حرب تركيا في شمال العراق: بالأرقام

مايكل نايتس

 

تَخوض أنقرة عملية مكافحة تمرد قاتلة، ومخفية إلى حد كبير ضد عناصر «حزب العمال الكردستاني» عبر الحدود، لكن الصراع المتزايد قد يحمل تكاليف باهظة على المصالح الأمريكية والسيادة العراقية.

في 27 تموز/يوليو، قدم العراق شكوى ضد تركيا أمام مجلس الأمن الدولي، وأطلقت الميليشيات العراقية صواريخ على القنصلية التركية في الموصل. وجاءت الخطوتان رداً على القصف المدفعي التركي في 20 تموز/يوليو الذي تسبب بمقتل 9 عراقيين وجرح 33 آخرين في منتجع قرية برخ في «إقليم كردستان». كما تُعتبر هاتان الخطوتان أحدث تطور في الصراع الذي امتد على عقود من الزمن دون أن يستقطب اهتماماً كبيراً، لكنه يتصاعد حالياً كمياً ونوعياً. وقد تكون الميليشيات المدعومة من إيران أكبر المستفيدين من هذه الصدامات إذ تعتبر تركيا بمثابة ذريعة جديدة لكي تقوم الجماعات التي تسمي نفسها “المقاومة” بشن هجمات خارج إطار الدولة العراقية. وإذا استمر المسار الحالي، فهو يهدد بتعريض العديد من المصالح الأمريكية والعراقية للخطر.

ما سبب العمليات التركية في الداخل العراقي؟

في عام 1983، بدأت تركيا في شن غارات برية وعمليات أخرى عبر الحدود استهدفت قواعد في شمال العراق تابعة لـ «حزب العمال الكردستاني» («الحزب»)، الجماعة المسلحة التركية التي صنفتها أنقرة وواشنطن وحكومات أخرى على قائمة الإرهاب. وأُطلقت معظم هذه الضربات رداً على هجمات دموية بشكل خاص نفذها «حزب العمال الكردستاني» والتي أودت بحياة جنود أو رجال شرطة داخل تركيا. وفي بعض الأحيان، منحت حكومة صدام حسين موافقة ضمنية لتنفيذ العمليات التركية ضمن مسافة 5 كيلومترات داخل الأراضي العراقية. وبحلول منتصف تسعينيات القرن الماضي، تمّ توسيع رقعة هذا الحزام الحدودي إلى 16 كيلومتر.

وبعد أن سحب صدام قواته من شمال العراق في عام 1991، لم يتمكن «الحزب الديمقراطي الكردستاني» المحلي من منع خلايا «حزب العمال الكردستاني» المتمرسة من إقامة قواعد في العمق العراقي. ورداً على ذلك، أرسلت تركيا وحدات مدرعة تقدمت ببطء وطاردت المسلحين إلى مسافة وصلت إلى 24 كيلومتراً في الجانب العراقي من الحدود، لينتهي المطاف بإقامة قاعدة دائمة للمدفعية والطائرات المروحية في بامرني، كمركز مراقبة أمامي ووسيلة لتوسيع حملة تركيا ضد «حزب العمال الكردستاني». ومع ذلك، توغل «الحزب» بكل بساطة داخل «إقليم كردستان» ليصل إلى غارا (40 كيلومتراً داخل الحدود)، وجبال قنديل (96.5 كيلومتراً)، ومخيم رستم جودي للاجئين الخاضع لإشراف الأمم المتحدة في قضاء مخمور (177 كيلومتراً)، وسنجار (التي وفرت لـ «حزب العمال الكردستاني» الطريق إلى الحدود السورية).

وابتداءً من عام 2008، حلت الضربات الجوية التركية تدريجياً محل عمليات التوغل البرية. ووفر الجيش الأمريكي معلومات استخباراتية لهذه الضربات في مرحلة مبكرة كوسيلة للتحفيز على انتهاج مقاربة أكثر انتقائية، لكن منذ ذلك الحين أصبحت تركيا أكثر اعتماداً على طائراتها المسيرة ومصادر الاستخبارات البشرية الخاصة بها.

التوسّع والتصعيد

على مدى السنوات القليلة الماضية، بذلت تركيا جهوداً استثنائية لإبطال العمق الاستراتيجي الذي حققه «حزب العمال الكردستاني». ففي سوريا، نفذت عمليات واسعة عبر الحدود بهدف إرغام «وحدات حماية الشعب» الكردية (والتي نشأت كفرع من «حزب العمال الكردستاني») على الرحيل واستبدالها بميليشيات مدعومة من تركيا. وفي العراق، مكّنها تعاونها مع «الحزب الديمقراطي الكردستاني» من استخدام مجموعة واسعة من التكتيكات عبر الحدود، حيث نجحت في معظم الأحيان في تجنب نفس القدر من الاهتمام الدولي.

أولاً، بعد أن سيطر تنظيم «الدولة الإسلامية» على الموصل واحتجز موظفي القنصلية التركية فيها عام 2014، أنشأت أنقرة أكبر قاعدة لها في العراق، هي قاعدة زيلكان. وشُيدت القاعدة على أرض مرتفعة تطل على الموصل، وتقع على بعد أكثر من 80 كيلومتراً داخل «إقليم كردستان» وهي واضحة للعيان بشكل استفزازي أمام الميليشيات العراقية المدعومة من إيران المتمركزة في سهل نينوى.

ثانياً، قامت تركيا بتحديث عملياتها عبر الحدود – فعوضاً عن عمليات التوغل المؤقتة التي تقوم بها وحدات مدرعة غير منظمة، فإنها تشن حالياً حملات أطول أمداً في فصل الربيع من كل عام تقوم بموجبها قوات خاصة متمرسة يتمّ نقلها بالمروحيات بإنشاء قواعد مغاوير على هضبة على عمق يتراوح بين 32 و 48 كيلومتراً داخل العراق بهدف مراقبة ومنع خطوط تحركات «حزب العمال الكردستاني» “بواسطة إطلاق النيران” (أي عن طريق القناصة والمدافع الرشاشة والصواريخ ومدافع الهاون والطائرات بدون طيار والمروحيات). واليوم، أصبح نحو 1553 كيلومتر مربع من الأراضي في شمال العراق تعج بالمراكز ونقاط التفتيش التركية، أي نحو 3.5 في المائة من «إقليم كردستان» و0.3 في المائة من مساحة العراق الإجمالية. وقبل دخول تركيا، كان جزء كبير من هذه الأراضي غير خاضع للقوات الكردية العراقية، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف نزوح سكانه بسبب الظروف السائدة فيه الشبيهة بالحرب.

ثالثاً، وسّعت تركيا نطاق ضرباتها بطائرات مسيرة بشكل ملحوظ، فلم تقتصر على الحدود وجبال قنديل، بل نفذت أيضاً ضربات على عمق 281 كيلومتراً داخل العراق، مستهدفةً مناطق خاضعة للسلطة الاتحادية على غرار سنجار والموصل. وفي كثير من الحالات، تعقبت أسراب الطائرات بدون طيار من نوع “بيرقدار” قياديي «حزب العمال الكردستاني» واستهدفتهم، سواء من خلال تتبعهم أثناء سفرهم إلى الجنوب من المنطقة الحدودية، أو رصدهم من خلال الجواسيس إذا دخلوا المناطق الحضرية (على سبيل المثال، بحثاً عن العلاج الطبي). وعادةً – وإن لم يكن بشكل دائم – تشّن هذه الطائرات ضربات ناجحة جداً من دون التسبب بأضرار جانبية كبيرة، أشبه بالضربات الدقيقة للمسيرات التي تشنها الولايات المتحدة ضد أهداف إرهابية حول العالم.

ومع ذلك، فإن ملاحقة تركيا لـ «حزب العمال الكردستاني» قد أدى بها أيضاً إلى الدخول إلى مناطق تتداخل فيها شبكات «الحزب» مع الميليشيات المدعومة من إيران، مما أدى إلى حدوث دوامة من التصعيد قد تخرج عن نطاق السيطرة. ويتجلى ذلك بوضوح في سنجار حيث يختلط شركاء طهران الأيزيديين مع مسلحي «حزب العمال الكردستاني» بشكل تصعب ملاحظته. وقد أدت تحركات أنقرة في هذه المناطق – مثل استهداف كبار قادة الميليشيات اليزيدية وقتل المدنيين في برخ – إلى ارتفاع وتيرة الهجمات التي شنتها الميليشيات ضد قواعدها في العراق سواء باستخدام الصواريخ أو الطائرات المسيرة، مما يدفع عادةً بتركيا إلى توجيه ضربات مدفعية وجوية وعبر المسيّرات ضد الميليشيات.

توصيات في مجال السياسة العامة

على الرغم من أن «حزب العمال الكردستاني» مصنف كمنظمة إرهابية وأن تركيا حليف رئيسي لحلف “الناتو”، لدى واشنطن أسباب وفيرة للسعي إلى وقف هذا الصراع الذي تتسع رقعته:

  • سيادة العراق على المحك. طالما بإمكان تركيا توجيه ضربات أعمق داخل العراق من دون أن تترتب عليها تداعيات دولية، فهي تخلق بيئة أكثر تساهلاً لإيران كي تحذو حذوها. ففي آذار/مارس، اعترف «الحرس الثوري الإسلامي الإيراني» علناً بإطلاق صواريخ باليستية على إربيل، لكن عدم تعبير المجتمع الدولي عن مخاوفه إزاء الانتهاكات التركية لسيادة العراق حدّ من شدة الانتقاد الذي تعرضت له إيران. وما لم تنتهج واشنطن مقاربة متسقة، فلن تتمكن من ممارسة ضغوط حقيقية على طهران لوقف انتهاكاتها الروتينية – سواء كانت ضربات مباشرة على فصائل المتمردين الأكراد الإيرانيين أو ضربات الميليشيات بالوكالة غير المصرّحة من قبل [الحكومة] العراقية.
  • الميليشيات المدعومة من إيران تستغل الأزمة. كما كان متوقعاً، يتزاحم شركاء طهران في “المقاومة”على المشاركة في أي هجمات معادية لتركيا. ففي 22 تموز/يوليو، عقب توجيه ضربة بواسطة طائرة مسيرة على قاعدة بامرني التركية، وجّه المنبر الدعائي المدعو “أصحاب الكهف” تحذيراً جدياً لأنقرة مفاده: “القتل بالقتل والطائرة بدون طيار بطائرة بدون طيار والصاروخ بمدفع”. وبالفعل، تمنح تركيا الميليشيات مبرراً جديداً لـ “المقاومة” المسلحة ضد الاحتلال عندما تنتفي مزاعم هذه الأخيرة بمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» أو التحالف بقيادة الولايات المتحدة. ومن خلال تمكين هذه الجماعات من تبرير امتلاكها غير المشروع للطائرات المسيرة والصواريخ واستخدامها، تقوّض أنقرة بدون قصد استقرار العراق.
  • إمدادات الطاقة والمياه قد تتأثر سلباً. بصرف النظر عن المبرر المنطقي الأساسي لإحلال السلام بين شركاء الولايات المتحدة، يُعتبر التعاون العراقي-التركي أساسياً لتصدير الطاقة إلى أوروبا التي هي بأمس الحاجة إليها من أجل التعويض عن الإمدادت الروسية. إن تصاعد التوترات بعد حوادث على غرار المأساة التي شهدتها برخ، سيجعل من الصعب على بغداد وتركيا التوصل إلى تسوية بشأن مسائل الطاقة، ولا سيما في التحكيم الوشيك الناتج عن قرار أنقرة بمنح «إقليم كردستان» نفاذً مباشراً إلى خط الأنابيب الممتد بين العراق وتركيا وتصدير النفط من دون موافقة بغداد. علاوةً على ذلك، يحتاج كل من العراق وسوريا إلى كميات إضافية من المياه من تركيا، كما ذكرت السفيرة الأمريكية الجديدة ألينا رومانوسكي خلال مبادرتها الافتتاحية بشأن السياسة بعد وصولها إلى بغداد. ومن غير المرجح حصول ذلك في ظل الظروف العدائية السائدة حالياً.

وعموماً، إن منع الأزمات بين شركاء الولايات المتحدة أو التخفيف من حدتها لا يثقل بشكل عام كاهل صناع السياسة بقدر ما يفعله إصلاح التداعيات المترتبة بعد وقوعها. وإذا أرادت الولايات المتحدة تخصيص وقت أقل لمسائل الشرق الأوسط، فالسبيل الأفضل لذلك هو الحدّ من التوترات وليس مفاقمتها. ومع ذلك، تأخرت واشنطن أساساً في مساعدة بغداد وأنقرة على التفكير بتسوية تعود بالفائدة عليهما معاً بشأن التحكيم الخاص بخط الأنابيب، على الرغم من المؤشرات الواضحة على الكارثة الوشيكة على صعيد السياسة.

أما بالنسبة للعمليات العابرة للحدود، فقد أجرت الدولتان المجاورتان مفاوضات حول القواعد والخطوط الحمراء بشأن هذه المسألة من قبل ويمكنهما تكرار ذلك، لا سيما بوساطة أمريكية. وما أن ينتهي التحقيق بحادثة برخ تحت إشراف الأمم المتحدة، فمن الضروري بذل جهود أكثر شمولية لتقصي الحقائق من أجل تحديد نطاق العمليات التركية في الرقعة البعيدة وغير المأهولة بشكل كبير والممتدة على مسافة 32 كيلومتراً على طول الحدود. كما يتعين على المحققين النظر في الضربات الجوية والمدفعية التي تشنها إيران بشكل روتيني في «كردستان العراق».

وفي النهاية، ليس لدى أنقرة أي مصلحة في إبقاء قاعدة عسكرية كبيرة واستفزازية تم إنشاؤها من جانب واحد في عمق الداخل العراقي في زيلكان. وتُظهر الضربات الصاروخية الأخيرة على القنصلية في الموصل أن هذه القاعدة وسياسة التوغل المتهورة التي تمثلها تضران بتركيا – ناهيك عن إضرارها بالمصالح العراقية والأمريكية. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يغيب عن بال واشنطن المبررات التركية لانتهاج هذا السلوك. ففي النهاية، لا يمكن للولايات المتحدة أن تقبل بأن توسّع منظمة إرهابية أجنبية شبكة قواعدها على بعد 32 أو 80 أو حتى 160 كيلومتراً عن أرضها، أو أن تكف عن اتباع استراتيجية أثبتت نجاحها في مكافحة التمرّد (على الأقل من الناحية التكتيكية).

وتشير هذه المعضلة إلى ضرورة قيام واشنطن بتجديد مساعيها المتعددة الأطراف لمنع تصعيد أعمال العنف بين تركيا و«حزب العمال الكردستاني» بطريقة تمنح أنقرة بعض التطمينات بشأن أمن الحدود. ويمكن لواشنطن أن تستفيد من المشاركة كطرف في أي حل عراقي – تركي ومن مساعدة بغداد على اكتساب الفضل بحصولها على تنازلات من أنقرة، بما يشمل بشكل مثالي إعادة انتشار واضحة بعيداً عن زيلكان. وبخلاف ذلك، ستواصل الميليشيات المدعومة من إيران تصوير نفسها كالجهات الوحيدة التي تدافع عن سيادة العراق.

 

.

رابط المصدر:

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/hrb-trkya-fy-shmal-alraq-balarqam

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M