تاريخ الوقائع الاقتصادية – History of Economic Chronicle

الوقائع الاقتصادية في ظل نظام المشاعية البدائية
يعتبر نمط الإنتاج البدائي أول نمط إنتاج عرفه التاريخ الاقتصادي ,وظهر نمط الإنتاج البدائي مند ظهور الإنسان قبل حوالي مليون سنة و استمر حتى ما قبل الميلاد بقرون معدودة, و يمكن حصر و توضيح السمات و الخصائص العامة لنظام المشاعية البدائية فيما يلي :

1-شروط الحياة في المجتمع البدائي – تطور أدوات العمل :

عرفت عملية الإنتاج البدائي بتدني و انخفاض مستوى قوى الإنتاج و كدا أدوات العمل و كانت تلك هي السمة الغالبة لعملية الإنتاج البدائي,و لهدا السبب سعى الإنسان في صراعه المستمر مع الطبيعة إلى تطوير وسائل العمل و قد استلزمت هده العملية زمنا طويلا(ألاف السنين ).

ففي المرحلة الأولى من حياة الإنسان البدائي ( في العصر الحجري)

كانت أدوات العمل تتمثل في العصي و الحجارة و كانت متعددة الاستخدامات (تستخدم في جميع عمليات العمل ) ,و كانت الحياة مقتصرة على جني الثمار و القنص الجماعي و كان شائعا في دلك الوقت أكل اللحوم البشرية و دلك لنقص الغداء, و ظلت في العصر الحجري اغلب أدوات العمل المستخدمة من الحجارة , حيث تطورت من العصا المدببة إلى استخدام سنان حجري في رأسها إلى صنع الحراب و الفؤوس و المجازف و السكاكين و الكلاليب الحجرية ….,و في مرحلة ما من مراحل هدا العصر اكتشف الإنسان النار و كان هدا الأخير بمثابة انعطاف حاسم في حيات الإنسان البدائي,ففي البداية كان هدا الإنسان يحتفظ بالنار الموجودة في الطبيعة ثم تعلم مع مرور ألاف السنين إنتاجها عن طريق الاحتكاك,و قد بدلت النار من شروط الحيات المادية للإنسان فقد مكنته من تهيئة الطعام بصورة بصورة جيدة و حفظه لمدة أطول و كدا توسيع مواد طعامه ( سمك لحم جذور و درنيات),بالإضافة إلى الوقاية من البرد و الدفاع ضد الوحوش المفترسة ,و الأهم من دلك أنها مكنته من تطوير أدوات إنتاجية جديدة .

فبعد داك تعلم الإنسان صنع أدوات العمل من المعدن الخام, أولا من النحاس ثم البرونز فالحديد لدلك سمي العصران اللاحقان للعصر الحجري بالعصر البرونزي و العصر الحديدي.
أعقب دلك أكشاف القوس و السهم الذي يعتبر مرحلة هامة في إتقان أدوات العمل ,لان هدا الاختراع ساعد على تطوير عملية الصيد و بالتالي ازدياد مردوده و إنتاجه و هو ما مهد لمرحلة تربية المواشي ( التدجين ) بشكلها البدائي ( دجن الكلب أولا ثم الماعز فالبقر فالخنزير فالحصان …على التوالي ) و أعقب دلك كله استخدام الماشية كقوة للجر .

و بصورة عامة يمكن القول أن التطور الحاصل في أدوات العمل كانت له نتائج هامة :

أ- ساعد على ظهور الأشكال البدائية للزراعة, حيث بدا الانتقال تدريجيا من جمع النباتات إلى العمل الزراعي المتطور ( زراعة الحبوب – القمح و الأرز و الدرة و القنب..)

ب- بالتدرج بدأت القبائل البدائية ( التي كانت دائمة الترحال ) تتحضر و تستقر في أماكن معينة بالإضافة إلى تحسن شروط الحيات بشكل عام.

2- علاقات الانتاج في المجتمع البدائي:

بما أن الفرد لا يقوم بمفرده بعملية الإنتاج. تنشا علاقات بين الإفراد تسمى علاقات الإنتاج و هنا بجدر بنا حصر علاقات الإنتاج في القانون الاقتصادي الاساسي لنظام إنتاج المشاعية البدائية

و هو ( ضمان وسائل المعيشة الضرورية للإنسان بالاعتماد على أدوات إنتاج بدائية و على أساس مشاعية تملك وسائل الإنتاج و العمل الجماعي و طريقة التوزيع المتساوي للمنتجات ) .من هدا القانون يمكن استنتاج ما يلي:

أ – السمة الأولى لعلاقات الإنتاج في المجتمع البدائي هي العمل الجماعي الذي ياخد شكل التعاون البسيط,حيث يقوم كل أفراد العشيرة بالعمل بطريقة جماعية,حيث يهم كل الأفراد بانجاز عمل واحد فقط ( الصيد ) مثلا دون أن يكون هناك تخصص أو تقسيم عمل ,باستثناء التقسيم الفسيولوجي للعمل سواء حسب الجنس (بين الرجال و النساء ) أو التقسيم حسب السن ,حيث كانت النساء تقوم بجمع النباتات و إدارة شؤون المنزل و كان الصيد من اختصاص الرجال,و لعل السبب الرئيسي وراء طبيعة العمل الجماعية هدههو انخفاض و ضعف مستوى أدوات العمل ( عدم وجود أدوات عمل متطورة ) والتي لا يستطيع بواسطتها الفرد منفردا مواجهة الطبيعة. لهدا كان العمل الجماعي واجبا و ضروريا في نفس الوقت في العهد البدائي,لدلك كان الأفراد ينتقلون مجتمعين من عمل إلى آخر من الصيد مثلا إلى الزراعة أو الرعي و دلك حسب ما يراه أعيان الجماعة ( الأفراد الأكبر سنا ) مناسبا و ينسجم مع مصلحة الجماعة .

ب- السمة الثانية لعلاقات الإنتاج البدائي هو الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج. حيث ترتبط ارتباطا وثيقا بالسمة الأولى (العمل الجماعي و التعاون البسيط ). اد كانت الأرض و جميع الموجودات ( أدوات العمل ) ملكا للجميع و هدا طبعا باستثناء بعض الأشياء مثل الألبسة و بعض وسائل الدفاع عن النفس و هدا لضرورة استخدامها بطريقة فردية .
ج – ثمار العمل ( المواد الاستهلاكية ) كانت مشتركة (للأسباب السابقة).
د – طريقة التوزيع هي المساواة ( للأسباب السابقة).

3– التنظيم الاجتماعي – نظام العشيرة:

كانت العشيرة تمثل الوحدة الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية التي يقوم عليها المجتمع البدائي و يذكر أن المرأة احتلت مكانة مرموقة و لعبت دورا هاما في المرحلة الأولى للنظام العشيري و دلك بسبب شروط الحياة المادية نفسها .
حيث كانت الزراعة البدائية و التدجين البدائي من اختصاصها و هما أهم من الصيد (من تخصص الرجل) من الناحية الاقتصادية حيث يعتبر الصيد دو مردود غير مضمون.
و قد تعاظم دور المرآة إلى أن أصبح النسل ينسب إليها و سميت هده المرحلة بنظام العشيرة الامومية إلا أن تطور القوى المنتجة و ظهور التدجين المتطور ( المراعي )و الزراعة المتطورة ( الحبوب )و التي كانت من اختصاص الرجل ,أدى إلى انقلاب الموازين و انتقلت السيادة من المرأة إلى الرجل و أصبح النسل ينسب إليه و حل نظام العشيرة الأبوية محل العشيرة الامومية .
هدا و نظرا لعدم وجود الفائض و الاستثمار و المكية الخاصة لوسائل الإنتاج و الطبقات لم يظهر في دلك الوقت ما يسمى بجهاز الحكم ( الدولة ) و كان العرف وحده هو وسيلة الحكم وهو أساس هيبة رؤساء العشائر.

4- التقسيم الاجتماعي للعمل:

ارتبط التقسيم الاجتماعي للعمل مع ظهور كل من الزراعة و الرعي أي زراعة الأرض و تربية المواشي. حيث حصل تخصص في العمل( تقسيم للعمل ) على أساس المشاعيات ,و كان أول تقسيم اجتماعي كبير للعمل( تقسيم للعمل على أساس المشاعيات هو تأليف قبائل الرعاة و قبائل الزراعة و هو ما زاد في إنتاجية العمل لحد كبير ) .
كانت أهم نتيجة لهدا التقسيم الاجتماعي للعمل قيام و تطور ما يسمى بالتبادل بين قبائل الرعاة و قبائل الزراعة و قد بدا نطاق التبادل بالاتساع مع ظهور تقسيمات اجتماعية أخرى للعمل نتيجة تطور أدوات الإنتاج,فظهرت مهنة صنع الأواني الفخارية و الحياكة اليدوية و مع ظهور الحديد أصبح من الممكن صنع الأدوات الحديدية ( المحراث الفأس و السيف…) و بهدا تمهد الطريق لانقسام هام جديد في المجتمع و هو التخصص الحرفي أو المهني داخل المشاعية نفسها و هو ما أدى إلى توسع نطاق المبادلات.
و تجدر الإشارة هنا أن التبادل كان في البداية يتم على أساس عشائري بين رؤساء العشائر و باسم عشائرهم ثم تحول بعد تملك الماشية ملكية خاصة إلى تبادل بين الأفراد و قد كان هدا التحول تدريجيا إلى أن أصبح التبادل الفردي هو الشكل الوحيد للتبادل .

5- ظهور التملك الخاص و الطبقات :

ويمكن القول عند التكلم عن التملك الخاص و الطبقات أننا بصدد التكلم عن مرحلة جد متقدمة من النظام المشاعي ( تكاد تكون بمثابة مرحلة انتقالية بين النظام المشاعي و نظام الرق ),فبعد التطور الحاصل على مستوى أدوات العمل أصبح العمل أكثر إنتاجية و هو الأمر الذي لم يعد يستدعي العمل بطريقة جماعية على مستوى العشيرة ,فارتفاع الإنتاجية سمح بالإنتاج في الزراعة و الرعي و الحرف على نطاق اجتماعي أضيق من العشيرة و هو الأسرة التي أصبحت الوحدة الاقتصادية و الاجتماعية الجديدة في المجتمع,و بهدا فسح المجال للعمل الخاص على نطاق الأسرة للحلول تدريجيا محل العمل الجماعي المشترك و هو الذي أدى إلى ظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج,و يشير التاريخ أن الملكية الخاصة بدأت بالماشية ,فقد بدا زعماء العشائر بامتلاكها بعدما كانت ملكية جماعية لإفراد العشيرة ,ثم امتدت الملكية الخاصة لجميع أدوات الإنتاج و كانت الأرض آخر ما دخل في نطاق التملك الخاص.

وقد أدى ظهور الملكية الخاصة إلى تقسيم العشيرة أولا إلى اسر كبيرة ثم إلى وحدات عائلية صغيرة بالإضافة إلى تغيير البنيان الاجتماعي للمجتمع البدائي حيث انفصل مالكي وسائل الإنتاج عن عامة أفراد المجتمع و أصبحوا يتولون المناصب الاجتماعية و السياسية – و هو ما ساهم في نشوء الأسر الارستقراطية – .هدا و قد توسع نطاق الملكية نحو تملك جميع وسائل الإنتاج بما فيها الإنسان نفسه – ففي السابق كان الأسرى يقتلون لأنه في ظل انخفاض مستوى أدوات العمل لا يستطيع الأسرى إنتاج كميات إضافية تزيد عن حاجاتهم ,لكن في ظل تطور أدوات العمل أصبح الاحتفاظ بالأسرى مجدي من الناحية الاقتصادية ,اد أصبح الأسرى يحققون فائضا من المنتجات و هو ما أصبح يبرر عدم قتل أسرى الحرب و الاكتفاء باستعبادهم – و بهدا ظهر نظام الرق و توسع ليشمل مع التطور التاريخي أفراد القبيلة نفسها . و بهدا تكون علاقات الإنتاج المشاعية قد انتهت لتحل محلها علاقات إنتاج جديدة .
و يمكن حصر أهم العوامل التي ساهمت فيما يلي :
1 – التقسيم الاجتماعي المستمر للعمل.
2 – ظهور إمكانية العمل الفردي و الملكية الخاصة نتيجة تطور أدوات العمل.

الوقائع الاقتصادية في ظل النظام العبودي

بدا نظام الرق بالتشكل عقب انهيار النظام المشاعي حوالي 3000 – 4000 قبل الميلاد و استمر إلى غاية القرنين الثالث و الرابع الميلادي في شمال إفريقيا و آسيا و ازدهر في اليونان و روما إلى غاية القرن الخامس الميلادي .
لقد شملت عمليات الإنتاج في هده المرحلة كل من الرعي و الزراعة و النشاط الحرفي – ظهرت هده الأعمال و تطورت في ظل النظام المشاعي – إلا أن شروط و ظروف النتاج في هده المرحلة تختلف في نظام الرق عنه في النظام المشاعي و فيما يلي يتم التعرض لأهم خصائص النظام العبودي .

1- الملكية:

ساد في هده الفترة ما يسمى بنظام الملكية المطلقة لوسائل الإنتاج ,الأرض و أدوات العمل…بالإضافة إلى امتلاك الإنسان – العبيد – و اعتباره شيء من الاشياءو ادات من أدوات الإنتاج – ادات عمل ناطقة عند الرومان – مع الحرية المطلقة في التصرف في هده الممتلكات بما فيها العبيد وكان العبيد محرومين من جميع الحقوق السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية .

2- العمل:

لقد كانت السمة الغالبة للعمل في هده المرحلة هي العمل الجماعي و التعاون بين العبيد و لكن في إطار الإكراه الاقتصادي و القسر – الاستغلال – لصالح السادة الدين يمتلكون أدوات العمل بما فيها العبيد – الإنسان – .
إلى جانب عمل العبيد في جميع المجالات – الزراعة و الرعي و العمل الحرفي.اد كان العبيد يقومون بإنتاج الجزء العظم من المنتجات و يشكل نشاطهم العمود الفقري في عملية الإنتاج في المجتمع العبودي – كان هناك بعض المنتجين من الأحرار الدين كانوا ينتجون بصفة فردية حيث تمتعوا بحرية امتلاك وسائل الإنتاج و العمل و كانوا في الغالب متخصصين في بعض الأعمال الحرفية – الحدادة و الألبسة و الزراعة – الاانهم في نفس الوقت يخضعون للنظام العام ,حيث كان يتعين عليهم دفع ضرائب – جزء من دخولهم – للدولة سواء في صورة نقدية أو عينية و كانتهده الفئة من الأحرار تمثل عماد الجيش.اد لايسمح للعبيد بالعمل في الجيش و دلك لحاجة الأسياد الماسة إليهم لممارسة أوجه النشاط المختلفة .

-3نمو القوى المنتجة:

حدث تطور كبير في وسائل الإنتاج الزراعي و ظهرت أدوات عمل جديدة لم تكن معروفة من فبل – …المذراة المنجل و المعول.. – كما حدث تخصص في العمل الزراعي نفسه – تقسيم اجتماعي للعمل – تمثل في ظهور أعمال البستنة و زراعة القنب . أما في المجال الحرفي فقد حدث تطور هام في صناعة الأواني و الحدادة كما انفصلت صناعة النسيج عن صناعة الغزل و ظهرت صناعة الألبسة و أدوات الزينة كأعمال مستقلة – و يؤكد المؤرخون انه في القرن 4 و 5 ق م كان في اليونان حوالي 50 حرفة -.

4- القانون الاقتصادي الأساسي:

يمكن تلخيص القانون الاقتصادي الأساسي للنظام العبودي فيما يلي – إنتاج الخيرات المادية موجه لسد حاجات الأسياد المتزايدة باستمرار و كان يتم دلك عن طريق الاستثمار في العبيد – .
و يمكن القول أن العبيد كانوا يمارسون مختلف الأنشطة لصالح الأسياد في شكل علاقة – سيد – عبد – و كانت المنتجات توزع بين السادة و العبيد. و كان من حق السادة تحديد الكيفية التي يتم بواسطتها توزيع المنتوج و الذي عادة ما كان يتم تقسيمه إلى جزأين:

ا- المنتوج الضروري

:و هي كمية من المنتوج ( الحبوب مثلا ) موجهة لسد الحاجات الأساسية للعبيد من اجل القيام بعملية تجديد قوة العمل و الاستمرار في الإنتاج.

ب- المنتوج الفائض:

يمثل القسم الأعظم من المنتوج و يستخدم من قبل السادة لإشباع الحاجات الاستهلاكية وبناء القصور و المسارح و غيرها .

5- العلاقات النقدية و البضاعية في نظام الرق:

ا – التبادل

ظهر التبادل و تطور في ظل نظام المشاعي وكان تبادل بين المنتجين في شكل سلعة مقابل سلعة ) تطورت عمليات التبادل في هده المرحلة و أصبحت بظهور النقود – التي تطورت هي الأخرى و اخدت أشكالا مختلفة – تتم في شكل سلعة – سلعة نقدية – سلعة . و لقد لعب دور السلعة النقدية كل من الماشية . و الملح و السمك المجفف و الجلود …ثم تطورت النقود و اخدت أشكالا معدنية و كان لها أثرا كبيرا في تطور و تنمية التجارة .

ب- ظهور رأس المال التجاري و رأس المال الربوي:

مع تعاظم دور النقود كوسيط للمبادلة و في ظل بعد المنتجين عن بعظهم البعض و تبعثرهم أدى هدا إلى ضرورة وجود فئة تقوم بدور الوسيط بينالبائعين و المشترين – بعد أن كان يتم التبادل بين المنتجين مباشرة – و كان ظهور العمل التجاري ثالث تقسيم اجتماعي كبير للعمل ,حيث تخصصت فئة من التجار بشراء و بيع السلع و كان الفرق بين سعر البيع و الشراء مصدر الربح التجاري و بدلك لم يعد دور النقود قياس القيمة فقط و لكن أصبحت النقود كوسيلة لجمع الثروة و ظهر لأول مرة رأس المال التجاري .
أما رأس المال الربوي الذي ظهر في هده المرحلة فقد اتخذ من النقد كوسيلة للإقراض و التسليف ,حيث يقوم المرابون بتقديم القروض النقدية إلى السادة و المنتجين و الحرفيين و الأفراد مقابل معدل فائدة.

الوقائع الاقتصادية في ظل النظام الاقتصادي الإقطاعي ( العصور الوسطى

كان النظام الإقطاعي بمثابة النظام الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي الذي ساد في أربا في العصور الوسطى,حيث نشا هدا النظام على أنقاض النظام العبودي و دلك بعدما قامت القبائل الجرمانية ( اقل تحضرا من الرومان ) باحتلال روما ( كانت الإمبراطورية الرومانية في جزأيها الشرقي و الغربي تقوم على سيادة أهل روما و على نظام الرق و التجارة بين مختلف أجزائها و كان نظام الحكم يقوم على وجود سلطة مركزية قوية مركزها روما ) ,و بالتالي السيطرة على الإمبراطورية الرومانية الغربية (476 م ) ,كما قامت الدولة الإسلامية في القرن الثامن الميلادي بشن الحروب على الإمبراطورية الرومانية الشرقية و الامراطورية الفارسية ,كل دلك أدى إلى انهيار العالم القديم و ضياع معالمه في ارويا و دلك بعد سقوط روما و انهيار جهاز الحكم المركزي فيها و انقطاع التجارة بين الشرق و الغرب بسبب تعاظم نفود الدولة الإسلامية .
في ظل هده الظروف بدا النظام الإقطاعي بالتشكل لان ملوك الجرمان الدين سيطروا على روما لم يكونوا قادرين على إقامة سلطة مركزية لدى عمدوا إلى تنصيب قادة جيوشهم حكاما للأقاليم,و مع مرور الوقت بدا هؤلاء القادة باتخاذ بعض مظاهر الاستقلال عن السلطة المركزية ,فأصبحت وظائفهم و ألقابهم وراثية و صاروا يجمعون الضرائب لحسابهم الخاص,كما قاموا بإنشاء المحاكم الإقطاعية التي تحكم بأسمائهم و كان لكل إقطاعية جيشها الخاص,حتى أن اغلب الإقطاعيين بدئوا بسك (بإصدار ) النقود بأسمائهم ,و بدلك بدت الإقطاعية و كأنها وحدة اقتصادية و اجتماعية و سياسية,( و بالتالي تشكل ما يسمى بالهرم الإقطاعي الذي يأتي في قمته الإمبراطور الدي فقد نفوذه السياسي و الاقتصادي مع مرور الوقت لصالح قاعدة الهرم التي تتألف من قادة الإقطاعيات- النبلاء – الأشراف – الأسياد – اللوردات) .
ففي المجال الزراعي
( الريف ألا روبي – الضيعة – ) استولى قادة الإقطاعيات على اغلب الأراضي الزراعية بطرق مختلف
( الإرهاب,إرهاق الفلاحين بالضرائب الشيء الدي يدفعهم إلى تسليمها بعد الغرق في الديون,قيام المزارعين بتسليم أراضيهم للإقطاعي طوعا مقابل الحصول على حمايته –خوفا – ) ,و أصبحت بالتالي اغلب الأراضي ملكا للإقطاعيين و تحول المزارعين و أسرهم إلى أقنان للأرض ( عبيد للأرض )يعملون لدى الإقطاعيين و تحت سيطرتهم ( تابعين لهم ).

و كانت أراضي الإقطاعية ملكا للإقطاعي و موزعة بالشكل التالي :

1-جزء من الأرض يحتفظ به السيد لنفسه و الجزء الثاني يوزع بين المزارعين بالتساوي,حيث يقومون بزراعة حصتهم من الأرض لحسابهم الخاص مع التزامهم بدفع جزء من المحصول في شكل ريوع نقدية أو عينية لسيد الإقطاعية و للكنيسة (اندمجت الكنيسة في النظام الإقطاعي و أصبحت جزءا منه تدافع عنه و تحبذه و ارتبطت بدلك مصالحها بمصالح النظام الإقطاعي ) .

2-يلتزم المزارعون بالعمل وفق نظام السخرة في دلك الجزء من الأرض المخصص للإقطاعي,حيث يخصصون أيام معينة من الأسبوع للعمل على أرضه ( نظام السخرة معناه العمل بدون مقابل ).

3- كان يحق لرقيق الأرض ( المزارعين )توريث حق زراعة الأرض ( حصتهم من الأرض )إلى أبناءهم بعد موتهم,كما كانوا مجبرين على العمل و طاعة من يرث سيد الإقطاعية في حالة موته,و يلتزم سيد الإقطاعية بحماية رقيق الأرض و القضاء بينهم ( العدالة ) مع ضمان بعض الحاجات الضرورية الأخرى .
و كان اقتصاد الإقطاعية يميل إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي ( اقتصاد مغلق ) فنادرا ما تتم المبادلة بين الإقطاعيات .و كانت الزراعة تمثل أهم نشاط اقتصادي في اروبا .

أمافي المجال الصناعي(الطائفي) فظهر في مجال الصناعات الحرفية تنظيمات نقابية ( ابتداءا من القرن 12 ) تقوم بالإشراف على النشاط الحرفي في المدينة ( يمارس النشاط الحرفي خارج سيطرة الإقطاعية ) تسمى بالنقابات الطائفية,فكان لكل حرفة نقابتها الخاصة بهاو مهمتها تنظيم النشاط الحرفي ,حيث تقوم هده النقابات بمايلي :

1-تحديد الأسعار و المحافظة عليها تحديد عدد العمال في كل حرفة مع وضع شروط للعضوية في النقابة.

2- الإشراف على الإنتاج و ضمان جودته .

و كان القانون الاقتصادي الأساسي لأسلوب الإنتاج الإقطاعي هو :

الإقطاعيون يجهدون للحصول على اكبر قدر ممكن من المنتوج الفائض في شكل ريع عقاري إقطاعي و دلك عن طريق الاستثمار الإكراهي في الفلاحين .
و من هنا فالعلاقة بين مالك الأرض السيد كانت قائمة على أساس التبعية ,و بهدا كان المجتمع يتقسم إلى طبقتين رئيسيتين و هما طبقة الإقطاعيين و الفلاحين ,والى جانب هدا كانت هناك فئات أخرى مثل صغار المنتجين من فلاحين و حرفيين و تجار و مرابون.
و تجدر الإشارة هنا أن هده المرحلة عرفت ضعف و انحسار التجارة بين اروبا و الشرق و هدا راجع لعدم وجود الأمن و الاستقرار في الطرق التجارية التقليدية المؤدية إلى الشرق و دلك بعد تعاظم نفوذ الدولة الإسلامية,لدلك فان اروبا في عهد الإقطاع تميزت بالاكتفاء الذاتي و اقتصرتتجارتها مع العالم الخارجي على بعض المنتجات فقط.

النظام الاقتصادي الرأسمالي

بعد زوال النظام الإقطاعي في اروبا ظهر نظام اقتصادي جديد استقر على تسميته بالنظام الاقتصادي الرأسمالي . الذي ظهر و ازدهر في اروبا الغربية فغير من وجه المعمورة تغييرا جذريا خلال فترة زمنية وجيزة على خلاف الأنظمة الاقتصادية السابقة التي استمرت لفترات طويلة . و كانت أهم العوامل التي ساهمت في قيام النظام الاقتصادي الرأسمالي و زوال النظام الإقطاعي مايلي:

1- القضاء على طبقة الأشراف و الأسياد و قيام الدولة القومية:

نتيجة للثورة ضد الإقطاع و الاستغلال أصبحت مقاليد الحكم في اروبا في يد عدد قليل من الحكام,فقد استطاع الملوك أن يجمعوا السلطات في أيديهم تدريجيا و يقضوا بالتالي على التفكك ممثلا في الإقطاعيات و بدلك ظهرت الدولة القومية في اروبا (فرنسا . اسبانيا . البرتغال. بريطانيا. هولندا …..) التي يحكمها ملك يمتلك سلطة مركزية داخل أراضيها,و قد ساهمت مجموعة من العوامل في القضاء غلى الإقطاع و ظهور الدولة القومية أهمها

ا- هروب رقيق الأرض إلى المدن أين يجدون حرية اكبر في العمل و بالتالي تخليهم عن الالتزامات الإقطاعية هو ما ساهم في زعزعة النظام الإقطاعي و دلك باعتبار الفلاحين ركيزة الإنتاج الزراعي في الإقطاعية- الضيعة-

ب- انتشار استعمال النقود ( المعدنية – الذهب و الفضة ) في التبادل ,حيث كان تجار و صناع المدينة يتعاملون بالنقود ,لدلك اجبر الإقطاعيون إثناء شراء منتوجاتهم إلى دفع المقابل نقدا و هو ما دفعهم إلى التعامل مع أقنان الأرض ( الفلاحين) بالنقود و هو ما أدى إلى تحول الالتزامات الإقطاعية إلى التزامات نقدية ( بعدما كانت عينية – سلع -) و هو ما ساهم في التخفيف من علاقة التبعية التي كانت تربط الفلاح بالسيد و تحولت علاقة التبعية هده إلى أن أصبحت في شكل أيجار .

ج – تحالف تجار المدينة مع الملوك من اجل القضاء على الإقطاع و دلك و دلك الاتفاق مصالح الطرفين

2 – ازدياد عدد السكان:

شهد سكان اروبا عامة و خاصة سكان المدن زيادة كبيرةابتداءا من منتصف القرن 16 و دلك لعدة أسباب و هو ما ساهم بدوره في زيادة الطلب على المنتجات الغذائية الشئ الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها
( أثمانها ) و هو ما أدى إلى التحول تدريجيا من زراعة الاكتفاء الذاتي إلى الزراعة الرأسمالية, ( حيث لم يعد المزارع يزرع و ينتج لنفسه و لأسرته أو للإقطاعية فقط بل أصبح ينتج لغرض البيع في السوق و تحقيق ربح ).

3 – الاكتشافات الجغرافية و الفتوحات الاروبية:

خرجت ارويا من عزلتها بعد اكتشافها طريق رأس الرجاء الصالح و الوصول إلى الشرق سنة 1498 و وصولها إلى العالم الجديد سنة 1492,حيث تمكنت من الحصول على مستعمرات واسعة في مختلف أنحاء العالم – أمريكا و أفريقيا و الشرق الأقصى – و كان لهده الفتوحات و الاكتشافات الجغرافية نتائج هامة على الصعيد الاقتصادي حيث ساهمت في ازدهار النظام الرأسمالي:

ا- أدت هده الأخيرة إلى اتساع نطاق الأسواق و المبادلات .
ب – تدفق كميات كبيرة من المعدن النفيس .
ج – توسع كبير في مختلف فروع الإنتاج – صناعة و زراعة .

4- التطور الفكري و الإصلاح الديني:

لم يعد الفكر الديني في أوربا يحتقر وينظر نظرة دونية إلى الأعمال و الأنشطة الاقتصادية خارج نطاق الزراعة كما كان سائدا في العصور الوسطى ,بل أصبح يقر بتفوق الذهاب إلى العمل على الذهاب إلى الكنيسة ,فأصبح للعمل في الزراعة و الصناعة و كل الأعمال و الأنشطة بمافيا الزراعة نفس الأفضلية,كذلك ظهرت أفكار جديدة لا تعتبر الإقراض بفائدة ربا و إنما مشاركة في الربح و هو ما أعطى دفع قوي للنظام الرأسمالي و لم يعد هناك صعوبات في الحصول على رؤوس الأموال .

5 – تطور النظم النقدية:

حيث لم يعد المدخر أو أصحاب الودائع يدفعون للصيارفة فوائد مقابل احتفاظهم بأموالهم بل أصبح الصيارفة يدفعون فوائد مقابل الودائع و المدخرات للمدخرين و المودعين و هو ما ساهم في زيادة الادخار و بالتالي توفر رؤوس الأموال اللازمة للاستثمار .
و تجدر الإشارة هنا أن النظام الرأسمالي في أول عهده كان ذا صبغة تجارية و من هنا كانت تسمى المرحلة الأولى لهدا النظام بالرأسمالية التجارية.

أولا :الرأسمالية التجارية:

بدا عهد االراسمالية التجارية في أوربا على وجه التقريب من بداية القرن الساد س عشر و استمر خلال القرن السابع عشر و ظل تأثيره على الحياة الاقتصادية إلى غاية منتصف القرن الثامن عشر أين بدأت الرأسمالية الصناعية تاخد مجراها في المجتمعات الاروبية ,حيث سيطرت التجارة و المبادلات في هده المرحلة على النشاطين الزراعي و الصناعي,حيث أن كل ما كان ينتج يتم إنتاجه لغرض المبادلة – أي التجارة الداخلية و الخارجية – ( رأس المال التجاري سيطر على الزراعة الصناعة و جعلهما في خدمة التجارة مباشرة ),هدا و قد عرفت هده المرحلة ظهور طريقة الإنتاج الرأسمالية سواء في الزراعة أو الصناعة – ظهور طبقتين اجتماعيتين تختلفان على أساس اقتصادي و هما طبقة الرأسماليين أرباب العمل و طبقة العمال الأجراء تربطهما علاقة تعاقدية -.
بعد أن حققت الدول الاروبية وحدتها السياسية بدأت تعمل على تحقيق وحدتها و قوتها الاقتصادية ,حيث بدأت هده الأخيرة بالتدخل في الحياة الاقتصادية على نطاق واسع ابتداءا من القرن السادس عشر ,فلم يعد يقتصر دورها على سن التشريعات و القوانين بل تعدى دورها في المجال الداخلي الى تنظيم التجارة و الصناعة,كان تقوم الدولة بإنتاج أو تشجيع صناعة معينة,كما تقوم في المجال الخارجي بوضع قواعد لتنظيم شؤون تجارتها الخارجية كمنع تصدير سلعة معينة و قد أطلق على هده السياسة تعبير السياسة التجارية أو المركنتيلية و هي التي سادت في اروبا – اسبانيا و فرنسا و البرتغال- إلى منتصف القرن الثامن عشر.
و لقد ساعد على انتشار هده السياسة التجارية ظهور طبقة اجتماعية جديدة سرعان ما انتزعت مكانة مرموقة في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية في عدد من دول اروبا و التي كانت مكونة من التجار و أرباب الأعمال و رجال المال ,حيث انسجمت مصالحهم مع مصالح الدول القومية – الملوك – و ازداد نفردهم و كانت حماية مصالحهم موضع اهتمام من طرف السياسيين و مالت بالتالي سياسة الدولة إلى تحقيق مصالح هده الفئة .
و لما كانت قوة الدولة و ثروتها تتحدد بمقدار ما تمتلكه من معادن نفيسة – دهب و فضة – فقد كان من المصلحة الاقتصادية للدولة الناشئة في اروبا أن تدعم نفوذها السياسي بقوة اقتصادية و دلك عن طريق الحصول على اكبر قدر من المعادن النفيسة – ( تولى الحاكم – الملك – إدارة مجهودات الدولة من اجل دلك ) – سواء عن طريق استغلال المناجم التي تحت سيطرتها أو عن طريق التجارة الخارجية و قد اخدت سياسة التجاريين صورا مختلفة نوجزها في ما يلي:

-1السياسة المعدنية في اسبانيا (القرن 16):

اتخذت السياسة التجارية في اسبانيا الشكل المعدني و يعتبر أكثر إشكال السياسة التجارية بساطة ,و تقوم هده السياسة على حصول الدولة على المعادن النفيسة بطريقة مباشرة سواء عن طريق استغلال مناجمها أو من مناجم مستعمراتها,و منع خروجها . . و قد تماشت هده السياسة مع حالة اسبانيا في القرن السادس عشر ,حيث تدفقت إليها كميات كبيرة من المعادن النفيسة من مستعمراتها في أمريكا – البيرو و المكسيك-,و بالتالي لم يستدعي الأمر إلا الاحتفاظ بهاو و منع خروجها ,و لتحقيق هدا الهدف قامت اسبانيا فضلا عن منع خروج الذهب و الفضة بإجبار المصدرين الأسبان على إعادة ثمن صادراتهم في شكل مبالغ نقدية مع إجبار المصدرين الأجانب بإخراج ثمن صادراتهم لاسبانيا في شكل سلع اسبانية لا في شكل نقود – دهب و فضة – ,هدا بالإضافة إلى تخفيض قيمة العملة الوطنية الاسبانية – القيمة الاسمية – مقابل العملات الأجنبية من اجل اجتذابها إلى الداخل و بالتالي منع خروج العملة الوطنية إلى الخارج. و قد أدى كل هدا إلى تدفق كميات كبيرة من المعادن النفيسة إلى الخزينة الاسبانية و هو ما أدى إلى زيادة كمية النقود المتداولة الشئ الذي أدى إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار , ( الأمر الذي شجع في المرحلة الأولى بعض الصناعات و نشاط التجارة على اعتبار أن التاجر أو الصناعي يحقق ارباح في ظل ارتفاع الأسعار ) إلا أن هدا الارتفاع في الأسعار تواصل حتى بلغ مستويات قياسية ,و في ظل إهمال الأسبان للزراعة أدى هدا إلى انهيار الأوضاع الاقتصادية في اسبانيا و حدث شلل في التجارة الخارجية ,و هو الذي أدى إلى خروج كميات كبيرة من المعادن النفيسة و التي كانت تهرب إلى الخارج لفقدان الثقة في الاقتصاد الاسباني .

-2السياسة الصناعية في فرنسا القرن 17:

لم تكن لدى فرنسا مناجم غنية بالذهب و الفضة كاسبانيا,لدى كانت السياسة التجارية فيها مغايرة للسياسة المعدنية,لدلك طبقت فرنسا خلال القرن السابع عشر تحت قيادة الوزير كولبير سياسة تهدف إلى التأثير على حجم المعادن النفيسة التي تمتلكها الدولة عن طريق إقامة قاعدة صناعية قوية و قادرة على المنافسة الدولية ,تمكنها من زيادة الصادرات عن الواردات و تحقيق فائض في الميزان التجاري , ( و قد تم التركيز على الصناعة لان الزراعة أكثر عرضة للتقلبات الجوية و لان قيمة المنتوج الصناعي أعلى نسبيا مقارنة من المنتوج الزراعي في حالة تساوي الكمية ) ,هدا بالإضافة إلى إقامة أسطول بحري قوي و إقامة الشركات المتخصصة في التجارة الخارجية .
و لقد تم تطبيق هده السياسة الصناعية عن طريق تخفيض نفقات الإنتاج ( تخفيض الأجور و أسعار المنتجات الغذائية ),هدا بالإضافة إلى مساعدة المشروعات بتقديم إعفاءات ضريبية مع منحها امتيازات أخرى ( توفير أدوات العمل,استخدام العمالة الفنية الأجنبية ),هدا بالإضافة إلى إنشاء صناعات و مشروعات مملوكة للدولة ,بالإضافة إلى حماية الصناعة الوطنية عن طريق فرض رسوم جمركية عالية على المنتجات الأجنبية ذات المثيل المحلي مع إعفاء الواردات من المواد الأولية للازمة للصناعة المحلية من الرسوم الجمركية,هدا بالإضافة إلى منح إعانات لشركات التصدير ( الصادرات ) لزيادة قدرتها التنافسية في السوق الأجنبية.
ساهمت كل هده الإجراءات في تشجيع الصناعة الوطنية و بالتالي ساهمت في دخول كميات معتبرة من المعادن النفيسة عن طريق تحقيق فائض في الميزان التجاري .

-3السياسة التجارية في انجلترا القرن 17 و18:

لم تكن الأوضاع في انجلترا مماثلة لما كان عليه الحال في كل من فرنسا و اسبانيا و من تم فقد كان الاهتمام الرئيسي للسياسة التجارية فيها موجها لاكتساب المعادن النفيسة عن طرق التجارة مع العلم الخارجي
( التجارة الخارجية ) و بالتالي تحقيق فائض في الميزان التجاري يضمن دخول معادن نفيسة (دهب و فضة ) و كدا عن طريق إعطاء عناية فائقة للأسطول البحري الانجليزي لما يقدمه من خدمات النقل البحري حيث تمثل خدمات النقل البحري صادرات غير منظورة ( ميزان العمليات الجارية )و تساهم في الحصول على المعادن النفيسة .
و لم تصبح في هده المرحلة المعادن النفيسة غاية في حد ذاتها و إنما مجرد وسيلة,فالغاية كانت فتح أسواق خارجية للسلع و المنتجات الانجليزية .
و لقد ساعد على تجسيد كل دلك صدور قانون كرامويل ( 1651 معدل 1660)و ما تضمنه من إجراءات كتخفيض سعر الفائدة و إعفاء المنتجات الوطنية من الضرائب على الصادرات و دعم صناعات التصدير عن طريق خفض تكاليف الإنتاج ( أجور العمال ), كما تضمن القانون بالإضافة إلى بنود أخرى أن تكون السفن القائمة بالتجارة مع العالم الخارجي مملوكة لأشخاص انجليز و أن يكون على الأقل 4/3من عمالها انجليز.

ففي المجال الصناعي:

يذهب اغلب المؤرخون ا ن النظام الرأسمالي وضحت معالمه في مراحله الأولى بانتشار ما يسمى,بالصناعات المنزلية, ( التي تختلف عن الصناعات الحرفية – النقابات الطائفية – ) و كانت هده الصناعات تقوم على مايلي :
يعهد صاحب العمل و هو من التجار أو أصحاب الحرف بمواد أولية إلى عددمن العمال لصناعتها في منازلهم و لحسابه الخاص و دلك طبقا لمواصفات معينة. ثم يقوم بتصريف الإنتاج( بيعه في السوق ).
و كانت أدوات العمل ملكا للصناع على الأقل في المرحلة الأولى, حيث كانوا يضطرون للاقتراض بفائدة مرتفعة من اجل الحصول عليها و في مرحلة ثانية كانت تقدم إليهم من طرف صاحب العمل,و يدفع لهم أجرا.
و قد انتشرت هده الصناعات بين صناع يعملون خارج المدينة تجنبا للقيود التي كانت تفرضها النقابات الطائفية و كان مجال تخصصها في الصناعات الجديدة التي لم تكن بطبيعتها خاضعة لهده النقابات مثل صناعة الورق و الزجاج و بعض الصناعات المعدنية…

لقد ساهم هدا النظام ( الصناعات المنزلية )في التخفيف من القيود الحرفية,وحقق مرونة كبيرة في الجهاز الإنتاجي و أدى إلى زيادة دخول كل من العمال و أصحاب الأعمال ,إلا أنه يعاب عليه تشغيل النساء و الأطفال و بعد المصانع و تشتتها و هو ما أدى إلى صعوبة الإشراف عليها الشئ الذي ساهم في رفع نفقات الإنتاج و انتشار الإهمال و التبذير و عدم انتظام دورة الإنتاج ,يضاف إلى كل دلك محاولة أرباب الأعمال ربط العمال بهم عن طريق القروض فأصبحوا تحت رحمنهم .
و بدلك ساهمت هده الصناعة في التمييز بين فئتين اجتماعيتين على أساس اقتصادي و هما

-1فئة أرباب العمل المتحملين لمخاطر الإنتاج و المالكين لرأس المال و جزء من أدوات العمل.
-2-فئة العمال المعتمدين على قوة سواعدهم كعمال أجراء.

بالإضافة إلى انتشار الصناعات المنزلية ظهر في القرن السابع عشر و القرن الثامن عشر في عدد من فروع الصناعة ( الملابس و المنسوجات..الزجاج ..الحديد و بناء السفن……) مايسمى بالمصانع اليدوية . يمتلكها أرباب الحرف و التجار . و تتميز بان عملية الإنتاج تتم في مكان واحد يجتمع فيه عمال متخصصين في إنتاج سلعة معينة.و دلك تحت الإشراف المباشر لصاحب العمل أو مندوب عنه,و هنا يظهر المصنع اليدوي و بوضوح التمييز بين فئتين اجتماعيتين على أساس اقتصادي و هما :

1- أرباب العمل:الدين يستمدون سلطتهم من تملكهم لرأس المال و وسائل الإنتاج
2- عمال مأجورين:أصحاب قوة العمل حيث يبيعون قوة عملهم مقابل أجور و تقوم العلاقة بينهما على أساس التعاقد.

و هنا يمكن القول أن أهم ما كان يميز المصانع اليدوية عن الصناعات المنزلية هي سهولة الإشراف و الرقابة و تطبيق أساليب تقسيم العمل في المصنع اليدوي الأمر الذي ساهم في زيادة إنتاجيته.

و بدلك ظهرت وحدة الإنتاج الرأسمالية أو المشروع الرأسمالي و أصبحت الصناعة تدار بطريقة رأسمالية في الفترة التي سادت فيها الرأسمالية التجارية,هدا و بالرغم من ازدهار المصانع اليدوية و انتشارها لتشمل جميع فروع الصناعة ,إلا أن فنون الإنتاج المستخدمة فيها مازالت تقليدية يدوية لا تعتمد على الآلة,و لم تصل في انتشارها لتحل محل الصناعات الحرفية و الصناعات المنزلية,حيث انتشرت هده الأنواع الثلاثة من الصناعة جنبا إلى جنب في مرحلة الرأسمالية التجارية.

أما فيما يخص الزراعة:
فبالرغم من الاهتمام الشديد الذي أولاه التجاريين للصناعة و التجارة فأنهم لم يهملوا الزراعة على اعتبار أنها مصدر المواد الغذائية لعمال الصناعة و سكان المدن ,و تجدر الإشارة هنا أن الزراعة الاروبية في هده المرحلة بدات تعرف تحولا نوعيا في طريقة الإنتاج أي التحول من الزراعة الإقطاعية إلى الزراعة الرأسمالية التي يتم فيها الإنتاج لغرض المبادلة في ظل المنافسة و التي يكون الدافع فيها هو تحقيق ربح عن طريق استخدام العامل الأجير
و أن اقتصر التحول نحو الزراعة الفردية على الزراعة الانجليزية في مرحلة أولى لتحقق التحول في باقي الدول الاروبية في المراحل الزمنية اللاحقة ,حيث تأخر التحول في فرنسا إلى ما بعد الثورة الفرنسية و في ألمانيا إلى غاية القرن 19.
حيث عرفت بريطانيا في المجال الزراعي انطلاق حركة إقامة الاسيجة – التسييج – حتى و أن عرفت هده الأخيرة نوع من التراخي في القرن 17 لتبلغ ذروتها في القرن الثامن عشر خاصة بعد حصولها على تأييد من البرلمان -( حيث أدت زيادة الطلب على الصوف في الفترة من القرن 15 – 16- و بالتالي ارتفاع أسعاره ) ,أدت إلى قيام كبار الملاك و أقوياء الريف بتوسيع ملكياتهم العقارية عن طريق احتواء ارضي كانت مخصصة للاستعمال المشترك في القرية و كدا أراضي صغار الفلاحين و بناء سياج حولها و تحويل هده الملكيات إلى مراعي للأغنام و تكون النتيجة أن يصبح عدد من الفلاحين بلا ارض يزرعونها ,بالإضافة إلى دلك قام كبار ملاك الأراضي التي كانت مقسمة على صغار الفلاحين كمستأجرين يزرعونها لإنتاج الحبوب بتحويل ملكياتهم إلى مراعي لتربية الأغنام,و بما أن المراعي لاتحتاج إلى نفس القوة العاملة التي كانت تقوم بزراعة الأرض تكون النتيجة في الحالتين أن لا يكون أمام صغار الفلاحين الدين انتزعت ملكياتهم و صغار المستأجرين الدين أبعدو عن الأرض سوى الاتجاه إلى سوق العمل في المدينة ليزودوا الصناعة المتوسعة بالقوة العاملة .

كما شهد القرن 16 قيام تجار المدينة بالاستثمار في شراء الملكيات الإقطاعية الكبيرة و على نطاق واسع) رغم أن معظم هده الاستثمارات كانت تتم بغرض المضاربة و ليس بغرض القيام بالنشاط الزراعي. إلا أن البعض من هؤلاء قام بالانفاق على تحسين الأرض و استغلالها بطريقة رأسمالية, و هو ما يصدق على المراعي الكثيرة التي خصصت لتربية الاغنام .
بالإضافة إلى كل دلك قام أغنياء الفلاحين المستقلين بتوسيع ملكياتهم عن سواء عن طريق الشراء أو عن طريق التسييج و قاموا بإدارة مزارعهم بطريقة رأسمالية معتمدين على العمل الأجير الذي يتشكل أساسا من ضحايا التسييج أو من الفلاحين الفقراء .
من هدا كله يمكن الكلام عن ظهور طريقة إنتاج جديدة – طريقة إنتاج رأسمالية – و علاقات إنتاج جديدة سواء في المشروع الصناعي أو الزراعي حيث اصيحت كل من الزراعة و الصناعة تداران بطريقة رأسمالية ,حيث حدث دلك التمايز الطبقي الذي نتج عنه ظهور طبقة الرأسماليين المالكين لوسائل الإنتاج و رأس المال و المحملين لنتائج و لمخاطر الإنتاج و طبقة العمال الأجراء الدين يبيعون قوة عملهم مقابل الحصول على أجور.

بالرغم من كل تلك التغيرات التي شهدتها الزراعة و الصناعة و التي أدت إلى ظهور طريقة إنتاج تختلف كيفيا عن السابق إلا أن الإنتاج الزراعي و الصناعي كانا تحت سيطرت رأس المال التجاري في خدمة التجارة و خاصة التجارة الخارجية و التي كانت تمارس في هده المرحلة من طرف الشركات الكبيرة التي تحتكر كل منها الاتجار مع منطقة من العالم .

سياسة الطبيعيين ( الحرية الاقتصادية

ظهرت في فرنسا اعتبارا من منتصف القرن الثامن عشر آراء و أفكار الفيزيوقراطيين المبنية على خضوع الظواهر الاجتماعية لنظام طبيعي غير قابل للتغيير و يمكن تطبيقه في كل زمان و مكان ,مع إيمانهم العميق بان مصالح الأفراد لا تتعارض مع بعضها البعض كما أنها لا تتعارض مع مصالح الجماعة,لدلك كله يجب حسب رأيهم أن لا تتدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية – لان تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي يسبب المشاكل-,و يمكن القول أن سياستهم كانت قائمة على أساس حرية العمل و التجارة ( الحرية الاقتصادية ) وفق مبدأ

– دعه يعمل دعه يمرlaisser faire laisser passer – لدلك يمانع الطبيعيون في تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية ,إلا فيما يختص بحماية الأفراد و صيانة حقوق الملكية بالإضافة إلى الدفاع الخارجي و توفير الأمن و العدالة, و القيام بالمشروعات العامة التي لا يستطيع الأفراد القيام بها,كما أنهم كانوا يرون بان المنافسة الحرة كفيلة بتحقيق الثمن العادل – الثمن الذي يحقق للبائعين ربحا من وجهة نظر المستهلك – .

ففي فرنسا
نجد أن ثورة 1789جعلت من مبدأ الحرية احد أهم المبادئ الهامة في دستورها و اتخذت بعد دلك الخطوات اللازمة لتطبيقها في المجال الاقتصادي,ففي سنة 1790 اصدر المجلس الوطني الفرنسي قانون تحققت على إثره حرية التجارة الداخلية ,كما قامت فرنسا بمحاولة إلغاء القيود الكمية و الرسوم الجمركية على تجارتها الخارجية

في بريطانيا
فقد تم الانتقال تدريجا من التدخل الحكومي إلى الحرية الاقتصادية على مراحل, فقيام بريطانيا بإلغاء نظام السخرة و تقرير الحق في إقامة الاسيجة حول المزارع و إلغاء نظام النقابات الطائفية و إلغاء الامتيازات الممنوحة لبعض الطبقات, جاءت محققة لتقرير الحريات الاقتصادية

في الولايات المتحدة الأمريكية
فقد تقررت الحرية الاقتصادية نتيجة لثورة 1776 ,و سادت الحرية و مورست سواء بطريق سليم أو غير سليم حتى تغيرت سياسة الولايات المتحدة في عام 1933 أين تقرر تقييد الحرية الاقتصادية و ضرورة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي في إطار ما كان يسمى بسياسة العهد الجديد.

و يمكن أن نعدد الحريات الاقتصادية التي تحققت في مايلي :
1- وقف التدخل الحكومي: بمعنى عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي و ترك الحرية للإفراد
2- تقرير حرية التجارة:و دلك عن طريق إلغاء القوانين و التعليمات التي تحول دون قيام الأفراد بممارسة التجارة, باللاضافة إلى إلغاء جميع الاحتكارات سواء كانت حكومية أو أهلية .
3- حرية التصرف في الممتلكات:و يشمل حق رهن و بيع و تمليك الثروات و عدم مصادرتها من طرف الدولة إلا في حالات المصلحة العامة.
4- حرية التعاقد:بمعنى حرية الفرد في التعاقد مع الغير و بالتالي تقريرا لبنود التي يشملها العقد:و هو ما أفاد رجال الأعمال و الصناعيين في مطلع الثورة الصناعية في تعاقدهم مع العمال.
5- حرية البقاء أو مغادرة مكان معين:ففي الأزمنة السابقة كانت تفرض قيود على الانتقال, فالعمال مثلا و خاصة منهم المهرة لا يسمح لهم بالانتقال من عمل إلى آخر و دلك خشية أن تتأثر الصناعة,أما في هده المرحلة فقد تحققت حرية العمل و الانتقال من عما أو من مكان إلى آخر .

وهنا يمكن القول أن الحرية الاقتصادية وما تضمنته كانت أمرا لازما لتحقيق التقدم الاقتصادي في اروبا و عاملا مهما لازدهار النظام الرأسمالي

الثورة الصناعية

تعريف الثورة الصناعية

يقصد بالثورة الصناعية التطورات الكبيرة التي عرفتها الصناعة في اروبا عامة و انجلترا خاصة ابتداءا من منتصف القرن الثامن عشر و التي أدت إلى حدوث تحول كيفي في فنون الإنتاج الصناعي . حيث تم الانتقال من الصناعة اليدوية التي تعتمد على عمل الإنسان – أدوات عمل بسيطة – إلى الصناعة الآلية التي تعتمد على الآلة التي تدفعها قوة محركة. حيث عرفت اروبا في هده المرحلة موجة عارمة من الاختراعات و الاكتشافات ساهم إدخالها في مختلف فروع الصناعة إلى تطويرها – صناعة الحديد و تعدين الفحم . و صناعة المنسوجات . و توليد الطاقة المحركة – الشئ الذي ساهم في حدوث زيادة هائلة في كل من الإنتاج و التكوين الرأسمالي و أصبحت الصناعة على إثرها النشاط الرئيسي في الاقتصاد الوطني .

1- أسباب قيام الثورة الصناعية في اروبا:

يمكن أن نجمل الأسباب الأساسية لقيام الثورة الصناعية في اروبا فيما يلي:

ا – العامل السكاني:

عرف سكان اروبا مند أواخر القرن الثامن عشر زيادة كبيرة و مستمرة و دلك لانخفاض معدلات الوفيات ( توفر الرعاية الصحية خاصة في المدن) . فزيادة عدد السكان تؤدي إلى توفر الأيدي العاملة . و خاصة في ظل تمتع العمال بحرية اختيار الأعمال و الانتقال من عمل إلى آخر .فلا شك أن دلك يساعد على نهضة و تقدم الصناعة .
و عموما يمكن القول أن زيادة عدد السكان يؤدي إلى زيادة عرض العمل و بدلك تجد المشروعات الجديدة و القديمة حاجتها من الأيدي العاملة بأجور معقولة . كذلك فان زيادة عدد السكان تمثل زيادة في الطلب على السلع و الخدمات و هو ما يعمل على اتساع نطاق السوق و بدلك تنمو الصناعة و لا يعوقها التخلص من فائض الإنتاج.

ب – اتساع تجارة اروبا الداخلية و الخارجية ( اتساع الأسواق الداخلية و الخارجية ):

عند التطرق إلى الدور الذي لعبته تجارة اروبا الداخلية و الخارجية في التطور الصناعي في اروبا ,يجب الوقوف على اهميةالدور الذي تلعبه وسائل النقل و المواصلات و دلك على اعتبار أن تطورها يساهم في ازدهار التجارة الداخلية و الخارجية ,و تجدر الإشارة هنا إلى الطفرة النوعية و التقدم الحاصل على مستوى وسائل النقل و المواصلات سواء كانت مائية أو برية,حيث تمكنت الدول الاروبية من ربط أجزائها المختلفة بوسائل نقل اقتصادية – قطارات و سفن و كان النقل النهري يلعب دور كبير في ربط مختلف أجزاء اروبا – ,و كدا الوصول إلى الأسواق الخارجية بعد ظهور الناقلات الحديثة و خاصة السفن التجارية الضخمة و هو ما ساهم في اتساع الأسواق الداخلية و الخارجية.
فقد تطورت تجارة اروبا الداخلية و الخارجية حتى شملت العالم القديم و الجديد – و دلك بعد اكتشاف العالم الجديد و الطريق المؤدي إلى الشرق عبر رأس الرجاء الصالح – و هو ما ساهم في نمو الصناعة في القرنين 18 و 19 ,اد تمكنت اروبا من الوصول بمنتجاتها إلى أسواق الدول المختلفة ,فكلما كانت السوق قادرة على امتصاص قدر كبير من المنتجات كلما مال حجم المشروعات إلى الكبر,حيث ساهم اتساع نطاق السوق نتيجة للطلب الكبير على السلع في جعل الإنتاج نمطي و أمكن بالتالي إدخال الآلات تدريجيا في العمليات الإنتاجية لمواجهة الطلب المتزايد- خاصة ادا علمنا أن انخفاض أثمان السلع الصناعية نتيجة للإنتاج الكبير و انخفاض تكاليف الشحن أدى إلى توسع كبير في الطلب على السلع الصناعية و ربما بنسبة تفوق بسبة الانخفاض في الأثمان حيث أن الطلب على تلك السلع كان كبير المرونة . كما أن الزيادة في الدخول التي نجمت عن التوسع في الإنتاج في كافة دول العالم الصناعية أو الزراعية أدت إلى التوسع في الطلب على المنتجات الصناعية حيث أن الطلب على هده الأخيرة كان يتمتع بمرونة دخلبة كبيرة -. و بدلك يكون اتساع السوق قد ساعد على التصنيع و التوسع الإنتاج.

ج -وفرة رؤوس الأموال و إمكانيات التراكم الرأسمالي:

كان من أهم النتائج التي ترتبت على اتساع تجارة اروبا الداخلية و الخارجية أن ازدادت أرباح و ثروات أصحاب المصانع و شركات النقل و التجار و الوسطاء, و بدلك تجمع لدى اروبا مبالغ طائلة و أموال كبيرة لمقابلة ما تحتاج إليه الصناعة من أموال, حيث توفرت رؤوس الأموال اللازمة للاستثمار في إنتاج سلع استهلاكية ,وكدا إنتاج العدد و الآلات ( السلع الإنتاجية أو الرأسمالية ), بالإضافة إلى رؤوس الأموال اللازمة
لتمويل عمليات البحث و التطوير ,هدا و قدكانت ندرة رأس المال لدى معظم الدول الاروبية العائق الأساسي أمام قيام الصناعة ,و تجدر الإشارة إلى أن الصناعة في اروبا نمت نموا كبيرا عندما تمكنت الصناعة القائمة من تحقيق أرباح وفيرة أعيد استثمارها في إقامة صناعات جديدة, حيث كانت أرباح المنشات تمثل المصدر الرئيسي لمواجهة حاجات الصناعة الناشئة .
و من الأمور الأخرى التي ساهمت في تمويل الصناعة قيام و ظهور شركات المساهمة التي استطاعت أن تجمع المدخرات من صغار و كبار المدخرين على حد سواء, كما أن نشأت البنوك و قيامها بوظيفتها التقليدية المتمثلة في الحصول على الودائع من الأفراد و الهيات و إعادة إقراضها لتمويل الاقتصاد ساهم مساهمة فعالة في ازدهار الصناعة في اروبا .

د – الحرية الاقتصادية و عدم التدخل الحكومي .

ه – تطور علمي و كشافات علمية- اكتشاف آلات إنتاج متطورة – وضعت موضع التطبيق في الصناعة فادت إلى ازدهارها.

2 – أهم مظاهر الثورة الصناعية:

كان من أهم مظاهر الثورة الصناعية مايلي:

ا -ظهور نظام المصانع الآلية و كبر حجم المشروعات:

بقيام المخترعات العلمية العظيمة في القرن 18 و استخدام الآلة – التي تحركها طاقة – التي كانت على درجة عالية من القوة الإنتاجية,ظهر و ازدهر نظام المصانع الآلية. فقد تمكن أصحاب المصانع و كبار الحرفيين من إقامة الصناعة الجديدة و أصبحوا يمثلون طبقة الرأسماليين,أما صغار أصحاب الحرف فاضطروا إلى العمل في المصانع كعمال مأجورين, و تحولت وحدات الإنتاج في اروبا إلى المصنع الكبير ,حيث كان كبر حجم الوحدات الإنتاجية – المصانع – من أهم مظاهر الثورة الصناعية. فبعد أن كان المشروع يستخدم عددا محدودا من العمال. أصبح يوظف المئات ,و بمرور الوقت أصبح ألاف العمال يعملون في المصنع الواحد, حيث تشير تقديرات عام 1830 أن عدد العمال في مصانع القطن كان يقدر بحوالي 175 عاملا,و 93 عاملا في مصانع الحرير و 45 عاملا في مصانع الصوف, أما مصانع الحديد فكان يتراوح عدد العمال بها في حدود 1500- 2000 عاملا.
و على المستوى القطري فان السمة الغالبة على الصناعة الألمانية مثلا هي كبر حجم المشروعات فقد قام التوسع الصناعي فيها نتيجة لامتصاص المصانع الكبيرة فيها للمصانع الصغيرة – الاندماج و التكامل و من الأمثلة على دلك شركة krupp في حوض الروهر – ,أما الصناعة في فرنسا فكانت وحداتها تميل نسبيا إلى الصغر. لدلك كان عدد العمال فيها محدودا, و لعل أهم الأسباب الواقفة وراء دلك هو الندرة النسبية للفحم الحجري و تفضيل الفرنسيين التخصص في إنتاج السلع الكمالية التي تحتاج إلى مهارات و فنون إنتاج عالية.
أن تحول الصناعة إلى الصورة الجديدة أدى إلى وجود طبقة اجتماعية جديدة هي طبقة المديرين و دلك بعد أن تعقدت مشكلة إدارة المصانع الكبيرة مما دفع بالمالكين و المساهمين بان يعهدوا إلى أصحاب الخبرة بإدارة مشروعاتهم .

ب – ظهور النزعات الاحتكارية في الصناعة:

لقد أدى تطور وسائل النقل و المواصلات إلى جعل العالم سوقا واحدة يتنافس فيها الكثير من المنتجين من مختلف دول العالم ,وقد أدى التنافس بينهم إلى تسابقهم نحو تخفيض الأسعار و هو ما أدى بدوره إلى تخفيض الأرباح بل و تحقيق خسائر في الكثير من الحالات ,و هو ما دفعهم إلى التكتل و الاتحاد و عقد الاتفاقيات المختلفة و الدخول في أشكال الترست و الكارتل بقصد القضاء على المنافسة و التحكم في الأسعار و دلك لضمان تحقيق المستوى المنشود من الأرباح, و الواقع أن التكتلات الاحتكارية انتشرت بشكل كبيرخاصة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في مختلف نواحي الحياة الاقتصادية و بصورة كبيرة خاصة في كل من ألمانيا و الولايات المتحدة الأمريكية .

ففي ألمانيا
قامت و ازدهرت نقابات إنتاجية تعرف باسم الكارتل ,كان غرضها منع المنافسة بين المنتجين عن طريق عقد اتفاقات خاصة بتوزيع الأسواق و الأسعار و تنظيم الإنتاج – تحافظ الشركات الداخلة في الكارتل على شخصيتها القانونية و استقلالها المالي و الإداري – حيث تقيد حرية و سلطات الشركات بعد انضوائها تحث راية هدا التنظيم الاحتكاري وتوقيعها اتفاقيات ,و قد انتشر ت هده الاحتكارات بشكل كبير في صناعة التعدين و الحديد والصناعات الكهربائية و البنوك و أدت هده السياسة إلى كبر بعض المشروعات لدرجة تقترب من الاحتكار الكامل .

أما في الولايات المتحدة الأمريكية

فقد ظهرت الاحتكارات في شكل تراست و هو تنظيم عكسي لنظام الكارتل ,حيث تفقد المشروعات الداخلة فيه شخصيتها الاعتبارية و استقلالها المالي و الإداري بحيث تندمج الشركات المتعاقدة و تصبح مشروعا واحدا و تحت إدارة موحدة تقوم برسم سياسات الإنتاج و التسعير……. ,و قد سارعت الولايات المتحدة انطلاقا من مبدأ رفض الاحتكار إلى إصدار قوانين لمحاربة التراست – قانون شومان 1890 و قانون كلايتون 1914 – .

3- نتائج الثورة الصناعية:
كان للثورة الصناعية العديد من الآثار و الانعكاسات المباشرة و الغير المباشرة على النواحي الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية تقوم بحصرها فيما يلي :

ا :زيادة الثروة القومية لدول اروبا و زيادة قوتها الحربية:

زادت ثروات بلدان اروبا نتيجة للثورة الصناعية و أصبحت الدولة غنية بمصانعها و مناجمها متمتعة بمقدرة إنتاجية عالية ,حيث لم يقتصر الإثراء على أصحاب رؤوس الأموال فقط . بل حققت الدولة زيادة كبيرة في إيراداتها من الضرائب المباشرة و غير المباشرة .
و نظرا لما حققته هده الدول من أرباح وفيرة و خاصة انجلترا و فرنسا فإنها وظفت قدرا كبيرا من هده الأموال في زيادة قوتها العسكرية و الحصول على مستعمرات واسعة عادت على اقتصادياتها بمكاسب عديدة .

ب- ارتفاع مستويات المعيشة:

بالرغم من أن الثورة الصناعية زادت من أهمية الآلات و نفود أرباب العمل و كان العامل في الغالب تحت رحمة أصحاب المصانع ,إلا أنها مهدت لتجمع العمال و توحدهم ,حيث أصبحوا قادرين على الحصول على أجور و شروط عمل أحسن ما كانوا ليحصلوا عليها لو كانوا متفرقين ,و على العموم يمكن القول أن الثورة الصناعية حققت زيادة ملموسة في مستويات المعيشة الحقيقية و دلك عن طريق زيادة الإنتاج الزراعي و الصناعي الذي اغرق الأسواق و نجم عنه انخفاض في الأسعار و بالتالي زيادة المقدرة الشرائية الحقيقية للنقود.

ج- شدة الخلاف بين العمال و أصحاب الأعمال:

في الغالب ينشا الخلاف بين العمال و أصحاب الإعمال من كون العمال الدين تجمعوا حول المصنع و بداو يناقشون أوضاعهم يطالبون بزيادة الأجور و تحسين شروط العمل و من الناحية الأخرى يحاول أصحاب الأعمال الضغط على العمال حتى تزيد أرباحهم و تنمو استثماراتهم ,لدلك رأى العمال ضرورة التكتل في النقابات و الاتحادات العمالية التي تدافع عن مصالحهم .
حيث تتعدى مطالبة النقابة أرباب العمل برفع الأجور و تحسين أوضاعهم إلى مطالبة الدولة و إقناعها بسن التشريعات التي تنظم علاقاتهم بأرباب العمل كما تسعى في الغالب النقابات العمالية لدى السلطات من اجل حماية الصناعة أو إعانتها أو رعايتها بأي صورة ,لكي تنشط الصناعة و تصبح قادرة على مقابلة مطالب العمال و هده الفكرة الحديثة أمنت بها بعض النقابات و مؤداها أن تحسن مستواهم المعيشي لا يتأتى إلا ادا تقدمت الصناعة

.د- تركز السكان في المدن :

زاد عدد سكان دول اروبا الصناعية بصورة واضحة خلال القرن 19 ,كما أن نسبة كبيرة من السكان تركزت في المدن فلقد زاد سكان انجلترا و ألمانيا و بلجيكا ) 1801- 1901( على التوالي من 10.5 إلى 27 مليون و من 20 إلى 56 مليون و من 3.5 إلى 6.5 مليون ,كذلك فان سكان المدن في نهاية القرن التاسع عشر كانوا يشكلون ثلثي سكان ألمانيا و ثلاثة أرباع سكان انجلترا و نصف سكان فرنسا .

ه- نمو التجارة الخارجية:

و تعتبر سبب و مظهرو نتيجة للثورة الصناعية ,فقد ازدهرت تجارة اروبا الخارجية نتيجة لازدهار صناعتها ,و حدث أن أصبحت السمة الغالبة عليها أنها تصدر مواد و منتجات صناعية و تستورد مواد أولية لازمة لصناعتها .

و- زيادة نفود طبقة رجال الإعمال و عظم الدور الذي يلعبه رأس المال.

4 – تطور الزراعة الاروبية:
أن قيام ثورة صناعية في اروبا أدى إلى حدوث تطور كبير على مستوى وسائل و نظم الزراعة الاروبية استحق أن يطلق عليه بالثورة الزراعية, حيث حدث تطور كبير في الزراعة الاروبية في القرن التاسع عشر, و دلك نتيجة لإتباع الوسائل العلمية و تطبيق النظم الجديدة التي تجمعت عن الثورة الصناعية ,حيث أدى اكتشاف الأسمدة الكيمائية و تطوير نظم صرف حديثة و إدخال الآلة إلى العمل الزراعي إلى تقدم و ازدهار الزراعة .

ففي انجلترا

و اعتبارا من القرن 18 تحقق الانتقال إلى نظام الزراعة الفردية أو الرأسمالية و تم القضاء نهائيا على نظام الزراعة الإقطاعية و انتشرت المزارع التي تدار بطريقة رأسمالية .

في بريطانيا

و قد مالت الملكيات الزراعية إلى الكبر و انتشرت المزارع الكبيرة ( و دلك راجع لعدة أسباب أهمها يتعلق بنظام الإرث السائد في بريطانيا و التوسع في حركة التسييج بالإضافة إلى اعتبارات أخرى ) على عكس الزراعة في باقي البلدان الاروبية التي مالت فيها الملكيات الزراعية إلى الصغر – فرنسا مثلا فقد تم الانتقال فيها الى نظام الزراعة الرأسمالية بعد الثورة الفرنسية .

5-الاستعمار و أثاره الاقتصادية:

لقد عرفت الفترة التاريخية اللاحقة للثورة الصناعية قيام موجة استعمارية كبيرة, و يمكن القول أن الثورة الصناعية دفعت إلى انتشار الاستعمار في القرن 19 (يطلق على الموجة الاستعمارية في هده المرحلة بالامبريالية الجديدة ,و دلك بالرغم من أن فكرة التوسع الاستعماري كانت قائمة من قبل, فقد سادت حتى في العهد المركنتيلي و سميت هده الموجة الاستعمارية بالامبريالية القديمة ) , حيث تمكنت الدول الاروبية الصناعية و خاصة فرنسا و بريطانيا من السيطرة على مناطق عديدة من العالم و التحكم فيها بمرونة كبيرة و دلك لان :
1- دول اروبا الصناعية كانت في حاجة ماسة إلى أسواق واسعة لتصريف منتجاتها الصناعية و دلك لتسلط فكرة حدوث إفراط في الإنتاج و عدم قدرة الاستهلاك المحلي على استيعاب كميات الإنتاج الكبيرة ( و قد لخص ج . فييري الوضع في سنة 1885 بقوله بان المستعمرة مركز تصريف) .

2- المستعمرات كانت بمثابة مصدر مهم للحصول على المواد الغذائية و المواد الأولية اللازمة للصناعة .
3- كانت المستعمرات بمثابة فضاء واسع لاستثمار رؤوس الأموال الاروبية, بالإضافة إلى كونها مجالا مهما لتصريف جزء من الفائض السكاني الاروبي .

و كان من نتائج فتح أبواب المستعمرات على مصراعيها أن تهدمت أوضاع الصناعة الحرفية القديمة بداخلها و دلك تحت وطأة منافسة المنتجات الصناعية الاروبية -و الهند المثال الواضح على دلك – و لم تقم في هده الدول صناعات حديثة بدل الصناعات القديمة في مقابل ازدهار و تطور النشاط الأولي سواء في الزراعة أو استخراج الخامات و المواد الأولية ,فقد تدفقت رؤوس الأموال من البلدان الاروبية الاستعمارية – خاصة فرنسا و بريطانيا – لكي تستثمر في إنتاج و تصدير مواد أولية في المستعمرات ,و كانت هده التدفقات تتم بدافع الربحية , و حققت بالفعل مكاسب وفيرة لكافة المشروعات الاستثمارية التي عملت بالمجالات المذكورة مما جعل الدول الاستعمارية تحاول تكريس تقسيم دولي للعمل تتخصص على إثره الدول المستعمرة في إنتاج و تصدير مواد أولية,في حين تتخصص الدول الاستعمارية في إنتاج و تصدير مواد صناعية .
و قد كشفت الدراسات الاقتصادية عن الحقائق التالية بشان التخصص في إنتاج السلع الأولية الذي قام في المستعمرات اعتبارا من النصف الأخير من القرن التاسع عشر و ظل قائما حتى حصلت هده الدول على استقلالها بل و إلى الآن في غالبية الدول :

1- معظم المكاسب التي تحققت نتيجة للاستثمار في القطاع الأولي داخل المستعمراتكانت تتركز في أيدي أصحاب المشروعات الغربية بينما دهب الجزء الأصغر منها إلى سكان المستعمرات .

2- أن أصحاب المشروعات الغربية قاموا سواء بإعادة استثمار إرباحهم في نفس النشاطات الأولية أو قاموا بتحويل إرباحهم إلى أوطانهم الأصلية.

الوقائع الاقتصادية خلال القرن العشرين

أزمة الكساد الكبرى 1929

لقد بدا العالم الاقتصادي الناشئ عن الثورة الصناعية واثقا من قوته حيث لم يعرف في دلك الوقت طوارئ أزمات كبيرة و ساد في القرن التاسع عشر جو من التفاؤل و الرفاه و دلك باستثناء بعض الأزمات التي ضربت بعض البلاد الاروبية و نذكر منها ,أزمة1816التي انطلقت في بريطانيا و سماها دافيد ريكاردو أزمة إعادة التحويل . وأزمة 1825التي نشأت في لندن ,و أزمة 1873التي نشأت في كل من في ألمانيا و الولايات المتحدة و انتقلت إلى باقي دول العالم الرأسمالي .

1-الوقائع الاقتصادية السابقة لازمة الكساد الكبرى:

امتازت الفترة التي سبقت الكساد العالمي بمظاهر رئيسية يمكن إجمالها في ما يلي :
توسع في الإنتاج و التجارة بوجه عام حيث شهدت الفترة التي سبقت الكساد الكبير (1925-1929)توسعا في الإنتاج و التجارة,ليس فقط في اروبا بل في العالم كله ففي هده الفترة ارتفع الإنتاج العالمي من المواد الغذائية و المواد الأولية بمقدار 11بالمائة و السلع الصناعية بمقدار 26 بالمائة بالإضافة إلى التوسع في حجم التجارة الخارجية الذي وصل إلى 19 بالمائة-( فألمانيا مثلا عرفت ابتداءا من سنة 1926توسع و رخاء اقتصادي كبير و دلك بعد تمكنها من معالجة الاختلالات النقدية التي كانت تعاني منها, فيحين لم تعش بريطانيا نفس الحالة من الرخاء الاقتصادي و دلك لأنها كانت تعاني من ركود اقتصادي نسبي حتى قبل الأزمة ) – و يرجع هدا الاتجاه العام –( الانتعاش )- الذي عرفه الاقتصاد العالمي إلى الانتعاش الاقتصادي النسبي الذي عرفه الاقتصاد الأمريكي في هده الفترة – بل و قبلها – ( نظرا لضخامة الاقتصادالأمريكي سواء من حيث الإنتاج أو التجارة فان حركات النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية لها أهمية بالغة و تأثير كبير على النشاط الاقتصاديفي الدول الأخرى ),بالإضافة إلى القروض الأمريكية الضخمة المقدمة للدول الأجنبية المختلفة و خاصة ألمانيا و النمسا بالإضافة إلى عوامل أخرى أهمها :
خفت حدة التوتر السياسي الذي نتج عن الحرب العالمية الأولى,أضف إلى دلك قيام محاولات في مختلف الدول لخلق استقرار نقدي داخلي مع محاولة تحرير التجارة الخارجية من القيود المفروضة عليها.

أما فيما يخص الاقتصاد الأمريكي فقد بدأت حركة الرخاء الاقتصادي مبكرة و ترجع إلى سنة 1922 و استمرت هده الأخيرة إلى سنة 1929 و كان من أهم العوامل التي ساهمت في خلق رخاء اقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية دلك النشاط الكبير في صناعة البناء فحركة الانتعاش التي سادت صناعة البناء تسربت إلى قطاعات الصناعة الأخرى.

و كانت موجة الاختراعات و التجديدات التي وضعت موضع النتفيد بعد الحرب العالمية الأولى من العوامل الأساسية الدافعة للنمو – ( الرخاء – التوسع ) – في الفترة السابقة للكساد الكبير,حيث ساهمت هده التجديدات و الاختراعات في التوسع الصناعي من ناحيتين :

1- التوسع في إنتاج سلع قائمة بتكاليف منخفضة .

2- خلق سلع جديدة كان أهمها :التوسع في إنتاج السيارات و هو ماشجع التوسع في إنتاج السلع و الخدمات المكملة كالتوسع في إنتاج زيوت البترول و المطاط و الصلب و بناء الطرق,و من السلع التي ظهرت بكثرة السلع الكهربائية المنزلية و غيرها من السلع الكهربائية الحديثة

مع العلم أن الرخاء الاقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة الأمريكية لم يشمل جميع أوجه النشاط الاقتصادي و دلك للتراجع الملحوظ الذي كان يحققه القطاع الزراعي في تلك الفترة.
هدا وقد عرفت البورصات و خاصة في الولايات المتحدة موجات كبيرة من المضاربات في الأوراق المالية و دلك كنتيجة لسيادة حالة من التفاؤل في ظل الرخاء و التوسع الاقتصادي الذي كان يعرفه الاقتصاد الأمريكي.
فأسعار الأوراق المالية كانت في ارتفاع مستمر . ففي بداية الأمر كان الارتفاع في أسعار الأوراق المالية قائما على أساس اقتصادي سليم و يعكس الارتفاع الحقيقي في معدلات الإرباح التي تحققها الشركات التي أصدرت تلك الأوراق المالية المتداولة في البورصة,و لكن بعد دلك تمادى المتعاملون في تفاؤلهم و أخد التعامل في البورصة ياخد صورة مضاربة حامية ,حيث اخدت الزيادة في الطلب على الأوراق المالية تعقبها مباشرة زيادة في أسعارها إلى أن وصلت أسعار الأوراق المالية إلى مستويات خيالية ( و هنا حاولت السلطات وضع حدلموجة المضاربات و دلك عن طريق وضع قيود على حجم القروض التي يحصل عليها المضاربون و لكنها باءت بالفشل ).

2-الأزمة:
تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية و الدول الأوربية ما عدا الاتحاد السوفيتي إلى كساد اقتصادي كبير استمر من عام 1929 إلى غاية1933 و تشير الحقائق أن الولايات المتحدة الأمريكية هي مركز انطلاق الأزمة لتنتقل فيما بعد إلى بقية دول العالم.
فبعد أن عرفت أسعار الأوراق المالية في بورصات الولايات المتحدة الأمريكية ارتفاعا كبيرا و مضطردا بدأت أسعارها تاخد اتجاها عكسيا ( اتجاها نزوليا) و بدلك تحول اتجاه أسعار الأوراق المالية إلى الانخفاض المستمر اعتبارا من شهر سبتمبر سنة 1929,و قد رحبت السلطات النقدية في البداية بانهيار أسعار الأوراق المالية اعتقادا منها بان هدا الانخفاض سوف يؤدي إلى عودة أسعار الأوراق المالية إلى مستوياتها الطبيعية ,و لكن الانهيار تواصل ليدخل بعدها الاقتصاد الأمريكي في مرحلة من الكساد الاقتصادي لم يشهد لها الاقتصاد الرأسمالي مثيلا في الأزمنة الحديثة ,حيث اخدت مستويات الإنتاج و العمالة في الهبوط المستمر حتى بلغت أدنى مستوياتها في عام 1932 .

اختلفت أراء الاقتصاديين حول الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تدهور الانتاج و العمالة في الولايات المتحدة ,دلك التدهور الذي كشف عنه انهيار سوق الأوراق المالية و ساعد على حدته ,و لكن ما من شك أن هناك عوامل حقيقية يتفق عليها معظم الاقتصاديين و هو انه في الفترة السابقة للكساد الكبير حقق النشاط الاقتصادي مستويات قياسية و وصل الإنتاج و الاستثمار إلى درجة التشبع بمعنى أن ضاقت منافذ الاستثمار و بلغت الطاقة الإنتاجية في الصناعة حدا اكبر مما يستوعبه السوق ,فصناعة السيارات مثلا كانت طاقتها الإنتاجية في عام 1929 اكبر بكثير من مقدرة السوق على استيعاب منتجاتها و بالمثل في صناعات أخرى كصناعة الأدوات الكهربائية المنزلية و صناعة المباني ,و بلغة بسيطة كان هناك فائض في الإنتاج الصناعي أي أن العرض اكبر من الطلب و هدا ما يعني انخفاضا كبيرا في الاسعار و انخفاضا في الأرباح……

-3تسرب الكساد من الولايات المتحدة الأمريكية إلى اروبا و الدول الأخرى:

لقد تسرب الكساد من الولايات المتحدة إلى دول اروبا و دول العالم الأخرى و اثر في اقتصادياتها تأثيرا بليغا . و هدا يرجع إلى الأهمية الكبيرة التي يحتلها الاقتصاد الأمريكي في الاقتصاد العالمي نظرا لضخامة إنتاجه بالإضافة إلى الحجم الكبير الذي تحتله تجارته الخارجية في التجارة العالمية . فتراجع النشاط الاقتصادي الأمريكي أدى بالضرورة إلى هبوط حجم المشتريات الأمريكية من منتوجات الدول الأجنبية بالإضافة إلى تقلص حجم القروض و الإعانات التي كانت الدول الأجنبية و خاصة الاروبية تحصل عليها من الاقتصاد الأمريكي حالة.حيث ذهبت الولايات المتحدة الأمريكية إلى سحب جزء كبير من رؤوس أموالها الموجودة باروبا فخلق هدا حالة من الذعر المالي الملي كان له اثر بالغ الأهمية خاصة في ألمانيا و النمسا . أما الدول الأخرى خارج القارة الاروبية فقد تأثرت كثيرا و خاصة أن معظمها دولا تنتج و تصدر مواد و دلك لانخفاض أسعارها نتيجة انخفاض الطلب عليها .
و نعطي فيما يلي صورة عن مدى التدهور الحاصل في النشاط الاقتصادي اثر الكساد الكبير :

1– ففي الولايات المتحدة الأمريكية

تراجع الإنتاج الصناعي في سنة 1932 ليقارب نصف مستواه في عام 1929 و بلغ عدد المتعطلين فيها أكثر من ثلث القوة العاملة.

2- في ألمانيا

و هي دولة صناعية رئيسية انخفض إنتاجها الصناعي في عام 1932 إلى ما يعادل 40 بالمائة من مستواه عام 1929 و بلغ عدد المتعطلين فيها حوالي 30 بالمائة من القوة العاملة.

3- في انجلترا
كان وقع الكساد على اقتصادها اخف نسبيا مقارنة مع كل من الولايات المتحدة و ألمانيا و دلك على اعتبار أن هده الأخيرة كان اقتصادها يعاني من ركود نسبي حتى قبل الأزمة .

4- في فرنسا

كان وقع الكساد كبيرا على اقتصادها . حيث انخفض إنتاجها الصناعي بمقدار 30 بالمائة سنة 1932 مقارنة بمستواه سنة 1929 و كان انتشار البطالة فيها بطيئا نوعا ما و مع دلك كان في عام 1932حوالي 20 بالمائة من عمالها متعطلين.

5- و كان وقع الكساد على الدول التي تنتج و تصدر مواد أولية و زراعية حاد جدا و هدا لانخفاض أسعارها ففي مصر مثلا حدث انخفاض كبير في حجم صادراتها نتيجة لانخفاض أسعار القطن بصفته سلعة التصدير الرئيسية لديها في دلك الوقت

4-الأوضاع الاقتصادية بعد عام 1933

كانت الأوضاع الاقتصادية في اروبا و أمريكا و الدول الأخرى في تحسن مستمر بعذ 1933. بعد أن وصلت مستويات الإنتاج و العمالة إلى أدنى حد ممكن سنة 1932.و انعكس هدا التحسن في الارتفاع التدريجي في حجم التجارة و الإنتاج و انخفاض في عدد العاطلين عن العمل و قد اختلفت درجة التحسن من دولة إلى أخرى كما اختلفت درجة تعرض هده الدول للازمة.حيث كان التحسن الاقتصادي سريعا في السويد و انجلترا و ألمانيا و كان بطيئا نوعا ما في فرنسا و الولايات المتحدة .
و هدا الانتعاش الاقتصادي ( التحسن ) يمكن إرجاعه إلى مجموعة من العوامل.

المجموعة الأولى

تتلخص في المجهودات الحكومية التي بدلت عن طرق تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية .

أ‌- فالولايات المتحدة

باختصار انتهجت حكومتها لتفادي الأزمة ما أطلق على تسميته في تلك الفترة سياسة العهد الجديد ( العجز اليوم يخلق الفائض غدا) أنفقت حكومتها مبالغ ضخمة في إقامة مشاريع عامة تستوعب العمال المتعطلين نتيجة الكساد و بالتالي ضخ دخول جديدة تساهم في خلق طلب جديد . بالإضافة إلى تشجيع الاستثمار عن طريق تخفيض معدلات الفائدة. كما قامت بإدخال بعض برامج المساعدات الاجتماعية . كما دعمت المزارعين من اجل المحافظة على دخولهم بالإضافة إلى إجراءات أخرى
ب‌- أما انجلترا

فقد قامت بعقد معاهدات تجارية بغرض توسيع الأسواق الخارجية أمام المنتجات الانجليزية . تعمل على إثرها المنتجات البريطانية معاملة تفضيلية في هده الأسواق بالإضافة إلى تخفيض قيمة الجنيه الإسترليني. كما قامت الحكومة بتشجيع الاستثمار عن طريق تطبيق سياسات مالية و نقدية .

ت‌- أما في ألمانيا

فقد حدث تحسن و دلك راجع أساسا إلى توجيه النشاط الاقتصادي الذي اتبعته الحكومة الألمانية و للتوسع في الإنتاج الحربي الذي استوعب الكثير من العمال العاطلين عن العمل.

المجموعة الثانية

من العوامل التي دفعت إلى التحسن هي ما يمكن أن نطلق عليها عوامل التحسن التلقائي,أي أن الكساد الذي يصيب الدول الرأسمالية و التي تتبع أنظمة اقتصادية حرة لابد و أن يتبعه تحسن تلقائي في أوجه النشاط الاقتصادي

,فمن مظاهر النظام الرأسمالي تعاقب فترات الكساد و الانتعاش فعندما يحدث كساد تنخفض الأرباح و ترتفع معدلات البطالة و تنخفض الأسعار و تفلس اغلب المؤسسات و تتزعزع ثقة رجال الأعمال بالمستقبل و يخشون المخاطرة الاقتصادية و لا يقدمون على انشاء مشاريع جديدة و هكذا تستمر حلقة الانكماش حتى تصل إلى مستويات دنيا

و لكن بعد أن يبلغ الحال أشده يبدأ رجال الأعمال في الاقتناع بان الأسعار سوف لن تهبط إلى أدنى ما وصلت إليه و أن الوقت قد حان لان تبدأ فترة النهوض الاقتصادي و هنا تبدأ نظرة رجال الأعمال إلى المستقبل بالتحسن ( التفاؤل ) و يبدءون بالتالي في معاودة نشاطهم المعتاد و أن كانوا يعودون بحذر و بطئ ,عير أن الاتجاه العام النشاط الاقتصادي يكون صعوديا خاصة ادا كانت سياسة الحكومة رشيدة تحفزهم و تبعث عوامل الثقة فيهم

تدهور مذهب الحرية الاقتصادية و زيادة التدخل الحكومي:
لقد وجدت الدول الصناعية سواء الولايات المتحدة أو ارويا أن مصلحتها القومية تقتضي تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. فنتيجة للكساد الكبير زاد تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ( تقييد الحرية الفردية ). و لم يقتصر التدخل الحكومي بدرجاته المختلفة على الحقل الصناعي بل تعداه إلى حقول التجارة و المال و علاقات العمال برجال الأعمال

حيث أن انتشار مبادئ التدخل الحكومي في الشؤون الاقتصادية جاءت كنتيجة لفقدان الثقة تماما في كفاءة النظام الحر على تحقيق اكبر قدر من الإنتاج و العمالة. لدا أصبح على عاتق الحكومة أن تقوم بمجموعة من الوظائف التي لم تمار سها من قبل . فلم تعد وظائف الحكومة تقتصر على حماية الملكية و تحقيق العدالة و صد العدوان الخارجي بل أصبحت تتعداها إلى مجموعة من الوظائف الاقتصادية و الاجتماعية.

الاشتراكية
الاشتراكية socialism نظام اقتصادي اجتماعي يقوم على الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج الأساسية، من أجل تلبية حاجات المجتمع على الوجه الأمثل. والقاعدة الاقتصادية الأساسية في هذا النظام هي إلغاء التقسيم الطبقي في المجتمع وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان، بهدف تحقيق العدل والمساواة بين أفراد المجتمع. وقد تعددت المذاهب والنظريات التي تناولت الفكر الاشتراكي، إلا أن النظرية الماركسية اللينينية وحدها هي التي نقلت هذا الفكر إلى الواقع وكانت الأساس الذي قامت عليه أنظمة اشتراكية سادت بلداناً عدة في القرن العشرين، ولذلك فإن البحث في أسس النظام الاشتراكي ومرتكزاته يعني في جوهره نظرة الماركسية ـ

الأصول

إن كلمة الاشتراكية الإنجليزية (1839) مستمدة من الاشتراكية الفرنسية (1832)، وإدخال التيار الرئيسي للاستخدام، في فرنسا، بيار يروكس.، وماري لويس روش ريبود؛ وبريطانيا –>روبرت اوين في 1827 وهو أبو الحركة التعاونية.على الرغم من أن النماذج الاشتراكية والتي تبني أفكار الملكية المشتركة كانت موجودة منذ العصور القديمة مع فلاسفة اليونان الكلاسيكيين –> أفلاطون وأرسطو، إن المفهوم الحديث للاشتراكية تطور استجابة لتطور الرأسمالية الصناعية.

وأول دعوة للاشتراكية كانت تحبذ التسوية الاجتماعية من أجل خلق مجتمع الجدارة أو التكنوقراط على أساس الموهبة الفردية. كونت هنري دي سان سيمون يعتبر أول من صاغ مصطلح الاشتراكية. سيمون كان معجباً بالإمكانات الهائلة في مجال العلم والتكنولوجيا، ودعا إلى أن المجتمع الاشتراكي من شأنه القضاء على الجوانب غير المنضبطة للرأسمالية، وسيكون على أساس تكافؤ الفرص. دعا إلى إنشاء مجتمع يتمتع فيه كل شخص بمرتبة ومكانة وفقا لقدراته ومكافأة الفرد وفقا لعمله أو عملها.

هذا وقد رافق رغبة في تنفيذ اقتصاد عقلاني يقوم على التخطيط المنظم والموجه نحو التقدم العلمي والمادي واسع النطاق، ، وبالتالي يجسد الرغبة في إجراء مزيد من التوجيه والاقتصاد المخطط.أوائل المفكرين الاشتراكيين الأخرين، مثل توماس هودجكين وتشارلز هول، اسندوا أفكارهم إلى نتائج ديفيدللنظريات الاقتصادية ومعللا بأن قيمة السلع توازن أسعار المنتجين عندما يقترب من تلك السلع فائض المعروض، وبأن هذه أسعار المنتجين تناظر الطلب عليها. الاشتراكيين الريكارديين ينظر إلى أن الربح والفائدة والريع يخصم من قيمة هذا التبادل.

نقاد الغرب الأوروبي الاجتماعيين، بما في ذلك روبرت أوين ، شارل فورييه ، بيير جوزيف برودون ، لوي تشارلز هولبلان، تشارلز هول وسان سيمون، كانوا أول الاشتراكيين الجدد الذين انتقدوا الفقر والتفاوت المفرط في الثورة الصناعية.وهم دعوا إلى إالصلاح مع البعض مثل روبرت أوين والدعوة إلى تحول المجتمع ككل إلى مجتمعات محلية صغيرة دون الملكية الخاصة.

لغويا، فإن الدلالة المعاصرة للاشتراكية والشيوعية هي كلمات مخصوصة لمعتنقي ومعارضي الموقف الثقافي تجاه الدين. في أوروبا المسيحية، يعتقد أن الشيوعية هي طريقة الإلحادفي الحياة. في انكلترا البروتستانتية، كانت كلمة الشيوعية كانت ثقافية وكانت قريبة من الروم الكاثوليك طائفة مذهبية، وبالتالي فإن الملحدين الانجليز تدل على الاشتراكيين أنفسهم.

السمات العامة المميزة للنظام الاشتراكي
الاشتراكية نظام متكامل اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، يهدف إلى تحقيق العدالة في المجتمع، وتوفير فرص العمل لأفراده من دون استغلال، ويقوم على الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج.
ففي المجال الاقتصادي لا يتحقق أسلوب الإنتاج الاشتراكي إلا عندما تصبح وسائل الإنتاج ملكاً للمجتمع بأسره أي ملكاً للدولة والتعاونيات، ويكون هدف الإنتاج تلبية الحد الأقصى من حاجات أعضاء المجتمع المادية والروحية. ويكون العمل مفروضاً على الجميع ومتوافراً للقادرين عليه. ويتم الإنتاج في هذا النظام وفق خطط تضعها الدولة وتشرف على تنفيذها، ويتم توزيع الناتج وفقاً لقانون التوزيع الاشتراكي لكل بحسب حجم عمله ونوعيته.
وفي المجال الاجتماعي ينعدم في النظام الاشتراكي الصراع الطبقي في المجتمع وتزول بزوال هذا الصراع الخلافات بين الأمم والشعوب، ويغدو القانون الضابط لحياة المجتمع عناية الجميع بخير كل فرد وعناية كل فرد بخير الجميع. بيد أنه لا يمكن في مرحلة بناء الاشتراكية تحقيق المساواة الاجتماعية لأن العمل يظل مقسوماً إلى عمل ذهني وعمل جسدي، إلى عمل صناعي وعمل زراعي، وهذه الأحوال تتسبب في بقاء عدم التجانس في المجتمع على الصعيد الاجتماعي وبقاء بعض طبقات المجتمع، كالعمال والفلاحين، وفئات أخرى لا تؤلف طبقة خاصة كالمثقفين. ويؤدي ذلك إلى استمرار ظهور بعض التناقضات التي لا تحمل طابع التناحر، ويمكن حلها في إطار النظام الاشتراكي في عملية التطور المستمرة.
وأما في المجال السياسي فيفرض النظام الاشتراكي أن تكون السلطة السياسية في يد المنتجين والشغيلة وعلى رأسهم الطبقة العاملة، مع وجود حزب طليعي يقود الدولة والمجتمع. ويتم حل القضايا الاجتماعية الأساسية بمشاركة جماهيرية وديمقراطية واسعة توفرها المنظمات الشعبية

 

رابط المصدر:

https://www.politics-dz.com/%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%82%d8%a7%d8%a6%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9-history-of-economic-chronicle/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M