التحديات الاجتماعية للتحول الرقمي

مؤمن موسي

 

تشهد مصر حاليًا عملية تحول رقمي واسعة في مؤسساتها، تهدف إلى إتاحة خدماتها إلكترونيًا للمواطنين، بالإضافة إلى ضبط وحوكمة آليات سير العمل، وتسهيل الإجراءات وحفظ البيانات بشكل آمن. في هذا السياق، يتم تطبيق عدة استراتيجيات وأنظمة تمكن من سير الأعمال بشكل ذكي بحيث يتم استغلال تطور التكنولوجيا الكبير الحاصل، لخدمة المواطنين بشكل أسرع وأفضل، لرفع الكفاءة وتقليل الأخطاء وزيادة الإنتاجية. لكن جهود التحول الرقمي في مصر تواجه عدة معوقات اجتماعية واقتصادية وتقنية وقانونية، مما يتسبب في تعطيل سرعة إنجاز التحول. وتعد العوامل الاجتماعية من أهم المعوقات التي يجب الالتفات لها، حيث إن العنصر البشري هو جوهر نجاح أو إحباط أي عملية إصلاح.

الخوف من فقدان الوظيفة 

طبقًا لجامعة الكويت، التي استعانت في دراسة لها بخبراء في تكنولوجيا المعلومات للوقوف على المعوقات المحتملة للتحول الرقمي على مستوى الجامعات، فإن “خوف العاملين من فقدان الوظيفة” و”عدم الرغبة في التغيير” يعدان أكثر المعوقات تأثيرا. وبطبيعة الحال فإن الانسان عدو ما يجهل. ولذلك تحديدا، كان لزامًا على الدولة أن تقوم بطمأنة موظفي مؤسساتها، المستهدفة بالتحول الرقمي، على مستقبلهم الوظيفي وأن تؤهلهم بما يتناسب مع المرحلة المقبلة من خلال تزويد الايدي العاملة بالتقنيات والمهارات اللازمة عوضًا عن استبدالهم. كما يجب العمل على مواجهة ثقافة رفض التغيير من خلال تعزيز روح الحداثة ومواكبة العصر بين الموظفين، بحيث يكونوا قادرين على العمل المتطور واستكشاف أفكار وفرص جديدة في الآليات الرقمية قد تسهل من إنجاز مهامهم. وقد لجأ كثير من مدراء الشركات العالمية عند إدخال ثقافة رقمية جديدة لتجميع فريق خاص بالابتكار الرقمى، يعمل على تجربة الأنظمة المستحدثة، وإتاحة الفرصة لباقي أفراد المؤسسة للعمل مع هذا الفريق بشكل تدريجي، وذلك لإعطاء الفرصة لتفهم ثقافة العمل الجديدة وآلياتها.

الرغبة في احتكار المعرفة

أظهرت التجارب العالمية عائقًا جديدًا هو التردد في مشاركة العاملين للمعارف والخبرات والبيانات بسبب الطبيعة البشرية التي تعتز بالتحكم بالمعلومات وامتلاكها والظن بأنها حكر للموظف المسئول وأن استئثاره بها حماية وأمان له، وهنا يجب أن يكون التدخل بحكمة لتوضيح الاستفادة التي ستعود على الموظفين – بشكل مباشر – من تطبيق السياسات التكنولوجية في العمل. ويمكن دائمًا شرح التطوير من خلال معايير يمكن قياسها تتعلق بدقة تنفيذ المنتج أو تقديم الخدمة وسرعة الإنجاز ورضا العملاء وغيرها من المعايير. لكن يظل دائمًا البعد الاقتصادي هو أقصر الطرق لاستمالة الموظفين وتحييدهم بعيدًا عن مقاومة التغيير. على سبيل المثال، يمكن ربط حافز مادي بتحقيق مستهدفات معينة في الخدمات المقدمة إلكترونيًا ما يجعل الجميع يتطلع لإنجاح المنظومة.

الافتقار للمهارات

قد تصطدم الدولة أحيانًا، بعد بدء عمليات التحول الرقمي داخل بعض المؤسسات، بافتقار العاملين للمهارات الأساسية اللازمة للتعامل مع الأساليب الجديدة. والأصل في التخطيط الجيد لإدارة التحول هو حصر ودراسة كافة الموارد الموجودة مقابل ما هو مطلوب لإحداث التحول، بما في ذلك الموارد البشرية وتحديد مدى كفاءة العنصر البشري وقياس استعداده للتعامل مع التكنولوجيا. فإن حدث وفات ذلك على البعض، يكون دور التدريب والتأهيل حيويا. وفي مصر تلعب الأكاديمية الوطنية للتدريب دورًا محوريًا في القيام بالتأهيل المطلوب وتدريب قطاع كبير من موظفي الدولة على الآليات الرقمية من خلال برامج تدريبية مكثفة شهد الجميع بتميز محتواها. وبإلقاء نظرة سريعة على نتاج مجهودات الأكاديمية في برنامج “الموظف الحكومي المحترف” – واحد من عديد البرامج التي تقدمها الأكاديمية الوطنية للتدريب – نجد تطورًا كبيرًا في تعامل خريجي هذا البرنامج مع وسائل تكنولوجيا المعلومات، وخاصة هؤلاء الذين يقدمون خدمات حكومية للمواطنين في المحليات، متاحة على منصات رقمية كالموقع الالكتروني وتطبيقات الهواتف الذكية.

مخاوف الخصوصية

الطرف الآخر في معادلة التحول الرقمي هو المستخدم. وفي حالات كثيرة يخشى طالب الخدمة من إمداد المنصة الرقمية المقدمة للخدمة ببياناته الشخصية تحسبًا من اختراق خصوصيته. يزداد الخوف من مشاركة البيانات إذا ما تعلق الأمر بالمعاملات المالية وتحديدًا عند القيام بعمليات الدفع الالكتروني. لهذه الأسباب اعتبرت دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة – وهي دولة ذات تجربة رائدة وفريدة في التحول الرقمي – أن ” نجاح التحول الرقمي مشروط بحماية البيانات الشخصية” كما صرح سمو الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي في مارس 2019. وأكدت على هذا المعنى إحدى الشركات البريطانية الرائدة في مجال الاتصالات على لسان نائب رئيس الشركة الذي قال في إحدى المقابلات الصحفية: ” إن التحول الرقمي الذي يحدث في الإمارات، ومنطقة الخليج عمومًا، يُعد خطوة إيجابية للمضي قدمًا، ولكنه لن يحقق النجاح المنشود، إلا إذا استطاعت الشركات والمؤسسات، ضمان الحق في الخصوصية، من خلال حماية البيانات الشخصية للأفراد والمؤسسات.” وأضاف: ” أمن البيانات أمر حيوي في الاقتصاد الرقمي الحالي، وهو عنصر التمكين رقم واحد، الذي يسمح للمؤسسات ببناء الثقة العامة. وعلى العكس من ذلك، فإن ضعف الأمن، هو أحد العوامل التي تُمثّل عائقًا، وسيؤدي إلى تقويض جميع الجهود الرامية إلى التحوّل الرقمي.”

إذن لابد من الانتباه للتحديات المتعلقة بحماية البيانات ومنع تسريبها بشكل إرادي (بسبب الفساد الإداري) أو غير إرادي (بسبب الإهمال) أو الاختراقات الخارجية من الأطراف المعادية. ولتحقيق ذلك، هناك حاجة إلى مجموعة من الضوابط الأمنية والوقائية والاستباقية والتفاعلية. حيث ينبغي أن تدور كل عملية وكل تطبيق من تطبيقات تكنولوجيا المعلومات، وكل مجال من مجالات البنية التحتية التكنولوجية، حول حماية خصوصية البيانات حتى يصل المستخدم – أو المواطن في هذه الحالة – إلى مرحلة الثقة والاطمئنان لإجراءات التحول الرقمي ويصبح مشاركًا فعالًا في تلك العملية.

 

.

رابط المصدر:

https://ecss.com.eg/31885/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M