الجزء الثاني من جائحة هرمز

في نوفمبر 1956، لم تكن أزمة الطاقة الأوروبية ناتجة عن إغلاق قناة السويس فقط، حيث تصف السجلات الأمريكية لحظة أخطر: القناة مغلقة، وخط أنابيب النفط العراقي متوقف بعد تخريب محطات ضخ، والمخزون الأوروبي محدود.

كانت المشكلة أن الطريق البديل نفسه غير متاح، لذلك ناقشت واشنطن آنذاك تقاسم العجز وترشيد الاستهلاك وإعادة توزيع الشحنات على أوروبا. وبعد سبعين عامًا، يعود المنطق نفسه بحجم أكبر.

العالم لا يواجه مجرد اضطراب في هرمز، بل خطر أن تتحول روسيا وبحر الشمال من بدائل تعوض إمدادات الخليج إلى مصادر اضطراب إضافية، في ظل تصاعد الهجمات على المنشآت والناقلات النفطية الروسية.

هذا التصعيد الخطير على الجبهة الأوروبية يهدد أيضًا باتساع رقعة الصراع، لاستهداف مصالح الطاقة في القارة العجوز. وعندها لا يكون السؤال “كم برميلًا فُقد؟”، بل “كم طريقاً بديلاً بقي مفتوحًا”؟.

وضع أسوأ مما يبدو عليه

– بلغت عقود “برنت” الآجلة نحو 119.50 دولار للبرميل في مارس، لكن السوق الفعلية كانت أشد توترًا، حيث اقتربت الخامات الأوروبية للتسليم الفوري من 150 دولارًا في أبريل، وقالت وكالة الطاقة الدولية إن خسارة صادرات الشرق الأوسط تجاوزت 13 مليون برميل يوميًا في ذروة الأزمة.

– بحلول إغلاق جلسة أمس الإثنين بلغ سعر عقد “برنت” 90.87 دولار، مع جمود المفاوضات الأمريكية الإيرانية وتباطؤ الملاحة مجددًا في مضيق هرمز.

– وكالة الطاقة الدولية تقول إن إنتاج المنطقة في يوليو ظل أقل 8.3 مليون برميل يوميًا من مستوى ما قبل الحرب، وإن مخزونات النفط عالميًا انخفضت بنحو 410 ملايين برميل بين نهاية فبراير ونهاية يوليو، كما تتوقع عجزًا يبلغ 1.8 مليون برميل يوميًا في الربع الثالث.

– هذا هو الفارق الحاسم عن مارس: الصدمة التالية ستصيب سوقًا دخلت الأزمة الأولى بفائض متوقع قدره 3.7 مليون برميل يوميًا ومخزون قدره 8.2 مليار برميل؛ جزء منه استُهلك بالفعل.

لماذا القلق الآن بشأن الجبهة الأوكرانية؟

– تنتقل أوكرانيا من ضرب القدرة العسكرية الروسية إلى الضغط المتزايد على شرايين الاقتصاد والطاقة، وأصبحت هجماتها متكررة على المصافي، وتوسعت مؤخرًا لتشمل الموانئ، وناقلات النفط، وخطًا رئيسيًا لنقل النفط من كازاخستان، دون آلية واضحة لوقف التصعيد.

– الاستخبارات النرويجية نفسها رغم أنها تستبعد سعي روسيا لمواجهة مباشرة مع “الناتو”، تقول إن مخاطر سوء التقدير والتصعيد غير المقصود تزداد، وتحذر من عمليات “سرية أكثر خطورة” قد تطال منشآت النفط، وتتهم روسيا برسم خرائط للبنية التحتية الحرجة للطاقة في البلاد.

أين يمكن أن تأتي الصدمة الثانية؟

 

الحلقة المعرضة للخطر

الحجم التقريبي

لماذا تهم؟

 

الشرق الأوسط

إنتاج المنطقة في يوليو أقل 8.3 مليون برميل يوميًا عما قبل الحرب

الصدمة القائمة أصلًا وليست سيناريو جديدًا

الموانئ الروسية الغربية

نحو2.7  مليون برميل يوميًا  مخطط لها في أغسطس

بريمورسك وأوست لوغا ونوفوروسيسك هي الجزء

الأكثر تعرضًا لاتساع الحرب الأوروبية

صادرات الخام الروسية كلها

5.8 مليون برميل يوميًا في

يونيو

سقف للتعرض الروسي، لكن جزءًا منها يخرج من

الشرق الأقصى ولا يقع مباشرة في المسرح الأوروبي

إنتاج السوائل النرويجية

نحو مليوني برميل يوميًا

أحد أهم البدائل لنفط الشرق الأوسط وروسيا

صادرات الخام النرويجية المباشرة

نحو 1.5 مليون برميل يوميًا

 (في 2025)

الحجم الأقرب لما يمكن أن يختفي من السوق الدولية إذا اتسع نطاق الحرب ليشمل المصالح الأوروبية مباشرة

غاز النرويج

122 مليار متر مكعب

تجاوز 30% من استهلاك الاتحاد الأوروبي وبريطانيا

وتعطله يخلق أزمة طاقة أوروبية موازية لأزمة النفط

– هنا تظهر مفارقة الضربات الأوكرانية الحالية، فضرب المصافي الروسية لا يعني دائمًا نقصًا مساويًا في الخام العالمي؛ أحيانًا يحرر خامًا كان سيُكرر محليًا فيتجه إلى التصدير.

– بالفعل ارتفعت صادرات الخام الروسية في يونيو إلى 5.8 مليون برميل يوميًا مع تراجع نشاط التكرير، لذلك فإن ضرب المصافي يرفع أسعار الديزل أكثر مما يرفع سعر خام “برنت” بالضرورة.

– لكن ضرب الموانئ ومحطات الضخ والناقلات، هو الذي يحول المشكلة إلى فقد مباشر للخام، وهذا يحدث بالفعل لكن على نطاق محدود حتى الآن.

– تسببت هجمات يوليو في خفض تحميلات خط “سي بي سي” الكازاخي عبر البحر الأسود بأكثر من 20%، أي نحو 400 ألف برميل يوميًا، بينما توقف التحميل مؤقتًا في نوفوروسيسك في أغسطس بعد هجوم بطائرات مسيرة.

ممرات في دائرة الخطر الأوروبي

– الامتداد الأوروبي لا يحتاج إلى إغلاق بحر الشمال كاملًا، ويكفي إصابة المسارات التي تمر عبرها البدائل، فمثلًا المضائق الدنماركية هي بوابة بحر البلطيق إلى بحر الشمال، وبالتالي الطريق الطبيعي لناقلات الموانئ الروسية في البلطيق.

– البوسفور والدردنيل يحولان أي تصعيد في البحر الأسود إلى مشكلة تصدير روسية وكازاخية؛ وتصفهما إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بأنهما من بين أكثر الممرات البحرية ازدحامًا عالميًا.

– ثم يأتي بحر الشمال نفسه، لكن أخطر نقاطه ليست مضيقًا واحدًا، فالنرويج تعتمد على شبكة أنابيب غاز تحت البحر طولها نحو 8800 كيلومتر تربط الحقول بمحطات بريطانيا وأوروبا.

– النفط بدوره يتجمع في منصات وأنظمة نقل ومحطات ساحلية؛ أي إن هجومًا أو تخريبًا (ليس بالضرورة عسكريًا وقد يكون سيبرانيًا) على نقطة معالجة أو خط رئيسي يمكن أن يعطل إنتاج عدة حقول دون الحاجة إلى مهاجمة كل منصة.

– القدرة على التعويض محدودة: الرئيس التنفيذي لشركة “إكوينور”، “أندرس أوبيدال” قال في مارس إن الشركة تعمل بالفعل قرب أقصى طاقتها ولا تملك فائضًا جوهريًا من النفط أو الغاز لتعويض فقد جديد.

إلى أين يمكن أن يذهب السعر؟

– الخطأ هو إضافة البراميل المعطلة ثم افتراض زيادة خطية في السعر، فتجربة مارس وأبريل أثبتت أن مدة الانقطاع والمخزونات والمنتجات المكررة تحدد السعر أكثر من الحجم الاسمي وحده.

– في مارس، عندما فقد العالم نحو 11 مليون برميل يوميًا من الإمدادات، تراوحت سيناريوهات 13 محللًا استطلعتهم “رويترز” بين 100 و190 دولارًا، بمتوسط 134.62 دولار (وصلت بعض السيناريوهات إلى 200 دولار).

السيناريوهات المحتملة لحركة الأسعار

السيناريو

الإمدادات الإضافية  المعطلة

(مع استمرار الوضع الحالي في الشرق الأوسط)

السعر المحتمل لخام برنت

(دولار)

الاحتمال النسبي

احتواء أوروبي

1 – 1.5 مليون برميل يوميًا من الإمدادات الروسية

105 – 125

مرتفع نسبيًا

اتساع إلى البلطيق والبحر الأسود

2.5 – 3 مليون برميل يوميًا

من التدفقات الروسية الغربية

130 – 160

متوسط

روسيا + استهداف جزئي للنرويج

3.5 – 4.5 مليون برميل

يوميًا إضافية

150 – 180

منخفض–متوسط

صدمة متزامنة شديدة

معظم إمدادات روسيا الغربية البالغة 2.7 مليون برميل يوميًا

نحو 1.5 مليون برميل يوميًا

من الخام النرويجي

تعطل خط “سي بي سي”

170 – 200

منخفض

– هذه تقديرات اختبار ضغط وليست توقعات سعرية، والنطاق الأعلى يصبح قابلًا للتصور لأن عجز الربع الثالث البالغ 1.8 مليون برميل يوميًا يمكن أن يصبح نحو 5 إلى 6.5 مليون برميل يوميًا قبل أن تدمر الأسعار المرتفعة الطلب.

– للتذكرة: السوق الفعلية وصلت بالفعل إلى قرابة 150 دولارًا في أبريل من دون صدمة في إمدادات النفط النرويجية أو الروسية.

هل سيناريو 200 دولار ممكن؟

– في الحقيقة هناك حجة قوية ضد هذا الاحتمال، فالعالم أثبت منذ مارس قدرة كبيرة على التكيف، حيث استطاع بعض المنتجين زيادة الصادرات تزامنًا مع تراجع الطلب.

– لذلك قد يظهر أثر التصعيد أولًا في الديزل ووقود الطائرات والغاز الأوروبي وليس خام “برنت”، وهذا يحدث بالفعل: صادرات الديزل من روسيا والشرق الأوسط وآسيا في يوليو كانت أقل 1.3 مليون برميل يوميًا عن العام السابق، وهو ما يشكل نحو 20% من الشحنات البحرية العالمية للديزل.

– هنا يظهر الفارق بين صدمة هرمز 2026 والسويس 1956، فآنذاك كانت المشكلة أن أوروبا فقدت طريقين متزامنين، واليوم يمكن أن تفقد السوق المصدر والبديل والمخزون في الوقت نفسه.

– عندئذ يصبح 150 دولارًا ليس سيناريو الذروة بالضرورة، بل المنطقة التي يبدأ بعدها تدمير الطلب والترشيد والركود في أداء وظيفة “الإمداد البديل”.

ما يستحق المراقبة

– المؤشر الأول هو عدد الناقلات الفعلي وحجم التحميل عبر هرمز، لا التصريحات السياسية، الثاني هو ما إذا كانت الهجمات تنتقل من المصافي الروسية إلى موانئ التصدير ومحطات البلطيق والبحر الأسود.

– الثالث هو أي حادث مؤكد يمس منشأة أو خط أنابيب نرويجيًا رئيسيًا؛ لأن ذلك يحول الأزمة فورًا من صدمة نفط عالمية إلى صدمة نفط وغاز أوروبية متزامنة.

– خلال اضطراب إمدادات مضيق هرمز وحده أظهر السوق الفوري ذعرًا أكبر بارتفاع الأسعار إلى قرابة 150 دولارًا، وبالتالي فإن أي سيناريو يتضمن فقدانًا مستدامًا لنحو 3 أو 4 ملايين برميل يوميًا، يجعل النطاق السعري بين 150 و180 دولارًا منطقيًا.

– أما إذا دخلت النرويج بقوة في دائرة الصراع بالتزامن مع استمرار تعطل إمدادات الخليج ونضوب أكبر للمخزونات، فإن سعر 200 دولار سيكون حدًا لتدمير حاد في الطلب، لكن حتى الآن يظل سيناريو غير مرجح.

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M