- نجحت الوساطات الإقليمية مؤخراً في فتح قنوات تواصل بين طهران وواشنطن؛ وهو ما يُعدُّ إنجازاً ملموساً كونه أقنع الطرفين ببدء الحديث عن المفاوضات، وكشف بوضوح عن شروط كل جانب لوقف إطلاق النار.
- تضغط إدارة الرئيس ترمب على إيران للقبول بشروطها تحت التهديد بالتصعيد، بينما تعتقد طهران أن ترمب يناور عسكرياً بهدف كسب الوقت وتعزيز الوجود الأمريكي في المنطقة بقوات إضافية، بما يُعطي واشنطن القوة اللازمة لتطبيق ذلك التصعيد.
- تتضاءل فرص نجاح الوساطة بين واشنطن وطهران في ظل انعدام الثقة بينهما، وهيمنة الحرس الثوري على القرار الإيراني، واستمرار غياب المرشد الأعلى، والرفض الإسرائيلي القاطع لأي تسوية تُمكِّن إيران من إعادة بناء قوتها العسكرية.
شكّكت المصادر الإيرانية بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول وجود قناة تفاوض نشطة مع إيران. وكان الرئيس ترمب قد أعلن عن وجود قناة للتفاوض بين واشنطن وطهران قبيل انتهاء مهلته الأولى لضرب منشآت الطاقة الإيرانية، وأكّد تمديد المهلة خمسة أيام، من أجل منح المسار التفاوضي فرصةً، ثم عاد ومدّد هذه المهلة عشرة أيام أخرى.
وعلى الرغم من استمرار التّشكيك الإيراني، فإنّ تطورات الأيام الماضية أكّدت وجود هذه القناة على الأقلّ، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الأمور تسير على يرام. فقد أشارت باكستان إلى وجود هذه القناة التفاوضية، في حين ألمحت إليها أطراف أوروبية مع اختلاف في الروايات. وكان الرئيس ترمب أكّد أنّ المفاوضات تجري مباشرةً مع مسؤول إيراني رفيعٍ دون أن يسمّيه، ورجحت المصادر أنْ يكون رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الذي زعمت مصادر إسرائيلية أنه قام بزيارة إلى باكستان بعد ضمانات إسرائيلية وأمريكية بعدم ضرب طائرته. لكنّ غالبية المصادر الأخرى، أكدت تبادلاً للرسائل بين واشنطن وطهران عبر وسطاء. وكانت هذه النافذة المحدودة من التفاؤل، كفيلةً بلفت انتباه الشارع السياسي الدولي، بل إنّ الأسواق الإقليمية والعالميّة تفاعلت معها بشكل ملحوظ.
في الجانب الإيراني، تُظهر المؤشرات وجود قناة مفاوضات على الرغم من الجهود الرسمية التي بُذِلت لنفيها بادئ الأمر. إذ سعت أطراف إيرانية متشدّدة، في اللحظة الأولى، نحو رفض وجود المفاوضات، مُشيرةً إلى أنّها ألاعيب من جانب الرئيس ترمب للتأثير على الأسواق، وطمأنة الرأي العام، أو للتراجع عن فكرة ضرب منشآت الطاقة نتيجة الخوف من ردود الفعل الإيرانية. لكنّ المواقف التي صدرت بعد ذلك عن بعض مراكز القرار الإيراني، التي تبدو مشتتة هذه الأيام، أظهرت أنّ ثمّة محاولاتٍ جرت بالفعل في خلال الأيام الماضية لنزع فتيل الأزمة، والتوصل إلى حلٍّ يُنهي المواجهة العسكرية. وكما جرت العادة في مواقف مشابهة سابقة، ثمّة اختلافات بين الرواية الإيرانية والأمريكية، حولَ الطّرف الذي بادر إلى طلب المفاوضات، وأُظيف إلى ذلك هذه المرّة، تباينٌ بشأن الجهات الإيرانية التي يجري الحوار معها في اللحظة الرّاهنة.
وفي المجموع، فإنّ مُجمل تطوُّرات الأسبوع الماضي، أظهرت أنّ الوساطات الإقليميّة نجحت مُؤخّراً في إقناع الجانبين بالتّفكير في خيار المفاوضات للخروج من النفق الذي كانت تريد له الولايات المتحدة أنْ يكون قصيراً، لكنّه استمر لأكثر ممّا توقّعَتْهُ، ودخل مُنعطفاتٍ لم يتمّ التفكير مليّاً بشأن طُرق التّعامل معها.
البون الشّاسع بين مُذكّرتين: مقترحٌ أمريكيٌّ من 15 بنداً، وردٌّ إيرانيّ من 6 بنود
تُشير المواقف الصادر من مختلف الأطراف إلى أنّ القناة التفاوضيّة الأخيرة، كانت نتيجة وساطة، قامت بعض القوى الإقليمية الكبرى (مصر، وتركيا، وباكستان). ويتباينُ موقف هذه القوى الإقليمية من الحرب الجارية، بشكلٍ ملحوظِ عن مواقف الأطراف الخليجية التي لم تعُد متحمّسةً – حتى في الحالتين القطرية والعمانية – للانخراط في مساعي التهدئة مع إيران، بعد تعرُّض الدول الخليجية لاعتداءاتٍ صاروخية واسعة النطاق من الجانب الإيراني، بل إنها تحوّلت إلى المشهد المركزي للمعركة بين إيران والولايات المتحدة على الرغم من تجنُّبها الانخراط في هذه المواجهة.
وتُعدُّ هذه الوساطة، بحدّ ذاتها، إنجازاً جيّداً لأنها أدّت إلى إقناع الجانبين ببدء الحديث عن المفاوضات أولاً، ولأنّها أوضحت للمراقبين طبيعة المطالب التي تقدمها أطراف الحرب من أجل وقف إطلاق النار. ومع ذلك لا يبدو في المرحلة الراهنة أنّ هذه الوساطة ستكون قادرة على فعل أكثر من ذلك، لسببين على الأقل:
1. البون الشاسع بين البنود الخمسة عشر التي طرحتها الولايات المتحدة، والبنود الستة التي وضعتها طهران على الطاولة؛ فالبنود الأمريكية تضمنت ما يشبه القضاء على البرنامج النووي، والحديث عن وضع حدود على البرنامج الصاروخي، والمشروع الإقليمي، مقابل خطواتٍ لإنهاء العقوبات، ووقف الآليات التي كانت تفترض عودة العقوبات بشكلٍ تلقائيّ، مثل “سناب باك”. لكن الورقة الإيرانية رفضت الحديث عن البرنامج الصاروخي، وألمحت إلى ضرورة أنْ تتضمّن الحُلول حماية لميليشياتها من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، كما طالبت بالإقرار بحق السيادة الإيرانية على مضيق هرمز الذي تحوّل بشكلٍ مُفاجئ إلى ورقة رئيسةٍ في الحرب الرّاهنة. ومن الواضح أنّ الهوّة الكبيرة بين المطالب التي طرحها الجانبان، تجعل احتمال التوصل إلى توافق – سريع على الأقل – مُستبعداً إلى حدٍّ كبيرٍ، خُصوصاً في ضوء تمترس الجانبين خلف مواقف حادّة؛ فالأمريكيون يؤكدون ضرورة قبول إيران بالهزيمة، وإعلان الاستسلام بوصفه الحلّ الوحيد لإنهاء الأزمة، بينما يؤكد الإيرانيون أنّ البنود الخمسة عشر الأمريكية لا تتجاوب حتى مع الحدّ الأدنى ممّا تتوقّعه طهران، ومن هذا المنطلق فإنّها لا تستحق النقاش.
2. الغموض الذي يحيط بالطّرف المُفاوض على الجانب الإيراني؛ إذ يؤكد الجانب الأمريكي أنه يتعامل في اللحظة الراهنة مع القيادة التي تمسك بزمام الأمور في إيران، مبيّناً أنه لا يُفصح عن اسمها خشية أنْ يؤدي ذلك إلى اغتيالها. بينما تُظهر المعلومات التي ترشح من الجانب الإيراني، أن الجهات الممسكة بالقرار، والتي تتمثل في قيادات “الحرس الثوري” ترفض حتى الآن، فكرة المفاوضات بشكلٍ واضحٍ. وألمح المراقبون إلى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف باعتباره تلك القناة التي تعتمد عليها إدارة ترمب للتفاوض. لكنّ التصريحات التي صدرت عن رئيس البرلمان الإيراني بعد ذلك تشير إلى عدم اعتماده المفاوضات، أو على الأقلّ تراجعه عن الموضوع، بما يمكن أن يظهر حجم الضغوط التي تعرّض لها الرجل، ممّن يمسكون بزمام المُبادرة الحقيقية في إيران. وما يُعزّز هذه العَقبة هو الغياب الفعلي (DeFacto Absence) للقائد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، والذي يمتلك وفق قواعد اللعبة الإيرانية قرار الفصل، أو القرار الفيصل في المسائل السياديّة كافّة. واستمرار هذا الغياب، سيعني أنّ قوى الميدان (الحرس الثوري والجيش) هي التي تُمسك بزمام الأمورفي اللحظة الرّاهنة.
ويُضاف إلى هذين السببين، المعارضة الإسرائيلية لأيّة حُلول قد تعدّها مبتورة، وتؤجج احتمال عودة التغوُّل الإيراني في المنطقة بعد انتهاء الحرب. ولهذه الأسباب مجتمعة، فإنّ محاولات الوساطة التي بدأتها أطراف إقليمية، وتجاوبت معها طهران وواشنطن، وإن كانت قد نجحت في فتح بعض الأبواب، لكنّها ستبقى – على الأرجح – عاجزة عن رأب الصدع بين إيران والولايات المتحدة، ولن تتمكن من إنهاء المواجهة العسكرية في أجل قريب، خُصوصاً إذا أخذنا بالحسبان، الاحتمال الوارد الآخر، وهو أنْ يكون الرئيس الأمريكي قد لجأ بالفعل إلى الّلعب على حبل المفاوضات، لضبط حدود التصعيد، ولشراء مزيد من الوقت لحين الاستعداد للمرحلة المقبلة من الحرب، تماماً على غرار ما كان قد فعل قبيل بدء المواجهة العسكرية في نهايات فبراير الماضي.
الانطباع الإيراني عمّا يجري: ترمب يشتري الوقت!
بعد انتهاء مهلة من خمسة أيام، كان الرئيس الأمريكي قد منحها للمفاوضات قبل تنفيذ هجومه على منشآت الطاقة الإيرانية، أعلن الرئيس ترمب في وقت لاحق أنّه يتمّمها بمهلةِ من عشرة أيام، دعماً للمفاوضات التي عَدَّها جيدة حتى الآن، ونزولاً عند رغبة المفاوضين الإيرانيين. وفي حين حاول ترمب إظهار دعمه للمفاوضات مع طهران في خلال الأيام المقبلة، وإبراز الفرصة الكبيرة للتوصل إلى اتفاق، أو على الأقل إلى هدنة غير قصيرة لدعم فرص المفاوضات، فإنّ الانطباع السائد لدى الأوساط الإيرانية كان من اليوم الأول، هو أنّ الجانب الأمريكي يُخطّط لتصعيدٍ نوعيٍّ جديدٍ ضدّ إيران لإعادتها للوراء، ودفعها نحو الاستسلام، وإنهاء إغلاق مضيق هرمز. وهو ما يعني أنّ المناورات التي قد يقوم بها فريق ترمب تأتي لشراء الوقت، وتعزيز الوجود الميداني الأمريكي في المنطقة بقوات إضافيّة، بما يعطيها القوة لتطبيق ذلك التصعيد.
وعلى الصعيد السياسي، أكّد هذا الانطباع رئيسُ البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، حين أعلن أن المصادر تشي بأنّ الولايات المتحدة تخطّط للقيام بتصعيدٍ بريٍّ، مُحذّراً من تداعيات ذلك. وعلى الجانب العسكري، أشار أكثر من مسؤول إلى مثل هذه المخططات الأمريكية، فيما تورد التحليلات الصادرة عن مراكز الرصد والتفكير، سواء تلك المقربة من الدولة العميقة، أو المراكز المستقلة ما يشبه ذلك.
ولا يقتصرُ الأمرُ على الانطباع الذي تحمله القيادات الإيرانية؛ العسكرية والسياسية، ومراكز الرّصد الدّاعمة لها، وإنّما ثمّة في الميدان ما يدعم ذلك، خصوصاً على صعيد التحرك العسكري؛ فالمعلومات تشير إلى أن الولايات المتحدة بدأت في خلال الأيام الماضية، بنقل قطعاتٍ عسكرية نوعيّة إلى مقربة الحدود الإيرانية، من أهمها “الوحدة 160 المحمولة جوّاً للعمليّات الخاصة”، وهي متخصصة في العمليات الليليّة، وتستخدم للانتشار طائرات عمودية المتقدمة. وهناك أيضاً تقارير حول استدعاء “فيلق 75 للرنجرز” المتخصص في الاستحواذ على المطارات، ومهاجمة الأهداف ذات القيمة المرتفعة، واستدعاء وحدات من “قوات الدلتا” المتخصصة في مكافحة الإرهاب، وتنفيذ العمليات الخاصة، وكذلك “الوحدة الأولى من القوّات الخاصة” المتخصصة في الحروب غير المتكافئة، وتدريب القوات الحليفة، و”الوحدة الخامسة من القوات الخاصة” المتخصصة في عمليات الشرق الأوسط والتعامل مع القوات المحلية المتحالفة، و”القوات البحرية الخاصة SEAL” المتخصصة في تنفيد العمليات البحرية والاستطلاع وتنفيذ المهام السريّة في البرّ والبحر.
وعلى الصعيد السياسي، يمكن أن تعني كل هذه الاستعدادات أنّ الجانب الأمريكي يُحاول الضّغط على صانع القرار الإيراني للعودة إلى المفاوضات، والقبول بأقصى ما يمكن من المطالب والشروط الأمريكية، من طريق تخييره بين الخضوع والاستجابة أو التعرُّض لما هو أشدّ وأقوى. لكنّ الانطباع السائد لدى الجانب الإيراني، هو أنّ الرئيس ترمب وإدارته، ينوون القيام بتصعيدٍ ميدانيٍّ جديد، بُغية استعادة المضيق، والقضاء على ورقة التفوُّق الإيرانية، أو بُغية السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، أو الاستحواذ على المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب، وأن استعداداتهم العسكرية الرّاهنة غير كافية لتحقيق هذا التصعيد الميداني. ومن أجل ذلك، يناور الرئيس ترمب بعدة خطوات، بُغية الحصول على مزيدٍ من الوقت.
وتُعزّز عمليّات الانتشار، ونقل القوات التي تُشرف عليها القيادة المركزية الأمريكية هذا الانطباع لدى الإيرانيين. ويعني ذلك، انخفاض احتمال نجاح أيّة وساطات في رأب الصّدع بين الجانبين، ويدعمُ استمرار حالة انعدام الثّقة القائمة بينهما. خُصوصاً إذا وضعنا في الحسبان مُؤثّرات أخرى، على رأسها هيمنة “الحرس الثوري” على مطبخ القرار الإيراني، وغياب القائد الأعلى الجديد، والمُعارضة الإسرائيلية لأية حلول مع النظام الإيراني الرّاهن.