السيناريوهات المحتملة

ينبغي التمييز بين احتمالية السيناريو وخطورته؛ فالسيناريو الأكثر خطورة ليس بالضرورة الأكثر ترجيحاً.

السيناريو الأول: الإضعاف المضبوط

تستمر السلطة في أداء وظائفها الأساسية، لكنها تفقد تدريجياً الموارد والقدرة والهيبة، بينما تتواصل الإجراءات التي تحول دون قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

درجة الترجيح في المدى القريب: مرتفعة نسبياً.
درجة الخطورة: مرتفعة تراكمياً.

السيناريو الثاني: الانهيار الوظيفي التدريجي

تبقى السلطة موجودة رسمياً، لكنها تفقد تدريجياً القدرة على الوفاء بالتزاماتها وتقديم الخدمات وإنفاذ القانون والسيطرة الفعلية على أجزاء متزايدة من المجال الذي تديره.

وهنا يبقى شكل السلطة بينما تتآكل وظيفتها.

درجة الترجيح: متوسطة إلى مرتفعة إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
درجة الخطورة: عالية.

السيناريو الثالث: التفكك وتعدد مراكز القوة

يتجاوز التراجع نقطة حرجة، فتظهر قوى محلية ومسلحة واجتماعية واقتصادية جديدة، ويتحول المجال الفلسطيني إلى مراكز نفوذ متعددة، مع ازدياد فرص التدخلات الخارجية.

درجة الترجيح في المدى القريب: أقل من السيناريوهين السابقين.
درجة الخطورة: شديدة جداً.

فالسيناريو الثالث ليس بالضرورة الأكثر احتمالاً، لكنه الأعلى كلفة والأصعب في الاحتواء إذا وقع.

السيناريو الرابع: الاحتواء والتراجع النسبي للضغوط

تؤدي اعتبارات أمنية إسرائيلية أو ضغوط عربية ودولية أو تغيرات سياسية إلى الحد من بعض الإجراءات التي تهدد استمرارية السلطة، دون أن يعني ذلك تحولاً إسرائيلياً نحو قبول الدولة الفلسطينية.

درجة الترجيح: مرتبطة بالمتغيرات السياسية والإقليمية والدولية.
درجة الخطورة: أقل، لكنه لا يحل المشكلة الاستراتيجية الأساسية.

عاشراً: الخيار الفلسطيني — استعادة المبادرة

لا ينبغي أن يكون الهدف الفلسطيني مجرد المحافظة على الوضع القائم.

فالسلطة الضعيفة التي تستمر في فقدان شرعيتها وقدرتها ليست هدفاً وطنياً في حد ذاتها.

المطلوب هو الانتقال من إدارة التراجع إلى إدارة الصمود وإعادة بناء القدرة من خلال:

تجديد الشرعية.

تعزيز وحدة الحكم.

الإصلاح المؤسسي.

استعادة ثقة المواطن.

تفعيل منظمة التحرير وتجديد مؤسساتها.

إعادة توجيه مؤسسات السلطة نحو بناء الدولة.

ويحكم العلاقة مع الأطراف الخارجية مبدأ أساسي:

تدويل حماية المؤسسات الفلسطينية دون تدويل القرار الوطني الفلسطيني.

أي الاستفادة من الدعم العربي والدولي لمنع انهيار المؤسسات وتعزيز قدرتها، مع المحافظة على أن تكون الأولويات والهياكل والقرارات السياسية نابعة من الشرعية الفلسطينية.

حادي عشر: الانتخابات كأداة ضمن الاستراتيجية

ينبغي وضع الانتخابات الفلسطينية القادمة ضمن هذا الإطار، لا التعامل معها كحدث منفصل أو معركة وجود بين الفصائل.

فالانتخابات لا تحل بمفردها أزمة النظام السياسي، لكنها تستطيع أن تشكل مدخلاً لتجديد الشرعية واستعادة الثقة وإعادة تنظيم التعددية السياسية داخل إطار قانوني واحد.

وينبغي أن تقوم على خمسة مبادئ:

أولاً: اعتبار الانتخابات أداة لتجديد الشرعية، لا لتثبيت شرعية فرد أو فصيل.

ثانياً: ضمان أوسع مشاركة سياسية ممكنة ومنع الإقصاء.

ثالثاً: تحييد المؤسسات العامة والإعلام الرسمي عن المنافسة الحزبية.

رابعاً: عدم السماح للعقبات الإسرائيلية، بما فيها ما يتعلق بالقدس، بأن تتحول تلقائياً إلى ذريعة فلسطينية لإلغاء العملية الانتخابية، مع إعداد البدائل القانونية والفنية الممكنة.

خامساً: الفصل بين انتخابات مؤسسات السلطة وبين التمثيل الوطني الفلسطيني الشامل، بما يحفظ دور منظمة التحرير ومؤسساتها، وفي مقدمتها المجلس الوطني، في تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات.

ثاني عشر: مؤشرات الإنذار المبكر

إذا كان الخطر الحقيقي يكمن في انتقال السلطة من الضعف إلى العجز، فإن المطلوب بناء نظام لرصد نقطة التحول قبل الوصول إليها.

ومن أبرز المؤشرات:

العجز المستدام عن دفع الرواتب والالتزامات الأساسية.
تراجع قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات الأساسية.
اتساع المناطق التي تتراجع فيها القدرة الفعلية على إنفاذ القانون.
زيادة انتشار الجماعات المسلحة غير الخاضعة لأطر تنظيمية واضحة.
ظهور هياكل محلية موازية تتولى وظائف كانت تقوم بها السلطة.
تراجع الامتثال للقرارات القضائية والإدارية.
ارتفاع الاحتجاج المرتبط بفقدان الثقة بالمؤسسات.
تراجع قدرة المؤسسات على الاحتفاظ بكوادرها المهنية.
انتقال التمويل والمساعدات الخارجية بصورة متزايدة من المؤسسات المركزية إلى فاعلين محليين أو هياكل موازية.
ظهور مبادرات إقليمية أو دولية لإدارة قطاعات فلسطينية أساسية خارج الإطار المؤسسي الوطني.
ولا ينبغي قراءة أي مؤشر منفرداً، وإنما مراقبة تزامن المؤشرات وتسارعها؛ لأن ذلك قد يدل على الانتقال من الضعف إلى العجز، ومن العجز إلى التفكك وتدويل إدارة الفراغ.

ثالث عشر: الأولويات العملية

تحتاج القيادة الفلسطينية إلى التركيز على أولويات محدودة وقابلة للتنفيذ:

أولاً: حماية استمرارية المؤسسات الأساسية
إعطاء الأولوية للوظائف التي يؤدي تعطلها إلى تسريع فقدان القدرة على الحكم، ولا سيما القضاء والصحة والتعليم والأمن والخدمات الأساسية.

ثانياً: إطلاق إصلاح مؤسسي ملموس
التعامل مع الإصلاح باعتباره ضرورة فلسطينية لحماية النظام السياسي واستعادة ثقة المواطن، لا استجابة لمطالب خارجية.

ثالثاً: تجديد الشرعية
ربط الانتخابات بمسار أوسع لتجديد مؤسسات النظام السياسي.

رابعاً: تعزيز وحدة الحكم
منع تكريس سلطات ومراكز قرار فلسطينية متنافسة والعمل على إعادة بناء وحدة النظام السياسي والجغرافي.

خامساً: تفعيل خط الاستمرارية الوطني
تطوير قدرة منظمة التحرير ومؤسساتها على المحافظة على المرجعية السياسية والقرار الوطني في حالات الأزمات الحادة، ووضع تصورات مسبقة للترتيبات الفلسطينية الانتقالية إذا تعرضت مؤسسات السلطة لعجز وظيفي واسع.

سادساً: بناء شبكة أمان عربية ودولية
تحويل خطر انهيار المؤسسات الفلسطينية إلى قضية استقرار إقليمي ودولي، وفق قاعدة واضحة:

دعم المؤسسة الفلسطينية لا استبدالها، وتقوية القرار الوطني لا إنشاء مراكز قرار موازية له.

سابعاً: حوار استباقي عربي ودولي
عدم انتظار الانهيار لمناقشة تداعياته، بل تطوير تفاهمات مسبقة بشأن حماية استمرارية المؤسسات والاقتصاد والخدمات ووحدة التمثيل السياسي الفلسطيني.

ثامناً: إعداد خطط استمرارية مؤسسية
إعداد خطط مسبقة لاستمرار الوظائف والخدمات الأساسية في حالات الأزمات المالية أو الأمنية الحادة، وضمان مرور المساعدات الخارجية قدر الإمكان عبر المؤسسات الفلسطينية الشرعية.

الخلاصة

ليس السؤال الأكثر أهمية ما إذا كان نتنياهو يريد شخصياً إضعاف السلطة أو إسقاطها.

السؤال الاستراتيجي هو:

إلى أين تقود السياسة الإسرائيلية الحالية، ومتى يمكن أن يتحول الإضعاف إلى عجز ثم إلى تفكك، وكيف يحافظ الفلسطينيون على استمرارية مؤسساتهم وقرارهم الوطني إذا حدث ذلك؟

قد ترى إسرائيل مصلحة في استمرار سلطة بلا دولة: سلطة تتحمل مسؤوليات السكان وتؤدي الوظائف الضرورية، لكنها تفتقر إلى عناصر السيادة والقدرة التي تسمح لها بالتحول إلى دولة فلسطينية مستقلة.

لكن استمرار الإضعاف قد يقود إلى نتيجة تتجاوز هذا الهدف، فيتحول العجز الوظيفي إلى فراغ وتعدد لمراكز القوة، وتزداد معه التدخلات الإقليمية والدولية.

غير أن انهيار السلطة، إذا حدث، لا ينبغي أن يعني تلقائياً انهيار المرجعية الوطنية الفلسطينية. فوجود منظمة التحرير ومؤسسات وطنية قائمة يوفر أساساً يمكن البناء عليه لحماية استمرارية القرار السياسي ومنع الفراغ، إذا جرى الاستعداد لذلك مسبقاً.

ومن هنا فإن التحدي الفلسطيني ليس المحافظة على السلطة بصورتها الراهنة، ولا الدفاع عن بقائها باعتباره هدفاً في ذاته، بل:

منع تفكيك النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة بناء قدرته وشرعيته ووحدة مؤسساته، والحفاظ على استمرارية المرجعية والقرار الوطني، بما يحول المؤسسات الفلسطينية من هياكل معرضة للاستنزاف إلى قاعدة مؤسسية لتجسيد دولة فلسطين.

وبذلك تصبح المعادلة الاستراتيجية بين مسارين:

سلطة يجري إضعافها حتى تصبح عاجزة، بما يفتح المجال للتفكك والتدخل الخارجي؛

أو:

نظام سياسي فلسطيني يجدد شرعيته، ويصلح مؤسساته، ويوحد مرجعيته، ويبني شبكة أمان عربية ودولية تحميه دون أن تستبدله، ويوجه قدرته المتاحة نحو الانتقال من السلطة إلى الدولة.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M