- لم يَعُد خفض واردات النفط الصينية مجرد ردّ فعل مؤقت على أزمة الخليج وإغلاق مضيق هرمز، بل يكشف قدرة بيجين على إدارة الطلب عند مستويات أدنى لفترة زمنية مُمتدة.
- استخدمت الصين أدوات تدخل متعددة لخفض وارداتها النفطية، تشمل: خفض تشغيل المصافي، وتقييد/تحرير صادرات الوقود، ودعم مصافي شاندونغ، والاعتماد المحدود على المخزونات التجارية، وتجنُّب السحب من الاحتياطي الاستراتيجي.
- أصبح الانخفاض في واردات النفط الصينية مدعوماً بتحول هيكلي داخلي، خصوصاً تسارُع انتشار السيارات والشاحنات الكهربائية، وتراجُع دور البنزين والديزل في نموذج النمو الصيني الجديد.
- يُعدّ قطاع البتروكيماويات الصيني الحلقة الأكثر تضرراً من تخفيض واردات النفط؛ إذ يُعاني من نقص النافتا وغاز البترول المسال، بينما يُوفِّر الفحم بديلاً جزئياً لكنَّه غير قادر على تعويض كامل الفجوة بسبب القيود اللوجستية، والفوارق في جودة المنتج ومدى ملاءمته للتكامل الصناعي.
- سيستقر الطلب الصيني المستقبلي غالباً دون مستويات ما قبل الأزمة، مع واردات مُرجَّحة بين 8 و9 ملايين برميل يومياً في الظروف العادية، وقد ترتفع مؤقتاً إذا انخفضت الأسعار ودخلت الصين موجة تخزين استراتيجية جديدة.
منذ اندلاع الحرب الإيرانية في فبراير 2026، وما تلاها من إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، أقدمت الصين على خفض جذري في وارداتها النفطية، بصورة فاجأت أسواق الطاقة العالمية وأربكت المحللين. فبعد معدل استيراد بلغ 11.5 مليون برميل يومياً على مدار خمس سنوات، تراجعت الواردات إلى نحو 8 ملايين برميل يومياً منذ أبريل، وهبطت الشحنات في يونيو بنسبة 40% تقريباً من مستوياتها قبل الحرب. وفي يوليو، ارتفعت واردات الصين من النفط الخام مرة أخرى بنسبة 23% على أساس شهري لتصل إلى 7.2 مليون برميل يومياً، وذلك مع وصول شحنات كانت قد أُرسلت في خلال فترة وجيزة من وقف إطلاق النار في إيران إلى الموانئ الصينية.
وتدفع حالة عدم اليقين المستمرة في مضيق هرمز شركات التكرير الصينية للعودة إلى النفط الخام الروسي، في ظل شح البدائل المتاحة. كما تفرض الاضطرابات المتصاعدة في البحر الأحمر ضغوطاً إضافية، وهو ما دفع كبار الشركات المالكة للناقلات الصينية إلى تقليص استخدام ناقلات النفط الخام العملاقة في هذا المسار، والاتجاه إلى تحميل شحنات الخام من مواقع خارج الخليج. وقد أسهم هذا التراجع الحاد في كبح جماح الأسعار العالمية، وساهم في تحرير شحنات استفادت منها دول أخرى. على سبيل المثال، تراوحت أسعار خام برنت حول 100 دولار، بدلاً من الـ200 دولار التي توقعها محللون في بداية الأزمة.
الخطوات العملية التي اتخذتها بيجين
كَثُر النقاش حول “الخط الأحمر” لواردات النفط، وهو الحد الأدنى الذي لا تقبل الحكومة الصينية بالنزول عنه. وهذا الحد الأدنى للواردات ليس رقماً ثابتاً، بل مجموعة أدوات متشابكة تملكها الحكومة وتجمع بين خفض معدلات تشغيل المصافي، وإدارة مزيج المنتجات النفطية وفق الأولويات المرحلية، وسياسة السحب من المخزونات التجارية أو الاستراتيجية.
وفي مارس، خَفَّضت مجموعة سينوبك المملوكة للدولة معدلات تشغيلها بشكل استباقي بأكثر من 10%، تحسُّباً لتوقف الإمدادات، وحوَّلت تركيزها الإنتاجي لصالح المنتجات النفطية بدلاً من الكيماويات والبوليمرات، استجابة لتوجيه الحكومة ولضعف هوامش أرباح الكيماويات أصلاً نتيجة ارتفاع أسعار النفط الخام. وفي الوقت ذاته، وجَّهت الحكومة مصافي شاندونغ المستقلة الصغيرة (أباريق الشاي) إلى الحفاظ على إنتاجها من البنزين والديزل عند مستويات عامي 2024-2025. وشمل هذا التوجيه منح هذه المصافي الصغيرة حصص استيراد إضافية مقارنة بالمصافي الكبيرة، بلغت حوالي 55 مليون طن متري بحلول منتصف عام 2026، لتمكينها من شراء النفط الخاضع للعقوبات الذي لا تستطيع الشركات الكبرى شراءه، خصوصاً النفط الإيراني المخفض، وتعويض التراجع في الإمدادات الخليجية.
وعلى رغم توفُّر مخزونات استراتيجية ضخمة، تُقدَّر بين حوالي 1.1 و1.3 مليار برميل، رفضت بيجين (أقلّه إلى الآن) السحب منها، واكتفت بالسماح بالسحب من المخزونات التجارية فقط. ومع ذلك، لم تلجأ المصافي للسحب الكبير من المخزونات التجارية، وفق بيانات كبلر. وتُشير هذه البيانات إلى أن المخزونات ظلت عند مستويات ما قبل الحرب أو أعلى منها حتى شهر مايو.
فضلاً عن ذلك، فرضت الحكومة في مارس حظراً على تصدير الوقود المكرر للحفاظ على الإمدادات المحلية، قبل أن ترفعه جزئياً نهاية أبريل، ثم عادت ورفعت القيود بالكامل في يوليو، مع احتمال إعادة فرضها في أغسطس إذا استأنفت الولايات المتحدة وإيران القتال. وتعود هذه الإجراءات إلى ثلاثة عوامل:
أولاً، بنَت الصين مخزوناتها الاستراتيجية استناداً إلى أسعار منخفضة بين عامي 2023 و2025، تراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل، ما يجعل الشراء بأسعار مرتفعة في خلال الحرب (95-110 دولارات للبرميل) خسارة كبرى.
ثانياً، جزءٌ كبيرٌ من تراجع الطلب لم يكن ظرفياً، وإنما امتداداً لمسار بنيوي ومستمر لسنوات. فقد مثَّلت السيارات الكهربائية نسبة 62.9% من مبيعات السيارات الجديدة بالصين في خلال شهر مايو، وهو ما ساهم في تقليص الطلب على البنزين بنحو 430 ألف برميل يومياً، بعدما كانت الكهرباء قد بلغت أصلاً 27.4% من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة في البلاد.
ثالثاً، هناك عامل ذو بعد استراتيجي متصل بسعي بيجين لإثبات أن كل شهر تحافظ فيه على مستوى واردات منخفض يرسل رسالة لخصومها، خصوصاً الولايات المتحدة، تُقلِّص من فاعلية “سلاح الطاقة” في أي صراعات مستقبلية، خصوصاً حول تايوان.
كيف تتعايش الصين مع انخفاض حجم الواردات النفطية؟
لتقدير كيفية تمكُّن الصين من التعايش مع الانخفاض في حجم الواردات النفطية، ينبغي أولاً تقدير صافي احتياجات الصين من النفط عبر النظر إلى معدلات تشغيل المصافي الصينية. وفي هذا السياق، تستند الورقة، بناء على تقديرات وبيانات معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة، إلى سيناريوهين يعتمدان على ثلاثة متغيرات: معدلات المعالجة (من جانب الطلب)، والإنتاج المحلي والواردات عبر خطوط الأنابيب (من جانب العرض). وفيما يخص معدلات التشغيل، تفترض الورقة بقاء المعدلات عند متوسط السنوات الخمس (14.1 مليون برميل يومياً).
السيناريو الأول: خَفْض تشغيل المصافي بنسبة 10%
يَفترِض هذا السيناريو تراجُع طاقة تشغيل المصافي بنسبة 10%، مع افتراض الاعتماد على إنتاج نفطي محلي يبلغ حوالي 4.4 مليون برميل يومياً، وواردات نفطية من الأنابيب تبلغ حوالي 1.1 مليون برميل يومياً. في هذه الحالة يمكن أن تنخفض الواردات المنقولة بحراً، على الأقل نظرياً، إلى نحو 7.2 مليون برميل يومياً.
وفي حال تحقَّق هذا السيناريو، فستُجبَر المصافي على إعطاء الأولوية لإنتاج الوقود المخصص لوسائل النقل على حساب الوقود المخصص لتصنيع المواد البتروكيماوية، وهو ما يجعل هذا المستوى من التخفيض غير قابل للاستمرار لأكثر من بضعة أشهر. وفي سابقةٍ على تحقُّق هذا السيناريو، انخفضت معدلات التشغيل بأكثر من 10% لأربعة أشهر متتالية في خلال الإغلاق المرتبط يكوفيد-19، وهو ما يُظهِر أن استمرار هذا المستوى من الخفض لعدة أشهر ليس مستحيلاً، ولكنَّه يعكس اقتصاداً بالغ الضعف. وقد تبيَّن ذلك بالفعل في القفزة في الطلب خلال شهري يوليو وأغسطس مقارنة بشهر يونيو، إذ وصلت بالفعل إلى مستوى منخفض في يونيو (7.12 مليون برميل يومياً).
السيناريو الثاني: خَفْض تشغيل المصافي بنسبة 5%
يَفترِض هذا السيناريو الخفض المعتدل بنسبة 5%، والذي يعني معدل تشغيل نحو 13.4 مليون برميل يومياً، وهو ما يبدو أكثر قابلية للاستمرار لعدة أشهر. وهناك سابقة تاريخية لذلك، إذ سجلت الصين معدلات خفض مماثلة (4-5%) على مدار عامين كاملين بين 2022 و2024. وبافتراض إنتاج محلي متحفظ بحوالي 4 ملايين برميل يومياً وواردات عبر خطوط الأنابيب حوالي 0.9 مليون برميل يومياً، تبلغ الحاجة للواردات المنقولة بحراً نحو 8.5 مليون برميل يومياً، بينما قد تنخفض إلى 7.9 مليون برميل يومياً فقط إذا بلغ الإنتاج المحلي 4.4 مليون برميل يومياً وواردات الأنابيب 1.1 مليون برميل يومياً. وبذلك، يمكن أن تستمر الواردات البحرية عند مستوى قريب من 8 ملايين برميل يومياً لعدة أشهر دون الحاجة إلى سحب كبير من المخزونات أو العودة إلى السوق العالمية للشراء بأسعار مرتفعة. وقد وصل معدل الإنتاج إلى هذا المستوى بالفعل في خلال شهر يوليو، عند حاجز 8.41 مليون برميل يومياً، وهو ما يبدو أكثر ترجيحاً للاستمرار على المدى القريب.
قطاع الكيماويات ودور الفحم
يُمثِّل قطاع الكيماويات، وتحديداً النافتا وغاز البترول المسال، الحلقة الأكثر تضرراً من التخفيض في الواردات، إذ تأتي قرابة نصف واردات النافتا الصينية من منطقة الخليج عبر مضيق هرمز. وبلغ الطلب الصيني على النافتا في خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 2 مليون برميل يومياً، منها 0.5 مليون برميل يومياً واردات. لكن هذه الواردات انخفضت إلى النصف في مارس، واستمرت في التراجع في خلال شهري أبريل ومايو، وفق بيانات كبلر. وبلغ الطلب على غاز البترول المسال 2.7 مليون برميل يومياً في الربع نفسه، منها ما يقارب مليون برميل يومياً واردات.
وبلغ إجمالي التراجُع في واردات النافتا بين 0.2 و0.3 مليون برميل يومياً في خلال الربع الثاني (أي ما يعادل 18 إلى 27 مليون طن)، تزامنت مع تراجع مماثل في الإنتاج المحلي (18-27 مليون طن أخرى) إذا ما أخذنا في الاعتبار سيناريو خفض التشغيل بنسبة 5%. أما في سيناريو خفض تشغيل بنسبة 10%، قد يرتفع خفض إمدادات النافتا إلى 0.5 مليون برميل يومياً (نحو 45 مليون طن)، بينما قد يصل إجمالي العجز في غاز البترول المسال إلى ما بين 36 و54 مليون طن في خلال الربع الثاني، طِبقاً لسيناريوهات خفض التشغيل وأولويات المنتجات التي تركز عليها الحكومة (تصنيع وقود وسائل النقل أو المواد الكيماوية).
وفي هذا السياق، يبرز التحوُّل نحو الكيماويات المشتقة من الفحم بوصفه أداة مركزية لتعويض التراجُع. فقد أظهرت بيانات صناعية صينية أن استهلاك الفحم في قطاع الكيماويات بلغ نحو 220 مليون طن في خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2024، بزيادة 8.5% على أساس سنوي، مع توقعات بارتفاع إجمالي الاستهلاك السنوي بنحو 14%. ودخل هذا القطاع عام 2026 بمعدلات تشغيل مرتفعة، مع نمو ملحوظ في إنتاج الميثانول والأوليفينات ومادة PVC القائمة على كربيد الكالسيوم الفحمي، وجميعها تحقق هوامش ربح مرتفعة حالياً، بما يُرجِّح ارتفاع معدلات التشغيل مستقبلاً. وتُخطط الصين، في عام 2026، لإضافة 4.55 مليون طن من طاقة إنتاج البولي بروبلين و6.2 مليون طن من طاقة إنتاج البولي إيثيلين الجديدة، بعد تشغيل خطوط البوليمرات القائمة على الفحم بمعدلات مرتفعة نسبياً في مطلع العام، بفضل استقرار أسعار الفحم الذي يمنحها ميزة تنافسية مقارنة بالنفط وأسعاره المتقلبة.
مع ذلك، فإن قدرة الفحم على تعويض العجز بشكل كامل في قطاع البتروكيماويات تظل مُقيَّدة بعدة عوامل. فالطاقة الإنتاجية لتحويل الفحم إلى كيماويات تتمركز جغرافياً في شمال غرب الصين، بعيداً عن المراكز الاستهلاكية الساحلية، وهو ما يفرض تحديات لوجستية وتكاليف نقل إضافية، فضلاً عن فوارق في جودة المنتج ومدى ملاءمته للاندماج في سلاسل التكرير والبتروكيماويات القائمة في المراكز الصناعية الرئيسة.
فضلاً عن ذلك، من المستبعد أن تتنازل مصافي التكرير والبتروكيماويات المعتمدة على النفط بسهولة عن حصتها السوقية لمنتجي الكيماويات المنتجة من الفحم. لذلك، وبرغم قدرة هذا القطاع على تخفيف الضغط في قطع إنتاج الأوليفينات والأسمدة، من غير المرجح أن يُعوّض النقص في النافتا وغاز البترول المسال.
وهناك عامل حكومي مهم أيضاً. فالحكومة المركزية لم تصدر (حتى الآن) توجيه الطوارئ بتأمين الإمدادات “بأي ثمن” كما فعلت في خلال أزمة انقطاع الكهرباء الحادة في أكتوبر 2021، وهو ما يوحي بأن المسؤولين لا يزالون يعتقدون أن الأدوات المتاحة كافية لإدارة الأزمة دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية.
المحددات الهيكلية وراء تراجُع الطلب
أظهرت قدرة الصين في التحكم بمعدلات خفض الواردات النفطية تحولاً هيكلياً أعمق في نموذج النمو الصيني ذاته، وظهر ذلك في نجاح الانتقال من اقتصاد كثيف النفط معتمد على البناء والتشييد، ووسائل الشحن المعتمدة على الديزل، والسيارات ذات محركات الاحتراق، إلى اقتصاد كثيف الكهرباء تُمثِّل فيه محركات نمو حديثة، من قبيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ومصانع الرقائق، والسيارات الكهربائية، والروبوتات، العمود الفقري للنظام الاقتصادي الجديد.
ويأتي معظم إنتاج الكهرباء في الصين من الفحم والطاقة الشمسية والرياح والمياه والطاقة النووية، بينما يُشكِّل النفط حوالي 0.1% فقط من إجمالي توليد الكهرباء في الصين. ومن ثمَّ، فقد أصبح النفط، من منظور استراتيجي صيني، مُحرِّكاً اقتصادياً قديماً يُدار عبر التقليص والتخزين والسياسات السعرية لتحقيق أكبر استفادة ممكنة، لكنه لم يعد عاملاً مُقيِّداً للنمو.
ويتوقَّع محللون تراجعاً دائماً في الواردات النفطية الصينية يتراوح بين مليون ومليوني برميل يومياً مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، وذلك لسببٍ جوهري. إذ كشفت الحرب عن قدرة منظومة النقل الصينية على العمل بكميات وقود أقل مما كان متوقعاً، مع تسارُع مسار كهربة قطاع الشحن الثقيل. وأعلنت وزارة النقل الصينية في منتصف يونيو عن خطة تستهدف تحقيق أكثر من 80% من التحول الكهربائي على مسارات النقل القصيرة والثابتة في المناطق الرئيسة بحلول عام 2030، إلى جانب رفع نسبة الشاحنات الثقيلة الجديدة إلى 40% من السوق.
وتشير توقعات وكالات وقود الطاقات ومؤسسات البحث مثل “ريستاد إنيرجي” إلى أن الطلب الصيني على وقود النقل مثل البنزين والديزل يُسجِّل تراجعاً هيكلياً مستداماً بنسبتي 6.6% و6.9% على التوالي، مقارنة بتقديراتها السابقة للحرب التي جاءت عند حوالي 3.5% و3%. بمعنى أن الأزمة كانت بمنزلة الشرارة التي عززت ثقة المستهلكين الصينيين في السيارات والشاحنات الكهربائية.
الطلب الصيني على المدى الطويل
على المدى الطويل، يظل مستقبل الطلب الصيني على النفط مرهوناً بعاملين رئيسين: عودة الاستقرار إلى إمدادات الخليج من جهة، ومصير سياسة تقييد صادرات الوقود من جهة أخرى. فمن دون إعادة فتح مضيق هرمز سيظل عدم الاستقرار مهيمناً على صادرات دول الخليج للصين. إلى جانب ذلك، إذا لم يتمكن المصدرون الصينيون من تصدير فائض البنزين والديزل ووقود الطائرات، لن يكون أمام أصحاب المصافي حافز كبير لزيادة مشترياتهم من النفط الخام أو رفع معدلات التشغيل. وقد رفعت بيجين قيود التصدير في يوليو، لكنها قد تُعيد فرضها لاحقاً إذا ما تجدَّدت الاشتباكات في الخليج.
في الوقت نفسه، من المرجح عودة الصين إلى مسار الشراء الكثيف بغرض ملء مخزونها الاستراتيجي إذا تراجعت الأسعار دون مستوى 70 دولاراً للبرميل، في مسار مشابه لما قامت به في خلال موجة الشراء المكثف عام 2025 ومطلع العام الحالي، إذ تراوحت أسعار خام برنت بين 58 و83 دولاراً. ويرى محللون من “سبارتا كوموديتيز” أنَّه على الرغم من استمرار تراجُع الطلب الهيكلي، فإن الصين ستواصل استيراد كميات إضافية من النفط لتغذية احتياطاتها الاستراتيجية، بحيث يؤدي ذلك إلى استقرار الواردات الشهرية بين 8 و9 ملايين برميل يومياً بعد عودة الاستقرار إلى الخليج، فيما قد ترفعها موجة تخزين جديدة إلى نطاق يتراوح بين 9.5 و11 مليون برميل يومياً.
استنتاجات
لا يبدو خفض الطلب الصيني استجابة ظرفية لأزمة الخليج، بل مؤشراً على تحوُّل أعمق في موقع النفط داخل نموذج الأمن الاقتصادي الصيني. فبيجين تُحوِّل الأزمة القائمة إلى اختبار عملي لقدرتها على إدارة اقتصادها عند مستوى أدنى من الاعتماد على الواردات المنقولة بحراً، مستندة إلى كهربة النقل، ومرونة تشغيل المصافي، وتوظيف المخزونات وسياسات التصدير بوصفها أدوات ضبط لا أدوات طوارئ فقط.
ويمكن القول إن الطلب الصيني لن يعود غالباً إلى مستويات ما قبل الأزمة إلا في حالات انخفاض الأسعار أو تجديد التخزين الاستراتيجي، بينما سيستقر في مسار أكثر انتقائية وحساسية للمخاطر الجيوسياسية. وقد يفرض هذا التحول على الدول المُصدِّرة للنفط، ولاسيما في الخليج، إعادة تقييم رهاناتها على السوق الصينية؛ عبر تنويع منافذ الطلب، وتعزيز الشراكات في البتروكيماويات والطاقة منخفضة الكربون، وتطوير ترتيبات أمن إمدادات أكثر مرونة، بدلاً من افتراض استمرار الصين كمصدر نمو تلقائي ومستقر للطلب النفطي العالمي.