بريطانيا وخطط تخفيف الإغلاق

مارتن إيفينز

 

في أحد اجتماعاته الصباحية اليومية، سأل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بعد أن عاود ممارسة مهامه الكاملة بعد تعرضه لنوبة خطيرة بسبب الفيروس، عن المسؤول عن تخفيف خطة الإغلاق البريطانية، مع كل ما ينطوي عليه القرار من مخاطر وشكوك تتحملها الحكومة.
وفي تصريح لصحيفة «صنداي تايمز» قال أحد المقربين: «كان هناك صمت فقط»، مضيفاً، «نظر رئيس الوزراء إلى مارك سيدويل (كبير موظفيه المدنيين) وسأل: هل أنت؟ وأجاب الموظف: لا، أعتقد أنه أنت سيادة رئيس الوزراء».
كان سيدويل على حق، إذ إن صاحب القرار في المملكة المتحدة يتمتع ببعض أقوى مراكز القوى في أوروبا، ومع ذلك فإن الرجل الذي عانى، بل وقاتل للسيطرة على حزبه وعلى مصير بريطانيا، ظهر متردداً في تحمل المسؤولية.
قبل الأزمة، حكم جونسون كملك شبه مطلق، غالباً من خلال مستشاره الغريب والفعال في نفس الوقت والخبير الاستراتيجي الرئيسي لبريكست دومينيك كامينغز. في الحكاية المألوفة عن سياسات المحاكم الإنجليزية على مر القرون، فإن الشخص الخارجي المتغطرس الذي يستاء من المواهب الأقل بات عائقاً أمام الرجل الذي يخدمه.
وقد خرق كامينغز، أحد مهندسي الإغلاق العام في بريطانيا، القواعد باصطحابه لزوجته المريضة وطفله في رحلة قطع فيها مسافة 250 ميلاً إلى منزل عائلته شمال البلاد، لينتهك بذلك قانون العزلة الذاتية فقط ليتنزه في المناطق الطبيعية المفتوحة في البلاد.
حتى الآن، فإن الأغلبية البالغة 80 مقعداً في مجلس العموم وتفوق حزب العمال بزعامة جيريمي كوربين في انتخابات ديسمبر (كانون أول) قد عززت الثقة الطبيعية لرئيس الوزراء، وعززت كذلك حكومته عديمة الخبرة إلى حد كبير من هيمنته.
لقد غير فيروس «كورونا» من كل شيء، حيث شاهدنا جونسون مترددا في استخدام سلطته التنفيذية لصياغة القانون. صحيح أن معظم القادة الديمقراطيين يجدون أن قرارات الحياة والموت مقلقة، لكن رئيس الوزراء ارتكب الكثير من الأخطاء التي أدت إلى ظهور بريطانيا في صورة «رجل أوروبا المريض»، وليس فقط زلات ناتجة عن سوء الحظ.
تتمتع المملكة المتحدة بفارق يبعث على الكآبة في جدول الوفيات في القارة، ويرجع ذلك جزئياً إلى دورها كمركز للنقل والأعمال. لكن إدارة جونسون تتحمل اللوم على فشلها في تنفيذ الإغلاق العام بالسرعة نفسها التي نفذتها ألمانيا لتعقب المصابين قبل فوات الأوان في مارس (آذار)، ولسماحها بإخراج المرضى من المستشفيات دون فحصهم في دور رعاية المسنين.
عمد الناخبون حتى الآن إلى تفسير الشك في صالح رئيس الوزراء وإلى التعاطف معه، نظراً لتعافيه من الفيروس منذ فترة ليست بالبعيدة. لكن رئيس الوزراء الذي كثيراً ما أيد التباعد الاجتماعي لا يزال يرحب بالعديد من الدعوات التي يتلقاها، فيما يفتقر وزراؤه إلى الثقة. كذلك يخشى مساعدوه المساءلة عن طريقة تعاملهم مع حالة الطوارئ، وهو أمر يبدو مرجحاً.

تلعب الأزمة غير المألوفة التي تتطلب حلولاً سريعة من الدول الكبرى، دوراً أكثر سهولة في تعزيز نقاط القوة لدى الديمقراطيين الاجتماعيين أو حتى المحافظين المرتعشين. فقد تجاهل جونسون، وهو الليبرالي الحر بالغريزة، الخطر في البداية متوقعاً أن يتحمل الآخرون المسؤولية أكثر عن تهديد يبدو هامشيا، مقارنة بإتمام صفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
الهفوات الشخصية مهمة أيضاً، إذ إن غياب جونسون عن خمسة اجتماعات رئيسية في المراحل الأولية للوباء هو أمر غير مسبوق. فهناك مقاييس أولية (لا تزال تتطور) تشير إلى أن أداء حكومة اسكوتلندا التي انتقلت إليها السلطة كان أسوأ حتى خلال فترة تفشي الوباء، لكن هناك اعتبارات أخرى أهم.
تعتبر الزعيمة القومية الاسكوتلندية الذي تميل إلى تيار اليسار، نيكولا ستورجون، شخصية قيادية تشعر بالسعادة لإخبار مواطنيها بما يجب عليهم فعله (أو ما لا يجب عليهم فعله في حالة السير على خطى جونسون في تخفيف الإغلاق).
فبينما كانت العدوى لا تزال في مرحلة الانتشار، سمحت المملكة المتحدة بالدخول المجاني من الصين وإيطاليا وإيران ودول أخرى ذات معدلات إصابة عالية.
إن رؤية جونسون بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تتعلق بمظهر بريطانيا الخارجي العالمي، وليس إنجلترا الصغيرة الحمائية بحسب ما يتخيلها أعداؤه، مما يجعله متردداً في سحب الجسر المتحرك. الآن تراجعت حكومته في الاتجاه المعاكس، حيث ابتكرت نظاماً شديد القسوة سيجبر جميع الوافدين الى المملكة المتحدة على العزلة الذاتية لمدة 14 يوماً، لكن تلك السياسة تبدو غير قابلة للتطبيق.
وبالمثل، يقترح جونسون أن يرتدي البريطانيون أقنعة أثناء ممارسة أعمالهم، لكن الليبرالي القابع بداخله جعله متردداً في إعطاء هذا التوجيه قوة القانون. هناك مجال آخر من الارتباك هو زواج المصلحة الذي أبرمه مع وزير الصحة المتعثر، مات هانكوك، الذي أعد إدارة للتعامل مع وباء الإنفلونزا، وليس «كورونا». أحياناً يبدو رئيس الوزراء في مظهر «غير الداعم لوزير الصحة، وأحياناً في مظهر الرافض لإقالته»، بحسب تعبير أحد كبار الأشخاص في البرلمان. ويعتقد بعض الساخرين أن رئيس الوزراء سيُبقي عليه لحين إجراء استجواب عام، وحينها سيقرر الإطاحة به.
ماذا عن الاتهام الذي أثير عقب الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بأن جونسون ينفر من أصحاب الخبرة؟ الإجابة أن هذا انتقاد رخيص، لأن رئيس الوزراء يكن كل الاحترام لـ«لجنة العلماء المعنية بتقديم المشورة للحكومة».
إذا كان هناك ما يقال، فقد استمع رئيس الوزراء مؤخراً إلى مستشارين أكثر حذراً بشأن إعادة فتح الاقتصاد، وفي نفس الوقت منع تفشٍ جديد للفيروس. لكن الرأي العلمي غير المعصوم من الخطأ يجب أن يكون متوازناً مع الاقتصاد والسياسة، وهذه دعوة رئيس الوزراء. يدعي جيريمي هنت، وزير الصحة المحافظ السابق الذي عمل لفترة طويلة، أن نصيحة لجنة العلماء المذكورة بإنهاء تتبع المخالطين للمرضى في مارس كانت «واحدة من أكبر إخفاقات المشورة العلمية للوزراء في حياتنا».
في النهاية، سيحكم الناس على كفاءة القائد من خلال تأثيره عليهم وعلى عائلاتهم. يجب أن يكون من الأولويات إعادة الأطفال إلى المدرسة بحلول 1 يونيو (حزيران)، على الأقل للسماح لأولياء الأمور بالعودة إلى العمل. لكن نقابات التدريس معوقة، والحكومات في اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية وويلز تسير بطريقتها الخاصة، والعديد من الآباء يخشون عواقب العودة إلى المدارس. يحتاج جافين ويليامسون، وزير التعليم، إلى دعم أعلى من رئيس وزرائه، وهو الرجل القوي القادر على الإقناع عندما يضع أمراً في رأسه.
هنا تظهر غرابة بوريس، فرئيس الوزراء ناشط انتخابي بارع، لكن تسبب الإفراط في الاعتماد على كامينغز – من الناحية الشخصية والسياسية – في تدمير جونسون عندما تعرض للخطر. ومن المؤكد أن الدرس هو أهمية تطوير ونشر موهبته في الحكومة بشكل أفضل، بدلاً من المقامرة على متحدث واحد.
اليوم، تحتاج الدولة إلى لحظة توضيح وتقسيم أوضح للأدوار أكثر من تمرير المسؤولية لآخرين كما يحدث حالياً. فطريقة عمل الحكومة الحالية هي أنه يجب إبقاء موظفي الخدمة المدنية تحت السيطرة، خشية أن تؤدي «فقاعة» مقاومة إلى عرقلة خطط جونسون وكومينغز بشأن أوروبا.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»

رابط المصدر:

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M