دور القيادة في صناعة السلام أو تفجير النزاعات

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

(وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) الأنفال46-47

لماذا يتنازع الناس في كل صغيرة وفي كل كبيرة؟ لماذا يتصارعون هؤلاء البشر، ولا ينظرون إلى عواقب هذا التصارع ومخاطر هذا التنافر؟ ولماذا يستمرون فيها مهما كانت النتائج التي تحدثها؟

فهم يستمرون بالمنازعات حتى لو أدت بهم إلى الفشل، والخسارة والدمار، ومع ذلك يبقون يتحاربون ويتصادمون، أليس الإنسان بكائن عاقل، ألا يجعله العقل يفكر ويذهب نحو التسالم والتفاهم والتصالح مع الآخرين؟ أليس السلام هو انبثاق من العقل؟

عندما نبحث عن موضوع الاعتدال، سوف نجد أن طريق الاعتدال والسير في الطريق المستقيم يؤدي إلى طريق السلامة، وكذلك فإن السير في طريق السلام يؤدي إلى الاعتدال، فهذه قاعدة متفاعلة متصاعدة، بين السلام والاعتدال، وكذلك فإن التطرف يؤدي إلى الخصومة وإلى الصراع والجدال، وإلى التنازع والتصارع الذي يؤدي بدوره إلى إنتاج المزيد من التطرف والمزيد من الغلوّ.

ما هي وظيفة العقل والتعقّل؟

من معادلات الحياة أن يفكر الإنسان العاقل في القواعد الصحيحة للنجاة، ومن أهمها الصبر، والبحث عن المخرجات السليمة من خلال أداء وظيفة العقل وممارسة التعقّل.

لأنه ان لم يفعل سوف يفشل بالتنازع، لكن الصبر يؤدي به إلى النجاح بسبب التأني. وعدم التعجّل في إصدار الأحكام، والاسراع في الصدام مع الآخرين، والتنازع من أجل إثبات الذات أو إغتنام المكاسب.

ما هي أسباب الصراع والنزاع فيما بين البشر؟

أولا: اختلاف الرؤية للأمور

حيث ينشأ الصراع والنزاع من اختلاف الرؤية للأمور، أي تختلف الرؤية للأشياء بين الناس، فكل إنسان له رأي معين، ومن هنا تنشأ قضية الجدال والتعصب، لأن الإنسان لا يعرف كيف يتحاور مع الآخر ولا كيف يعبر عن رؤيته لكثير من القضايا والأشياء في الحياة، فيتصادم مع الآخرين لعدم قبوله بمبدأ التعددية والتنوع والتعايش مع الآخرين.

لكن اختلاف الرؤية قضية طبيعية في الحياة، بحيث تجعل هذا الاختلاف أمرا طبيعيا لا يؤدي إلى التصارع والتصادم بين البشر، وهذا هو المهم.

(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين)َ الروم 22

ثانيا: تصادم الأفكار

عندما تصبح الأفكار ضدّان متناقضان أحدهما يقصي الآخر، فسوف تتحول هذه الأفكار إلى أيديولوجيات متحجرة تؤدي إلى التصادم، وعدم وجود مرونة في هذه الأفكار، لكن الأفكار تحتاج دائما إلى مرونة، لأن المرونة تعطي للأفكار إبداعا وابتكارا وقدرة على التفاهم والنمو والتطور والتقدم.

والإنسان المفكر هو الذي يمارس التفكير الناجح في حياته ولا يكون متصلّبا ولا متحجرا في تفكيره على أفكار معينة، فالأفكار متغيرة والإنسان لابد أن يتقدم ويتطور في حياته، فعندما تكون الأفكار متصلبة، تصبح أيديولوجية وفيها تعصب اعمى.

(وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ) النمل 81

وبالنتيجة تؤدي إلى تصادم الأفكار، وتصبح هذه الفكرة مقدسة جدا إلى أبعد حد وهي لا تمتلك قداسة لأنها تنبع من نفس الإنسان، فلابد لهذا الإنسان أن يكون متأنيا بالصبر، ويستمع إلى الرأي الآخر، ولا يكون فاشلا، فاستمع له وتمعّن بما يقول حتى تسير في طريق الاعتدال وطريق التفاهم والتعايش مع الآخرين.

ثالثا: تعارض المصالح يؤدي إلى المنازعات

التعارض الذي يحصل فيما بين البشر وفيما بين الجماعات وفيما بين المجتمعات وفيما بين الدول، يؤدي إلى التصادم والتصارع والتنازع عندما يغيب الاتفاق والتفاهم والتوافق فيما بين هذه المصالح، فالمصالح والأهداف المترتبة عليها تبحث في جانبها التعقلي والعقلاني عن التصالح، لا يمكن لمصالح حقيقية تنبعث من إدراك العقل ومخرجاته السليمة لبقاء مصلحة صاحب المصلحة نفسه، لا يوجد فيها فكرة أو طريق أو سير نحو المصالحة والتصالح مع الآخرين.

فالجميع عنده مصالح، ولنفترض أن مصالح الجميع متعارضة، ماذا يحصل؟، سوف يحصل التنازع الشديد على كل شيء وفي كل صغيرة وكبيرة، ويعد هذا من أسباب حدوث المعارك والحروب الكبيرة التي تنشأ فيما بين البشر، لذلك فإن التصالح بين المتعارضين مهم من خلال الاتفاق، الذي يؤدي إلى حماية مصالح الجميع، من خلال التوافق والتراضي وبعض التنازل الذي يعبر عنه بالصبر، فالصبر يؤدي إلى مصالحة حقيقية فيما بين الناس، كما جاء في الآية القرآنية، ويؤدي إلى ضمان المصالح للجميع.

رابعا: هيمنة الجدال على الحوار

يوجد في ذات الإنسان نوع من النرجسية، ونوع من حب الظهور، والاستعلاء، والتكبر، التجبر، الحسد، وإثبات الذات بأي طريقة كانت، هذا الشعور بالنقص الموجود في داخل الإنسان يحاول أن يتغلب به على الآخرين، ليس من خلال المنطق والتفاهم والحجة والاستدلال العقلي، وإنما من خلال منطق الجدال والمراء.

بالنتيجة وكما ذكرنا سابقا في بحث المغالطة، يريد أن يثبت نفسه انه على حق وإن كان باطلا، وهذا يؤدي بالنتيجة إلى التصارع، وإن كان يعرف بنفسه إنه على باطل، لذلك عندما يتغلغل الجدال في الحوار ويهيمن عليه سوف يؤدي إلى التصارع، بينما الحوار هو منطق العقل، لأن الهدف من الحوار هو البحث عن القواسم المشتركة، والبحث عن طريقة للتفاهم ومن ثم التوصل إلى نوع من الاتفاق.

(الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) غافر 35.

خامسا: صعود ثقافة العنف في المجتمع

من أسباب حدوث التنازع والتصارع بين البشر، وجود العنف في نفس الإنسان، بحيث يشكل مشكلة في نفس الإنسان، بسبب التربية العنيفة على الأسلوب الصدامي، فعندما يكون عنده عنف نفسي وقلبي، كلامي وجسدي سوف يصبح ثقافة راسخة، متصلبة عند هذا الإنسان، وبالتالي لا يستطيع التفاهم مع الآخرين ولا يستطيع أن يتعايش معهم، فيستخدم العنف ضد الآخرين باستمرار من خلال التهمة والتسقيط والكراهية والحقد والحسد، وحتى التصادم الجسدي مع الآخرين في كثير من الأحيان.

وعندما يتربى الإنسان على هذه الثقافة، فسوف تصبح مشكلة كبيرة في بعض المجتمعات حيث لايعرف التسالم، ويفتقد ثقافة السلام والتفاهم، في حين أن التربية على السلام والتفاهم المتبادَل هي تربية استراتيجية بعيدة المدى، لصناعة إنسان سليم وصحيح تقود الى الاستقرار والسلام الاجتماعي.

سادسا: سوء الظن بالآخر

حين يتربى الإنسان على سوء الظن بالآخر، فإنه سوف يشكك دائما بالآخرين، ولا ينظر للآخرين نظرة سليمة في الحياة، ولا ينظر إلى صحة أعمالهم وأفعالهم، ودائما يشكك بهم، ويمارس التسقيط والتهمة والغيبة ضدهم، فهو يحمل صورة نمطية عن الآخرين، ولهذا فإن الذي تتكون عنده صورة نمطية عن الآخرين ولديه سوء الظن بهم، فإنه يكون دائما في حالة وصدام مع الآخرين.

صور نمطية تشكلها الأوهام المتراكمة

من الأمور العجيبة أن هذا الشيء يحدث حتى في العائلة الواحدة، يسيء الظن بأخيه وهما من أب واحد، يسيء الظن بأبيه، ويسيء الظن بابنه، ويسيء الظن بأقاربه، فسوء الظن هذا سوف يقطع الأرحام، ويقطع التواصل بين الأقارب، بسبب صورة نمطية في ذهنه تشكلها الأوهام، فحين يتعرض الإنسان إلى الوهم مرة، ولا يمحو هذا الوهم ويبدد وساوس الشيطان، فسوف يبقى هذا الوهم راسخا في لا وعيهِ، وهذا اللاوعي يستقبل وهما آخر لهذا الوهم.

وهكذا تتراكم الأوهام وتؤدي إلى تشكيل صورة نمطية غير صحيحة داخل الإنسان، صورة نمطية سيئة، صورة قائمة على سوء الظن بالآخرين، وبالنتيجة فإن الفرد أو المجتمع المصاب بسوء الظن بالآخر، دائما يكون أفراده متصادمين متنازعين مع الآخرين، ولا يستطيعون التعايش والتفاهم واستخدام ثقافة الصبر مع الآخرين.

استخدام ثقافة الصبر

لا تستعجل في الحكم على الآخرين، كنْ صبورا، تبيَّن، اذهبْ، حقّقْ، استدلْ، لا تحكم على الآخرين بصورة مباشرة، الصبر فضيلة جميلة، من أكبر وأعظم الفضائل عند الإنسان، لأنها تجعله محطة لكل الفضائل الأخرى، فالصبور لا يتعجّل، وكل الرذائل أو معظم الرذائل تنشأ من خاصية التسرع في الحكم على الآخرين.

فتستوطن هذه الرذائل داخل الإنسان وفي نفسه، وتستوطن البشر عندما يحكمهم الاستعجال، والتسرع وبالتالي سوء الظن بالآخرين.

بالنتيجة عدم فهم الآخرين وعدم القدرة على التعايش مع الآخرين في قضية التنازع والتصادم، يعبر عن عدم وجود ذلك النضج الإنساني العاقل عند الإنسان كما ذكرنا ذلك سابقا، فالإنسان العاقل هو كائن اجتماعي، لا يستطيع أن يعيش من دون الآخرين، لا يمكنه ذلك، لابد أن يعيش مع الآخرين حتى يتكامل معهم، وحتى يتعايش وينضج بالحوار والتفاهم معهم.

وهذه هي ثقافة الإنسان الناضج العاقل، ولكن الإنسان المتنازع والمتصارع، نجده يعيش لوحده دائما ولا يعيش مع المجتمع، لذلك فهو يكون فاشلا دائما في حياته، ودائما يكون مستنزَفا، قلِقا متوتِّرا، هذه هي طبيعة الإنسان المتنازِع، لذلك تقول الآية القرآنية: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، ومفردة ريحكم هنا هي تعبير عن القوة، وعن اسباب النجاح والتقدم في الحياة، والريح هي البركة والخير الذي يأتي للإنسان. لذلك يحتاج الإنسان إلى الصبر حتى يستطيع أن يحقق ذلك النجاح المطلوب في حياته.

وفي تحليل أعمق حول أسباب الوقوع في التنازع، هناك ثلاث نقاط مهمة لابد أن ننظر إليها وهي:

أولا: غياب المعايير والقواعد التي يُرجَع إليها في تشخيص الحق، وتمييز الحق من الباطل.

ثانيا: وجود التحكيم المنصف في النزاعات فيما بين البشر.

ثالثا: العوامل النفسية والذاتية التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

وفي مقالنا هذا سوف نبحث النقطة الأولى.

النقطة الأولى: غياب المعايير والقواعد التي يُرجَع إليها في تشخيص الحق

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) النساء 59.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا) النساء 60.

الآيتان القرآنيتان تعبران عن ضرورة وجود المعايير في عملية مواجهة النزاعات، فعندما تغيب المعايير والقواعد الأساسية تندلع النزاعات والصراعات فيما بين الناس، فكيف يمكن أن نفهم من الآيتين القرآنيتين هذا المعنى وكيفية استنباط المعايير التي تؤكد عليها؟

أولا: القيادة ومفهومها ونوعها

القيادة في مفهومها ونوعها جوهرية في عملية إدارة النزاعات، وحلها، وأهم القواعد والمعايير التي تقوم عليها هذه القيادة هي كفاءة ونزاهة ومهارة هذه القيادة، فعندما تكون القيادة جيدة وحكيمة وكفوءة ونزيهة وطاهرة، وتمتلك الأسس التي تنبعث من الحق في مواجهة الطاغوت والباطل، فهذه القيادة سوف تؤسس وترعى قواعد ومعايير سليمة تنبثق من الحق المطلق لله سبحانه وتعالى، وعلى العكس من ذلك إذا كانت القيادة سيئة ومنبعثة من المستبد والطاغية والظالم والمنحرف والضال الذي يحكم بالباطل ويكون ملوثا بالفساد والشرور، فإنه يؤسس لقواعد انتهازية غير أخلاقية قائمة على المنفعة لشخصه ولجماعته وبطانته.

ثانيا: مفهوم الطاعة بين الإكراه والإقناع

ما نفهمه من الآية الكريمة أعلاه إن الطاعة تعني أن الإنسان يؤمن بالقيادة، يؤمن بالله سبحانه وتعالى، ويؤمن برسوله وأولي الأمر منكم، فهو يؤمن بهم من خلال اختياره وفهمه وإيمانه وتعقله وتمسكه الوثيق بهذه القيادة، هذا هو معنى الطاعة التي لن تأتي من الإكراه والإجبار، بل تأتي من اختيار الإنسان المتعقل، لذلك فإن الإكراه ضد الطاعة، وهذا يعني: التزموا بهم التزاما تعقليا تفكريا تدبرّيا إيمانيا ويقينيا بهذه القيادة التي سوف تقودكم إلى سبل الأمان وتقف أمام تفاقم النزاعات وتقوم بمعالجتها.

ثالثا: الإيمان بعواقب الأمور

ما نفهمه من هذه الآية القرآنية هو الإيمان بعواقب الأمور، منبثقة من القرارات والاختيارات الصحيحة، كما تقول الآية القرآنية: (فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخِر)، فالإنسان المؤمن هو الذي ينظر إلى عواقب الأمور، ولا يتنازع مع الآخرين، وهو الذي يعرف أن قراراته واختياراته في الحياة لها جزاء من عقاب أو ثواب، هذا هو التفكير العاقل.

لذلك فإن هذه الآية القرآنية تعني أن الطاعة للقيادة التي سوف تحل النزاعات والمشكلات، تؤدي إلى معرفة الإنسان بعواقب الأمور، وبالنتيجة يتجنب الدخول في اتخاذ اختيارات وقرارات سيئة تؤدي به إلى العقاب، لذلك فإن هذا الإنسان المتعقّل المطيع لهذه القيادة يبحث عن خيارات وقرارات جيدة في حياته لكي تعود عليه بالثواب في حياته. ومن ثم تعطيه القدرة على أن يختار حياته بصورة صحيحة.

رابعا: فهم القواعد والمعايير بصورتها الصحيحة

ونعني بها المعايير الحقيقية دون تحريف يمارسه الطغاة المضللون، الذين يحرفون الكلام عن مواضعه، بحسب مصالحهم وأهوائهم الشخصية، وكما تقول الآية القرآنية: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)، بأن ينبذ الإنسان ويرفض الالتزام بالقواعد والمعايير التي وضعها الطاغوت الظالم.

لابد للإنسان أن يقف أمام هذا التضليل الذي يقوم به الطاغوت والظالم، ولا ينساق وراء أوامره ولا يذعن له، ويرفض هذه المعايير التي تؤدي إلى اندلاع النزاعات والمشكلات فيما بين البشر، فالنزاعات يصنعها الطواغيت، وخصوصا الطاغوت الذي يربض في داخل الإنسان.

وهذا الطاغوت الذي يقوم بحكم الناس بمعايير غير سليمة وغير صحيحة، فإن ذلك كله يؤدي إلى تأجيج النزاعات والصراعات فيما بين البشر.

أولي الأمر هم الأئمة المعصومون

ونأتي هنا لنتناول قضية مهمة جدا نجدها في هذه الآية القرآنية: ومن هم القادة (ومن هم أولي الأمر منكم)، حيث جاء في تفسير مجمع البيان: (وأما أصحابنا فإنهم رووا عن الباقر، والصادق عليه السلام أن أولي الامر هم الأئمة من آل محمد، أوجب الله طاعتهم بالاطلاق، كما أوجب طاعته، وطاعة رسوله، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الاطلاق إلا من ثبتت عصمته…).(1)

وهذه الآية القرآنية تؤكد على أن الإنسان لا يمكن أن يرجع إلى غير الإنسان الطاهر المعصوم، حيث تقول الآية: (فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر)، وكيف يقول تعالى (وأطيعوا الله وألي الأمر منكم) إذا لم يكونوا طاهرين ومنزّهين عن الخطأ، ويمثلون القيادة السليمة الطاهرة النزيهة، في مقابل القيادة الأخرى المنحرفة الطاغوتية التي لا توجد فيها نزاهة ولا طهارة.

فهذه الآية تؤكد على أن القيادة هي قيادة أهل البيت (عليهم السلام) المعصومة، هذه القيادة هي التي تؤدي إلى وضع المعايير الصحيحة والقواعد السليمة للتعايش فيما بين البشر، والعيش بصورة سليمة وصحيحة.

نزع أغلال الكراهية من قلب الإنسان

ارجعوا إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام)، واقرأوا هذه الروايات العظيمة، ستجدون ذلك التراث الكبير الهائل الذي يؤسس لحياة متعايشة متصالحة سعيدة مستمرة ومستدامة، وقائمة على التفاهم والتواضع، وعلى حب الآخرين، وعلى أن (يحب الإنسان لغيره ما يحب لنفسه وأن يكره لغيره ما يكره لنفسه)، هذه هي قواعد الإنصاف وقواعد العدالة عبر قلع الكراهية من القلوب كلها أكد عليها أهل البيت (عليهم السلام) لإبعاد الإنسان عن المشكلات ونزع أغلال التنازع والكراهية من قلب الإنسان.

إن سيرة أهل البيت (عليهم السلام) وتراثهم، قائم على المصالحة والتصالح والتسالم، والانسجام فيما بين البشر، (وأحسن تأويلا) فهم الذين يؤوّلون القواعد والمعايير بصورة صحيحة تأويلا مطلقا، التأويل الأحسن، التأويل الأفضل، التأويل الذي يرتبط بالله سبحانه وتعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله)، فيكون التأويل سالما نزيها يواجه التنازع، ولا يترك أي مكان للتنازع فيما بين البشر، (ذلك خير) خير تعني هنا مطلق في عدم وجود الشر.

فبعض الحكام المنحرفين المضلَّلين يقومون بتأويل القرآن بحسب ما يشتهون، لإرضاء أنفسهم وحماية مصالحهم من الناس الآخرين، وبالنتيجة حماية الطاغوت الحاكم، وهكذا تنشأ النزاعات والصراعات فيما بين الناس نتيجة لعدم وجود قواعد رصينة سليمة يلجأ إليها البشر.

ولكن القواعد الموجودة اليوم في كل المجالات، في السياسة، في الاقتصاد، في القضاء، في الاجتماع، في قواعد العلاقات بين الدول، تنطوي على جدلية مستفزة تؤدي إلى التنازع.

يُفترَض بالإنسان العاقل، عندما يكون له عقل وتعقّل، أن يضع قواعد غير قابلة للتنازع، وليست قواعد جدلية، بينما نلاحظ أن هؤلاء يضعون قواعد جدلية، البعض يسمّيها بالألغام من أجل أن يفجر النزاعات فيما بين أفراد المجتمع. وهذا التنازع والتصادم فيما بين المكونات الاجتماعية يؤدي إلى انتشار الفساد وقوة الفاسدين وقوة الظالمين وحماية حكم الطاغوت.

فلا توجد قواعد سليمة لدرء النزاعات، وسوف نؤكد في مقالنا القادم، على أهمية المعايير والقواعد التي وضعها أهل البيت (عليهم السلام)، من أجل اقتلاع النزاعات والحد من الصراعات وقيادة البشر نحو السلام والتفاهم والتعايش.

وللبحث تتمة…

 

المصدر : https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/37789

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M