الاصلاح في إطار الفعل وردة الفعل

باسم حسين الزيدي

عندما خرج آلاف الشباب في العاصمة بغداد وعدد من محافظات العراق في بداية شهر (أكتوبر/تشرين الأول)، لإعلان احتجاجهم ورفضهم للطريقة التي تدار بها الدولة ومؤسساتها والتوزيع غير العادل لثروات البلاد واستشراء الفساد والتضييق على الحريات العامة وسوء الخدمات وتهالك البنى التحتية، كان في وعيهم ان هذا الفشل انما هو مخرجات او نتائج لأسباب او مدخلات خاطئة أدت الى ما وصل اليه الوضع من سوء وتردي.

وهو امر أدركه المجتمع العراقي في نهاية المطاف بعد ان كانت مظاهرات الأعوام السابقة (منذ عام 2011) تقتصر في مطالبها على سوء الخدمات والفساد لتتطور لاحقاً، كما شهدناها في وقتها الحالي، الى مظاهرات واعتصامات وشبه عصيان مدني يقف بالضد من استمرار العملية السياسية بشكلها الحالي ومطالبة بتغيير او تعديل الدستور ونظام الحكم وقانون الانتخابات بعد اقالة الحكومة الحالية ومجلس النواب وابتعاد الأحزاب الحاكمة الحالية وسياسييها عن السلطة بشكل نهائي.

الفعل وردة الفعل

ان أحد اسباب تطور حركة الاحتجاجات في العراق بشكلها الحالي هو الاعتماد على الفعل وردة الفعل من قبل الحكومات المتعاقبة والساسة الممارسين للسلطة من دون النظر الى متطلبات الظروف التي قادت الأمور الى ما وصلت اليه اليوم، والتي انطلقت من المطالبة بالخدمات العامة والقضاء على الفساد وتوفير فرص عمل وحياة كريمة وتطورت الى رفض شعبي لمجمل النظام الحالي والقائمين عليه، وبالتالي الوصول الى النقطة الحرجة التي لا يمكن التراجع عنها، خصوصاً وان ردود أفعال الناس تختلف “تجاه العقبات التي تواجههم في حياتهم العملية من شخص لآخر تبعاً لدرجة الوعي والإيمان وتكامل الشخصية من ناحية الخبرة والنضوج والهمة”.

وقد أشر المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي هذا الخلل مبكراً وحذر من السقوط في فخ الفعل وردة الفعل التي ستخلق المزيد من الازمات من دون ان تلبي الرغبات والاحتياجات المطلوبة: “على الذين يريدون التغيير أن يعقلنوا حركتهم وبحسب متطلبات الظروف لا بحسب رد الفعل، حيث إن الإنسان إذا كانت حركته في دائرة رد الفعل سيكون في أزمة يخلقها عدوه له، حيث إن رد الفعل يسحب الإنسان حيث أراد صاحب الفعل، لا حيث هو يريد”.

المبادرة للإصلاح

ان امتلاك الشجاعة للمبادرة للإصلاح الحقيقي هو الحل الأمثل لجميع المشاكل التي تعصف بالمجتمعات الإنسانية ومختلف شعوب العالم، ومنها الشعب العراقي، بدلاً من الاعتماد على ردود الأفعال الآنية التي تستجيب للأفعال المختلفة والانية ايضاً، وهذا الامر سيضع الجميع في دائرة من الازمات ربما لا مخرج منها على المدى القريب، في حين يمكن ان يبادر المصلحون الى وضع اهداف وقواعد حقيقية للتغيير والإصلاح من دون انتظار فعل رافض يحثهم على الإصلاح وتغيير الواقع السيء، ومن ثم العمل الدؤوب الذي يتسم بالواقعية والإخلاص لتحقيق هذه الأهداف برؤية واضحة وصادقة وزمن معلوم وجهد جمعي يشترك فيه الكل من اجل الوصول الى النجاح.

وقد وجه السيد الشيرازي النصيحة للمبادرين للإصلاح او القائمين عليه بالقول لهم : “القائمون بالإصلاح إذا لم يتحلوا بمكارم الأخلاق فإنهم لا يتمكنون من تحريك الناس إلى تلك المكارم، وأخيراً يكون نصيبهم الفشل، وعليه فاللازم عليهم أن يتصفوا بأرقى الأخلاق، والأخلاق لا تأتي من دون الإيمان، فإن الإيمان يعطي الواقعية، والواقعية تأتي بالأخلاق”.

طريق الفشل

وقد حذر السيد الشيرازي من سلوك الطريق الآخر في معاملة الشعوب، الطريق الذي يعتمد على تجاهل مطالب الناس والاستعلاء عليهم بالقول: “لا تفكر الشعوب بالاستعلاء، وإنما الذي يفكر بالاستعلاء هم الحكام المزيفون، حيث تتوفر في أيديهم الأموال والأسلحة والسلطة، فيفكرون بالمزيد منها حيث لا رقيب عليهم”، او الطريق الذي يعتمد على ترهيب وقتل الناس بدلاً من الاستماع الى مطالبهم واحتياجاتهم: “القتل والإرهاب يوجب تأليب الأمة ضد الحكم القائم، فإن الناس وإن كانوا ضعفاء والحكم قوي، إلا أن الميزان سينقلب إلى قوة للأمة وضعف للحكم، وحين ذاك يكون السقوط، بل الإبادة الكاملة”.

ان كلا الطريقين محكومان بالفشل امام إرادة الشعوب الرافضة للظلم والاستبداد والدكتاتورية، وقد تكون نقطة التحول لدى الجماهير هي النقطة التي يبدأ فيها “الحكام المزيفون” ممارسة القتل والترهيب والاستعلاء عليهم بدلاً من تحقيق ما يريده الشعب او الاستماع إليهم في اقل تقدير، ولنا في الدين الإسلامي أسوة حسنة حيث: “اهتم الإسلام كثيراً بالرأي العام لما له من أثر في استقرار وضع المجتمع ومتطلباته واستعداداته في مختلف الجوانب”.

الأحزاب والإصلاح

“كما أن الحجر عندما يرتطم بالماء يحدث اضطراباً، كذلك الإنسان عندما ينزل إلى الساحة سيحدث اضطراباً في الوسط”، وهي حقيقة يشير اليها السيد الشيرازي وتنطبق ايضاً على أي حركة إصلاحية يمكن ان يقوم بها الفرد او الجماعة مثلما يمكن ان ينهض بها السياسي او الحزب المتصدي للحكم، وبالأخص إذا كان هذا الحزب يحمل طابعاً اسلامياً في الشكل والمضمون، مع ضرورة ان لا يختلف هذا الشكل او المضمون عن الواقع والتطبيق بصورة عملية والا وقع في تناقض قاتل يؤدي الى “الفشل المحتوم”، وهو ما شخصه المرجع الراحل الشيرازي قائلاً: “من يحارب الدكتاتور يجب ألا يكون ديكتاتوراً، ومن يحارب الظلم يجب ألا يكون ظالماً، ومن يحارب الكذب لا يكون كذاباً، والحزب الذي يحارب الأصنام البشرية والحجرية ويحارب ما هو ضد الإسلام لا يمكن أن يكون صنماً، وإلا فلا جدوى من محاربته، لا إسلامياً ولا اجتماعياً، ومصيره النهائي هو الفشل المحتم”.

ان فشل الأحزاب “الإسلامية” في تحقيق الإصلاح والوقوع في تناقض الرسالة التي يحملونها والواقع الذي يمارسونه في عملية الحكم مرده الى العديد من الأسباب، أبرزها ما أشار اليه السيد الشيرازي واسميه “الصنمية” او “الانا” التي تتضخم في داخل الحزب او المؤسسة “الإسلامية” والتي يتحول معها هذا الحزب او المؤسسة الى “الحق” المطلق وجميع مخالفيه هم في خانة الباطل: “غالباً ما يصبح التنظيم الحزبي أو المؤسسي صنماً ويكون هو المحور لا الحق، وهذا أخطر ما يقع فيه التنظيم الإسلامي، فمتى ما صار التنظيم صنماً لا يكون إسلامياً، لأن الحق أحق أن يتبع، والتنظيم يجب أن يكون آلةً وأداة لتطبيق الحق لا أن يكون معياراً فيبتعد عن الحق”.

التوصيات

1. عدم الاعتماد على رد الفعل الاني الذي يأتي كنتيجة لفعل او مطلب جماهيري، وانما المبادرة للإصلاح وفق متطلبات الظروف وتطورها.

2. عدم اللجوء الى الترهيب او العنف او الاستعلاء او تقييد الحرية بأية وسيلة أخرى لإسكات او تجاهل صوت الشعب بدلاً من الاستماع إليهم والتقرب منهم لان النتيجة ستكون الفشل.

3. تلبية احتياجات المجتمع وقضاء حوائج الناس، مهما كانت صغيرة، اهم الطرق لكسب ثقة وحب الجماهير لحكامهم والأحزاب القائمة في السلطة، وقد أكد المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) أهمية هذه النقطة بالقول: “يتوهم الكثير من القائمين بالحركة الإسلامية أنه ليس من المهم إعطاء حوائج الناس، وإنما المهم هو الاشتغال بالحركة فقط، وهذا زعم خاطئ فإن الحركة لا تتقدم إلا بالجماهير، والجماهير لا تلتف حول حركة ما إلا إذا قدمت لهم الخدمات الاجتماعية، وقضت حوائجهم، مهما كانت الحاجة صغيرةً فإنها في نظر المحتاج كبيرة”.

4. عدم التسويف او المماطلة في تلبية الاحتياجات او تنفيذ المطالب التي ينادي بها المحتجون، كما ان الالتفاف حول هذه المطالب ومحاولة ممارسة الخداع في تنفيذها يمكن ان ينذر بانفجار كبير للوضع الراهن في البلاد.

5. الجوهر في كل شيء هو الاخلاق، ان كانت خيراً فخير، او كانت شراً فشر، وهي القادرة على إعادة ترميم الثقة وبناء جسور المحبة وتحقيق الاستقرار اذ ان “جوهر الحضارات الأخلاق، فإذا كانت الأخلاق خيرة كانت الحضارة خيرة والتف الناس حولها، وإن كانت الأخلاق سيئة كانت الحضارة سيئة وانفض الناس عنها، كما أن الأمر ليس بالادعاء وإنما بالواقع، فالمحبة الواقعية هي التي تنبت، والفسيلة الواقعية هي التي تورق وتزهر وتثمر”.

 

رابط المصدر:

https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/21282

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M